وزراء "يعصون" الحكومة ويُواجهون التقشف بالتبذير!
22-01-2016, 09:53 PM
سميرة بلعمري
رئيسة تحرير جريدة الشروق اليومي
رغم حالة التقشف المعلنة ضمنيا منذ نحو سنة، ورغم تعليمات الرئيس بوتفليقة بوقف التبذير وحظر اللجوء إلى إعادة تقييم المشاريع، كشفت تقارير حديثة أن التبذير ما يزال قائما ومعظم الدوائر الوزارية لجأت بشكل مفرط إلى إعادة تقييم رخص البرامج، وتعرضت عمليات التجهيز تحديدا إلى عدة تعديلات خلال السنة، تعلقت بكلفة ومضمون المشروع وجعلت نسبة إعادة تقييم بعض المشاريع تصل إلى ما بين 450 و532 بالمائة، إما بسبب إهمال الدراسات المسبقة للمشاريع، وإما لإقرار برامج تفوق قيمة الرخص وأحيانا بسبب سوء تسيير الآمرين بالصرف رغم التعليمات.
وحسب تقارير حديثة أحيلت على الحكومة وتقاطعت إلى حد بعيد مع تقرير مجلس المحاسبة، فإن صرف المال العام الذي رفع لأجله الوزير الأول عبد المالك سلال ضرورة الترشيد يعاني أحيانا من التبذير ولو "بحسن نية" يتعلق الأمر بإعادة تقييمات لمشاريع تجهيز كلفت الخزينة ملايير إضافية، ويتعلق الأمر على وجه الخصوص بوزارة المالية المعني رقم واحد بترشيد إنفاق أموال الجزائريين، حيث أحصى التقرير 11 عملية تجهيز مسجلة في حساب عدد من المديريات منها المديريات العامة للجمارك، المحاسبة وللميزانية والاستشراف والإدارة المركزية للوزارة، تراوحت نسبة إعادة التقييم بالنسبة لبعضها ما بين 450 و532 بالمائة، أي أن المبلغ يتزايد بـ500 بالمائة.
ويشير التقرير إلى أن بعض عمليات إعادة التقييم التي تمت بعد سنة 2010 لم تعر تعليمة الوزير الأول المؤرخة في 22 جوان 2010 أي اهتمام، رغم أنها الإطار التنظيمي الذي يلزم الآمرين بالصرف باقتراح إلغاء أو إعادة هيكلة العملية بعد تقييم طلب إعادة التقييم .
ويقدم التقرير أدلة بلغة الأرقام، فيؤكد أنه على مستوى وزارة الصيد البحري قدر مبلغ التقييمات المعادة بـ 1200 مليار سنتيم، وهي تمثل رفع قيمة رخص البرامج الأولية المقدرة بـ679 مليون دينار إلى مبلغ 1.800 مليار دينار، أي بزيادة بنسبة 179 بالمائة وتخص عمليات تجهيز تندرج في إطار البرنامج التكميلي لدعم النمو وحده، وبعض رخص البرامج المتعلقة بعدد من العمليات خضعت لإعادة التقييم بنسبة تتراوح ما بين 107 و245 بالمائة.
وفي إطار برنامج دعم النمو الاقتصادي يكشف التقرير أن وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات سجلت 346 عملية منها 190 عملية تم تفريدها وهو ما يعادل نسبة 46.68 بالمائة، علما أن قطاع الصحة سجل تأخرا رهيبا في مشاريع دعم النمو خلال فترة تسيير الوزير السابق جمال ولد عباس والذي اكتشفت الحكومة برحيله أن نسبة تأخر مشاريع القطاع تجاوزت 86 بالمائة، بسبب التقارير المغلوطة التي كان يقدمها.
ويبدو أن عامل تجاهل دراسة المشاريع وجدواها واعتماد التقديرات التقريبية مازال يؤثر في كيفية صرف المال العام، ويجر إلى التبذير كنتيجة آلية، بدليل أن تقارير مجلس المحاسبة والتي تعتمد على تقارير تسهر على صياغتها إطارات وزارية تكشف أن الحكومة تمنح اعتمادات دفع لمشاريع تفوق رخص البرامج.
وهي الوضعية التي سجلها التقرير في الأمثلة التي قدمها عن العشوائية في التسيير بالنسبة لما تم تسجيله بوزارة الصيد البحري التي استفادت من اعتمادات دفع بمبلغ 604 مليون دينار من أجل عملية تجهيز متعلقة بإنجاز المقر الجديد للوزارة في حين أن هذه العملية لم يتم تفريدها كما لم تزود برخصة البرنامج.
ويعيب التقرير على كافة الدوائر الوزارية إهمالها إجراءات تطهير مدونة عمليات التجهيز، على اعتبار أن الآمرين بالصرف يتجاهلون الإجراء المتعلق بإقفال الحسابات، بما في ذلك وزارة المالية التي أحصت 32 عملية تجهيز غير مستكملة أو لم تنطلق تخص برنامج الإنعاش الاقتصادي، أي برنامج العهدة الرئاسية الثانية، إلا أن الوزارة لم تخضعها لاقتراح الإقفال، بالإضافة إلى 11 عملية تجهيز أخرى لحساب المديرية العامة للمحاسبة والتي تم إنجازها كليا من دون القيام بإغلاقها.
غير بعيد عن وزارة المالية نجد حسابات وزارة الداخلية والجماعات المحلية التي اقترحت غلق 26 عملية تجهيز برخصة برنامج قدرها 5.607 مليار دينار من دون إخضاعها لقرارات الإقفال، نفس الملاحظة سجلت على مستوى وزارة التعمير والبناء والمدينة، عدد هام من عمليات التجهيز المسجلة خلال سنوات 1998 و2005 تم الإبقاء عليها في مدونة عمليات الاستثمار أي ما يمثل برنامج قيد الإنجاز بمبلغ قدره 47 مليار دينار، نفس الملاحظة تنطبق على وزارة التجارة وغيرها، فهل يمكن أن يكون التقشف والتبذير وجهين لعملة واحدة؟ وأين الرقابة التي يجب أن ترافق عمل الآمرين بالصرف ومسؤولية من اعتمد المشاريع وإرفاقها بعمليات إعادة تقييم تستنزف الأضعاف المضاعفة من قيمة الكلفة الأولية.







