الأمن الأسري: أهميته وآثاره
14-02-2016, 01:31 PM
الأمن الأسري: أهميته وآثاره
الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:
لا شك أن هذا الموضوع: موضوع مهم جدًّا، يتعلق بحياة الأسرة جميعًا، والإسلام قد اهتم بالأسرة، ونظَّمها أحسن نظام، وحماها من كل الرذائل، وأرشدنا جميعا إلى القيام بحفظ الأسرة:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، وقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}.
إن الأمن الأسري على قسمين: أمن على أخلاقهم، وأمن على دينهم.
أولا: أمنهم على دينهم: يكون بتربيتهم على الخير، وتنشئتهم النشأة الصالحة؛ بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، بتعليمهم كتاب الله، وإرشادهم إلى الخير، وغرس هذه الفضائل في نفوسهم، وإبعادهم عن الرذائل، «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع».
كَوْني آمُره بالمعروف، وأُربِّيه على الخير والصلاح والهدى، وأكون قدوة صالحة: يتأسون بي في أقوالي وأعمالي.
يرون الأب يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، خارج من المسجد، راجع من المسجد.
يرون أباهم مطيعًا لأمه، بارًّا بها، بارًّا بأبيه، واصلًا لرَحِمه، حسن العلاقة مع جيرانه.
يرون أباهم صادقًا أمينًا تقيًّا مهذب القول والعمل، فهو: قدوة لهم وأسوة لهم، فينشئون على ما رأوه عليه:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا ÷ على ما كان عوده أبوه
هكذا الأب والأم، فهما أصلان بتوفيق الله في تربية الأبناء، وتحصينهم من كل ما يخالف شرع الله.
ثانيا: أمنهم أيضًا في أخلاقهم، فالأب يعدل بين الأولاد، يربيهم ويعدل بينهم، ولا يفضل بعضهم على بعض، ويحاول ربطهم برحمهم، وصِلتهم بأرحامهم، وتعظيمًا لأرحامهم، ويحاول أن يرحم الكبير الصغير، وأن يحترم الصغير الكبير، فيربيهم على القيم والفضائل؛ لأننا إذا ربيناهم على الخير، ونُشِّئُوا نشأة صالحة في صغرهم: تربوا ونشئوا وشابوا على هذه الأخلاق الفاضلة.
فالأخطاء تقع منا من الإهمال، لا من جهة الأخلاق، ولا من جهة الآداب، ونحن نعرض للأمن الأسري بأمور:
أولًا: الزوجة، والعلاقة بين الزوج والزوجة؛ فإن الزوجين إذا تعاشرا بالمعروف: عاشت الأسرة في سعادة وهناء، قال الله تعالى: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وقال: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
فالزوجان: إذا تعاملا بالحسنى فيما بينهما، واحترم كلٌّ منهما صاحبَه، فالمرأةُ تحترم زوجَها وتكرمه وتجله، وتحسن خدمته، وتظهر من طاعته وموالاته ومحبته: ما يجعل الأبناء يتعلقون بأبيهم ويحبونه، وتظهر لرحمهم من المحبة والصلة: ما يكون سببًا لربط الأسرة، وتعامل بعضها مع بعض. والرجل أيضا: يحترم المرأة ويكرمها، ويظهر لأبنائه احترامها وتقديرها وإكرامها، والقيام بحقها، فهم يرون من أبيهم صنيعه بأمهم، فيهتمون بذلك.
فالحقيقة: أمن الأسر يكون من الزوجين، ويكون من الأبوين، ويكون من تعاون الجميع بينهما، والمجتمع المسلم مطالب أيضًا بهذا، سواء كان من الجانب الخطابي أو الإعلامي أو التربية والتعليم، فلا بد أيضا أن ننشئ الطلبة في مؤلفاتهم ومقرراتهم المدرسية على هذه الأخلاق، ونذكر لهم السيرة النبوية، والهَدْي النبوي في تربية الأسرة، ورعاية الأسرة.
لا بد للطلاب: أن يتلقوا من معلميهم شيئًا من هذه القيم والفضائل؛ لتكون يعني نبراسًا لهم في حياتهم.
ولا بد للخطباء من أن يحثوا دائمًا الآباء على تربية الأولاد، وعلى العدل بين الأولاد، وعلى جمع الكلمة، وعلى تواصل الرحم، وتراحمهم بعضهم ببعض، ويبينون ما في الرحم والصلة من فضل، كما قال الله جل وعلا:{ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن ينسأ له في أثره، ويبارك له في رزقه، فليصل رحمه»، فإذا ربينا الأولاد والبنات على هذه التربية أخلاقيًّا وأدبيًّا، وقدوة حسنة، فإنا نرجو من الله أن يجعله خيرًا.
وإعلامنا يجب أن يكون له دور أيضًا في تربية الأولاد: البنين والبنات؛ من حيث: حث الآباء على التربية، وحث الأبناء على السمع والطاعة، وربط الرحم بعضه ببعض، فلا بد للمعلم ووسائل التعليم، ولا بد لوسائل الإعلام، ولا بد للأبوين من القيام بهذا، ولا بد للمجتمع من تعاون في القضية.
فالقضية خطيرة، نحن جميعًا مسئولون عن أبنائنا وبناتنا، النشء إذا صلح ورُبِّي على الخير: صار حصنًا حصينًا لأهل بلده، وصار حُجة يعتمد على الله ثم عليها، وإذا أهملنا أبناءنا وبناتنا، وتركنا الأمر لهم على ما يريدون: نشئوا على غير هدى، فأثرت فيهم الدعوات الباطلة، والدعوات المضللة، إنما نحصن أبناءنا وبناتنا، ونقيهم من شر الدعايات المضللة، لا من الغلو، ولا من التطرف والانحلال والفساد، فالخير كله في التربية الصالحة، والتنشئة الخيرة.
نرجو من الله أن يوفقنا جميعا للقيام بما أوجب علينا.
الاستقرار الأسري وآثاره الإيجابية
الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:
إنَّ نظرةً فاحصة لما ورد في القرآن الكريم، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم من التوجيهات حول العناية بالأسرة وبالأولاد، والنص على أمرهم بالصلاة، في مثل قوله تعالى: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}.
وفي الأمر بوقاية الأسرة من سَخَط الله عز وجل وناره، في مثل قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}. وفيما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته…».
نصوص كثيرة: مبثوثة في القرآن والسُّنة، تدل على أهمية العناية بالأسرة وأمنها، وسلامة أفرادها.
وليست المسئولية مقصورة – كما يتصور البعض – على توفير السكن والكساء والغذاء والدواء، الأمر أهم من ذلك، فهناك التربية، وهناك الخُلق، وهناك الأدب.
جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: « ما نحل والد ولدًا خيرًا له من أدب حسن»، يعني: ما أعطى الوالدُ ولدَه عطية: أحسن من الأدب الحسن؛ لأن بعضنا اليوم يعطي أبناءه، ويجزل عليهم الهدايا في المناسبات، في النجاح، في غير ذلك من المناسبات والاحتفالات، قد يُغدِق عليهم بالعطايا: سيارات، أجهزة هواتف ذكية متقدمة، إلى غير ذلك من الهدايا المادية التي قد يكون هلاك بعضهم عليها، فكم مِن شابٍّ هلك على ظهر سيارة أهداها له أبوه، وهو طائش، واستخدمها استخدامًا سيئًا؛ لأن الوالد – عفا الله عنا وعنه – لم يُعطِ مع هذه الهدية هدية أعظم منها؛ وهي: التربية والتنشئة الصالحة، كيف يستخدم هذه السيارة؟، كيف يستخدم هذا الهاتف الذكي؟، كيف يستخدم هذا الكمبيوتر؟، كيف يستخدم هذه الأجهزة ذات التواصل ومواقع التواصل؟.
لا بد أيها الأفاضل: أن ندرك أننا مسئولون أمام الله عز وجل عن تنشئة هؤلاء الأبناء والبنات والزوجات تنشئة صالحة، ونحيطهم عِلمًا بالأخطار التي تتهددهم، لا نتركهم سُدى، ولا هَمَلًا لا يعرفون إلا النوم والأكل والفُسَح والمطاعم والسفرات والأسواق والتسكع.
فالأمر أخطر من ذلك، نحن مستهدفون في أخلاقنا وفي عقيدتنا وفي تربيتنا، مستهدفون في أبنائنا وبناتنا، مستهدفون في توحيدنا وعقيدتنا وأخلاقنا.
أيها الدعاة، أيها العلماء، أيها الآباء، أيها الأدباء، أيها المفكرون، أيها الإعلاميون: نحن نواجه غزوًا فكريًّا لأُسَرنا؛ لتفتيت الأسرة، لإيجاد الشقاق والنزاع في الأسر، حتى أدى الأمر في بعض الأحيان، نرجو إن شاء الله أن لا تكون ظاهرة: أن يقتل الأخ أخاه من أجل الكرة!!؟.
هناك خطر محدق بنا جميعا بعضها: أخطار أخلاقية، وأخطار فكرية، ودعاة على أبواب جهنم، من خلال منابر الشر، من خلال مواقع في هذه الشبكات العنكبوتية، مواقع في الفيس بوك، مواقع في تويتر، مواقع في غيرها، ومجموعات في الواتس آب في أنستيجرام، وفي غيرها من هذه الأشياء التي ابتلينا بها، ودخلت بيوتنا، وجيوبنا، وأبنائنا وبناتنا.
لم يعد الأمر الآن سهل، الأخطار تهدد أمن الأسرة لتمزقها، لتحول بعض أفراد الأسرة إلى مدمني مخدرات، إلى مكفِّرين لآبائهم وأمهاتهم ومجتمعهم وقيادتهم، إلى مروجي مخدرات، إلى إباحيين ومنحلين.
هذه الشرور اليوم تغزونا ليلَ نهار، فيتعين معها: أن نهتم بالصد والدفاع عن أمن الأسرة، من عدة زوايا:
الزاوية الأولى: القيام بما أوجب الله عز وجل على الأولياء من الآباء والأمهات والإخوة والأخوات من الدعوة إلى الله في داخل البيت.
الآن يوجد بعض الناس قد يكون له باعٌ في الوعظ والدعوة، وهو مُقصِّر في بيته، فيؤتى الحَذِر من مأمنه، أو قد يكون معلمًا جيدًا في مدرسته، وقد يغفُل عن أسرته، لا بد من القيام بالأمر بالمعروف داخل الأسرة، والدعوة والتعليم، لا نعتمد على المدارس، المدارس تقوم بدور، لكن الأسرة عليها دور كبير، يجلس الأب مع أبنائه وبناته، يتحدث إليهم، يسمع منهم، يسألهم ماذا يقرءون، ماذا يفعلون، ماذا يكتبون، ولا يمنعهم بالقوة، لم تعد القوة تنفع الآن ، فلا بد من الحوار الهادئ الهادف.
لا بد من التحصين الذاتي، لا بد من إشعارهم بالمسئولية، مراقبة الله عز وجل: { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}،{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.
فلا بد أن نربي أبناءنا، ونجلس معهم، ونتحدث معهم، ونُبِّههم ونحذرهم مما يراد بهم من هذه الشرور والأخطار والفتن والأفكار، والدعوات الملونة والمختلفة والمختلطة، قد يكون بعض الدعوة ظاهرها الخير، أو شعارها شعار حسن، ولكنها تدعو إلى بدعة، أو شذوذ، أو تكفير، أو فرقة، أو اختلاف، أو انتحار، أو اقتتال، أو انحلال وفجور.
وهذا ما يعاني منه المسلمون اليوم في كثير من البلاد الإسلامية والعربية؛ بسبب غفلتنا عن بيوتنا، غفلتنا عن أبنائنا وبناتنا، انشغالنا بأمورنا الخاصة، وبخروجنا ودخلونا.
وأنا أتصور الأب الناجح والأم الموفَّقة هما: من يجعلون الصداقة شعارًا لهم في بيوتهم مع أبنائهم، وأن يجلسوا معهم، ويحتسبوا ويصبروا، ولا يتركوهم: نهبًا لوسائل الإعلام والقنوات الفضائية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وهذه البلايا التي تعددت وتنوعت.
فالأخطار كثيرة، والمسئولية كبيرة، والأسرة هي: نواة المجتمع، وهي: أُسُّه، إذا صلحت الأسرة: صلح المجتمع وترابط، وهي: المحضن الأول للأبناء والبنات، فمنها يخرج الأبناء الصالحون، والأزواج الصالحون، والزوجات الصالحا،ت والمعلمون والمعلمات والدعاة.
والخطر اليوم ليس كالخطر بالأمس، وأعداء الإسلام يعملون على قدم وساق ليلَ نهار؛ للتخطيط والبحث والتنقيب عن وسائل لإشغالنا، يأتون من باب الشبهات، ومن باب الشهوات، حتى صرنا نفاجأ أن بعض شبابنا قد نزع إلى الإلحاد، وإلى إنكار وجود الله عز وجل، وإلى إنكار المعلوم من الدين بالضرورة!!؟.
وفوجئنا بأن من أبنائنا من يدعو إلى الحرية المطلقة في الأخلاق والاعتقاد والتصرفات، صرنا نسمع دعوات غريبة من أبناء المسلمين، ما مرد ذلك وما سببه إلا فساد ينخر في الأسر على حين غفلة من الآباء والأمهات.
لا شك أن الوقاية ينبغي أن تكون: بتحصين شبابنا بالعلم الشرعي على بصيرة وعلى هدى، وعلى صراط مستقيم، الذي يكون مؤسسًا على كتاب الله، وعلى سُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يبين لهم الحلال فيتبعونه، ويبين لهم الحرام فيجتنبونه، يكون عندهم خشية من الله عز وجل في علنهم وفي سرهم، يقرءون كتاب الله ويتدبرونه.
نسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياكم وأبناءنا وأُسَرنا من كل سوء ومكروه.
منقول بتصرف يسير.







