أهل البدع يدخلون في جرح أئمة الحديث دخولاً أولياً وغير أهل البدع يدخلون في تحذي
17-11-2008, 10:59 AM
أهل البدع يدخلون في جرح أئمة الحديث دخولاً أولياً وغير أهل البدع يدخلون في تحذيرهم دون شك"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فهذا المقال تكملة الرد على قاعدة فالح في التفريق بين جرح الرواة والتحذير من أهل البدع.
أقول:
ولتأكيد بطلان هذه الترهات والجهالات أسوق لكم أمثلة من كلام الله ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ومن كلام أئمة هذا الشأن:
وقال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التغابن:14- 15)
في هاتين الآيتين يحذر الله تعالى المؤمنين عداوة بعض الأزواج والأولاد والأموال وفتنتهم لأن كلاً من ذلك قد يكون فيه ضرر على المؤمنين في دينهم وفي ذلك تحذير من كل ما يضر المؤمن في دينه , قال ابن زيد في تفسير (فاحذروهم): يعني على دينكم , وقال مجاهد ( إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم ) قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه, وقال ابن كثير تفسيراً لقول الله تعالى: ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم )، يقول تعالى : " إنما الأموال والأولاد فتنة أي اختبار وابتلاء من الله لخلقه ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ". انظر تفسير ابن كثير (4/401-402) .
فهذا تحذير من الله عزَّ وجل من غير أهل البدع فإن كان فيهم مبتدع فالتحذير أشد .
وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104) .
وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران: من الآية110).
وكل الآيات والأحاديث التي تحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هي دعوة للناس إلى كل خير وتحذير لهم من كل شر ومنكر وخطأ.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم وإن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ". [صحيح مسلم: 3/1472].
فهذا الحديث فيه دلالة للأمة إلى خير ما يعلمه لهم وتحذير من الفتن والشرور، ودلالة على طريقة القضاء على بعض الشرور.
وقال صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة، قلنا: لمن؟، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
فدعوة المسلمين إلى الخير وتحذيرهم من كل أنواع الشرور وأهلها تدخل في النصيحة التي جامعة لكل خير.
والحقيقة أن هذه القاعدة التي أتيتم بها من أشد القواعد فساداً وتدميراً ومواجهة للنصوص القرآنية والنبوية والأصول الإسلامية التي لا يقوم الإسلام إلا بها .
قاتل الله الجهل والهوى كيف يرديان أهلهما في مهاوي الهلاك.
وقال عبد الرحمن بن عوف لابن عباس رضي الله عنهما : لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل قال: إن فلاناً يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلاناً، فقال عمر: لأقومن العشية فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم, قلت : لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على مجلسك, فأخاف أن لا ينـزلوها على وجهها ، فيطير بها كل مطير ، فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة فتخلص بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار فيحفظوا مقالتك وينـزلوها على وجهها ، فقال : والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة , قال ابن عباس: فقدمنا المدينة, فقال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل آية الرجم" صحيح البخاري (4/368) حديث رقم (7323) . وفي مسند الإمام أحمد (1/55).
وفي لفظ: " فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم". صحيح البخاري (4/ 257) حديث رقم (6830).
وقال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الهمداني، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله أخبره, أن يزيد بن عميرة – وكان من أصحاب معاذ ابن جبل – أخبره, قال : كان لا يجلس مجلساً للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط, هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوماً: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال, ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ماهم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره , فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة ، وأحذركم زيغة الحكيم , فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم , وقد يقول المنافق كلمة الحق , قال : قلت لمعاذ : ما يدريني – رحمك الله – أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة , وأن المنافق قد يقول كلمة الحق ؟ قال : بلى, اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه, فإنه لعله أن يراجع, وتلقَّ الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً.
وفي لفظ لأبي داود: المشبهات مكان المشتهرات. (السنن/كتاب السنة: حديث 4611).
فهذا الخليفة الراشد يُحذِّر من أناس غير مبتدعين، فمن قال: إن التحذير لا يكون إلا من أهل البدع فقد أتى بما لا يعرفه المسلمون ولا آباؤهم، فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه الفقيه يحذر من البدع ويحذر من زيغة الحكيم، ويحذر من المشتهرات والمتشابهات من كلام الحكيم وهذا الحكيم قد يكون إماماً من أئمة السنة والحق.
وفي كلامه رد على من يقول: إنه لا يحذر إلا من أهل البدع ورد على من يقول بحمل المجمل على المفصل فإن المجمل من المتشابهات, ولا يبعد أن يكون معاذ رضي الله عنه تلقى هذا الكلام من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيكون له حكم الرفع .
وقال الحاكم أبو عبدالله النيسابوري في كتابه معرفة علوم الحديث(ص52- 5): "ذكر النوع الثامن عشر من علوم الحديث . هذا النوع من علم الحديث معرفة الجرح والتعديل .
وهما في الأصل نوعان كل نوع منهما علم برأسه وهو ثمرة هذا العلم والمرقاة الكبيرة منه وقد تكلمت عليه في كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح بكلام شاف رضيه كل من رآه من أهل الصنعة ثم ذكرت في كتاب المزكين لرواة الأخبار على عشر طبقات في كل عصر منهم أربعة وهم أربعون رجلا فالطبقة الأولى منهم أبو بكر وعمر وعلي وزيد بن ثابت فإنهم قد جرحوا وعدلوا وبحثوا عن صحة الروايات وسقمها، والطبقة العاشرة منهم أبو إسحاق إبراهيم بن حمزة الأصبهاني وأبو على النيسابوري وأبو بكر محمد بن عمر بن سالم البغدادي وأبو القاسم حمزة بن علي الكناني المصري .
وقد ذكرت في كتاب المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل أنواع العدالة على خمسة أقسام والجرح على عشرة أقسام وتكلمت في هذه الكتب على الجرح والتعديل مما يغنى عن إعادته واستشهدت بأقاويل الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين.
وأصل عدالة المحدث أن يكون مسلماً لا يدعو إلى بدعة ولا يُعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته، فإن كان مع ذلك حافظا لحديثه فهي أرفع درجات المحدثين وإن كان صاحب كتاب فلا ينبغي أن يحدث إلا من أصوله " .
تعــليق :
في هذا النص من الحاكم أن علم الجرح والتعديل نوعان :
أحدهما: علم التعديل وقد أُلِّف فيه كتب مثل: كتاب الثقات للعجلي، وكتاب الثقات لابن حبان، وكتاب الثقات لابن شاهين .
وعلم الجرح وقد أُلِّف فيه كتب منها: كتاب الضعفاء للبخاري والضعفاء والمتروكين للنسائي وكتاب المجروحين لابن حبان وكتب في الضعفاء للدارقطني وفيه تقسيم المجروحين إلى عشرة أقسام يأتي في طليعتهم الكذابون والزنادقة وأهل الأهواء والبدع ، وقد رضي عمله كل من رآه من أهل الصنعة في وقته، وأقول: وكذلك من أتى بعده من أهل العلم، ولم يخالفهم أحد في إدخال أهل البدع في علم الجرح والتعديل إلا فالح الذي لا ناقة له ولا جمل في هذا العلم بل لو جاء مليون فالح من أمثاله فلا قيمة لهم ولا وزن لكلامهم ولا يزيدهم اعتراضهم ومخالفتهم لعلماء الأمة إلا سقوطاً.
وانظر كيف بدأ الحاكم هنا في تعريف العدالة بأن يكون المحدث مسلماً لا يدعو إلى بدعة لأن البدعة جرح في صاحبها فإذا كان داعية سقط صاحبها.
ونأسف أننا أصبحنا تجاه قوم يجهلون البدهيات ويجادلون فيها بالترهات .
وقال الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل: ذكر أنواع الجرح (ص:33-49):
ذكر معرفة أنواع الصحيح
والصحيح من الحديث منقسم إلى عشرة أقسام.
خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها .
ثم ذكر الخمسة المتفق عليها والخمسة المختلف فيها .
فقال: "خامسها: روايات المبتدعة وأصحاب الأهواء ثم قال: "فإن رواياتهم عند أكثر المحدثين مقبولة إذا كانوا فيها صادقين"، وذكر بعض من قبل رواياتهم كالبخاري ومسلم وابن خزيمة .
ونقل عن مالك قوله: "لا يؤخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في حديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ولم يذكر السفيه ولا من كان فيه صلاح ولكنه ليس من أهل الحديث.
وقد ذكرهما غيره كالخطيب في الكفاية والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص:403)، والشاهد منه ذكر المبتدع في المجروحين وبيان اختلاف أئمة الحديث فيه من أجل بدعته .
ثم قال الحاكم: "والمجروحون على عشرة طبقات".
ثم قال رحمه الله: أول أنواع الجرح وضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صحت الرواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، ثم قال: وممن ارتكب هذه الكبيرة جماعة فمنهم:
(1) قوم من الزنادقة مثل المغيرة بن سعيد الكوفي وأبي عبد الرحيم الكوفي ومحمد ابن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة تشبهوا بالعلماء فوضعوا الأحاديث وحدثوا بها ليوقعوا في قلوبهم الشك.
وذكر كلام العلماء فيهم.
(2) قال: ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه (يعني بهم أهل الأهواء والبدع) وذكر منهم شيخاً من الخوارج والجاحظ وأبا العيناء. قال عبدالله بن لهيعة: قال: سمعت شيخاً من الخوارج تاب ورجع وهو يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيَّرناه حديثاً.
(3) قال: ومنهم جماعة وضعوا الحديث حسبة كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل الأعمال مثل أبي عصمة نوح بن أبي مريم ومحمد بن عكاشة الكرماني وأحمد بن عبدالله الجوباري.
(4) قال: ومنهم جماعة وضعوا الحديث للملوك في الوقت مما تقربوا به إليهم وذكر منهم غياث بن إبراهيم وميسرة بن عبدربه وزياد بن ميمون وأبو البختري وأبو داود سليمان بن عمر النخعي وغيرهم.
(5) قال: ومنهم جماعة وضعوا الحديث في الوقت لحاجتهم إليه وذكر منهم سعد ابن طريف وذكر المتعصبين للمذاهب ومنهم مأمون بن أحمد الهروي الذي وضع حديثا في الطعن في الشافعي وفي مدح أبي حنيفة وذكر منهم محمد بن عكاشة الكرماني الذي وضع حديث (من رفع يده في الركوع فلا صلاة له).
(6) قال: ومنهم قوم من السؤّال .. والمتكدين يقفون في الأسواق والمساجد والمحافل فيضعون في الوقت على رسول الله بأسانيد صحيحة قد حفظوها فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.
ثم قال الحاكم: فهذه الطائفة بأنواعها كذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال رحمه الله: الطبقة الثانية من المجروحين قوم عمدوا إلى أحاديث مشهورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد معروفة ووضعوا إليها غير تلك الأسانيد فركبوها عليها ليستغرب بتلك الأسانيد، منهم إبراهيم بن اليسع وحماد ابن عمر النصيبي وبهلول بن عبيد وأصرم بن حوشب وغيرهم.
ثم قال رحمه الله: الطبقة الثالثة من المجروحين قوم من أهل العلم حملهم الشره على الرواية عن قوم ماتوا قبل أن يولدوا مثل إبراهيم بن هدبة وعبدالله بن إسحاق الكرماني، وهذا النوع من المجروحين فيهم كثرة .
ثم قال رحمه الله: الطبقة الرابعة من المجروحين قوم عمدوا إلى أحاديث صحيحة عن الصحابة رفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأبي حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي ويحي بن سلام البصري.
ثم قال رحمه الله: الطبقة الخامسة من المجروحين قوم عمدوا إلى أحاديث مروية عن التابعين أرسلوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فزادوا فيها رجلاً من الصحابة فوصلوها، مثل إبراهيم بن محمد المقدسي وعلى هذا النوع جماعة يستشهد به على الجملة.
ثم قال رحمه الله: الطبقة السادسة من المجروحين قوم الغالب عليهم الصلاح والعبادة لم يتفرغوا إلى ضبط الحديث وحفظه والإتقان فيه فاستخفوا بالرواية فظهرت أحوالهم، قال الحاكم رحمه الله: فيهم كثرة وأكثرهم زهاد عباد.
ثم قال رحمه الله الطبقة السابعة من المجروحين قوم سمعوا من شيوخ وأكثروا عنهم ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ فحدثوا بها ولم يميزوا بين ما سمعوا ومالم يسمعوا وورد خراسان جماعة من هذه الطبقة كإبراهيم بن إسحاق الغسيلي وأحمد بن محمد بن عمر المنكدري وغيرهما ..وقد رأينا في عصرنا منهم جماعة من أعيان الغرباء من أهل العلم فعلوا ذلك .
ثم قال رحمه الله: الطبقة الثامنة من المجروحين قوم سمعوا كتباً مصنفه من شيوخ أدركوهم ولم ينسخوا سماعاتهم عند السماع وتهاونوا بها إلى أن طعنوا في السن، وسئلوا عن الحديث فحملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتب مشتراة ليس لهم فيها سماع ولا بلاغ، وهم يتوهمون أنهم في رواياتهم صادقون وهذا النوع مما كثر في الناس .
ثم قال رحمه الله: الطبقة التاسعة من المجروحين قوم ليس الحديث من صناعتهم ولا يرجعون إلى أي نوع من الأنواع العشرة التي يحتاج المحدث إلى معرفتها فلا يحفظون حديثهم فيجيئهم طالب العلم فيقرأ عليهم ما ليس من حديثهم فيجيبون ويقرون بذلك وهم لا يدرون، ومثل بهذا بموسى بن دينار وقيس بن ربيع.
ثم قال رحمه الله: الطبقة العاشرة من المجروحين قوم كتبوا الحديث ورحلوا فيه وعرفوا به فتلفت كتبهم بأنواع من التلف: الحرق أو النهب أو الهدم أو الغرق أو السرقة فلما سئلوا عن التحديث حدثوا بها في كتب غيرهم أو من حفظهم على التخمين فسقطوا بذلك منهم عبدالله بن لهيعة المصري على محله وعلو قدره.
فهل هذا الأصناف والطبقات المجروحة لا يحذَّر منها على منهج هؤلاء؟! وهل يقول هذا إنسان يعقل أن العلماء لا يذكرون هؤلاء المجروحين على اختلاف أنواعهم إلا للتحذير منهم ومن زلاتهم وكذب من يكذب منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في النزهة(ص:82-83): "وخبر الآحاد؛ بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته"،
وشرح العدالة بقوله: "والمراد بالعدل: من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة".
وشرح التقوى بقوله: "والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة".
فجعل في تعريف الصحيح المقبول، الشرك والفسق والبدعة من الأمور التي تنافي العدالة والتقوى، وهذا جرح شديد بالبدعة إذ هي مشتقة من الشرك وآيلة إليه.
وقال أيضاً في أسباب الطعن في الراوي – أي: الجرح- (ص:114-117): "ثم الطعن: إما أن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه". فجعل البدعة من أسباب الطعن.

وقال أيضاً في (ص:136-138): "ثم البدعة: إما بمكفر، أو بمفسق: فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور. والثاني: يقبل من لم يكن داعية في الأصح؛ إلا إن روى ما يقوِّي بدعته، فيرد على المختار، وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي".
ثم ذكر في شرحه مذاهب أئمة الجرح والتعديل في قبول رواية المبتدع من ردها.

فانظر إلى ابن حجر لا تأتي مناسبة إلا ويذكر فيها أهل البدع في المجروحين وقد سبقه إلى ذلك أئمة الجرح والتعديل وأيدهم وتابعهم في ذلك كل علماء الأمة، وبهذه البيانات والإيضاحات التي سردناها يتبين للقارئ أن القرآن والسنة قد حذَّرا من كل ما يضر بالإسلام والمسلمين في دينهم بل ودنياهم وكذلك الصحابة والتابعون وأئمة الهدى وأئمة الحديث قد حذَّروا المسلمين من كل ما يضرهم في دينهم سواء من الرواة السالمين من البدع أو أهل البدع أو من الدجالين والكذَّابين، وكل ذلك يدخل في صميم منهج أئمة الجرح والتعديل.
وبكل هذا وذاك يسقط قول أهل الجهل والهوى: إن أهل البدع لا يدخلون في قواعد أهل الحديث ولا يدخلون في جرحهم وأن غير أهل البدع لا يدخلون في تحذيرهم .
ولا أعرف جهلاً وكذباً على أهل الحديث وأصولهم ومنهجهم يفوق هذا الجهل والكذب.






كتبه

ربيع بن هادي عمير المدخلي
16/12/1425هـ