تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > المنتدى الحضاري > أرشيف > المنتدى الاسلامي العام

> كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه

 
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:44 AM
بسم الله الحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهدِ الله فلا مضلَ له، ومن يُضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
أمَّا بعد :
فإنَّه لا يُعرف كتابٌ كثُر فيه الكلام واختُلف فيه ككتاب " في ظلال القرآن " للأستاذ سيد قطب -رحمه الله- وقد كتب فيه من كتب وتكلم من تكلم
بين قادح ومادح ، ومتعصبٍ له أو عليه ، والإنصاف عزيز .
وهذه دراسة متجردة - إن شاء الله - عن أي هوىً ، الحقُّ رائدها سواء لسيدٍ أو عليه ، وهدفها أن يعرف طلاب العلم ورواده ما على هذا الكتاب
من خطأ أو صواب.
فجزى الله خيراً كلَّ من أعان على نشرها .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
المحتويات
الفصلالأول : مآخذ متعلقة بصفات الله عز وجل

أولاً : الاستواء .
ثانياً : الفوقية ( العلو ) .
ثالثاً : المعية .
رابعاً : النَفْس .
خامساً : الكلام .
سادساً : اليد .
سابعاً : المحبة .
ثامناً : الوجه .
تاسعاً : العين .
عاشراً : الـرؤيـة .
الحادي عشر : رؤية الله سبحانه وتعالى .
الثانيعشر : الاستماع ((السمع )) .
الثالثعشر : الاستهزاء .
الرابععشر : القبض .
الخامسعشر : الإتيان والمجيء .
السادسعشر : التجلي للجبل

الفصلالثاني :تكفير المسلمين

الفصل الثالث : خلق القرآن والقول بالحلول .
أولاً : خلق القرآن .
ثانياً : وحدة الوجود .
يتبع....
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:48 AM
أولاً الاستواء

أُخـذ على سيد في صـفـة الاسـتـواء ما قاله في آيــات الاستـواء في كـل من سـورة : ( البقـرة آيـه 29 ) ، ( الأعراف آيـه 54 ) ، ( يونـس آيـه 3 ) ، ( الرعد آيـه 2 ) ، ( طـه آيـه 5 ) ، ( الفرقـان آيـه 59 ) ، ( السجدة آيـه 4 ) ، ( الحديـد آيـه 4 ) .
وقد فسر سيد قطب الاستواء بالاستعـلاء والسيطرة وهذا خلاف منهج أهل السنة والجماعة .

أقوال سيد قطب رحمه الله في الاستواء :

أولاً : قال سيد في تفسير قوله تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ( البقرة آية 29 ) : " ولا مجال للخوض في معنى الاستواء إلا بأنه رمز السيطرة ، والقصد بإرادة الخلق والتكوين ... الخ .

ثانياً : قال سيد عند تفسير قوله تعالى " إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ " (يونس آيه 3) قال : " والاستواء على العرش كناية عن مقام السيطرة العلوية الثابتة الراسخة ، باللغة التي يفهمها البشر ويتمثلون بها المعاني ، على طريقة القرآن في التصوير ...

و (( ثم )) هنا ليست للتراخي الزماني ، إنما هي للبعد المعنوي . فالزمان في هذا المقام لا ظـل لـه . وليست هناك حالة ولا هيئة لم تكن لله - سبحانه - ثم كانت . فهو - سبحانه - منزه عن الحدوث وما يتعلق به من الزمان والمكان . لذلك نجزم بأن (( ثم )) هنا للبعد المعنوي ، ونحن آمنون من أننـا لم نتجـاوز المنطقة المأمونة التي يحق فيها للعقل البشري أن يحكم ويجزم . لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه الله سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات ، وعن مقتضيات الزمان والمكان .

ثالثاً : قال سيد رحمه الله في تفسير قوله تعالى "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"(طه آيه 5 ) قال : " والاستواء على العرش كناية عن غاية السيطرة والاستعلاء فأمر الناس إذن إليه وما على الرسول إلا التذكرة لمن يخشى ومع الهيمنة والاستعلاء الملك والإحاطة " .

رابعاً : وقـال أيضاً في تـفسير قوله تعـالى "الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً"( الفرقان آيه 59 ) ، قال : " أما الاستواء على العرش فهو معنى الاستعلاء والسيطرة ولفظ ثم لا يدل على الترتيب الزمني إنما يدل على بعد الرتبة رتبة الاستواء والاستعلاء " .

خامساً : وقال في تفسير قولـه تعالى "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ" ( السجدة آيه 4 ) : والاستواء على العرش رمز لاستعلائه على الخلق كله . أما العرش ذاته فلا سبيل إلى قول شيء عنه ، ولا بد من الوقوف عند لفظه . وليس كذلك الاستواء . فظاهر أنه كناية عن الاستعلاء . ولفظ .. ثم ، لا يمكن قطعاً أن يكون للترتيب الزمني ، لأن الله سبحانه ـ لا تتغير عليه الأحوال . ولا يكون في حال أو وضع - سبحانه - ثم يكون في حال أو وضع تال . إنما هو الترتيب المعنوي . فالاستعلاء درجة فوق الخلق ، يعبر عنها هذا التعبير .

سـادســاً : راجـع أيضاً مـا كـتـبـه في الـظــلال ( 3 / 1296 ) ، ( 4 / 2044 ) ، ( 6 / 3480 ) .

نلاحظ من الأمثلة السابقة أنه يفسر الاستواء في الآيات بمعنى : " السيطرة العلوية والاستعلاء " ، وهذا خطأ كما سبق بيانه .

ذكر كلام من تعقب سيد في صفة الاستواء

أولاً : قال الشيخ ربيع المدخلي بعد أن ساق كلام سيد في الاستواء : إن في (( الظلال )) و (( التصوير )) تعطيل لصفة الاستواء .
وقال أيضاً : إنه معطل لعدد من الصفات ، كالاستواء ، والنزول ، واليد ، ولا يستبعد انه يجري على هذا المنوال في كل الصفات .

ثانياً : قال الشيخ عبد الله الدويش رحمه الله تعليقاً على ما كتبـه سيد قطب في سورة البقرة آيه 29 - راجع الفصل السابق أولاً - : أقول هذا باطل من وجوه :

الوجه الأول : إن هذا خلاف ما قاله المحققون من المفسرين ، قال ابن جرير في تفسيره الكبير : وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه ثم استوى إلى السماء فسواهن : علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات . وقال ابن كثير في تفسيره استوى إلى السماء أي قصد إلى السماء والاستواء هاهنا مضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بإلى . وقال البغوي : ثم استوى إلى السماء قال ابن عباس واكثر مفسري السلف أي ارتفع إلى السماء .

الوجه الثاني : قوله رمز السيطرة ، يفهم منه أن السماء كانت ملكاً لغيره ثم سيطر عليها وهذا لا يقوله عاقل فعلم أنه باطل . أ .هـ .
وقال أيضاً تعليقاً على كلام سيد قطب في الاستواء في تفسير آيات متعددة من الظلال - راجع الفصل السابق - : أقول هذا قول الجهمية الضلال المعطلين وهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة فإن الجهمية لم يصرحوا برد ألفاظ القرآن ولكن خالفوا السلف في المعنى المراد وقولهم إنه استولى لا يعرف في المسلمين إلا عن الجهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم .

وقال أيضاً قوله : الاستواء على العرش كناية عن مقام السيطرة الثابتة الراسخة باللغة التي يفهمها البشر كلام باطل . من وجوه ، تبلغ الأربعين منها :
أن هذا لا يعرف في لغة العرب قال ابن الأعرابي وقد سئل عن ذلك فقال لا تعرف العرب ذلك وهو من أكابر أئمة اللغة.
ومنها : أن تفسيره بالسيطرة يبطل تخصيص العرش بكونه استوى عليه فإنه مسيطر على جميع خلقه ومنها أن هذا تفسير بالرأي المجرد الذي لم يذهب إليه صاحب ولا تابع ولا قاله إمام من أئمة المسلمين والقول على الله بغير علم من اعظم الذنوب .

وقوله : وثم هنا ليست للتراخي الزماني إنما هي للبعد المعنوي .
باطل بل هي للترتيب المعنوي وهو أن الاستواء تأخر إلى ما بعد خلق السماوات والأرض ولو كان بمعنى الاستيلاء والسيطرة لكان العرش قبل خلق السماوات والأرض خارجاً عن سيطرة الله وقهره وهذا لا يقوله مسلم .


وقوله : ليست لله سبحانه هناك حالة ولا هيئة لم تكن لله سبحانه ثم كانت .
أقول هذا تعطيل لصفة الاستواء التي وصف الله بها نفسه ، ولا نعطل صفة الله لأجل شناعة هذا القائل وتسميته ذلك حالة وهيئة ، قال الإمام احمد لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين .
وقوله : فهو سبحانه منزه عن الحدوث .
يقال له وصف الله بما وصف به نفسه من استوائِه على عرشه وغيره لا محذور فيه ، ولا يلزم منه وصفه بالحدوث المنزه عنه لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه ، والذي ينزه عنه هو كونه من جنس شيء من المخلوقات .

وقوله : لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه الله سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات وعن مقتضيات الزمان والمكان .
فيقال له هذا نوع تجهم ، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ، لما ذكر حديث عمران بن حصين (( كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء )) فزاد بعض الملاحدة وهو الآن على ما كان عليه قصد بها المتكلمة المتجهمة نفي الصفات التي وصف بها نفسه من استوائه على العرش والنزول وغير ذلك . فقالوا كان في الأزل ليس مستوياً على العرش وهو الآن على ما كان عليه فلا يكون على العرش لما يقتضي ذلك من التحول والتغير .

وقوله : ثم استوى على العرش إن كان علوا فهذا أعلى .
جوابه أن يقال هذا كلام شاك متحير لا يعرف قول أهل السنة من أهل البدع والذي يجب عليه ، أن يجزم ويؤمن بأنه العلو على العرش حقيقة كما قال أهل السنة استوى علا وارتفع .

قوله : إن كان عظمة فهذا اعظم وهو الاستعلاء الخ كلامه .
أقول هذا تأويل أهل البدع الذين لا يجعلون الاستواء حقيقة في العلو وإنما هو مجاز عن شيء آخر .

ملحوظة :
أورد الشيــخ محمـد المغــراوي كــلام سيـد في الاستــواء دون أن يعلــق عليـه !! .




المدافعون عن سيد قطب في تأَويله لهذه الصفة :

وممن دافع عن سيد قطب رحمه الله الدكتور صلاح الخالدي حيث قال : ... نخلص من هذا الكلام إلى تقرير أن سيد قطب يؤول صفة " الاستواء " على العرش في الطبعة الأولى من الظلال ، ويجعل الاستواء بمعنى الاستعلاء والسيطرة والهيمنة ، أو هو كناية عن الاستعلاء والسيطرة والهيمنة ، ويجعل هذا مرتبطاً بطريقة القرآن التعبيرية في تقريب المعاني الغيبية إلى الذهن الإنساني على أساس التصوير بالتخييل والتجسيم الفني . وإن لسيد دوافعه التي بيناها في تأويل الاستواء وأنه عندما أوله بالاستعلاء ليس مع الجهمية والمعتزلة الذين أولوه بالاستيلاء . بل إن تأويله قريب إلى فهم السلف - وإن لم يكن متبعاً لهم في هذا التأويل - إن المعتزلة نفوا عن الله صفة الاستواء عندما حرفوها إلى الاستيـلاء ، وفـرق بعيد بين استوى واستولى . أما سيد فإنه لم ينف هذه الصفة ولم يحرفها . ولا أرى فرقاً بعيداً بين استوى واستعلى.

لا أريد من هذا الكلام أن أصوب تفسير سيد للاستواء بالاستعلاء ، وأن أجعله هو فهم السلف وتفسيرهم له . لكن أريد أن أقرر مخالفته لتأويل المعتزلة والجهمية ، وأنه اجتهد في ذلك وحمله على معنى صحيح في لغة العرب .

وكذلك ما ذكره الخالدي من أن لتأويل سيد في الاستواء شواهد في لغة العرب ، قال : كلمة استوى في القرآن الكريم فقد أورد الفقيـه الدامغاني في كتابه (( قاموس القرآن )) ستة أوجه لها وهي : قصد ، واستقر ، وركب ، وقوي ، وعلا و أشبه ، وقهر واقتدر .

ولنا على كلام الدكتور صلاح الخالدي ملاحظات :

أولاً : قوله إن سيد يؤول صفة الاستواء على العرش في الطبعة الأولى من الظلال .
أقول : كلامـه هذا ليس له أي سند صحيح من كتابات سيد في الظلال ، وذلك لأَنه قد أول الاستـواء في سـورة ( البـقـرة آيه 29 - الظلال 3 / 54 ) ، ( ويونس آيه 3 - الظلال 3 / 1762 ) ، ( والرعد آيه 2 - الظلال 4 / 2328 ) ، ( راجـع ما كتبتـه سابقـاً ) ، وهذه السور هي في الطبعة الثانية من الظلال تبين تأويل سيد للاستواء . وبهذا يسقط احتجاج الخالدي .

ثانياً : قوله إن تأويله قريب إلى فهم السلف الخ .
بل الصحيح إن تأويل سيد للاستواء بالاستعلاء والسيطرة بعيد عن كلام السلف ، ولكن يقال إن تأويله ليس كتأويل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة .

ثالثاً : قوله إن كلمة استوى في القرآن الكريم لها ستة أوجه كما نقل عن الفقيه الدامغاني .
فنقول : إن كلمـة استوى في القرآن على ثلاثة معاني مثلما قال الشيخ عبد الرحمن السعدي : استوى ترد فـي القـرآن على ثلاثـة معانـي : فتارة لا تعدى ، بالحـرف فيكـون معناها ، الكمال والتمام ، كما في قولـه عن موسى "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى". وتارة تكون بمعنى " علا " و " ارتفع " وذلك إذا عديت بـ " على " كقولـه تعالى "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"، " لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ". وتارة تكون بمعنى " قصد " كما إذا عديت بـ " إلى " كمـا في هذه الآية . أي : لمـا خلــق تعــالى الأرض ، قصد إلى خلــق السماوات فسواهـن سبـع سمـاوات ، فخلقهـا وأحكمها وأتقنهـا وهو بكل شي عليم أ . هـ

والاستواء جاء بأربعة معاني كما قال السلف وهي بمعنى : العلو ، والارتفاع ، والاستقرار ، والصعود .

ونخلص مما سبق ذكره إلى أن سيد رحمه الله قد تأول صفة الاستواء على أنها كناية عن السيطرة والهيمنة والاستعلاء وهذا مجانب لقول أهل السنة والجماعة في هذه الصفة وموافق للمأولة في تعطيل هذه الصفة ، نسأل الله أن يعفوا عنا وعنه فإن العصمة لا تكون إلا للأنبياء . والله اعلم .

تنبيه : المشهور عن الجهمية أنهم يؤولون الاستواء بالاستيلاء ،ولم يرد هذا التأويل عن سيد في الظلال مطلقاً إنما أوله تارة بالاستعلاء وتارة بالسيطرة .
يتبع.......
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:50 AM
ثانياً : الفوقية ( العلو )

الفوقية والـعلـو صـفـة ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنـة ، قال تعالى "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى"، وقال تعالى "يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ". والعلو ثلاثة أقسام :
1 - علو شأن . قال تعالى "وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"
2 - علو قهر . قال تعالى "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ"
3 - علو فوقية ( علو ذات ) "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فالسلف والأئمة يقولون : إن الله فوق سماواته مستو على عرشه ، بائن من خلقه ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة ، وإجماع سلف الأمة ، وكما علم المباينة والعلو بالمعقول الصريح ، الموافق للمنقول الصحيح ، وكما فطر الله على ذلك خلقه ، من إقرارهم به ، وقصدهم إياه سبحانه وتعالى .

ومما أخذ على سيد في علو الرحمن ما ذكره الشيخ محمد المغراوي والشيخ عبد الله الدويش رحمه الله وإليك أقوال سيد في المواطن التي انتقد فيها من الظلال :

قال سيد قطب في تفسير قوله تعالى "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ"( الأنعام آيه 61 ) قال : " فهو صـاحـب السـلطان القاهر ، وهم تحت سيطرته وقهره . هم ضعاف في قبضة هذا السـلطان ، لا قـوة لـهم ولا ناصر . هم عباد . والقهر فوقهم . وهم خاضعون له مقهورون ... وهذه هي العبودية المطلقة للألوهية القاهرة .. وهذه هي الحقيقة التي ينطق بها واقع الناس - مهما ترك لهم من الحرية ليتصرفوا ، ومن العلم ليعرفوا ، ومن القدرة ليقوموا بالخلافة - إن كل نفس من أنفاسهم بقدر ، وكل حركة في كيانهم خاضعة لسلطان الله بما أودعه في كيانهم من ناموس لا يملكون أن يخالفوه . وإن كان هذا الناموس يجري في كل مرة بقدر خاص حتى في النفس والحركة ! .

قال الشيخ محمد المغراوي تعليقـاً على كلام سيد السابق : ينبغي أن يثبت العلو ثم يذكر لوازمه ، انظر الرد على القرطبي في تأويل هذه الصفة .

وقال الشيخ الدويش رحمه الله تعليقاً على كلام سيد السابق في سورة الأنعام : أقول مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله تعالى العلو على ما يليق بجلال الله وعظمته علو الذات وعلو القهر وعلو القدر . أما أهل البدع فإنهم لا يثبتون علو الذات وهذا ظاهر كلامه لأنه ما قرر إلا فوقية القهر والسيطرة ولم يذكر علو الذات والآية صريحة في إثبات ذلك كما قرره أهل السنة والجماعة كابن القيم في كتابه الصواعق ، والذهبي في العلو ، وعبد الرحمن ابن حسن كما في مجموعة التوحيد ، والدرر السنية وغيرهم والله اعلم .

هذا الذي أُخذ على سيد في صفة العلو لله تعالى . ولكن قول الشيخين المغراوي والدويش السابق غير مسلم به ، فكون سيد لم يـذكـر علو الذات لله تعالى في هذه الآية لا يعني أنه أنكر علو الذات له سبحانه . فهو أثبت العلو لله تعالى في تفسير آيات أخر وإليك الأمثلة :

أولاً : قال في تفسير آية الكرسي "وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" ( البقرة آيه 225 ) : " وهذه خاتمة الصفات في الآية تقرر حقيقة ، وتوحي للنفس بهذه الحقيقة وتفرد الله سبحانه بالعلو وتفرده سبحانه بالعظمة فالتعبير على هذا النحو يتضمن معنى القصر والحصر فلم يقل وهو علي عظيم ليثبت الصفة مجرد إثبات ولكنه قال العلي العظيم ليقصرها عليه سبحانه بلا شريك إنه المتفرد بالعلو المتفرد بالعظمة .... " .
ثانياً : وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى "قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً" الإسراء آيه 42 - 44 : " وذكر العرش هنا يوحي بالارتفاع والتسامي على هذه الخلائق التي يدعون أنها آلـهـة " مع " الله . وهي تحت عرشه وليست معه .. ويعقب على ذلك بتنزيه الله في علاه "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً".. إلى أن قـال رحـمه الله : كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء .. ومعها سكان السماء .. كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه .

ثالثاً : وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى "إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ"(فاطر آيه 10 ) :
" ولهذا التعقيب المباشر بعد ذكر الحقيقة الضخمة مغزاها وإيحاؤها ، فهو إشارة إلى أسباب العزة ووسائلها لمن يطلبها عند الله القول الطيب والعمل الصالح . القول الطيب الذي يصعد إلى الله في علاه والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه ويكرمه بهذا الارتفاع ومن ثم يكرم صاحبه ويمنحه العزة والاستعلاء " .
رابعاً : قال في تفسير قوله تعالى "أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" الشورى آية 5 ) : فيجمع إلى العزة والحكمة ، العلو والعظمة ثم المغفرة والرحمة ... ويعرف العباد ربهم بشتى صفاته . أ.هـ .

وكـذلــك راجـع مـا كـتبه رحمه الله وتفسير كل من سوره : (غافر آيه 15 ، الظلال 5 / 3073 ) وسورة ( الأعلى آيه 1 ، الظلال 6 / 3883 ) .

بعد هذه الأمثلة التي سقناها لك في أن سيد قطب قد أثبت العلو لله تعالى يتضح لنا أن الشيخين الدويش رحمه الله والمغراوي قد جانبهما الصواب ، والصحيح أن سيد قطب يثبت لله العلو بإطلاق . والله تعالى اعلم .

يتبع....
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:51 AM
ثالثاً : المعية

أورد المغراوي في كتابه المفسرون كلام سيد في الظلال على صفة المعية دون أن يعلق عليه فقال :
صفة المعية قال عند قوله تعالى :
"هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" ( الحديد آيه 4 ) .

قال : "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ" وهي كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز فالله سبحانه مع كل أحد ومع كل شئ في كل وقت وفي كل مكان مطلع على ما يعلم ، بصير بالعباد وهي حقيقة هائلة حين يتمثلها القلب حقيقة مذهلة من جانب ومؤنسة من جانب ، مذهلة يروعه الجلال ومؤنسة بظلال القربى ، وهي كفيلة وحدها حين يحسها القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتظهره وتدعه مشغولاً بها عن كل أعراض الأرض كما تدعه في حذر دائم وخشية دائمة مع الحياة والتخرج من كل دنس ومن إسعاف .

هكذا أورده المغراوي دون أَي تعليق . والذي يظهر أنه تجاوز في الألفاظ ولا يعني سيد إن الله مع البشر بذاته سبحانه وتعالى . لأن سيد بين أنه يوجد فرق بين الخالق والمخلوق وان الخالق ليس كمثله شي .

ولأن سياق كلام سيد قطب على أن الله مطلع على عباده ناظرٌ إليهم وقريب منهم فهو لم يقصد أن الله معهم بذاته .

يتبع....
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:54 AM
رابعاً : النَــفْــس
أهل السنـة والجماعة يثبتون النفْس ( بسكون الفاء ) لله تعالى ، ونفسه هي ذاته عز وجل ، وهي ثابتة بالكتاب والسنة . قال تعالى "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ" وقال "تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ"
ومن السلف من يعد ( النفس ) صفـة لله عز وجل ، كالإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد ، و عبد الغني المقدسي ، و البغوي .

ومما اخذ على سيد قطب رحمه الله في صفة النَفْس ما قاله عند تفسير قوله تعالى "لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ" ( آل عمران آية 28 ) قال : ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكاً للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب ، فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقاً "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ" أ . هـ .
وتفسير النفس بالنقمة والغضب خطأ ظاهر وهو نوع من أنواع التأويل لكن لسيد رحمه الله مواطن أخرى في الظلال يضيف النفس إلى الله عز وجل دون تأويل من ذلك :

أولاً : قال عند تفسير قوله تعالى "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ" ( آل عمران آيه 30 ) : " ثم يتابع سياق الجملة على القلب البشري فيكرر تحذير الله للناس نفسه سبحانه " .

ثانياً : وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى "قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" ( الأنعام آية 12 ) قـال : فهـو سبحانه المالك ، لا ينازعه منازع ، ولكنه - فضلاً منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة . كتبها بإرادته ومشيئته ، لا يوجبها عليه موجب ، ولا يقترحهـا عليه مقترح ، ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه ، وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة .. والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقومات التصور الإسلامي ... إلى أن قال "كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" وقد تكرر وروده في السورة في موضع آخر سياتي : "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة" إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفصيل الذي أشرنا من قبل إليه تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده ... تفضله - سبحانه - بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصـورة ... مكتوبة عليـه .. كتبهـا هو على نفسـه ، وجعلها عهداً منه لعباده ... بمحض إرادته ومطلق مشيئته ... وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها ، حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة .

ثالثاً : وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى "وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"( الأنعام آية 54 )
: ويمضي السياق يأمر رسول الله ـ صلى الله عليـه وسلـم ـ وهو رسول الله أن يبدأ أولئك الذين أسبغ عليهم فضل السبق بالإسلام ، والذين يسخر منهم أولئك الكبراء الأشراف ! .. أن يبدأهم بالسلام .. وأن يبشرهم بما كتبه الله على نفسـه من الرحمة ، متمثلاً في مغفرته لمن عمل منهم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده واصلح : ... إلى أن قال : ويأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغهـم ما كتبـه ربهـم على نفسـه . وحتى لتبلـغ الرحـمـة أن يشمـل العفو والمغفرة الذنب كله.
يتبع...
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:55 AM
خامساً : الكلام
صفة الكلام ثابتة لله تعالى ، قال تعالى "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه" وقال "وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً"

ومما اخذ على سيد رحمه الله في صفة الكلام لله تعالى ما ذكره الشيخ عبد الله الدويش والشيخ المغراوي وربيع المدخلي وإليك البيان :

مآخذ على سيد قطب في تأويله لصفة الكلام

أولاً : قال سيد عند تفسير قوله تعالى "وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً" ( النساء آية 164 ) " كلهم تلقى الوحي من الله . فما جاء بشيء من عنده . وإذا كان الله قد كلم موسى تكليماً فهو لون من الوحي لا يعرف أحد كيف كان يتم . لأن القرآن - وهو المصدر الوحيد الصحيح الذي لا يرقى الشك إلى صحته - لم يفصل لنا في ذلك شيئاً . فلا نعلم إلا انه كان كلاماً . ولـكن ما طبيعته ؟ كيف تم ؟ بأية حاسة أو قوة كان موسى يتلقاه ؟ ... كل ذلك غيب من الغيب لم يحدثنا عنه القرآن . وليس وراء الـقرآن - في هـذا البـاب - إلا أساطير لا تستند إلى برهان " .

ثانياً : قال سيد عند تفسير قولـه تعالى "وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ" ( الأعراف آية 143 ) :
" ثم يأتي السياق للمشهد التاسع المشهد الفذ الذي اختص الله به نبيه موسى عليه السلام مشهد الخطاب المباشر بين الجليل سبحانه وعبد من عباده . المشهد الذي تتصل فيه الذرة المحدودة الفانية بالوجود الأزلي الأبدي بلا واسطة . ويطيق الكائن البشري أن يتلقى عن الخالق الأبدي ، وهو بعد على هذه الأرض . ولا ندري نحن كيف ... ولا ندري كيف كان كلام الله سبحانه لعبده موسى . ولا ندري بأية حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله . فنتصور هذا على وجه الحقيقة ، متعذر علينا نحن البشر المحكومين في تصوراتنا بنصيبنا المحدود من الطاقة المدركة وبرصيدنا المحدود من التجارب الواقعة .

ثالثاً : وقال سيد في الظلال في تفسير قوله تعالى "وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً" ( مريم آية 52 ) : " ويبين فضل موسى بندائه من جانب الطور الأيمن ( الأيمن بالنسبة لموسى إذ ذاك ) وتقريبه إلى الله لدرجة الكلام . الكلام القريب في صورة مناجاة ونحن لا ندري كيف كان هذا الكلام وكيف أدرك موسى أكان صوتاً تسمعه الأذان أم يتلقاه الكيان الإنساني كله .
ولا نعلم كيف أعد الله كيان موسى البشري لتلقي كلام الله الأزلي إنما نؤمن انه كان . وهو على الله هين أن يصل مخلوقه به بطريقة من الطرق ، وهو بشر على بشريته ، وكلام الله علوي على علويته . ومن قبل كان الإنسان إنساناً بنفخة من روح الله " .

رابعاً : وقال في تفسير قوله تعالى "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً" ( طه آية 11 ـ 12 ) : " نودي بهذا البناء للمجهول . فما يمكن تحديد مصدر النداء ولا اتجاهه . ولا تعيين صورته ولا كيفيته . ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه .. نودي بطريقة ما ، فتلقى بطريقة ما . فذلك من أمر الله الذي نؤمن بوقوعه ، ولا نسأل عن كيفيته ، لأن كيفيتـه وراء مدارك البشر وتصورات الإنسان " .

بعد استعرا ضنا لكلام سيد في صفة الكلام نقول وبالله التوفيق :

فصل في ذكر أقوال من نسب إلى سيد نفي الكلام عن الله تعالى

أولاً : قال الشيخ عبد الله الدويش تعليقاً على كلام سيد في سورة النساء " أقول قوله بأية حاسة أو قوة كان موسى يتلقاه إلخ يدل على أنه لا يعرف اعتقاد أهل السنة والجماعة في هذا الباب وإلا لو عرفه لم يقل ما قاله من الخزعبلات وهذا الذي اثمره الجهل بقول أهل السنة والجماعة جره إلى أن جعل أدلة الكتاب والسنة لا تستند إلى برهان وإلا فظاهر القرآن والسنة يدلان على أن موسى سمع كلام الله بأذنيه ولذلك يقال له كليم الرحمن وقال أهل السنة إن كلام الله مسموع بالآذان سمعه من شاء الله من يخلقه كما سمعه جبريل وسمعه موسى عليه السلام بلا واسطة وقد ذكر بابسط من هذا عند التنبيه على قوله وناديناه من جانب الطور الأيمن والله اعلم"

ثانياً : وقال أيضاً تعليقاً على كلامه في سورة مريم : " أقول أما قوله ونحن لا ندري كيف هذا الكلام إن كان قصده كنه ذلك فهذا صحيح وإن كان قصده نفي صفة الكلام ونفي كونه بحرف وصوت فهذا قول أهل البدع كالجهمية والمعتزلة ونحوهم أما أهل السنة فيقولون إن الله يتكلم بحرف وصوت ... "

وقال : " وأما قول هذا المتحير وكيف ادركه موسى فيقال له بل قد دل الكتاب والسنة على أن موسى سمع كلام الله بأذنيـه وهذا قول أهل السنة والجماعة كما تقدم لأن الصوت هو ما يتأتى سماعـه بالأذن واما قوله أم يتلقاه الكيان الإنساني كله فهذا باطل وخلاف لظاهر الأدلة الدالـة على أن الله يتكلم بحرف وصوت وليس هو المعنى النفسي الذي يدرك بدون أن يسمع من الله ... " .

وقال : " واما قوله (( لتلقى كلام الله الأزلي )) . فهذا كلام أهل البدع وأما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون يتكلم إذا شاء وقالوا هو قديم النوع حادث الآحـاد . والله اعلم " .

ثالثاً : قال المغراوي في تعليقه على كلام سيد في سورة الأعراف : " ما ذكره سيد قطب من أنا لا ندري بأية حاسة أدرك موسى كلام الله تبارك وتعالى فظاهر الآية القرآنية على أن موسى سمع كلام الله بأذنيه وأدرك بقلبه على سنة الله في خلقه في أي بشر . فهذا هو الأصل حتى يأتي دليل يخرجه عن هذا الأصل والدليل مفقود وليست هناك إلا أساطير وإسرائيليات حكاها بعض المفسرين رجماً بالغيب . واما كلام الله لعبده موسى فكان بصوت وحرف صدر منه تعالى كيف شاء "

رابعاً : قال ربيع بن هادي المدخلي تعليقاً على كلام سيد في سورة الأعراف وسورة طـه ، هكذا يـقـول :
(( بالبناء للمجهول ، فلا يمكن تحديد مصدر النداء )) ، فهو لا يؤمن بأن هذا النداء من الله ، مع صراحة قوله تعالى في الآية : "إِنِّي أَنَا رَبُّكَ"، في أن النداء من الله ، ولا يؤمن بأن موسى سمع هذا النداء من الله !
وكأنـه لم يسمع قول الله : "إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً" وقولـه : "وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً" !! فـمـا فـائـدة قـولـه : (( فـذلـك مـن أمـر الله نؤمـن بوقوعه )) ؟!

وقال أيضاً : وهذا تشكيك بالغ النهاية وفيه تأييد لمذهب أهل الضلال من الجهمية والمعتزلة والخوارج ، وخذلان لمذهب أهل الحق ، أهل السنة والجماعة . ثم ما فائدة تمويهه بقوله : (( فذلك من أمر الله نؤمن بوقوعـه )) وهو لا يؤمن بأن مصدره هو الله ، ولا يؤمن بسماع موسى لكلام الله … . وهكذا أوقع نفسه ومن يتأثر بكلامه في هوة البدعة والجمود لكلام الله تعالى . وعلى كل حال فالرجل مغرق في إنكار أن الله يتكلم مغرق في القول بخلق القرآن . وهل قالت الجهمية والمعتزلة اكثر من هذا ؟! .
وهل فطرة سيد السليمـة قادتـه إلى هذا القول الخطير في القرآن العظيم وفي كلام الله عموماً ؟! ….. .

وبعد أن استعرضنا كلام سيد وكلام خصومه ، يتبادر إلى أذهاننا بعض التساؤلات :
ما هو معتقد سيد في صفة الكلام لله عز وجل ؟
وهل يثبتها إجمالاً أم ينفيها كلية ؟
- وهل يثبتها على طريقة أهل السنة والجماعة بالتفصيل أم لا ؟

هذا ما سوف نجيب عنه بإذن الله تعالى ، فنقول :

أولاً : إن سيد رحمه الله تعالى لم ينفِ عن الله صفة الكلام بل أثبت أن الله يتكلم في نفس المواضع التي لامه فيها خصومه وإليك الأمثلة :
1 - قال في تفسير سورة البقرة آيه 75 "أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ... " : " ألا إنه لا مطمع ولا رجاء في أن يؤمن أمثال هؤلاء . فللإيمان طبيعة أخرى ، واستعداد آخر . إن الطبيعة المؤمنة سمحة هينة لينة ، مفتحة المنافذ للأضواء ، مستعدة للاتصال بالنبع الأزلي الخالد بما فيها من نداوة ولين وصفاء . وبما فيها من حساسية وتحرج وتقوى . هذه التقوى التي تمنعها أن تسمع كلام الله ثم تحرفه من بعد تعقله " .

2 - قال في تـفسـير سـورة النـسـاء آيه 164 : " وإذا كان الله قد كلم موسى تكليماً " ... " فلا نعلم إلا انه كان كلاماً " .
3 - وقال في تفسير سورة الأعراف آيه 143 : " … المشهد الفذ الذي اختص الله به نبيه موسى عـلـيه السلام مشهد الخـطاب المباشر بين الجليل سبحانه وعبده موسى "
" ولا ندري كـيـف كـان كلام الله سبـحانه لعبده مـوسى . ولا ندري بأية حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله " ... " إنها الوهلة المذهلة وموسى يتلقى كلمات ربه " .
4 - وقال أيضاً في تفسير سورة مريم آيه 52 : " ويبين فضل موسى بندائه من جانب الـطـور الأيمن وتـقريـبه إلى الله لدرجة الكلام " ... " ولا نعلم كيف اعد الله كيان موسى البشري لتلقي كلام الله الأزلي إنما نؤمن انـه كان " ... " وكلام الله علوي على علويته " .
5 - وقال في تفسير سورة الشـورى آيه 51  وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.....  " ويقطـع هذا النص بأنه ليس من شأن إنسـان أن يكلمه الله مواجهـة … "

وهناك مواطن أخرى أثبت فيهـا سيد صفة الكـلام أو أضافه إلى الله في الصفحات التالية : ( 84، 118 ، 721 ، 925 ، 1367 ، 1407 ، 1445 ، 1855 ،3169)
ممـا سبـق يتبين لنا أن سيد رحمه الله لا ينفي صفة الكلام عن الله تعالى بل يثبتها إجمالاً ، وهذا واضح من كلامه فهو يثبت أن الله تعالى يتكلم ، ورحم الله الشيخ عبد الله الدويش فإنه لم يرمِ سيد بما رمـاه غـيره من نفي صـفـة الـكلام عن الله فقال الشيخ : إن كان قصده كنه ذلك فهذا صحيح وإن كـان قـصـده نفي صـفة الكلام ونفي كـونه بحرف وصوت فهذا قول أهل البدع … .

وكذلك الشيخ المغراوي فإنه لم يتهم سيد بأنه ينفي عن الله صفة الكلام بل خطأه في أمور أخرى كما سوف يأتي . أَبعد هذا يقال إن سيد ينفي عن الله صفة الكلام !! . سبحانك هذا بهتان عظيم .

كان الأولى لربيع المدخلي أن لا يتهم سيد بنفي الكلام عن الله ، بل يبين خطأه بتجرد وأمانة علمية ، وعدم إخفاء الحقائق التي ذكرها سيد في إثبات الكلام لله تعالى ، من غير تضخيم الأخطاء الأخرى التي وقع فيها سيد في صفة الكلام لله تعالى . وسوف نأتي على ذكرها .
ولا يفوتنا أن نبين أن سيد رحمه الله عندما تكلم على صفة الكلام لم يقل بما قاله أهل البدع عندما نفوا عن الله صفة الكلام من أنه الكلام النفسي الأزلي ... الخ . أو انه نفى عن الله الكلام كليةً ، بل أثبت لله الكلام كما مر معنا سابقاً .

ثانياً : سيـد رحـمه الله وغفر له قد جانب طريقة أهل السنة والجماعة في تفاصيل متعلقة بإثبات صفة الكلام لله عز وجل ، ونسأل الله أن يغفر لنا وله الأخطاء ، وهي :
" كيف تم كلام الله لموسى " أقول : فإن أهل السنـة يثبتون انه كلام بصوت وحرف .
" وكيف تلقاه موسى ، و بأية حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله " أقول : فإن أهل السنة يثبتون أن موسى تلقاه بأذنيه .
" وكلام الله الأزلي " أقول : أهل السنة يثبتون أن الكلام من الصفات الفعلية فهو قديم النوع حادث الآحاد .

الخلاصة : سيد رحمه الله يثبت صفة الكلام لله عز وجل إجمالاً وبدون تفصيل فهو لا يعلم كيف تم الكلام ولا كيف تلقاه موسى مما يجعله يجانب طريقة أهل السنة في تفصيل هذا الإثبات ومع ذلك فهو لا يوافق أهل البدع في هذه التفاصيل بل يذكرها كتساؤلات ويفوض علمها إلى الله لأن القرآن ( في حدود علمه ) قد أعرض عنها . والله اعلم
يتبع...
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:57 AM
سادساً : اليد
اليد صفـة ذاتيـة خبريـة لله عـز وجـل ، وهـي ثابتة بالكتـاب والسنـة ، قـال تعالى "وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ" ، وقال "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ".

ذكر أقوال سيد التي أُخذت عليه في صفة اليد

أولاً : قال سيد في تفسير قوله تعالى "وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ" ( المائدة آية 64 ) قال : وذلك من سوء تصور اليهود لله سبحانه فقد حكى القرآن الكريم الكثير من سوء تصورهم ذاك وقد قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء عندما سئلوا النفقة ! وقالوا : يد الله مغلولة ، يعللون بذلك بخلهم ، فالله - بزعمهم - لا يعطي الناس ولا يعطيهم إلا القليل .. فكيف ينفقون ؟! .
وقد بلغ من غلظ حسهم ، وجلافـة قلوبهم ، ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه وهـو البخـل بلفظـه المباشر ، فاختاروا لفظاً أشد وقاحـة وتهجماً وكفراً فقالوا : يد الله مغلولة ! .
ويجئ الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم ، ولعنهم وطردهم من رحمة الله جزاء على قولهـم : "غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ". وكذلك كانوا ، فهم أبخل خلق الله بمال ! .
ثم يصحح هذا التصور الفاسد السقيم ، ويصف الله سبحانه بوصفه الكريم . وهو يفيض على عباده من فضله بلا حساب : "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ"
وعطاياه التي لا تكف ولا تنفذ لكل مخلوق ظاهرة للعيان .. شاهدة باليد المبسوطة ، والفضل الغامر ، والعطاء الجزيل ، ناطقة بكل لسان . ولكن يهود لا تراها ، لأنها مشغولة عنها بالـلم والضم ، وبالكنود وبالجحود ، وبالبذاءة حتى في حق الله ! .

ثانياً : وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى : "قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ" ( ص آية 75 ) : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ؟ والله خالق لكل شئ . فلا بد أن تكون هناك خصوصية في خلق هذا الإنسان تستحق هذا التنويه . هي خصوصية العناية الربانية بهذا الكائن وإبداعه و نفخه من روح الله ، دلالة على هذه العناية .

ثالثاً : وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" ( الزمر آية 67 ) قال : نعم ما قدروا الله حق قدره ، وهم يشركون به بعض خلقه . وهم لا يعبدونه حق عبادته . وهم لا يدركون وحدانيته وعظمته . وهم لا يستشعرون بجلاله وقوته .
ثم يكشف لهم عن جانب من عظمة الله وقوته . على طريقة التصوير القرآنية ، التي تقرب للبشر الحقائق الكلية في صورة جزئيه ، يتصورها إدراكهم المحدود "وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ".
وكل ما يرد في القرآن وفي الحديث من هذه الصور والمشاهد إنما هو تقريب للحقائق التي لا يملك البشر إدراكها بغير أن توضع لهم في تعبير يدركونـه ، وحتى صورة يتصورونها . ومنـه هذا التصوير لجانب من حقيقـة القدرة المطلقـة التي لا تتقيد بشكل ولا تتحيز في حيز ولا تتحدد بحدود .

هذه المواطن التي أخذت على سيد في صفة اليد لله تعالى ، فقد أوردها محمد المغراوي ثم قال تعقيباً على كلام سيد :
وتأويله في هذه الصفة واضح جداً بل عبارته تكاد تكون مثل عبارة الزمخشري صاحب الكشاف انظر الرد على القرطبي في تأويل هذه الصفة .

وقـال الشيـخ عبد الله الدويـش تعليقـاً على كـلام سيـد السابق في تفسير سورة ص آيه 75 - راجع الفصل السابق ثانياً - : هذه الآية صريحة في إثبات صفة اليدين لله تعالى على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل خلافاً لأهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ممن نفى هذه الصفة أو أولها بتأويل باطل وقد بسط العلماء الكلام على ذلك ، راجع كتاب التوحيد لإمام الأئمة ابن خزيمة ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيميه ومختصر الصواعق المرسلة على المعطلة والجهمية وغيرها ، فإن أراد إثبات هذه الصفة فهو حق وإن أراد أن معنى الآية هو خصوصية العناية فقط فهذا باطل .

وقد أشار ربيع بن هادي المدخلي إلى أن سيد يعطل هذه الصفة دون أن يبين بالشواهد أين عطل سيد صفة اليد لله فقال :
وخامستها تعطيله لعدد من الصفات كالاستواء والنزول واليد ولا يستبعد انه يجري على هذا المنوال في كل الصفات . أ . هـ .


المواطن التي أورد فيها سيد قطب صفة اليد

أولاً : قال سيد قطب في تفسير قوله تعالى "وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"
( الأعراف آية 57 ) : إنه تصور حي ينفي عن القلب البلادة . بلادة الآلية والجبرية . ويدعها أبداً في يقظة وفي وقاية .. كلما حدث حدث وفق سنة الله . وكلما تمت حركة وفق ناموس الله انتفض هذا القلب يرى قدر الله المنفذ ويرى يد الله الفاعلة ويسبح لله ويذكره ويراقبه ولا يغفل عنه بالآلية الجبرية ولا ينساه .

ثانياً : كما أَورد صفة اليد في موضع آخر حيث جاءَ في تفسيره لقوله تعالى "ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ" ( السجدة آية 9 ) : أنها يد الله التي سوت هذا الإنسان .... أ . هـ .

ثالثاً : ذكر سيد قطب في تفسير قول الله تعالى "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً" ( الفتح آية 10 ) : وهو تصور رهيب جليل للبيعة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والواحد منهم يشعر وهو يضع يده في يده ، أن يد الله فوق أيديهم فالله حاضر البيعة ، والله صاحبها والله آخذها ويده فوق أيدي المتبايعين … ومن ؟ الله ! يا للهول ! ويا للروعة ! ويا للجلال ! .

رابعاً : قال أيضاً في تفسير قوله تعالى "لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم" ( الحديد آية 29 ) قال : ... فالله يدعوا الذين آمنوا إلى استحقاق رحمته وجنته وهبته ومغفرته حتى يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على احتجاز شئ من فضله وان الفضل بيده يؤتيه من يشاء غير مقصور على قوم ، ولا محجوز لطائفة ولا محدود ولا قليل : "وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"

وللاستزادة في المواطن التي أورد فيها سيد قطب صفة اليد لله تعالى يمكنكم الرجوع إلى ذلك في المواضع التالية : ( المائدة 2 / 918 ) ، ( المؤمنون 4 / 2478 ) ، ( النمـل 5 / 2659 ) ( يـس 5 / 2978 ) ، ( الحجرات 6 / 3338 ) ، ( الذاريات 6 / 3385 ) .
والإشكال أن سيداً رحمه الله عندما يورد صفة اليد لا يثبتها كما أثبتها السلف بقولهم أنها يد حقيقية تليق بالله عز وجل ، ولا يؤولها كما يؤولها الأشاعرة وغيرهم بقولهم واليد هنا بمعنى القدرة .
إنما يوردها كما هي ، فهو أحياناً يوردها وتفهم منه أنه يثبتها وإن لم يصرح كما مرت في الآية العاشرة من سورة الفتح ، وأحياناً يوردها وكأنه يؤولها كما مرت في الآية السابعة والستين من سورة الزمر فالأولى أن نقول كما قال الشيخ الدويش رحمه الله " إن أراد إثبات الصفة فهو حق وإن أراد كذا فهو باطل " والله أعلم
يتبع.....
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:58 AM
سابعاً : المحبة
أورد الشيخ محمد المغراوي كلام سيد قطب رحمه الله عند تفسير آيه ( 54 ) من سورة المائدة في الظلال وذلك على صفة المحبة دون أن يعلق عليه .

وعند استقصاء كلام سيد رحمه الله تعالى في صفة المحبة ، نجد أنه يثبت هذه الصفة لله تعالى ، وما نقله المغراوي عنه في تفسير سورة المائدة ( آيه 54 ) يثبت لنا أن سيد يثبت صفة المحبة لله تعالى فإليك ما يدل على ذلك :

أَولاً : قال عند تفسير قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" ( المائدة آية 54 ) : فالحب والرضى المتبادل هو الصلة بينهم وبين ربهم .. الحب .. هذا الروح الساري اللطيف الرفراف المشرق الرائق البشوش .. هو الذي يربط القوم بربهم الودود .
وحب الله لعبد من عبيده ، أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله - سبحانه - بصفاته كما وصف نفسه ، وإلا من وجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها .. أجل لا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي .. الذي يعرف من هو الله .. من هو صانع هذا الكون الهائل ، وصانع الإنسان الذي يخلص الكون وهو جرم صغير ! من هو في عظمته . ومن هو في قدرته . ومن هو في تـفرده . ومن هـو في ملكوتـه .. من هو ومن هذا العبد الذي يتفضل الله عليه منه بالحب .. والعبد من صنع يديه - سبحانه - وهـو الجليـل العظيم ، الحي الدائم ، الأزلي الأبدي ، الأول والآخر والظاهر والباطن .
وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها .. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمراً هائلاً عظيماً ، وفضلاً غامراً جزيلاً ، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد ، الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه .. هو إنعام هائل عظيم .. وفضل غامر جزيل .
وإذا كان حب الله لعبد من عبيده امراً فوق التعبير أن يصفه ، فإن حب العبد لربه امر قلما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين .. وهذا الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل - ولازالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد وهي تقول :

فليتك تحلـوا والحيـاة مـريـرة وليتك ترضى والأَنام غضاب
ولـيت الذي بيني وبينك عـامـر وبيـني وبين العالميـن خراب
إذا صح منك الود فالكـل هيـن وكل الذي فوق التراب تراب

هذا الحب من الجليل للعبد من العبيد ، والحب من العبد للمنعم المتفضل ، يشيع في الوجود ويسري في هذا الكون العريض ، وينطبع في كل حي وفي كل شئ ، فإذا هو جو وظـل يغمران هذا الوجود ويغمران الوجود الإنساني كله ممثلاً في ذلك العبد المحب المحبوب . أ . هـ .

ثانياً : قال أيضاً عنـد تفسير قولـه تـعالى "قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" آل عمران آية 32 ) : أي لا تخالفـوا عن أَمره - "فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" .. فدل على أَن مخالفته في الطريقة كفر ، والله لا يحب من اتصف بذلك ، وإن ادعى وزعم في نفسه أَنه محب لله .
يتبين من الموضعين السابقين أَن سيد يثبت صفة المحبة لله عز وجل وإن كان قد ذكر كلاماً فيه إشكال عند تفسير قوله تعالى "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً" ( النساء آية 36 ) : وهو " والتعبير القرآني يقول : إن الله (( لا يحب )) هؤلاء والله سبحانه - لا ينفعل انفعال الكره والحب إنما المقصود ما يصاحب هذا الانفعال من مأَلوف البشر من الطرد والأَذى وسوء الجزاء " .

وهذا كلام يحتمل تأويل صفة المحبة وعند جمعه مع كلامه السابق الذي فيه إثبات صفة المحبة لله عز وجل قد يقال إن مقصود سيد رحمه الله تنزيه الله عن مشابهة خلقه في الانفعالات التي تصاحب الحب والكره ، ولكنه لا يقصد أن يحصر معنى الحب في القرب والإحسان وحسن الجزاء ولا أن يحصر معنى الكره في الطرد والأذى وسوء الجزاء وذلك لأن في حديثه السابق عن الحب لله عز وجل يثبت معانٍ أُخرى لحب الله لعبيده وإن كانت هذه العبارات ليست من عبارات السلف رحمهم الله .

وخلاصة القول : أن سيد أورد صفة المحبة بما يفهم من أنه يثبتها وإن كانت له عبارات غير صحيحة كان الأولى تركها . والله أعلم
يتبع....
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 03:59 AM
ثامناً : الوجه
الوجـه صفـه ذاتيـة خبرية لله عز وجل ، قال تعالى "وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ" ، وقال "وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ" .

أقوال سيد في صفة الوجه لله تعالى :

1 - قال : في سورة البقرة عند قوله تعالى "وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" ( البقرة آية 115 ) : " فهي توحي بأنها جاءت رداً على تضليل اليهود في ادعائهم أن صلاة المسلمين إذاً إلى بيت المقدس كانت باطلة وضائعة ولا حساب لها عند الله ، والآية ترد عليهم هذا الزعم وهي تقرر أن كل اتجاه قبلة فثم وجهه حيثما توجه إليه عابد وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله فيه طاعة ، لا أن وجه الله سبحانه في جهة دون جهة والله لا يضيق على عباده ولا ينقصهم ثوابهم ، وهو عليم بقلوبهم ونياتهم ودوافع اتجاهاتهم وفي الأمر سعه والنية لله إن الله واسع عليم " .

2 - وقال في قوله تعالى : "كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" ( القصص آية 88 ) : فكل شيء زائل ، وكل شيء ذاهب المال ، والجاه ، والسلطان ، والقوة ، والحياة ، والمتاع وهذه الأرض ومن عليها وتلك السماوات ومن فيها ، وما فيها وهذا الكون كله ما نعلمه منه وما نجهله كله هالك فلا يبقى إلا وجه الله الباقي متفرداً بالبقاء .

3 - وقال عند قوله تعالى : "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ" ( الرحمن آية 27 ) : وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس وتخشع الأصوات وتسكن الجـوارح وظل الفناء يشمل كل حي ، ويطوي كل حركة ويغمر آفاق السماوات والأرض ، وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح والزمان والمكان ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار …. ويعقب على هذه اللمسـة العميقة الأثر بنفس التعقيب فيعد استقرار هذه الحقيقـة الغناْ ، لكل من عليها وبقاء الوجـه الجليل الكريم وحده بعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجـه بها الجن والإنس .

4 - وقال عنـد قولـه تعالى : "وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى" ( الليل آية 19 - 20 ) : ثم ماذا ؟ ماذا ينتظر هذا الأتقى ، الذي يؤتي ماله تطهراً ، وابتغاء وجه ربه الأَعلى ؟ إن الجزاء الذي يطالع القرآن به الأرواح المؤمنة هنا عجيب . ومفاجئ . وعلى غير المألوف .

5 - قال في تفسير قوله تعالى "لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ" ( البقرة آية 272 ) : إن هذا هو شأَن المؤمن لا سواه . إنه لا ينفق عن هوى ولا عن غرض . لا ينفق وهو يتلفت للناس يرى ماذا يقولون ! لا ينفق ليركب الناس بإنفاقه ويتعالى عليهم ويشمخ ! لا ينفق ليرضى عنه ذو سلطان أَو ليكافئه بنيشان ! لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله .
6 - أَما في تفسير قوله تعالى "وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ " ( الرعد آية 22 ) : والصبر ألوان . وللصبر مقتضيات . صبر على تكاليف الميثاق . من عمل وجهاد ودعوة واجتهاد ... الخ . وصبر على النعماء والبأساء . وقل من يصبر على النعمة فلا يبطر ولا يكفر . وصبر على حماقات الناس وجهالاتهم وهي تضيق الصدور .. وصبر وصبر وصبر وصبر .. كله ابتغاء وجه ربهم ، لا تحرجاً من أن يقول الناس : جزعوا . ولا تجملاً ليقول الناس : صبروا . ولا رجاء في نفع من وراء الصبر . ولا دفعاً لضر يأتي به الجزع . ولا لهدف واحد غير ابتغاء وجه الله ، والصبر على نعمته وبلواه . صبر التسليم لقضائه والاستسلام لمشيئته والرضى والاقتناع .. .

7 - وقـال في تفسير قولـه تعالى "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" ( القيامـة آية 22 - 23 )
: فلنتطلع إلى فيض السعادة الغامر الهادئ ، وفيض الفرح المقدس الطهور ، الذي ينطلق من مجرد تصورنا لحقيقـة الموقف على قدر ما نملك . ولنشغل أَرواحنا بالتطلع إلى هذا الفيض ، فهذا التطلع ذاته نعمة . لا تفوتها إلا نعمة النظر إلى وجهه الكريم ..

قال المغراوي : " والذي يظهر أن سيد قطب يثبت صفة الوجه لكن بتحفظ " .
وقال أيضاً : " سيد قطب في تفسيراته لهذه الآيات لا يؤولها بل يبقيها على ظاهرها ، فنحن نحمله على المتبادر إلى الذهن من إثبات الصفة " .
يتبع...
  • ملف العضو
  • معلومات
tilagite
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 10-11-2008
  • المشاركات : 89
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • tilagite is on a distinguished road
tilagite
عضو نشيط
رد: كتاب (( في ظلال القرآن )) لسيد قطب - رحمه الله - ما له وما عليه
23-11-2008, 04:00 AM
تاسعاً : العين
صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة .
أورد سيد قطب رحمه الله العين مضافة إلى الله تعالى في عدة مواضع من الظلال ، فتارة يؤولها بالرعاية والتعليم والإحاطة وما شابه ذلك ، وتارة ينسب لها الرؤية وهو وجه من أوجه إثبات الصفة ، وتارة يسكت عنها .
فمن الأولى قولـه في تفسير الآية 37 من سورة هود " وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا"
قال : " أي برعايتنا وتعليمنا "
ومن الثاني قوله في تفسير قوله تعالى : "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" ( التغابن آية 18 ).
قال : " فكل شيء مكشوف لعلمه ، خاضع لسلطانه ، مدبر بحكمته ، كي يعيش الناس وهم يشعرون بأن عين الله تراهم " .
يتبع....
 
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


المواضيع المتشابهه
الموضوع
مجموع أسئلة تهم الأسرة المسلمة , للشيخ العثيمين -رحمه الله
هنا نجمع السنن المهجورة
الساعة الآن 02:58 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى