إيقاذ الشعلة في وجه من أباح نكاح المتعة
22-12-2008, 07:27 AM
إيقاذ الشعلة في وجه من أباح نكاح المتعة

بسم الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليهوعلى آله وصحبه أجمعين تسليما كثيرا .
أما بعد:
فإن عدو الله إبليس – أعاذ نا الله وإياكم منه – ما برح يسعى في إغواء العباد وإضلالهم عن طريق الحق وجادة الصواب ، فزين لهم الباطل ، وصدهم عن سبيل الحق ، تارة بالشهوات ، وأخرى بالشبهات ، ولم ولن يترك سبيلا إلا سلكه يغويهم ويضلهم ، وقد أخبرنا الله سبحانه بذلك فقال : [[ قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ]] الحجر : 39 – 40 .وقال عز وجل :[[ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ، ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ]] الأعراف :16 – 17 .فلم يترك وسيلة إلا استعملها في مسلكه الخبيث الفاسد ، حتى يستعمل بعض الأحيان الحق ليصل إلى هدفه ، قال تعالى مقررا هذا :[[ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ]] وفي الصحيحين : >> .. قال لأبي هريرة : ألا أعلمك كلمات إذا قلتها في الصباح لم يقربك شيطان حتى تمسي ، وإذا قلتها في المساء لم يقربك شيطان حتى تصبح ، آية الكرسي . فلما أخبر أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم : قال له النبي : >> صدق وهو كذوب << .
والأبواب والمداخل التي يأتي منها ليجهز على بني آدم كثيرة ، ومنها باب تتبع رخص الفقهاء وزلاتهم ، التي فتحها الشيطان على مصراعيها للتلبيس على العِبادِ والعلماء والعُباد ، وخدع بذلك الكثيرين من المسلمين ، وها نحن نسمع ونقرأ من يتتع رخص بعض العلماء المتمثلة في زواج المتعة ، لتنتهك الحرمات ، وتستباح الأعراض ، وتموت الفضيلة ، ويمزق المجتمع [ أيدي سبأ] ،وتترك الواجبات تعلقا بقول زيفٍ وتمسكا برخصةٍ كالطيف .
فصار هؤلاء يحكمون أهواءهم في مسائل الخلاف ، فيأخذون أهون الأقوال وأيسرها على نفوسهم دون استناد إلى دليل شرعي ، بل تقليدا لطائفة منحرفة عن الخط المستقيم للطائفة الناجية ،أو تقليدا لزلة عالم فلما بان له الحق رجع عنها ، وهم لم يرجعوا ، فإذا ما نصحوا بالدليل الراجح ، وطولبوا بـحـجج الشرع الواضح تنصلوا من ذلك بحجة واهية ، وهي أن زيدا من الناس أفتى بذلك ،معتقدين أن في قوله ذلك حجة لهم يوم القيامة ، فإن قيل لهم ، لقد خولف فيه ، وقد رجع عنه ، لوو رؤوسهم بلي أعناق الأدلة لما في نفوسهم من هوى ، وصدوا وهم مستكبرون ، وإن تعجب من ذلك ، فدونك ما هو أعجب منه ، إنهم يأخذون رخصة ذلك المفتي من العلماء في هذه المسألة – نكاح المتعة – ويهجرون أقواله الثقيلة على نفوسهم في المسائل الأخرى ، فيعمدون إلى التلفيق ، والترقيع بين الأقوال ، والمذاهب ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ولا يخفى عليك أخي المسلم ما في هذا المسلك – تتبع الرخص - من التهاون بحدود الشرع ، مما ينتج فوضى في جميع مجالات الحياة لا حدود لها ، ومنها الأخطار والأضرار الناجمة عن نكاح المتعة كما سأبينه - إن شاء الله - .
ولما كان الأمر كما ذكرت لك ، والخبر كما سقته لك ، رأيت أن أكتب هذا الرد على صاحب المقال >> زواج المتعة هو الحل << مبينا فيه بطلان ما ذهب إليه ، وأن ذلك القول هو مذهب بعض الشيعة الروفض ، الذين من أبرز سماتهم التكذيب لله ولرسوله ، والوضع والكذب عليهما ، والتأويل والتحريف للكلم عن مواضعه ، أما علماء السنة وثقاتهم فيمتازون بالصدق والأمانة ،والضبط ، والانصاف، وقد أجمعوا من عصر الصحابة إلى عهد الأئمة أصحاب المذاهب ، إلى اليوم على تحريم نكاح المتعة تحريما أبديا بنص الحديث النبوي بعد أن كان مباحا للضرورة الملحة ، وما شرع للضرورة يبقى في حكم الضرورة ، ولايتجاوزها، لأن الضرورة تقدر بقدرها ، هذا إذا لم يأتي ما يقطع هذه الضرورة ، فكيف ، وقد جاء ذلك صريحا صحيحا .وقد ذكر الإجماع جماعة من أهل العلم منهم ابن المنذر ، وابن حزم ، وابن تيمية ، والقرطبي ، والنووي ، وسيد سابق ، والزحيلي وغيرهم .
وما نهزني إلى القيام بهذا الواجب هو ما رأيته في مقال صاحبنا من نسبة الكذب إلى الله ورسوله ،كقوله :حلت المتعة بالكتاب والسنة ، والتلاعب في تحريف الأدلة ، كاستدلاله بآية [ النساء :24 ، وآية الأحزاب :50 ] على أن الأجر فيهما هو ثمن الاستمتاع ، وتزييف الحق ، وتزيين الباطل ،بطرح شبهات كثيرة وكبيرة باطلة يلبس بها على أهل الحق ، يريد فتح باب من الشر عظيم في هذه الأمة السنية .
وتجد أخي القاريء في هذه الرسالة ، التعريف بنكاح المتعة لغة وشرعا ، أركانه وشروطه ، والصور التي يختلف فيها عن الزواج الصحيح ، ثم أذكر حكمه عند علماء السنة ، ثم أنقاشه في مقاله فقرة فقرة ، حتى يتبين للقاريء مدى خبطه ، وخلطه للحق بالباطل ، ثم أذكره بالحل الذي ينبغي أن نحسس المجتمع به ، وليس الحل أن نوسع دائرة الضرورة على فرض صحة ما ذهب إليه، ونجعلها حكما مطردا في جميع الحالات مما يجعل المجتمع يعيش فوضى عارمة فوق ما هو فيه من فساد ، وأخيرا ، أذكره الله في أعراض هذه الأمة ، وأن لايكون مفتاحا للشر ، مغلاقا للخير ، فلأن يكون العبد تابعا في الخير ذيلا فيه ، خير من أن يكون رأسا في الشر متبوعا .فإن أصبت فمن الله وحده ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان ، هذا باختصار، وأسأل الله لي وله الهداية وقبول الاستغفار.آمين .
تعريف المتعة : بالضم والكسر ، اسم لتمتيع ، كالمتاع . ترتيب القاموس للطاهر الزاوي [ص200] والاستمتعاع استفعال ، بمعنى طلب الانتفاع ، واللذة ، وكل ما انتفعت به فهو متاع ، قال تعالى :[[ ربنا استمتع بعضنا ببعض ]] وقال :[[ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ]] يعني تعجلتم الانتفاع بها ، ولذتها في الدنيا قبل الآخرة .تفسير الفخر الرازي [ج 5/50].
والمتعة في الشرع هي : الزواج المؤقت ، والزواج المنقطع ، وهو أن يعقد الرجل على المرأة مدة محددة كيوم أو أسبوع أو شهر .
وسمي بالمتعة . كأن الرجل ينتفع ويتبلغ بالزواج ويتمتع إلى الأجل الذي وقته .فقه السنة لسيد سابق [ج2/ 41 42 ].
أركان زواج المتعة عند من أباحه من الشيعة الإمامية :وذكرتها حتى يتسنى للقاريء التفريق بينه وبين الزواج الشرعي الصحيح الدائم في الصور التي يختلف فيها عنه، والتي سأذكرها باختصار على أن أعوذ إليها وانقاشه فيها .
الركن الأول : الصيغة: أي أنه ينـعقد عندهم بلفظ : زوجتك ، وأنكحتك ، ومتعتك .
الركن الثاني : الزوجة : ويشترط كونها مسلمة أو كتابية ، ويكره بالزانية .
الركن الثالث : المهر : وذكره شرط ويكفي فيه المشاهدة ويتقدر بالتراضي ولو بكف من بـُر ،أي القمح.
الركن الرابع : الأجل : وهو شرط في العقد ، ويتقرر بتراضيهما ، كاليوم والأسبوع والشهر ، ولابد من تعيينه.
ومن أحكامه أن عدم ذكر المهر مع ذكر الأجل يبطل العقد ، وذكر المهر دون ذكر الأجل يقلبه دائما .
ويجوز اشتراط إتيانـها ليلا أو نهارا ، ويجوز اشتراط أن لايطأها في الفرج ، ويجوز العزل من دون إذنها ، ويلحق الولد بالأب وإن عزل عنها ، لكن لو نفاه وقال هذا ليس بولدي لم يحتج إلى لعان بينهما .
ولا يقع بالمتعة طلاق بإجماع الشيعة ، ولا لعان على الراجح ، ويقع الظهار على خلاف فيه ، ولايثبت بزواج المتعة توارث بين الزوجين ، وأما الولد فإنه يرثهما ويرثانه من غير خلاف .
إذا انقضى أجلهما انفسخ العقد ،فإن أراد تجديده قبل انتهاء المدة لم يصح ، وإن كان بعد انتهاء المدة صح وبنفس الشروط المذكورة أنفا.
وإذا انقضى أجلهما فالعدة حيضتان عند من تحيض ، وخمسة وأربعو يوما عند من لاتحيض ، وإذا توفى عنها في مدة العقد فلا عدة عليها .من كتاب المختصر في فقه الإمامية [ص205 – 207 و الروضة البهية : 2/ 103 وما بعدها .
الصور التي يختلف فيها زواج المتعة عن الزواج المطلق هي :
أولا الصيغة : فإن الصيغة التي استعملها الشارع لإنشاء العقد هي صيغة الماضي ، ويشترط فيها الإيجاب والقبول ، ولفظها زوجتك وأنكحتك، ولايصح العقد بصيغة المستقبل، ولا بتعليقه على شرط لم يقع بعد،وينبغي اتحاد مجلس الإيجاب والقبول فلا يفصل بينهما بأجنبي، على خلاف المتعة عند الشيعة فإنه يصح بصيغة المستقبل ، ويصح تعليقه على شرط حتى لو لم يقع بعد،والفصل بين الإيجاب والقبول .
ثانيا : ذكرهم الركن الثاني الذي هو الزوجة ، واشتراطهم أن تكون مسلمة ، أو كتابية فهذا تحصيل حاصل ،لأنه لا يجوز للمسلم أن ينكح المشركة ، والكافرة غير الكتابية ،والزانية ،قال الله تعالى :[[ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ، ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ]]وقال :[[.. الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ]] لذلك أهل السنة لا يذكرون مثل هذا الشرط أو الركن ، وإنما يذكرون أن تكون المرأة ذات دين وصلاح .. وما جاءفي قوله صلى الله عليه وسلم :>> تنكح المرأة لأربع : لمالها ، وجمالها ، وحسبها ، ودينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك << رواه مسلم .
ثالثا : المهر : فلا شك أنه شرط لصحة النكاح ، ولكن لا يشترط ذكره عند جمهور الفقهاء ، إلا المالكية قالوا باستحباب ذكره فإن لم يذكر أثناء العقد ذكر أثناء الدخول ، والعقد صحيح باتفاق لأن المهر ليس ركنا في العقد ولا شرطا لصحته ،وإنما هو شرط لصحة النكاح وعليه حتى لو كان مؤجلا صح العقد والنكاح، على خلاف زواج المتعة فإن المهر إما ركنا في العقد أو شرطا له ، ولا يصح عندهم العقد بدون ذكره . وأهل السنة يلاحظون في المهر معنى أعلى من معنى المكافأة والعوض فإن رابطة الزوجية أعلى من ذلك بأن يلاحظ فيه معنى تأكيد المحبة والمودة لبناء بيت يكون فيه الاستقرار والديمومة ، وهذا المعنى لايوجد عند من كانت نيته مسبقة بأن يفارق هذه المرأة التي يريد أن يعطيها ذلك الأجر مقابل ما يستمتع به منها لبضعة ساعات ، أو أيام ، أو شهور ، وهذا ما يجعله أجرا مقابل الاستمتاع يخرجه عن النكاح إلى السفاح .
رابعا الأجل : وهذا الركن أو الشرط لايوجد أصلا عند أهل السنة ، وإنما تكون المدة عندهم مفتوحة ، والنية فيه غير معلنة ، حتى لا تصبح هذه الزوجة سلعة رخيصة تأجر بضعها كما تفعله الزانيات ، وإلا فما هو الفرق بين زانية تأجر نفسها لزان يوما أو اياما ، وبين امرأة عفيفة تأجر نفسها يوما أو أياما ؟ ويمكن للأولى أن تتفق مع هذا الزاني على تحليل هذا الجرم في صورة الزوجية المؤقتة ، بأن تتفق معه على الصيغة ،وإنجاب الولد ،وهي المسلمة ،والأجر يسمى مهرا ، والمدة شهرا ،فلا فرق البتة لأن في زواج المتعة يمكن للمرأة أن تزوح نفسها لايشترط فيه ولي ، ولا شهود ، والمدة يمكن أن تحدد بيوم ،كما يمكن أن تحدد بأسبوع ..
أهل السنة يشترطون في النكاح الولي ، فلا نكاح إلا بولي ، ولا تزوج المرأة نفسها أبدا وإنما البكر تستأذن والثيب تستأمر ،أما عند الشيعة الذين يقولون بزواج المتعة فالمرأة يمكنها أن تزوج نفسها فلا يشترط في العقد ولي ولا وكيل .وكذلك اشترط بعض الفقهاء كالمالكية الشهود في العقد ، واستحبه الجمهور .
ومن الصور التي يفارق فيها الزواج الثابت الصحيح عن نكاح المتعة ، أن هذا الأخير لا يقع به طلاق ، ولا لعان ، ولا توارث بين الزوجين ، وهذا نـسف لأحكام الزواج الصحيح ، وفيه ظلم لحقوق الزوجية ، وهو يفتح بابا عظيما من الشر بالدعوة إلى إيجاد اولاد إن لم نقل بأنهم غير شرعيين قلنا من لتنشئة هؤلاء تنشئة سليمة ،ورعاية مستديمة ، وهم وإن كانوا يلحقون الولد بالأب إلا أننا نسألهم من يقوم بتربية هذا الطفل والنفقة عليه ، وهو محتاج إلى عناية كلا الوالدين وحنانهما ، ورحمتهما معا ؟
ومن الصور التي يختلف فيها الزواج الدائم عن نكاح المتعة أنهم يجيزون اشتراط عدم الوطأ في الفرج ، وهذا يلزم منه جواز وطأها في الدبر ، أو الاستمتاع بها دون الفرج هروبا من الإنجاب ، كما يجوزون العزل من دون إذن المرأة ، وهذا فيه إضرار بها ، أما أهل السنة فلا يجيزون العزل إلا بإذنها .كما أنهم يقولون ، أن الرجل إذا نفى الولد لم يحتج إلى لعان بينهم ، وكأنهم يقولون أن القول قوله ، ويتهمون المرأة بذلك ، وهذا يسوغ لكل رجل لا يخاف الله وتكون نيته الاستمتاع بالنساء أن ينكر أولاده من كل من تزوج منها ، وكانت متزوجة قبل أن تتزوج به ، فيتهمها بالأول ، لأن الرحم يبرأ عندهم بحيضتين أو خمس وأربعين يوما فقط، فلا تلاعن ، ولا متابعة لعدم وجود عقد مدني ، وهكذا تضرر المرأة بفعل هؤلاء الذواقين .
ومن الصور التي يختلف فيها الزواج الصحيح عن نكاح المتعة أن عدتها إذا انقضت المدة المتفق عليها حيضتين ، إن كانت ممن تحيض ، وإن لم تكن ممن تحيض فعدتها [45 يوما] ، وهذا مخالف للقرآن والسنة ، فعدة الحرة ثلاثة قروء ، على خلاف في تفسير القرء هل يقصد به الطهر ، أو الحيض ، وعلى كلا التفسيرين فلا تقل عدتها إن كانت ممن تحيض عن ثلاث حيض ،وإن كانت من اليئسات فثلاثة أشهر ، وإن كانت ممن مات عنها زوجها فأربعة أشهر وعشرا ، مالم تكن حاملا ، فإن كانت حاملا فعدتها وضع حملها ، وبقولهم ذلك أخرجوها عن دائرة الحرائر إلى شيء لايوجد في الشرع ، وإن لم تكن تحيض الحقوها بالجواري والعبيد .و لا أدري ماهي عدتها إذا كانت حاملا عندهم ، أما إن توفي زوجها ، فقد اختلفت عباراتهم ، منهم من لم يجعل عليها عدة ، ومنهم من قال بعدتها كالزوجة .
حكم زواج المتعة عند علماء أهل السنة : اتفقت جماهير الصحابة ، والأئمة الأربعة ومن بعدهم على أن زواج المتعة حرام ، وعللوا لذلك مع الأدلة من القرآن والسنة والإجماع بتعليلات معقولة .
أما القرآن : فقوله تعالى : [[ والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم ، أو ما ملكت أيمانهم ، فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ]] فهذه الآية حرمت الاستمتاع بالنساء إلا من طريقين : الزواج وملك اليمين ، وليست المتعة زواجا صحيحا ، ولا ملك يمين ، فتكون محرمة ، والدليل أنها ليست زواجا أنها ترتفع من غير طلاق ، ولا نفقة فيها ، ولا يثبت بها توارث ..ألخ .واكتفي بهذه الآية خشية الطول .
وأما السنة : فالأحاديث الكثيرة المتفق عليها والصحيحة ، منها حديث علي ابن أبي طالب ، وسبرة الجهني ، وسلمة ابن الأكوع وغيرهم رضي الله عنهم، والمتضمنة النهي الصريح عن نكاح المتعة عام خيبر، وبعد فتح مكة، والتأكيد عام حجة الوداع، فمن شاء مراجعتها فعليه بالكتب الستة لأهل السنة وعلى رأسها الصحيحين .
أما الإجماع : فقد أجمعت الأمة الإسلامية إلا شواذ الشيعة على تحريم زواج المتعة ولو كان جائزا لأفتوا به . قال ابن المنذر : جاء عن الأوائل الرخصة فيها ، أي في المتعة ، ولاأعلم أحدا اليوم يجيزها ، إلا بعض الرافضة ، ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله ، وقال القاضي عياض من علماء المالكية : ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض . نيل الأوطار للشوكاني [ج6/136].وهو يقول به ، وهو أعرف بمذاهب القوم .
أما المعقول: أولا : فإن الزواج إنما شرع مؤبدا لأغراض ومقاصد اجتماعية سامية مثل سكن النفس ، وإنجاب الأولاد وتكوين الأسرة ، وليس في المتعة إلا قضاء الشهوة بنحو مؤقت ، فهو كالزنا تماما ولا فرق ، فلا معنى لتحريمه مع إباحة المتعة .
ثانيا : أن هذا الزواج لا تتعلق به الأحكام الواردة في القرآن بصدد الزواج والطلاق والميراث، واللعان، والوفاة ، وكفالة الأولاد ، فيكون باطلا كغيره من الأنكحة الباطلة .
ثالثا : لأنه يقصد به قضاء الشهوة ، ولايقصد به التناسل ، ولا المحافظة على الأولاد ،وهي المقاصد الأصلية للزواج ، فهو يشبه الزنا من حيث قصد الاستمتاع دون غيره .
رابعا : إضراره بالمرأة ، إذ تصبح كالسلعة التي تنتقل من يد إلى يد ، كما يضر بالأولاد ، حيث لا يجدون البيت الذي يستقرون فيه ، ويتعهدهم بالتربية والتأديب .ثم ناهيك عن الأمراض المتنقلة الناجمة عن المخالطة المتنقلة .
خامسا : أن ما أبيح للضرورة ينتهي بانتهائها ، ولا يعطى حكما عاما مطردا في جميع الأحوال .
مناقشته فقرة فقرة :
قوله في مطلع كلامه : أن زواج المتعة هو الحل .. لما مر معنا يتبين أن زواج المتعة هو المشكل الذي ليس له حل ، إلا الفساد والعبث بالحرمات والأعراض ، والقضاء على مقومات الأسرة ، ومنها تفكيك المجتمع إلى الإباحية التي لاحدود لها ، فإذا كان الواقع مترديا مع منع نكاح المتعة ، فكيف إذا سهلنا للشباب أن يتزوج المرأة لبعض الوقت من أجل قضاء شهوته على دراهم معدودات ،أو متاع قليل ،بحجة أنه يتمتع ويتذوق الزواج ولو مؤقتا ، فلا شك أنه الضرر والشر بعينه .
وقوله : ثم المتعة هي التسمية الشائعة للزواج المؤقت أو الزواج المنقطع .. فأقول : هذا الكلام فيه مغالطة ، فإن المتعة غير الزواج المؤقت عند الفقهاء، وإن كانت صورته صورة زواج مؤقت ،فالمتعة التوقيت فيها شرط لا زم ،متفق عليه بين المرأة والرجل ، وعدم ذكر المهر يبطل العقد ، أما الزواج المؤقت عند فقاء أهل السنة فهو ما استجمع شروط وسنن الزواح الصحيح ، إلا أن المتزوج ينوي طلاق هذه الزوجة دون تعيين المدة ولااتفاق مسبق أثناء غربته ،وأبيح للضرورة إذا خاف على نفسه العنت وإلا فلا، ومن العلماء من لم يجزه ،ولا يبطل بعدم ذكر المهر ، ففرق بين من ينوي تحصين نفسه من الزنا ، ومن يريد أن يتذوق متعة الفروج ، فيتنقل من امرأة إلى أخرى ، وكل شهر يتزوج واحدة .
وأما قوله : بل شرعـها الله ورسوله .. فنقول : نعم شرعها لحكمة أرادها ، ثم حرمها لحكمة أرادها واستقر الأمر أخيرا على تحريمها إلى الأبد ، ولم يحلها بعده شيء ، وعلى هذا استقر الأمر عند جماهير الصحابة ، وأن ما حرمه رسول الله هو تماما كالذي حرمه الله سبحانه ولا فرق ، فقد جاء في الحديث الحسن : لاألفين أحدكم متكئا على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري ، فيقول : ما وجدناه في كتاب الله . ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ماحرم الله ، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض .وهو حديث صحيح أنظر صحيح سنن أبي داود للألباني، فمن قال بحلها بعد التحريم فقد افترى على الله ورسوله الكذب ، وقد قال الله تعالى : [[ إن الذين يفترون الكذب لا يفلحون ..]] .
وأما قوله ذاكرا الآية :[[ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ]] النساء : 25 .فلست أدري ما وجه الاستشهاد بالآية ، ولم يسبق لأحد من أهل العلم أن استشهد بها على أن المقصود منها هو تسهيل وتيسير نكاح المتعة لأن في الزواج الصحيح صعوبة ومضايقة ، فالآية تكشف عن حقيقة ما يريده الله للناس ، وحقيقة ما يريده الذين يتبعون الشهوات ، وهي متممة للآيات السابقة التي تتحدث عن تنظيم الأسرة ، وتطهير المجتمع ، وتحديد الصور النظيفة الطاهرة التي يحب الله سبحانه أن يلتق عليها الرجال والنساء ، وتبين تحريم ما عداها من الأنحكة التي كانت في الجاهلية ، والتي يريد الذين يتبعون الشهوات – ومنهم الذين يقولون بنكاح المتعة - أن يتبعوها ، وتبقى سائدة في المحتمع ، وقوله تعالى :[[ والله يريد أن يتوب عليكم ..]] معناه يريد بتلك الأحكام المذكورة أن يجعلكم بالعمل بها تائبين مما سلف في زمن الجاهلية وأول الإسلام إذ كنتم منحرفين عن سنة الفطرة ، وهذا ما يريده الذين يتبعون الشهوات ، وأما قوله تعالى : [[ ويريد الله أن يخفف عنكم ..]] معناه أنه لم يضيق عليكم في أمر النساء حتى أباح لكم إن لم تستطيعوا نكاح الحرائر إلى أربع ، أن تنكحوا عند الضرورة الإماء مما ملكت أيمانكم ، فليس فيما أحل لنا مما وراء ما حرم علينا من المذكورات إلا الحرائر ، والإماء المؤمنات من المسلمين والكتابيات ، ومن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون كما ذكرته آية المعارج وقد سبقت، والمنكوحة نكاح متعة ليست زوجة ،فتجري في حقها وعليها أحكام الزواج ، وليست مما ملكت اليمين فتجري عليها حكم الإماء ، لأن الإماء اليوم معدومات .والآيات حجة عليه وليست له لأنه يريد أن يسلك طريق الذين يتبعون الشهوات .
وقوله : أن زواج المتعة لا يختلف في أركانه عن الزواج الدائم ..فقد مر معك أخي القاريء في صدر هذه الرسالة الصور التي يختلف فيها النكاح الصحيح عن زواج المتعة ، وأضيف هنا فرقا واحدا وهو توثيق العقد مدنيا ، وهذا فيه أضرار اقتصادية واجتماعية ، ثم مَن مِن الناس يرضى أن يقف كل أسبوع ، أو كل شهر أو كل شهرين ، وثلاثة أشهر أمام القاضي والمأذون الشرعي ليعقد لآخر على ابنته ، وأخته ، هذا إن قيل لابد من العقد المدني ،أم يترك الأمر للنساء يذهبن وحدهن مع من ترتضينه زوجا في كل مرة يتفق عليها ، أليست هذه هي الفوضى بعينها ؟ تتزوج متى شاءت وبمن شاءت ووقت ما شاءت .
أما قوله : حلت المتعة بالكتاب والسنة ، ففي الكتاب ذكر الآية [24 ] من سورة النساء ، وهي قوله تعالى : [[ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ، فما استمتعتم به منهن فأتهن أجورهن فريضة ، وفي قراءة ابن عباس [[ … فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ..]] كما جاء في قوله تعالى في سورة الأحزاب آية 50:[[ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أتيت أجورهن .. ]].
والجواب على هذه الآية نقول : إن قوله :[[ واحل لكم ما وراء ذلكم ]] ظاهر الآية يفيد حل كل من لم تذكر من النساء في المحرمات في الآية ، والأمر ليس كذلك ، فهناك محرمات أخرى حرمن إما بالقرآن وإما بالسنة المبينة للقرآن ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها << وهو في الصحيحين وهناك المطلقة ثلاثا فإنها محرمة في عدتها وعلى زوجها الأول حتى تنكح زوجا آخر ، والمتوفى عنها زوجها وهي في العدة ، والزائدة على الأربع إلخ ..وهناك في الآية المذكورة محرمات تحريم مؤقت كقوله تعالى :[[ وان تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف .. ]] فالجمع هو المحرم ، أم في حالة طلاق أو وفاة فجاز الزواج من الأخت التي كانت محرمة ، وهناك في الآية أيضا ، المحصنات من النساء ، وهن المتزوجات على أرجح الأقوال ، فلا يجوز نكاحهن حال اتصافهن بالإحصان وهو التزوج ، إلا بعد طلاق أو وفاة ، وبعد انقضاء العدة ، ولهذا يقال كما قال أبو بكر بن الأصم : أن قوله :[[ وأحل لكم ما وراء ذلك ]] لا يقتضي إثبات الحل على سبيل التأبيد ، قال الفخر الرازي [ج5/45]] : وهذا الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب ، والدليل عليه أن قوله :[[ وأحل لكم ماوراء ذلكم ]] إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات وليس فيه بيان أن إحلال كل ما سوى المذكورات وقع موقع التأبيد أم لا ، والدليل على أنه لا يفيد بيان التأبيد : أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد وإلى غير المؤبد فيقال تارة [[وأحل لكم ماوراء ذلكم ]] أبدا ؛ وأخرى[[ وأحل لكم ما وراء ذلكم إلى الوقت الفلاني . قلت : ومعنى قوله إلى الوقت الفلاني : إلا أن تفارق التي تحتك بطلاق أو بوفاة ، لأن ليس كل ما وراء ذلك مما حرم علينا هو حلال ، فقد جاء في القرآن تحريم أنواع أخرى من النساء كقوله تعالى :[[ حتى تنكح زوجا آخر ]] وهي المطلقة ثلاثا وقد بانت منه وجاء تحريم مازاد عن الزواجات والإماء بملك اليمين في قوله تعالى :[[ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ]] لذلك حرمت الخامسة وجاء تحريمها أيضا في السنة ،كما حرم نكاح الإماء مع القدرة على نكاح الحرائر، وهكذا.. ولو كانت الآية صريحة في التأبيد لما كان هذا التقسيم ممكنا ، ولما جاز نكاح المذكورات آنفا مما لم يذكر في الآية . فليس التوقيت فيما وراء ذلك يعني حل جميع النساء ، وليس معناه نكاح المتعة فلم يقل بهذا أحد من الصحابة ، والتابعين والأئمة المتبوعين ، وقوله تعالى : [[ وأحل لكم ما وراء ذلك ]] مقيد بقوله تعالى :[[ فمن ابتغى وراء ذلك ]] ..وقوله تعالى : [[ محصنين غير مسافحين ..]] قاصدين التزوج وليس الزنا ،فمحصنين معناه متعففين عن الزنا ، وغير مسافحين أي غير زانين وهذا تكرير للتأكيد ، والسفاح والمسافحة الفجور ، وسمي الزنا بذلك لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة .قاله الفخر الرازي [ج5/ 47] . قلت : ونكاح المتعة ليس الغرض منه إلا اللذة وسفح الماء ، وإلا ما يمنع هذا المتزوج أن يعقد النية على ديمومة الزواج وتكوين الأسرة ؟
وقوله تعالى : [[ فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة ]].. قال الأمين الشنقيطي في أضواء البيان [ج1/322-323]: الآية في عقد النكاح ، لافي نكاح المتعة كما قال به من لايعلم معناها ، فإن قيل التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة ؛ لأن الصداق لا يسمى أجرا ، فالجواب أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجرا في موضع لا نزاع فيه؛ لأن الصداق لما كان في مقابلة الاستمتاع بالزوجة كما صرح به تعالى في قوله :[[ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ]] الآية ، صار له شبه قوي بأثمان المنافع فسمي أجرا ، وذلك الموضع هو قوله تعالى :[[ فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ]] أي مهورهن بلا نزاع ، ومثله قوله تعالى :[[ والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهم ]] الآية أي مهورهن فاتضح أن الآية في النكاح ،لا في نكاح المتعة.
قلت : واستدلال صاحبي بالآية 50 من سورة الأحزاب وهي :[[ يأيها النبي إن أحللنا لك أزواجك اللاتي أتيت أجورهن ..]] فيه اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم على أنه تزوج نساءه زواج متعة ، مع أن الأجر هنا يراد به المهر ليس إلا . فإن قيل : كان ابن عباس وأبي بن كعب ، وسعيد بن جبير والسدي يقرأون : فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ، وهذا يدل على أن الآية في نكاح المتعة ، فالجواب من ثلاثة اوجه :
الوجه الأول : أن قولهم إلى أجل مسمى لم يثبت قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتابته في المصاحف العثمانية ، وأكثر الأصوليين على أن ما قرأه الصحابي على أنه قرآن ، ولم يثبت كونه قرآنا لا يستدل به على شيء ؛ لأنه باطل من أصله ؛ لأنه لما لم ينقله إلا على أنه قرآن فبطل كونه قرآنا بعدم كتابته في المصاحف ؛ ظهر بطلانه من أصله .
الوجه الثاني : أنا لو مشينا على أنه يحتج به ، كالاحتجاج بخبر الآحاد كما قال به قوم ، أو على أنه تفسير منهم للآية بذلك ، فهو معارض بأقوى منه ؛ لأن جمهور العلماء من الصحابة وتابعيهم على خلافه ؛ ولأن الأحاديث الصحيحة الصريحة قاطعة بكثرة بتحريم نكاح المتعة ، وصرح صلى الله عليه وسلم بأن ذلك التحريم دائم إلى يوم القيامة كما ثبت في صحيح مسلم من حديث سبرة الجهني رضي الله عنه : أنه غزا مع رسول الله يوم فتح مكة فقال : >> يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، وأن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ،ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا << وفي رواية لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع ، ولا تعارض في ذلك لإمكان أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك يوم فتح مكة ، وفي حجة الوداع أيضا والجمع واجب إذا أمكن ، كما تقرر في علم الأصول وعلوم الحديث ، لإنه لا يصار إلى الترجيح إلا إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين .
الوجه الثالث : أن لو سلمنا تسليما جدليا أن الآية تدل على إباحة نكاح المتعة فإن إباحتها منسوخة كما صح ذلك في الأحاديث المتفق عليها عنه صلى الله عليه وسلم وقد نسخ ذلك مرتين الأولى يوم خيبر كما ثبت في الصحيح والآخرة يوم فتح مكة ، كما مر آنفا .
يتبع إن شاءالله...