بشرى الكئيب في نصرة الحبيب
24-05-2007, 10:15 PM
بشرى الكئيب في نصرة الحبيب



سلطان بن عبد الرحمن العيد



الحمد لله الذي شهدت له بربوبيته جميع مخلوقاته، وأقرت له بالعبودية جميع مصنوعاته، وسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا كُفْء له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من بريته، وسفيره بينه وبين عباده، وحجته على خلقه، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أرسله على حين فترة من الرسل، وليل الكفر مُدْلَهِمٌّ ظلامه، شديد قتامه، ففلق الله بمحمد -صلى الله عليه وسلم- صبح الإيمان، فأضاء حتى ملأ الآفاق نوراً، وأطلع به شمس الرسالة، وجعله سراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّر به من العمى، وأرشد به بعد الغي، وكثَّر به بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العَيْلَة، واستنقذ به من الهلكة، وفتح الله به أعيناً عمياً، وآذناً صماً، وقلوباً غلفاً، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد -عليه الصلاة والسلام- في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، وشرح الله له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وقرن اسمه باسمه، فإذا ذُكر ذكر معه، كما في الخطب والتشهد والتأذين، فصلى الله وسلم وبارك عليه ما تعاقب الليل والنهار.

من فضائله -صلى الله عليه وسلم-:

معاشرَ المؤمنين، يا أمةَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-..

لقد أكرم الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- بكثير من الخصائص والمعجزات، فجعله نبيه وخليله وسيد ولد آدم، وأكرم الرسل، وعظَّم قدره، ورفع ذكره، وأعلى مقامه، وأخذ العهد على جميع الأنبياء والرسل لئن بُعِثَ محمد -صلى الله عليه وسلم- ليؤمنن به، وجعله خاتم النبيين، وجعل أزواجه أمهات المؤمنين، وبعثه إلى الناس أجمعين، وتكفل بحفظه وعصمته، وجعله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأكرمه بالإسراء والمعراج، وشقِّ الصدر وانشقاق القمر، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطاه جوامع الكلم، ومفاتيح خزائن الأرض، ونصره بالرعب، وجعل قرنه الذي بعث فيه خير القرون، وقدَّمه على الأنبياء فصلى بهم في بيت المقدس، وإذا نزل عيسى -عليه السلام- آخر الزمان فإنه يصلي خلف رجل من أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- تكرمة الله له ولأمته.

وهو -صلى الله عليه وسلم- أول مَن يُبْعَث، وهو إمام الأنبياء، وأول من يَمُرُّ على الصراط، وأول من يقرع باب الجنة، وأول من يدخلها، أعطاه الله الوسيلة والفضيلة، والمَقام المحمود، والحوض المورود، والكوثر، وبيده لواء الحمد، وهو -صلى الله عليه وسلم- أول شافع وأول مُشَفَّع، وأكثر الناس تابعاً يوم القيامة، صدق الله حين قال: {لقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران:164].

تكريم الله لخليله محمد -صلى الله عليه وسلم-:

* ومن تكريم الله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- أن كرَّم ما يتصل به:

- فقد كرم نسبه الشريف، فجعله خير الناس نسباً.

- وكرم أهل بيته فأذهب عنهم الرِّجس وطهرهم تطهيراً.

- وكرم قرابته فأوجب لهم المودة، كما قال ربنا -عز وجل-: {قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23].

- وكرم قومه وعشيرته، فشرَّفهم ورفع قدرهم، كما قال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف:44]، أي: شرف لك ولقومك.

- وكرم نسائه -صلى الله عليه وسلم-، فجعلهن أمهات المؤمنين، وحرم نكاحهن من بعده.

- وكرم ابنته فاطمة -رضي الله عنها-، فجعلها سيدة نساء أهل الجنة أو نساء العالمين.

- وأكرم زوجه خديجة -رضي الله عنها- التي آزرته زمن الشدة بمكة، فجعل لها بيتاً في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.

- وكرم سبطيه الحسن والحسين فجعلهما سيدَي شباب أهل الجنة.

- وكرم أصحابه -رضي الله عنهم وأرضاهم-، فكانوا خير هذه الأمة بل خير القرون بعد الأنبياء والمرسلين، فحبهم دينٌ وإيمان، وبغضهم نفاقٌ وعدوان.

- وكرم مدينته -عليه الصلاة والسلام-، فجعلها حَرَماً، وجعل ما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة، وجعل الصلاة في مسجده الشريف بألف صلاة.

- وكرم أمته فجعلها وسطاً، وخير الأمم، وشاهدة على من سبقها من العالمين.

- وكرم قرينه من الجن فأسلم، فلا يأمره إلا بخير.

فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار.

رحمة للعالمين:

معاشرَ المؤمنين..

* إن الله -جل وعلا- قد جعل نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- سبباً لهداية الخلق إلى طريق الحق، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيدٍ -رضي الله عنه- قال: لما أفاء الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين، قسَّم في الناس، في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا إذ لم يصيبهم ما أصاب الناس، فخطبهم، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "يا معشرَ الأنصار، ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي...".

* وهو -صلى الله عليه وسلم- أولى بأمته من أنفسها، كما قال -عز وجل-: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} [الأحزاب:6].

وفي الصحيحين أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أنا أولى بموسى منهم...".

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "أنا أولى الناسِ بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة..." خرجاه في الصحيحين.

* وكان النبي الخاتم محمد -صلى الله عليه وسلم- رحيماً رؤوفاً حريصاً على أمته، كما وصفه الله بذلك في قوله: {لقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128].

وفي صحيح مسلم: أنه -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه وقال: "اللهم أمتي، اللهم أمتي"، وبكى -عليه الصلاة والسلام-، فقال الله -عز وجل-: "يا جبريل، اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟" فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما قال -وهو أعلم- فقال الله -عز وجل-: "يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك".

* وقد جعله ربنا رحمة مهداة، كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، ووصفه ربه -عز وجل- بقوله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} [التوبة:61].

* ووضع الله الإصر والأغلال بهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، كما قال الله -عز وجل- في وصفه: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]، فدينه دين اليسر والسماحة ورفع الحرج.

* وبركته -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة، على من اتبعه، فقد اختصه الله بالشفاعة العظمى، والحوض المورود تكرمة له ولأمته، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان..." ثم ذكر منهن: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".

* وكان -صلى الله عليه وسلم- يشتاق لرؤية أحبابه من المؤمنين:

ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا"، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا من بعد".

محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والذب عنه:

* ولقد ضرب الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- أروع الأمثلة في محبتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوقيره وتعظيم سنته، والذب عنه، فمن ذلك:

- قول أبي طلحة -رضي الله عنه- يوم أحد: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، لا تشرف، لا يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. خرجاه في الصحيحين.

- وتترس أبو دجانة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، حتى أصابته السهام في ظهره -رضي الله عنه-، يحمي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

- ولما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أظلمت المدينة، وأصابهم من الحزن ما أصابهم، حتى قال عمر ما قال، فجاء أبو بكر -رضي الله عنه- وتلا قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}، فلما أيقن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد مات، قال: فلم تقدر رجلاي على حملي وسقطت.

- وجاء من طرق: أنَّ أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قام على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته، فذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال: قد علمتم ما قام به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم بكى -رضي الله عنه-، وقال: "إن الناس لم يُعْطَوا في هذه الدنيا شيئا أفضل من العفو والعافية، فسلوهما الله -عز وجل-..." رواه أحمد وغيره.

- يقول أنس -رضي الله عنه-: قال أبو بكر -رضي الله عنه- بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزورها، فلما انتهيا إليها بكت.

فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله -صلى الله عليه وسلم-.

فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. خرجه الإمامُ مسلم.

- يقول أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب إلي أن أصل من قرابتي. خرجه البخاري.

- يقول أنس -رضي الله عنه-: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: "ما أعددت للساعة؟". قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال -عليه الصلاة والسلام-: "فإنك مع من أحببت". يقول أنس -رضي الله عنه-: فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فإنك مع من أحببت". قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم. خرجاه في الصحيحين.

- في الصحيح عن أبي سعيد -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جلس على المنبر، فقال: "إن عبداً خَيَّرَهُ الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عند الله". فبكى أبو بكر -رضي الله عنه-، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال أبو سعيد: فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا؟!. قال: فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الْمُخَيَّر، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- أعلمنا.

حكم من سبه أو انتقصه -عليه الصلاة والسلام-:

ولقد حرم الله إيذاء النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في كتابه فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} [الأحزاب:57].

وقال ربنا -عز وجل-: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة:61].

وقال -سبحانه وتعالى-: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب:53].

وأجمعت الأمة على قتل من ينتقص الرسول -صلى الله عليه وسلم- من المسلمين، وكذلك من نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة الشريفة بسُخف من الكلام ومنكر من القول وزور، يقول ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على أن من سَبَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يُقتَل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -غفر الله له-:

"الساب إن كان مسلماً فإنه يَكفُر ويُقتَل بلا خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم... وإن كان ذمياً فإنه يُقتل أيضاً في مذهب مالك وأهل المدينة.. وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث". انتهى كلامُه.

قد أفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم الطُلَيْطُلِي، وصلبه لاستخفافه بحق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم وخَتَنِ حَيْدَرَة، وزعمه أن زهده لم يكن قصداً.

وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سُحنون بقتل إبراهيم الْفَزارِيّ، وكان شاعراً متفنناً في كثير من العلوم، فرفعت عليه أمور منكرة في الاستهزاء بالأنبياء ورسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، فأمر القاضي بقتله وصلبه، فَطُعِنَ بالسكين وَصُلِبَ منكساً.

وفي الحديث الصحيح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتل كعب بن الأشرف، وقال: "مَن لكعب بن الأشرف، فإنه يؤذي الله ورسوله". فتوجه إليه مَن قَتَلَهُ من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وكذلك قَتَلَ أبا رافع: قال البراء: كان يؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويعين عليه.

وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة، أمر بقتل ابن خَطَل وجاريتيه اللتين كانتا تغنيان بسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد روي عن أبي بَرْزَة -رضي الله عنه- أنه قال: أخرجت عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، فضَربتُ عنقه بين الرُّكن والمقام. وهذا في اليوم الذي أحل الله فيه القتال لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بمكة، وهذا جزاء من سب وشتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وسأل الخليفة هارون الرشيد، سأل الإمام مالكاً عن رجل شتم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذكر له أن فقهاء العراق أَفْتَوا بجلده. فغضب الأمام مالك، وقال: يا أمير المؤمنين، ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها -صلى الله عليه وسلم-؟! من شتم الأنبياء قتل، من شتم الأنبياء قتل.

يقول الإمام أحمد: "كل من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- أو تنقصه -مسلماً كان أو كافراً- فعليه القتل، وأرى أن يُقْتَل ولا يُستتاب".

يقول القاضي عِياض: "فأما الذمي إذا صرح بسبه -صلى الله عليه وسلم- أو عرَّض أو استخف بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به؛ فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم؛ لأنا لم نُعْطِهِ الذمة أو العهد على هذا".

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والدلائل على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله، ووجوب قتله، وقتل المسلم إذا أتى ذلك: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار". أي: القياس.

يقول الله -عز وجل-: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التوبة:12].

يقول شيخ الإسلام ابنُ تيمية -غفر الله له-: "يجب علينا أن نبذل دماءنا وأموالنا؛ حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولا يجهرَ في ديارنا بشيءٍ من أذى الله ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-".

وقال -رحمه الله وغفر له-: "إن المعاهَدَ له أن يظهر في دارِه -أي: بلاده- ما شاء من أمر دينه الذي لا يؤذينا".

وقال في قوله -عز وجل-: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ...}، قال: "إنه جل وعلا سماهم أئمة الكفر لطعنهم في الدين... فإذا طعن الذمي في الدين فهو إمام في الكفر، فيجب قتاله لقوله -تعالى-: {فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} ولا يمين له؛ لأنه عاهدنا على أن لا يظهر عيب الدين وخالف".

وقال ربنا -عز وجل- في تكفير المستهزئ برسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-: {ولَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65-66].

قال شيخ الإسلام -غفر الله له-: "وقد دلت هذه الآية على أن كل من ينتقص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاداً أو هازلاً فقد كفر".

سنة الله فيمن انتقص الرسول -صلى الله عليه وسلم-:

ألا فليبشر من يكذب ويطعن ويتعدى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالذلِّ والهوان في الدنيا والدار الآخرة، وإليك هذه الحادثة؛ فإنها شاهد على ذلك:

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس -رضي الله عنه- أنه قال: كان منا رجل من بني النجار، قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لِمُحَمَّد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه، فحفروا له فوارَوه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذاً.

وهذا من فضيحة الله له؛ لأنه كَذبَ على النبي -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا لَحِقَ بالنصارى، فكان يقول -كما عند البخاري-: لا يدري محمد إلا ما كتبت له.

فأظهر الله كذب الكاذب، وانتصر لرسوله ممن تعدى عليه، وهؤلاء الذي يطعنون في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اليوم لهم نصيب من هذا الذل والهوان، فإن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته.

ها هو شيخ الإسلام -غفر الله له- يُعَقِّبُ على الحادثة المتقدمة بقوله:

"ونظير هذا ما حدثناه أعدادٌ من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة، عما جربوه مرات متعددة، في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا -يعني النصارى-، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا، حتى نكاد نيأس!!، إذ تعرض أهله لسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والوقيعة في عِرضِه، فعجّلنا فتحه وتَيَسَّر، ولم يكن يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عَنوة، ويكون فيهم ملحمة -أي: مقتلة- عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه -صلى الله عليه وسلم-، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوه فيه -عليه الصلاة والسلام-.

وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل الغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنة الله أن يعذب أعداءه: تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي المؤمنين" انتهى كلامه -غفر الله له-.

* وفي التاريخ أيضاً عبرة، ولن تجد لسنة الله تبديلاً:

لقد كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى كسرى وقيصر، وكلاهما لم يُسلم، لكن قيصر أكرم كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأكرم رسوله، فَـثَبَّت الله ملكه، ويقال: إن الملك بقي في ذريته زمناً طويلاً، وأما كسرى فقد مَزَّقَ كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستهزأ به، فقتله الله بعد قليل، ومزَّقه مُلْكَه كلَّ ممزق، ولَم يَبْقَ للأكاسرة ملك.

يقول شيخ الإسلام: "وهذا -والله أعلم- تحقيقٌ لقوله -تعالى-: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}، فكل من شنأه وأبغضه وعاداه؛ فإن الله يقطع دابره، ويمحق عينه وأثره... ولعلك لا تجد أحداً آذى نبياً من الأنبياء ثم لَم يَتُبْ إلا ولابد أن تصيبه قارعة، وقد ذكرنا ما جربه المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

ثم بَيَّن -غفر الله له وأسكنه الفردوس الأعلى- آثار هذا الطعن وواجب المسلمين عند حصوله فقال:

"أما انتهاك عِرضِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه مُنافٍ لدين الله بالكلية، فإن العِرض متى انتُهك سقط الاحترام والتعظيم، فسقط ما جاء به مِنَ الرسالة، فبطل الدين، فقيام الْمِدْحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له: قيامُ الدين كُلِّه، وسقوط ذلك: سقوط الدين كله، وإذا كان كذلك: وجب علينا أن ننتصر له -صلى الله عليه وسلم- ممن انتهك عرضه".

وقال أيضاً: "إن تطهير الأرض من إظهار سب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجبٌ بحسب الإمكان؛ لأنه من تمام ظهور دين الله، وعلو كلمة الله، وكون الدين كله لله، فحيثما ظهر سبه ولم ينتقم ممن فعل ذلك لم يكن الدين ظاهراً، ولا كلمة الله عالية".

ولله درُّ حسان بن ثابت -رضي الله عنه- حين خاطب من طعن في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:

هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه
وعند الله في ذاك الجزاءُ
فإنَّ أبي ووالدتي وعِرضي لعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ

اللهم يا حيّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إنعامه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى تركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه.

معاشر المؤمنين..

يقول الله -سبحانه وتعال-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 2-3].

يا أمةَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-..

شبهات:

* مما يُنَبَّه عليه في هذا المقام: أن تنفيذ العقوبات الشرعية المتقدمة -من قتل وغيره- المرجع فيها إلى ولاة الأمر، فليس لأحد أن يفتات عليهم.

* وكذلك العقوبات الاقتصادية من مقاطعةٍ وغيرها: المرجع فيها إلى السلطان ليأمر بما فيه مصلحة للإسلام وأهله، فإنه أعلم منك بذلك، وعلى هذا فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية: أن الأمر في هذا لولي الأمر.

* وليُحذر من استغلال جماعات التكفير والتفجير لهذه الحادثة من أجل إحداث فوضى عالمية أخرى يساء فيها إلى الإسلام وأهله، وكذلك يُحذر من استغلالهم هذا الحَدَث لتلميع قياداتهم الفاشلة، بدعوى نصرةِ الدين!، فإنَّ الخوارج لا يرجى منهم نصرٌ للإسلام وأهله، بل هم شرٌ وبلاء، يفسدون ولا يصلحون، ومربيهم الأول ذو الخويصرة قد تعدى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حين رآه يَقْسِمُ مالاً فقال: يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل!!

وكذلك أسلافهم استباحوا دماء أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقتلوا ابن عمه وزوج ابنته المبشر بالجنة عليّ بن أبي طالب، واليوم يستبيحون بلادنا ودماءنا تفجيراً وتخريباً، وقتلاً لرجال الأمن الموحدين وغيرهم، ثم يزعمون الانتصار لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-!

وأما موقفهم من أحاديثه -عليه الصلاة والسلام- في لزوم الجماعة والتحذير من المنازعة وَنَكْثِ البيعة والخروج على ولاة الأمر وتكفير المسلمين وسفك دماءهم، إنّ موقفهم من أحاديثه -صلى الله عليه وسلم- في ذلك سيءٌ ومخزي، خالفوا السنة واتبعوا أهواءهم وعصوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

سقوط الديمقراطية والحرية الغربية:

* ألا قاتل الله الديمقراطية الغربية التي تبيح الكفرَ والفسوق وانتهاك حرمات الله، وشتم أنبيائه والاستهزاء بهم بدعوى الحوار!، وحرية التعبير!، والرأي والرأي الآخر!!

أهذه هي الديمقراطية والحرية التي يُبَشِّرون العالم بها؟!

قبحها الله من ديمقراطية وحرية كفرية.

* وأما دعواهم حفظ حقوق الإنسان فكذب وباطل، وتغرير بالشعوب، وإلا فأين حفظُ حقوق رسل الله وأنبيائه؟!، وهم خيرُ بني الإنسان، ولماذا الانتقائية في هذا الحفظ المزعوم؟!

نعم: هل يجرؤ هذا العِلجُ المتعدي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هل يجرؤ على التشكيك في أكذوبة محرقة اليهود مثلاً؟!، صدق الله -عز وجل- حين قال: {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73].

وهم لا يضرون أحداً إنما يضرون أنفسهم، كما قال ربنا -عز وجل-: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال:36].

ألا ليت عبّادَ الصليب يحاسبون أنفسهم ويتوبون إلى الله من معتقداتهم الباطلة وشركهم، وليكفوا عن هذا السَّفَهِ والاستعداء، وليعلموا أن هذا الذي يسمونه حرية تعبير، إنما هو زيادة في الكفر، وظلم وعدوان، لن تقبل به أمةُ محمد -صلى الله عليه وسلم- أبداً تحت أي مبرر، نعم لن نغير عقيدتنا ولن نرضى بسبِّ رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- تحت مظلة الديمقراطية والحرية المزعومة، التي نشرت الفوضى والاضطراب والفسق والانحلال في كثير من بلاد العالم، فَقُنِّنَ الكفر والرذيلة والتعدي على الله وأنبيائه، ودوفع عن ذلك باسم الحرية!!، ويريدون منا أن نقبل هذا السفه ونتخلى عن ديننا وقِيَمِنا، قال الله -عز وجل-: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء:74-75].

أين أنتم عبّاد الصليب المزعوم من أخلاق أهل الإسلام وتوقيرهم لأنبياء الله ورسله دون استثناء؟!، دون استثناء؟!، {كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة:285].

ألا فاستمعوا للثناء على موسى -عليه السلام- نبي بني إسرائيل، في قول ربنا -عز وجل-: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً} [الأحزاب:69].

وأنصتوا لهذا التنويه العظيم بشرف عيسى الذي بعثه الله إلى النصارى، ففي سورة آل عمران من القرآن الكريم يقول الله -عز وجل-: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:45-46].

أين هذا من قدحكم وطعنكم في رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-؟!.

* وبعدُ يا معاشر العقلاء: يحق لنا أن نسأل:

من هو الظالم؟!، ومن هو الذي يستخف بالعقول؟!، ومن هو الفوضوي؟!، ومن الذي يتعدى على حقوق الإنسان؟!، ومن الذي يسعى لمصادرة حريات الشعوب؟!، ومن الذي يتكلم بلهجة ولغة القرون المظلمة؟!، ومن الذي يُغَذِّي العداء وينشر الكراهية؟!

أليس هذا تطرفاً؟!، أليس هذا إرهاباً؟!، أليس هذا غلواً نصرانياً؟!، أليس هذا سوءَ خُلُقٍ وقلة أدب؟!، أليس هذا كفراً بالله الواحد القهار؟!

يقول الله -عز وجل-: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء:150-151].

مواقف محمودة في نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم-:

* إن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ليحمدون موقف المملكة العربية السعودية وما صدر عن علمائها وولاة أمرها من الانتصار لرسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، واستنكار هذا التعدي على مقامه -عليه الصلاة والسلام-، وليس هذا بغريب على بلاد الحرمين -أعزها المولى -جل وعلا-.

* وإن تعجب فعجب صمت قنوات الفجور والفتنة عما يجري كأن الأمر لا يعنيها!!، أم أنها لا تنطق إلا إذا كان في الأمر إساءةٌ للملكة العربية السعودية؟!، وطمس لجهودها الخيرة؟!، وما كذبهم وإرجافهم في حادثة الجمرات عنا ببعيد، أجلبوا بِخَيْلِهم وَرَجِلِهم، واستعانوا بكل أفاك أثيم للطعن في بلاد الحرمين وعلمائها، وأجرموا في حق إخواننا القائمين على خدمة حجاج بيت الله الحرام، واللهُ حسيبهم، وهو -جل وعلا- لا يُصْلِح عمل هؤلاء القنواتيين المفسدين!!.

وأما اليوم فليس لمن يوجه هذه القنوات العميلة مصلحة في الدفاع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمرَّ الأمر وكأنه لا يعنيها، {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38].

* يقول ابن القيم -غفر الله له-:

هذا ونصرُ الدين فرضٌ لازم لا للكفايةِ بل على الأعيان
بيدٍ وإما باللسان فإن عجز تَ فبالوتجه والدعا بجنـان
ما بعد ذا والله للإيمان حبـ ـةُ خردلٍ يا ناصر الإيمـــان
بحياة وجهك خير مسؤول به وبنور وجهك يا عظيمَ الشان
من ذاك للمضطرِ يسمعه سوا ك يجيبُ دعوته مع العصيـان
إنـا توجهنا إليك لحاجةٍ ترضيكَ طالبُها أحقُّ معــان
فاجعل قضاهـا بعضَ أنعمك التي سبغت علينا منك كل زمان
انصر كتابك والرسولَ ودينك الـ عالي الذي أنزلتَ بالبرهان
وأقرِّ عين رسولِك المبعوثِ بالد ين الحنيف بنصرِه المتــدان
وانصره بالنصرِ العزيز كمثلِ ما قد كنتَ تنصرُه بكل زمـان
يا ربِّ وانصر خيرَ حزبَينا على حزبِ الضلالِ وعسكرِ الشيطان
وأقـم لأهل السنة النبوية الأ نصارَ وانصرهُم بكل زمـان
وأعزهم بالحقِّ وانصرهُم به نصراً عزيزاً أنت ذو السلطـان
ولك المحامدُ كلُّها حمداً كما يرضيكَ لا يفنى على الأزمــان
وعلى رسولِكَ أفضلُ الصلوات والتـ سليم منكَ وأكملُ الرضوان
وعلى صحابتِه جميعاً والأُلى تَبِعُوهُمُ مَن بعدُ بالإحســــان

فاللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لنم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد..

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذل الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعل هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين، اللهم آمنّا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

ربنا اغفر لنا ولوالدِينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم إنا خلقٌ من خلقك ليس بنا غنىً عن سقياك، اللهم إنا خلقٌ من خلقك ليس بنا غنىً عن سقياك، اللهم إنا خلقٌ من خلقك ليس بنا غنىً عن سقياك.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: شبكة مستقبل الإسلام (بتصرف