هَلْ عَرَفَ التَّارِيخُ مِثْلَ مُحَمَّد؟الشَّيخ الطَّيِّب العُقْبِي (رحمهُ الله)
06-02-2009, 06:32 PM
هَلْ عَرَفَ التَّارِيخُ مِثْلَ مُحَمَّد؟

وَ هَلْ كَشَرِيعَتِهِ وكِتَابِهِ مِنْ شَرِيعَةٍ

وكِتَاب؟


لِلْعَلاَّمَةِ الكبير: الشَّيخ الطَّيِّب العُقْبِي (رحمهُ الله)


بسم الله الرحمان الرحيم

كلا وربك كلا!! ما عرف التاريخ من قبل (محمد) مثل (محمد) نبي الرحمة العامة ورسول الهدى الكامل؛ ولن يعرف من بعده كمثله بشراً سويًا؛ ورسولا نبيا جاء للناس بالهدى ودين الحق وهداهم بكتابه المنير وشرعه المستبين إلى الحنيفية السمحة التي هي أقوم؛ وأحسن وأكمل وأجمل وأكرم؛ فكمل بذلك الكتاب الذي لا ريب فيه هذا الدين؛ وكمل به الاهتداء للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ومما رزقهم الله ينفقون, ومن شأن أمثال هؤلاء المتقين أن يؤمنوا بالكتاب كله ولا يفرقوا بين ناحية وأخرى من نواحي الحق كلما عرفوه فهم يؤمنون بما أنزل على محمد كما آمنوا بما أنزل من قبله وبالآخرة هم يوقنون؛أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون.

إن الفلاح للإنسان في عرفانه الحق وانقياده إليه؛ ووقوفه عند حدوده ومقتضياته كما أن خسرانه وهلاكه إنما هو في فسقه عن أمر ربه وخروجه عن أصل فطرته وما خلق لأجله وما ذاك إلا لأن ابن آدم قد خلقه الله من حيث الاستعداد الطبيعي والمواهب التي وهبها له في أحسن تقويم؛ له ميزته التي يهتدي بها إلى أحد النجدين:
﴿إما شاكرا وإما كفوراً ﴾ وله من كمال الخلق والمقدرة على الكسب ما يستطيع القيام معه بكل ما يجب عليه من حق فإن هو وفى بما يقتضيه خلقه وأصل طبيعته الكاملة وكان وفيا للحق بما عرف وما علم فهو المفلح الرابح والمخلوق الكامل يحتل مقامه السامي في أعلى عليين؛ وإن تمرد عن الحق وعصى ما يفرضه عرفانه به فهو الفاسق المرذول المنتكس المرتكس المرتد إلى أسفل سافلين؛ ولقد خلق الإنسان ككل الكائنات وجميع المحدثات متغيرا عرضة للزوال والفناء كلا وبعضا؛ يقوى ويضعف ويثبت ويضطرب وتعتريه أعراض كثيرة وتغيرات مختلفة؛ متضايقة متماثلة أحيانا؛ ومتنافية متناقضة أحيانا أخرى وهو في هذا العالم المتشابه وغير المشتبه في أصل خلقته وتكوينه وافتقاره وحدوثه واحتياجه إلى المدبر القدير والصانع الحكيم-عرضة للابتلاء بالخير والشر والموت والحياة ولكل ما يجري عليه من الأعراض والحوادث. فمن لم يعتصم بالحق إذا عرفه ويرتشد بالدليل الذي يهديه إليه ويوصله إلى سبيله المستقيم كلما التمسه وابتغاه بنظره وتفكيره, وتأمله وتقديره في كل ما خلق له أو خلق هو لأجله- كان حريا به أن لا ينتسب إلى هذا النوع الشريف في الخلق والبشر السوي الذي كمله الله بما خلق وسوى وقدر له وهدى, ومع هذا الخلق السوي والاستعداد الكامل في الإنسان فإن الصانع الحكيم القائم على كل نفس بما كسبت رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما ومن وسعت رحمته كل شيء-لم يدع هذا المخلوق الذي كرمه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا مهملا وموكولا إلى نفسه في عالمه المضطرب على نفسه والمضطرب على كل شيء فيه ولم يتركه سدى بل أقام عليه- وهو العاقل المفكر والمخلوق المدبر- الحجة بما ركب في أصل خلقته ووهب وبما نصب له من آيات الآفاق زيادة على آيات الأنفس التي هي أقرب ما يكون حتى إلى غير البصير من نوعه.

وأكمل له ما في نفسه من نقص بما جاءه من عنده ليرتشد إذا زاغ ويهتدي كلما ضل عن سواء السبيل؛ فكان الدليل وكان المرشد من نوع الإنسان إلى الإنسان مظهر رحمة من الله واسعة ونعمة من نعمه الشاملة.

فكمل من شاء من عباده برحمة منه وفضل لتقوم بكماله الحجة على أمثاله ممن هم دونه في إنسانيتهم وكمال فطرتهم وأرسله إليهم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الحق بإذنه وسراجا منيرا يأتسي به في الكمال البشري المؤتسون ويقتدي بالسير وراءه في سلوك سبيل الهدى المؤمنون بهذا الكمال والمهتدون,فتتجدد للمقصرين شرائع الهدى وتلوح للغافلين منهم معالم الكمال الإنساني والاهتداء فيبصرون طرق المعرفة التي هي نتيجة العقل وخلاصة ميزة الآدمي بل غاية ما يطلب منه الوصول إليه والوقوف عند حدوده ومقتضياته من الكمال.

وكل بني آدم –بالقوة أو بالفعل-جاهل إلا من علمه الله وفقير إلى كل شيء ما لم يغنه الله وأولى الناس بتطلب الكمال لأنفسهم ولغيرهم إنما هم العقلاء من الناس ومن كملت فيهم تلك الميزة وتلك الخصوصية وهم في كل وقت إلى هداية الله لهم بوحي السماء وإرشاده لهم أحوج ما يكونون.

فمن من العقلاء والكملة الرشداء الذي لا يؤمن بالحق إذا جاءه, ومن هو منهم الذي لا يستجيب لداعيه إذا دعاه وينقاد لموجباته ومقتضياته كلما عرفت؟؟...ذلك الذي صير البصراء من الناس يؤمنون بكل رسول جاء من عند الله ويستجيبون لدعوة الحق كلما سمعوها. وقد تجددت هذه الدعوة بتجدد حاجة البشر إليها كلما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكلما نسوا شرائع الحق ووحي السماء. وكانت الشرائع محلية وخاصة قبل تقارب الزمان والمكان؛ وربط العلاقات بين الأمم وتعارف بني الإنسان, وما كاد زمن
(محمد) صلى الله عليه وسلم يحين ويظل الناس يوم ولادته بظله الوارف حتى تهيأت أسباب التقارب والتعارف؛ ووجد من البواعث والدواعي في سائر أنحاء المعمورة ما صير كل الأمم وسائر الشعوب في حاجة ماسة إلى علاج واحد وشفاء تبتغيه كل امة ويتطلبه كل شعب في كل جهات الدنيا وقارات الأرض, ذلك أن ظلم القوي للضعيف وقسوة الإنسان على أخيه الإنسان وتحكم العزيز الجبار في الذليل المستعبد وتغلب المادة على الروح- داء عم البسيطة ومرض استوى فيه الروم والفرس وأهل الصين وأبناء جزيرة العرب, وما كان يرى على ظهر الأرض يومئذ إلا طبقتان للبشر؛تتحدان في البشرية والشكل, وتختلفان في الوضعية والفعل؛ هما طبقة النبلاء الأغنياء أو الحاكمون المستبدون الرؤساء وطبقة المغلوبين على أمرهم المستعبدين الضعفاء ولم يكن هنالك من عدل ولا رحمة ولا إنصاف ولا مساواة ولا أخوة بين الناس!. وكان الكل في حاجة إلى العلاج والشفاء وكشف ما نزل بهم من ضر وبلاء:فهؤلاء مرضى بمرض الكبر والأنانية وحب الاستعلاء في الأرض على الناس والإفساد فيها, وأولئك مرضى بما نزل بهم من مرض الذل والفاقة والفقر وما يتبع ذلك من استكانة واستخذاء وفساد أخلاق وجهل!..فمن هو الطبيب المداوي يأتي بعلاج عام وشفاء محقق ليبري الطائفتين ويستأصل أدواء الطبقتين؟.

ومن هو المصلح الأكبر والمرشد الأعظم الذي يصلح ما أفسده الناس في هذا المجتمع الآدمي المكرم, والخلق البشري السوي المتحد في أصله وخلقته الآدمية والمريض,كل بالمرض الذي أضناه في طبقته الاجتماعية؟. ومن ذا الذي يستطيع الجمع بين عبدة المادة وبين الذين لا يعرفون غير العمل للروح,بينما هم عبيد وأحقر من عبيد في عالم المادة؟ وأي علاج يملكه الطبيب الحكيم لمرض متعاص متعارض في الفاعلية والمفعولية؛ والرد والقابلية وما هي القوة التي توقف كل طبقة عند حدها المحدود لتعرف ما لها وما عليها وتفرق ما بين الواجب المفروض والحق المعلوم الذي لا بد منه لكل مخلوق في هذا الكون وهذا الوجود؟!..

ذلك المصلح الأكبر والطبيب الفذ, هو (محمد) العربي الهاشمي القرشي المكي الذي أظل زمانه وكان كل ما في الكون ينتظر يوم ولادته المبارك وزمنه الهني السعيد..! وهو هو الذي سيخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم بأمر الله وبإذنه إلى ما فيه سعادتهم الكاملة ومصلحتهم العمومية, ولد(محمد) في أرض الحجاز بمكة المكرمة التي هي سرة العالم ووسط الكرة الأرضية وفيها دب ودرج ومع لداته وأترابه من أبناء العرب تربى وفي كلية تلك الصحراء وبين جبال نجد وتهامة درس الحياة! وما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان لولا أن فضل الله كان عليه عظيما !.

ومن أين لمن نشأ في تلك البلاد وذلك الوسط وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا تصل به قوى عقله وتفكيره إلى أكثر مما يرى ويسمع ويعرف من سيرة قومه وأهله, أن يتعلم ما لم يكن يعلم أو يدري ما الكتاب وما الإيمان لولا الله؟!...


ما كان لمثله ولا سبق لغيره في مثل ذلك الوسط أن يتحدث عن الملإ الأعلى وعالم السماء ويجيء بالنبإ العظيم والأمر الخطير الجسيم الذي أدهش قومه وجعلهم يتساءلون وفي أمره هذا يختلفون, وقد بيتوا له من وراء مفاجئته لهم بهذا النبإ العظيم ما بيتوا وهموا بما لم ينالوا وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق.

وما هي إلا جولة قصيرة وأمد قليل حتى ظهر أمر
محمد على أمرهم وصرع بالحق الذي جاء به والكتاب المنزل عليه كل ما كانوا عليه من باطل وضلال. وإذا بالمريض يشفى من علته والجاهل يعلم الكتاب والحكمة؛ والجزيرة التي امتلأت شركا بالله وكفرا بأنعمه تصبح دار الإسلام ومعقله, ومقرا لتوحيد الله وعبادته وحده, لا يدعا فيها سواه ولا يخلص الدين فيها لغيره؛ فتتجاوب أصداء أرجائها وكل نواحيها بكلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وإذا المتفرق من شمل أولئك العرب يجتمع على بعض ويأتلف؛ والمختلف من أحزابهم وقبائلهم يتعارف ولا يتناكر ويتفق ولا يختلف والقلوب المتنافرة والجموع المتناحرة تعتصم بحبل الله المتين وتستسلم إلى الحق المبين؛ فتتكون لهم من وراء هذا الاعتصام واتحاد قلوبهم في توحيد الله تلك القوة التي ما مثلها من قوة ويجيئهم نصر الله والفتح.

فتنتشر الهداية الإسلامية بين أمم الأرض وشعوب العالم في أسرع ما يكون من الزمن وأقرب ما عرف الناس من الوقت لنشر دعوة كهذه وبث مبدإ وفكرة. وما لمن عرف الإسلام الصحيح ودين الحق الذي جاء به من مبدإ ولا فكرة سوى الوصول إلى غاية واحدة.

وتلك هي السعادة التي يتطلبها الشرق والغرب, ويبحث عنها العجم والعرب؛ بحب الخير لبني الإنسان كلهم وجعل الجميع منهم في مستوى واحد ضمن دائرة الحق والعدل والإنصاف والمساواة بين القوي والضعيف والغني والفقير والأبيض والأسود والأحمر والأصفر من الناس ومن وراء ذلك شفاء لما في الصدور والقلوب من مرض الأحقاد؛ وأدواء التقاطع والتنافر ومحق كل ظلم واستبداد؛ وعلو في الأرض بغير الحق وفساد, كل هذا مما جاء به
(محمد) صلى الله عليه وسلم وولد وظهر في هذا العالم بأكمل صوره وأجلى معانيه بظهور رسالته في الوجود وبعد ولادته!..

و كيف لا يكون هذا وأكثر منه على يد من بعثه الله متمما لمكارم الأخلاق؟!. فيا لأخلاق (محمد) ما أعظمها وما أجلها وما أكرمها؟؟؟.. ويا لله لفضل ذلك النبي الكريم على بني الإنسان!... ويا ما أعظم زعامته في الزعماء؛ وعظمته في العظماء؛ وبطولته في الأبطال؛ لو أنصف التاريخ والمؤرخون؛ واعترف الناس كلهم بالحق ونزلوا عند الأمر الواقع فيما يقولون ويكتبون!!!.. ويا ما أجل وأكبر الإصلاح البشري الذي جاء به سيد المرسلين وإمام المصلحين نبي الهدى الكامل؛ ورسول الرحمة العامة والأخوة الشاملة؛ لو عرف أسرار كتابه وفقه شريعته العالمون؛ وآمن بها الذين يؤمنون بالكتب المنزلة من قبل كتابه وبالآخرة هم يوقنون!!.. ويشهد الحق والمحقون أن التاريخ ما عرف مثل (محمد) في المصلحين السابقين ولا مثل شريعته وكتابه في تكميل الإنسانية وإسعاد بني البشر من قبل؛ وحقا إن التاريخ ما عرف ذلك لغير (محمد) من قبل (محمد) ولن يعرف فيما يأتي ويستقبل من الزمن مثل (محمد) في العالمين ولن يجد واجد لأمراض البشرية وشفائها من أدوائها وعللها مثل كتاب(محمد) وشريعته السمحة التي هي شريعة الفطرة والطبيعة؛ ودين المحبة والرحمة والأخوة العامة؛ والمساواة التامة؛ بين كل البشر وسائر الناس دون أي فارق أو تمييز....فسلام على محمد في المرسلين؛ وسلام عليه في العالمين؛ وسلام على روحه في الرفيق الأعلى إلى يوم الدين.

( الطَّيِّبُ العُقْبِي)

المصدر:
جريدة "الإصلاح", السنة الثالثة عشرة, عدد(22)/الجزائر:12 ربيع الأول1359هـ الموافق20 أفريل1940م, (ص:1و2).منقول من موقع منبر وهران.