دور الهجرة في النهوض بالتنمية (بان كي مون)
09-07-2007, 05:42 PM
من المألوف القول بأننا نعيش في عالم تسوده العولمة. ومن المفهوم ولو - بشكل أقل أن العولمة تحدث على مراحل. ونحن نعيش الآن مرحلتها الثانية، عنصر التـنقل.

وفي المرحلة الأولى للعولمة، ومع تحرر تدفقات رأس المال والسلع، تدفقت مزايا العولمة إلى العالم المتقدم وشركائه التجاريين الرئيسيين بصورة رئيسية. ومن بين أولئك الشركاء البرازيل والصين والهند. وبولوج عصر التنقل الأحدث، سوف يتحرك السكان عبر الحدود بأعداد أكبر، وبوتيرة متزايدة. والناس في سعيهم من أجل الفرص، وحياة أفضل، يمتلكون إمكانية التخلص من حالات اللامساواة الكبيرة التي يتسم بها عصرنا - والإسراع بعجلة التقدم في شتى أنحاء العالم النامي.

وإذا أخذنا مثالا واحدا فقط على ذلك، نرى أن المهاجرين أرسلوا إلى أوطانهم 264 بليون دولار عام 2006، أي ثلاثة أمثال المعونة الدولية مجتمعة. وفي بعض البلدان، يعتمد ثلث الأسر على هذه التحويلات للبقاء بعيدين عن ربقة الفقر. وتمول التحويلات الرعاية الصحية والتعليم وتنظيم مشاريع القواعد الشعبية في شتى أنحاء العالم النامي.

وكلما ازدادت حرية حركة السكان كلما ساعد هذا على تنشيط حركة الاقتصاد العالمي. فعندما يحتاج مستشفى في لندن إلى ممرضين، تقوم بتعيينهم من غانا أو سيراليون. وعندما تبحث مؤسسة غوغل عن مبرمجين، تكون الدول النامية غالبا هي المصدر. وإلى الآن كان تدفق السكان على هذا النحو لفائدة البلدان الأكثر ثراء في الغالب وولد هذا قلقا بشأن هجرة ذوي الكفاءة من البلدان الأكثر فقرا. بيد أن معرفتنا تتزايد اتساعا بشأن كيفية جعل معادلة الهجرة تعمل لصالح الجميع.

على أنه بدلا من النظر إلى المكاسب الإنمائية المحتملة من الهجرة إلى أقصى حد، كانت الحكومات بطيئة في التكيف. وكانت النتيجة هي الهجرة غير القانونية المتزايدة، والتوتر الاجتماعي، والتمييز، وفقدان الثقة في الحكومة وتقوية شبكات الإجرام.

وقد شهدت الحِقب السابقة هجرات على نطاق مماثل. ففي مطلع القرن العشرين كان زهاء 3 في المائة من سكان العالم في حالة حركة. وبعد 100 عام من ذلك، تقدر الأمم المتحدة أن هناك 191 مليون مهاجر دولي، وهي نسبة مماثلة تقريبا. وهذا الرقم آخذ في الازدياد. وهناك تقرير جديد لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، يشير إلى أن البلدان المتقدمة النمو شهدت ارتفاعا في الهجرة الدائمة عام 2005 بمعدل سنوي يبلغ قرابة 10 في المائة.

واليوم يتحرك المهاجرون بسرعة ويُسر بفضل النقل المنخفض التكلفة. وتجعلهم شبكة الإنترنت والاتصالات الهاتفية الزهيدة التكلفة ومحطات التليفزيون المرتبطة بالاقمار الصناعية، على اتصال دائم بوطنهم. وتقوم المصارف برقيا، وفي الحال بتحويل العائدات التي حصلوا عليها بمشقة إلى أسرهم. على أن العولمة في الوقت ذاته حولت بصورة جذرية أسواق العمل لدينا، بينما تؤدي اللامساواة الاقتصادية المتزايدة (إلى جانب الأزمات الطبيعية والتي من صنع الإنسان) إلى زيادة الهجرة. هذه هي اللوحة المتغيرة التي تجعل من عصرنا هذا عصر التـنقل.

ويمكن الاستفادة من كل هذه التغييرات تقريبا للحد من الفقر وعدم المساواة. والتحويلات ما هي إلا مثال على هذا. فمنذ سنوات قليلة مضت، كان المهاجرون يدفعون رسوما باهظة لإرسال أموالهم إلى الوطن، فيفقدون ما يقرب من 20 في المائة من تكلفة المعاملة. بيد أنه في ذلك الوقت تضافرت الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص لخفض هذه التكاليف. فالحكومة البريطانية على سبيل المثال، عززت المنافسة بإنشاء موقع على شبكة الانترنت سمح لمستخدميه بمقارنة تكاليف المعاملات. وقامت المصارف بإنشاء بطاقات مدفوعة سلفا وبطاقات ائتمان لأجل المهاجرين وأسرهم بالتحديد. وتقوم شركات الهاتف المحمول بإدخال تكنولوجيات تتيح تحويل الأموال عبر الهاتف.

وتؤكد هذه الابتكارات إمكانية مساهمة الهجرة في التنمية. وفي أيلول/سبتمبر 2006، ولأول مرة في التاريخ، عقدت الأمم المتحدة مؤتمر قمة حول الهجرة. وتنبأ كثيرون بأن البلدان المتقدمة والنامية ستدخل في مواجهات - فتلك الأخيرة سوف تشجب هجرة ذوي الكفاءة وانتهاك حقوق المهاجرين، بينما ستضرب الأولى عرض الحائط بما ستسمعه. وبدلا من ذلك، شارك أكثر من 100 بلد في تبادل بناء للآراء. وكانت التجربة إيجابية بحيث أن تلك البلدان تبنت اقتراحا أيده سلفي كوفي انان لإنشاء منتدى عالمي معني بالهجرة والتنمية. وسيبدأ المنتدى الافتتاحي غداً 9 تموز/يوليو في بروكسل)، وسيحضره حوالي 800 وفد من أكثر من 140 بلدا.

ويمثل المنتدى العالمي خطوة أولى مهمة في الجهود التي نبذلها لتسخير قوة الهجرة من أجل النهوض بالتنمية. وسوف نتعلم من الجهود المبذولة من قبيل جهود منظمة (IntEnt) في هولندا، التي ساعدت المهاجرين على إقامة 200 مؤسسة تجارية في بلدانهم الأصلية، والمصارف الصغيرة في المكسيك التي أتاحت للمجتمعات المحلية زيادة التحويلات الموجهة للاستثمار في مجالات التعليم والصحة والأعمال التجارية، ومدونة الممارسات الدولية للمملكة المتحدة/جنوب أفريقيا بشأن أخلاقيات تعيين الأخصائيين الصحيين، وكيف تسهل قوانين الجنسية المزدوجة السبيل للمهاجرين للقيام بدور أكبر في التنمية من خلال عودتهم برؤوس الأموال والمعرفة والشبكات إلى أوطانهم.

ولا يمكننا أن ننكر أن للهجرة أيضا نتائج سلبية. ويشكل المنتدى العالمي المعني بالهجرة فرصة لمعالجة هذه المشاكل بطريقة شاملة واستباقية، بحيث تعود الهجرة بمكاسبها على البلدان النامية والمتقدمة النمو على حد سواء. والعوامل الرئيسية التي تحيل هذا الأمر حقيقةً تشكل أركانا أساسية من الحس الإنساني الذي يجمعنا عالميا: التسامح والقبول الاجتماعي والوعي والانفتاح على الثقافات الأخرى، على اختلافها.

إن الهجرة يمكن أن تصبح قوة هائلة من أجل الخير. وإذا ما تتبعنا الدلائل، وبدأنا نتحدث بشكل عقلاني وبنظرة استشرافية أيضا، عن كيفية إدارة مصالحنا المشتركة بصورة أفضل، نستطيع سويا أن نساعد على بدء المرحلة الثالثة للعولمة - تلك الحقبة التي طال انتظارها، حيث يمكن أن يبدأ المزيد من السكان أكثر من ذي قبل في تقاسم الرخاء في العالم.


* الأمين العام للأمم المتحدة
نقلا عن الحياة اللندنية عدد 08/07/2007
التعديل الأخير تم بواسطة محمد عبد الكريم ; 09-07-2007 الساعة 05:48 PM