ديك الجن
05-05-2009, 08:20 PM
ديك الجن
777-849م
ديك الجن لقبٌ غلب عليه، واسمه عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن يزيد بن تميم. وكان جده تميم ممن أنعم الله عز وجل عليه بالإسلام من أهل مؤتة على يدي حبيب بن مسلمة الفهري، وكان شديد التشعب والعصبية على العرب، يقول: ما للعرب علينا فضل، جمعتنا وإياهم ولادة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأسلمنا كما أسلموا، ومن قتل منهم رجلاً منا قتل به، ولم نجد الله عز وجل فضلهم علينا، إذ جمعنا الدين.
وهو شاعرٌ مجيدٌ يذهب مذهب أبي تمام والشاميين في شعره. من شعراء الدولة العباسية. وكان من ساكني حمص، ولم يبرح نواحي الشأم، ولا وفد إلى العراق ولا إلى غيره منتجعاً بشعره، ولا متصدياً لأحد. وكان يتشيع تشيعاً حسناً، وله مراثٍ كثيرةٌ في الحسين بن علي عليهما السلام منها قوله:
وهي مشهورة عند الخاص والعام، ويناح بها. وله عدة أشعار في هذا المعنى، وكانت له جاريةٌ يهواها، فاتهمها بغلامٍ له فقتلها، واستنفد شعره بعد ذلك في مراثيها.
قال أبو الفرج: ونسخت خبره في ذلك من كتاب محمد بن طاهر، أخبره بما فيه ابن أخ لديك الجن يقال له أبو وهب الحمصي قال: كان عمي خليعاً ماجناً معتكفاً على القصف واللهو، متلافاً لما ورث عن آبائه، واكتسب بشعره من أحمد وجعفر ابني علي الهاشميين، وكان له ابن عم يكنى أبا الطيب يعظه وينهاه عما يفعله، ويحول بينه وبين ما يؤثره ويركبه من لذاته وربما هجم عليه وعنده قومٌ من السفهاء والمجان وأهل الخلاعة، فيستخف بهم وبه. فلما كثر ذلك على عبد السلام قال فيه:
غدت على اللهو والمجون على
لحبها لا عدمـتـهـا حـرقٌ
ما ذقت منها سوى مقبـلـهـا
وانتهرتني فمـت مـن فـرقٍ
ثم انثنت سورة الخـمـار بـنـا
وليلةٍ أشرفـت بـكـلـكـلـهـا
فتقت ديجـورهـا إلـى قـمـرٍ
عج عبرات المدام نـحـوي مـن
قد ذكر النـاس عـن قـيامـهـم
معرفتي بالـصـواب مـعـرفةٌ
يا عجبا من أبي الخـبـيث ومـن
يحمل رأساً تنبو المـعـاول عـن
لو البغال الكمت ارتقـت سـنـداً
ولا المجـانـيق فـيه مـغـنـيةٌ
انظر إلى موضع المقص من ال
فلو أخذتم لها المـطـارق حـر
إذاً لراحـت أكـف جـلـتـهـم
كم طرباتٍ أفـسـدتـهـن وكـم
وكم إذا مـا رأوك يا مـلـك ال
وكم لهـم دعـوة عـلـيك وكـم
كريمةٍ لؤمك اسـتـخـف بـهـا
قفوا على رحله تـروا عـجـبـاً
يا كـل مـنـيٍ وكـل طـالـعةٍ
سبحان من يمسك السماء على ال
قال: وكان عبد السلام قد اشتهر بجاريةٍ نصرانيةٍ من أهل حمص هويها وتمادى به الأمر حتى غلبت عليه وذهبت به. فلما اشتهر بها دعاها إلى الإسلام ليتزوج بها، فأجابته لعلمها برغبته فيها، وأسلمت على يده، فتزوجها، وكان اسمها ورداً، ففي ذلك يقول:
لم تبل عينك أبيضـاً فـي أسـودٍ
وردية الوجنات يختبر اسـمـهـا
وتمايلت فضحكت من أردافـهـا
تسقيك كأس مدامةٍ من كـفـهـا
قال: وكان قد أعسر واختلت حاله، فرحل إلى سلمية قاصداً لأحمد بن علي الهاشمي، فأقام عنده مدةً طويلة، وحمل ابن عمه بغضه إياه بعد مودته له وإشفاقه عليه بسبب هجائه له على أن أذاع على تلك المرأة التي تزوجها عبد السلام أنها تهوى غلاماً له، وقرر ذلك عند جماعة من أهل بيته وجيرانه وإخوانه، وشاع ذلك الخبر حتى أتى عبد السلام، فكتب إلى أحمد بن علي شعراً يستأذنه في الرجوع إلى حمص ويعلمه ما بلغه من خبر المرأة من قصيدة أولها:
يقول فيها:
وفيها يقول:
فالذي مني اشتملـت عـلـيه
قال ذو الجهل قد حلمت ولا أع
لاثمٌ لي بجـهـلـه ولـمـاذا
سوف آسى طول الحياة وأبكي
وقال فيها أيضاً:
أيها القلب لا تعـد
ليس برقٌ يكون أخ
خنت سري ولم أخن
قال: وبلغ السلطان الخبر فطلبه، فخرج إلى دمشق فأقام بها أياماً. وكتب أحمد بن علي إلى أمير دمشق أن يؤمنه، وتحمل عليه بإخوانه حتى يستوهبوا جنايته فقدم حمص وبلغه الخبر على حقيقته وصحته، واستيقنه فندم، ومكث شهراً لا يستفيق من البكاء ولا يطعم من الطعام إلا ما يقيم رمقه، وقال في ندمه على قتلها:
رويت من دمها الثرى ولطالمـا
قد بات سيفي في مجال وشاحها
فوحق نعليها وما وطىء الحصى
ما كان قتليها لأنـي لـم أكـن
لكن ضننت على العيون بحسنها
وهذه الأبيات تروى لغير ديك الجن.
أخبرني بها محمد بن زكريا الصحاف قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن منصور قال: كان من غطفان رجلٌ يقال له السليك بن مجمع، وكان من الفرسان، وكان مطلوباً في سائر القبائل بدماء قومٍ قتلهم، وكان يهوى ابنة عم له، وكان خطبها مدةً فمنعها أبوها، ثم زوجه إياها خوفاً منه، فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته، فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارساً كلهم يطلبه بذحلٍ، فحلقوا عليه، وقاتلهم وقتل منهم عدداً، وأثخن بالجراح آخرين، وأثخن هو حتى أيقن بالموت. فعاد إليها فقال: ما أسمح بك نفساً لهؤلاء، وإني أحب أن أقدمك قبلي. قالت: افعل، ولو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك. فضربها بسيفه حتى قتلها، وأنشأ يقول:
وذكر الأبيات المنسوبة إلى ديك الجن، ثم نزل إليها فتمرغ في دمها وتخضب به، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. وبلغ قومه خبره، فحملوه وابنة عمه فدفنوهما. قال: وحفظت فزارة عنه هذه الأبيات فنقلوها. قال: وبلغني أن قومه أدركوه وبه رمق، فسمعوه يردد هذه الأبيات، فنقلوها وحفظوها عنه، وبقي عندهم يوماً ثم مات.
وقال ديك الجن في هذه المقتولة:
قمرٌ أنا استخرجته من دجـنـه
فقتلتـه ولـه عـلـي كـرامةٌ
عهدي به ميتاً كأحـسـن نـائمٍ
لو كان يدري الميت ماذا بعـده
غصصٌ تكاد تفيظ منها نفـسـه
وقال فيها أيضاً:
أجبني إن قدرت على جـوابـي
وأين حللت بعد حلول قـلـبـي
أما والله لـو عـاينـت وجـدي
وجد تنفـسـي وعـلا زفـيري
إذاً لعلمـت أنـي عـن قـريبٍ
ويعذلني السفيه علـى بـكـائي
يقول قتلتها سـفـهـاً وجـهـلاً
كصياد الطيور لـه انـتـحـابٌ
طوبى لأحباب أقـوامٍ أصـابـهـم
وحقـهـم إنـه حـقٌّ أضـن بـه
يا دهر إنك مسقـيٌ بـكـأسـهـم
الخلق ماضون والأيام تتـبـعـهـم
وقال فيها:
وإني لأحسب ريب الزما
سأشكر ذلك لا نـاسـياً
وقد كنت أنشره ضاحكـاً
وقال أيضاً:
كنت زين الأحياء إذ كنت فيهم
بأبي أنت في الحياة وفي المـو
خنتني في المغيب والخون نكرٌ
فشفاني سيفي وأسرع فـي ح
قال أبو الفرج: ونسخت من هذا الكتاب قال: كان ديك الجن يهوى غلاماً من أهل حمص يقال له بكر، وفيه يقول وقد جلسا يوماً يتحدثنان إلى أن غاب القمر:
إذا ما انقضى سحر الذين بـبـابـلٍ
ولو قيل لي قم فادع أحسن من تـرى
قال: وكان هذا الغلام يعرف ببكر بن دهمرد. قال: وكان شديد التمنع والتصون. فاحتال قومٌ من أهل حمص فأخرجوه إلى متنزه لهم يعرف بميماس، فأسكروه وفسقوا به جميعاً، وبلغ ديك الجن الخبر فقال فيه:
يا طلعة الآس التي لم تمد
وثقت بالكأس وشرابـهـا
وحال ميماس ويا بعدمـا
تقطيع أنفاسك في أثرهـم
لا بأس مولاي على أنهـا
هي الليالي ولـهـا دولةٌ
بينا أنافت وعلت بالفتـى
فاله ودع عنك أحاديثهـم
وقال فيه أيضاً:
في الدار بعد بقيةٌ نستـامـهـا
عرم الزمان على الديار برغمهم
شغل الزمان كراك في ديوانـه
قال فيه أيضاً:
ألم أقل لك إن البغـي مـهـلـكةٌ
قد كنت تفرق من سهمٍ بـغـانـيةٍ
وكنت تفزع من لمسٍ ومن قـبـلٍ
إن تدم فخذاك من ركضٍ فربتمـا
أخبرني أبو المعتصم عاصم بن محمد الشاعر بأنطاكية، وبها أنشدني قصيدة البحتري:
وأنشدني لديك الجن يعزي جعفر بن علي الهاشمي:
والدهر لا يسلم من صرفه
يتخذ الشعرى شعاراً لـه
كأنه بين شنـاظـيرهـا
ولا حبابٌ صلتان السـرى
نضناض فيفـاء يرى أنـه
يطلب من فاجئةٍ معـقـلاً
والدهر لا يسلم من صرفه
ولا عقنباة السلامى لـهـا
فتخاء في الجـو خـداريةٌ
آمن من كل لصرف الردى
والدهر لا يحجبه مـانـعٌ
يصغي جديداه إلى حكمـه
كأنه من فـرط عـز بـه
الأقبل: الذي في عينه قبلٌ، وهو دون الحول.
بينا على ذلـك إذ عـرشـت
إن يك في العز له مشـقـصٌ
جاد على قبـرك مـن مـيتٍ
وحنت المزن علـى قـبـره
غيثٌ ترى الأرض على وبلـه
يصل والأرض تصـلـي لـه
أنت أبا العباس عـبـاسـهـا
وانت ينـبـوع أفـانـينـهـا
وأنت علام غـيوب الـنـثـا
نحن نعزيك ومنـك الـهـدى
نقول بالعـقـل وأنـت الـذي
نحـن فـداءٌ لـك مــن أمةٍ
إذا غفا عـنـك وأودى بـهـا
قال أبو المعتصم: ثم مات جعفر بن علي الهاشمي، فرثاه ديك الجن فقال:
نزلنا على حكـم الـزمـان وأمـره
وتضحك سن المرء والقلب موجـعٌ
ألا أيها الركـبـان والـرد واجـبٌ
إلى أي فتيان الندى قـصـد الـردى
فيا لأبي العـبـاس كـم رد راغـبٌ
ويا لأبي العـبـاس إن مـنـاكـبـاً
فيا قبره جد كـل قـبـرٍ بـجـوده
فإنك لو تدري بما فـيك مـن عـلاً
أخاً كنت أبـكـيه دمـاً وهـو نـائمٌ
فمات ولا صبري على الأجر واقفٌ
أأسعى لأحظى فيك بـالأجـر إنـه
وما الإثم إلا الصبر عنـك وإنـمـا
يقولون: مقدارٌ على المـرء واجـبٌ
هو القلب لمـا حـم يوم ابـن أمـه
ترشفـت أيامـي وهـن كـوالـحٌ
ودافعت في صدر الزمان ونـحـره
وقلت له: خل الـجـواد لـقـومـه
فوالله إخلاصاً من القـول صـادقـاً
لو ان يدي كانت شفـاءك أو دمـي
لسلمت تسليم الرضا وتـخـذتـهـا
فتًى كان مثل السيف من حيث جئتـه
فتًى همه حمدٌ على الدهر رابحٌ
شمائل إن يشهد فهن مشـاهـد
بكاك أخٌ لم تـحـوه بـقـرابةٍ
وأظلمت الدنيا التي كانت جارها
يبرد نيران المصـائب أنـنـي
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب محمد بن طاهر عن أبي طاهر: إن خطيب أهل حمص كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ثلاث مرات في خطبته، وكان أهل حمص كلهم من اليمن، لم يكن فيهم من مضر إلا ثلاثة أبيات، فتعصبوا على الإمام وعزلوه، فقال ديك الجن:
ثم استمر على الصلاة إمامـهـم
يا آل حمص توقعوا من عارهـا
شاهت وجوهكم وجوهاً طالمـا
أيا بنة عبد اللـه وابـنة مـالـكٍ
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لـه
777-849م
ديك الجن لقبٌ غلب عليه، واسمه عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن يزيد بن تميم. وكان جده تميم ممن أنعم الله عز وجل عليه بالإسلام من أهل مؤتة على يدي حبيب بن مسلمة الفهري، وكان شديد التشعب والعصبية على العرب، يقول: ما للعرب علينا فضل، جمعتنا وإياهم ولادة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأسلمنا كما أسلموا، ومن قتل منهم رجلاً منا قتل به، ولم نجد الله عز وجل فضلهم علينا، إذ جمعنا الدين.
وهو شاعرٌ مجيدٌ يذهب مذهب أبي تمام والشاميين في شعره. من شعراء الدولة العباسية. وكان من ساكني حمص، ولم يبرح نواحي الشأم، ولا وفد إلى العراق ولا إلى غيره منتجعاً بشعره، ولا متصدياً لأحد. وكان يتشيع تشيعاً حسناً، وله مراثٍ كثيرةٌ في الحسين بن علي عليهما السلام منها قوله:
ياعين لا للقضا ولا الكـتـب
بكا الرزايا سوى بكا الطرب
قال أبو الفرج: ونسخت خبره في ذلك من كتاب محمد بن طاهر، أخبره بما فيه ابن أخ لديك الجن يقال له أبو وهب الحمصي قال: كان عمي خليعاً ماجناً معتكفاً على القصف واللهو، متلافاً لما ورث عن آبائه، واكتسب بشعره من أحمد وجعفر ابني علي الهاشميين، وكان له ابن عم يكنى أبا الطيب يعظه وينهاه عما يفعله، ويحول بينه وبين ما يؤثره ويركبه من لذاته وربما هجم عليه وعنده قومٌ من السفهاء والمجان وأهل الخلاعة، فيستخف بهم وبه. فلما كثر ذلك على عبد السلام قال فيه:
مولاتنا يا غلام مـبـتـكـره
فباكر الكأس لي بلا نـظـره
غدت على اللهو والمجون على
أن الفتاة الحيية الـخـفـره
لحبها لا عدمـتـهـا حـرقٌ
مطويةٌ في الحشا ومنتشـره
ما ذقت منها سوى مقبـلـهـا
وضم تلك الفروع منـحـدره
وانتهرتني فمـت مـن فـرقٍ
يا حسنها في الرضا ومنتهره
ثم انثنت سورة الخـمـار بـنـا
خلال تلك الغـدائر الـخـمـره
وليلةٍ أشرفـت بـكـلـكـلـهـا
علي كالطيسـان مـعـتـجـره
فتقت ديجـورهـا إلـى قـمـرٍ
أثوابه بالعفـاف مـسـتـتـره
عج عبرات المدام نـحـوي مـن
عشر وعشرين واثنتي عـشـره
قد ذكر النـاس عـن قـيامـهـم
ذكرى بعقلي ما أصبحت نكـره
معرفتي بالـصـواب مـعـرفةٌ
غراء إما عرفـتـم الـنـكـره
يا عجبا من أبي الخـبـيث ومـن
سروحه في البـقـائر الـدثـره
يحمل رأساً تنبو المـعـاول عـن
صفحته والجـلامـد الـوعـره
لو البغال الكمت ارتقـت سـنـداً
فيه لـمـدت قـوائمـاً خـدره
ولا المجـانـيق فـيه مـغـنـيةٌ
ألفٌ تسامى وألـف مـنـكـدره
انظر إلى موضع المقص من ال
هامة تلك الصفيحة الـعـجـره
فلو أخذتم لها المـطـارق حـر
انية صـنـعة الـيد الـخـبـره
إذاً لراحـت أكـف جـلـتـهـم
كلـيلةً والأداة مـنـكـســره
كم طرباتٍ أفـسـدتـهـن وكـم
صفوة عيشٍ غادرتـهـا كـدره
وكم إذا مـا رأوك يا مـلـك ال
موت لهم من أنامـلٍ خـصـره
وكم لهـم دعـوة عـلـيك وكـم
قذفة أم شنعـاء مـشـتـهـره
كريمةٍ لؤمك اسـتـخـف بـهـا
ونالها بـالـمـثـالـب الأشـره
قفوا على رحله تـروا عـجـبـاً
في الجهل يحكي طرائف البصره
يا كـل مـنـيٍ وكـل طـالـعةٍ
نحسٍ ويا كل سـاعةٍ عـسـره
سبحان من يمسك السماء على ال
أرض وفيها أخلاقـكالـقـذره
انظر إلى شمس القصور وبدرها
وإلى خزاماها وبهجة زهرهـا
لم تبل عينك أبيضـاً فـي أسـودٍ
جمع الجمال كوجهها في شعرها
وردية الوجنات يختبر اسـمـهـا
من ريقها من لا يحيط بخبرهـا
وتمايلت فضحكت من أردافـهـا
عجباً ولكني بكيت لخصـرهـا
تسقيك كأس مدامةٍ من كـفـهـا
ورديةٍ ومدامة مـنثـغـرهـا
إن ريب الزمان طال انتكاثه
كم رمتني بحادثٍ أحداثـه
ظبي إنسٍ قلبي مقيل ضحاه
وفؤادي بريره وكبـاثـه
خيفةً أن يخون عهدي وأن يض
حي لغير حجوله ورعـاثـه
ومدح أحمد بعد هذا، وهي طويلة. فأذن له فعاد إلى حمص، وقدر ابن عمه وقت قدومه، فأرصد له قوماً يعلمونه بموافاته باب حمص. فلما وافاه خرج إليه مستقبلاً ومعنفاً على تمسكه بهذه المرأة بعدما شاع من ذكرها بالفساد، وأشار عليه بطلاقها، وأعلمه أنها قد أحدثت في مغيبه حادثةً لا يجمل به معها المقام عليها، ودس الرجل الذي رماها به، وقال له: إذا قدم عبد السلام ودخل منزله فقف على بابه كأنك لم تعلم بقدومه، وناد باسم ورد، فإذا قال: من أنت؟ فقل: أنا فلان. فلما نزل عبد السلام منزله وألقى ثيابه، سألها عن الخبر وأغلظ عليها، فأجابته جواب من لم يعرف من القصة شيئاً. فبينما هو في ذلك إذ قرع الرجل الباب فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان. فقال لها عبد السلام: يا زانية، زعمت أنك لا تعرفين من هذا الأمر شيئاً! ثم اخترط سيفه فضربها به حتى قتلها، وقال في ذلك:
ليتني لم أكن لعطفـك نـلـت
وإلى ذلك الوصال وصـلـت
فالذي مني اشتملـت عـلـيه
ألعار ما قد عليه اشتمـلـت
قال ذو الجهل قد حلمت ولا أع
لم أني حلمت حتى جهـلـت
لاثمٌ لي بجـهـلـه ولـمـاذا
أنا وحدي أحببت ثم قتـلـت
سوف آسى طول الحياة وأبكي
ك على ما فعلت لا ما فعلت
لك نفسٌ مـواتـيه
والمنايا مـعـاديه
أيها القلب لا تعـد
لهوى البيض ثانيه
ليس برقٌ يكون أخ
لب من برق غانيه
خنت سري ولم أخن
ك فموتي علانـية
يا طلعةً طلع الحمام عـلـيهـا
وجنى لها ثمر الردى بـيديهـا
رويت من دمها الثرى ولطالمـا
روى الهوى شفتي من شفتيهـا
قد بات سيفي في مجال وشاحها
ومدامعي تجري على خـديهـا
فوحق نعليها وما وطىء الحصى
شيءٌ أعز علي من نعـلـيهـا
ما كان قتليها لأنـي لـم أكـن
أبكي إذا سقط الذباب علـيهـا
لكن ضننت على العيون بحسنها
وأنفت من نظر الحسودإليهـا
أخبرني بها محمد بن زكريا الصحاف قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن منصور قال: كان من غطفان رجلٌ يقال له السليك بن مجمع، وكان من الفرسان، وكان مطلوباً في سائر القبائل بدماء قومٍ قتلهم، وكان يهوى ابنة عم له، وكان خطبها مدةً فمنعها أبوها، ثم زوجه إياها خوفاً منه، فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته، فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارساً كلهم يطلبه بذحلٍ، فحلقوا عليه، وقاتلهم وقتل منهم عدداً، وأثخن بالجراح آخرين، وأثخن هو حتى أيقن بالموت. فعاد إليها فقال: ما أسمح بك نفساً لهؤلاء، وإني أحب أن أقدمك قبلي. قالت: افعل، ولو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك. فضربها بسيفه حتى قتلها، وأنشأ يقول:
يا طلعة طلع الحمام عليها
وقال ديك الجن في هذه المقتولة:
أشفقت أن يرد الزمان بـغـدره
أو ابتلى بعد الوصال بهـجـره
قمرٌ أنا استخرجته من دجـنـه
لبليتي وجلـوتـه مـن خـدره
فقتلتـه ولـه عـلـي كـرامةٌ
ملء الحشى وله الفؤاد بأسـره
عهدي به ميتاً كأحـسـن نـائمٍ
والحزن يسفح عبريت في نحره
لو كان يدري الميت ماذا بعـده
بالحي حل بكى له في قـبـره
غصصٌ تكاد تفيظ منها نفـسـه
وتكاد تخرج قلبه من صـدره
أساكن حفـرةٍ وقـرار لـحـد
مفارق خلةٍ من بـعـد عـهـد
أجبني إن قدرت على جـوابـي
بحق الود كيف ظللت بـعـدي
وأين حللت بعد حلول قـلـبـي
وأحشائي وأضلاعي وكـبـدي
أما والله لـو عـاينـت وجـدي
إذا استعبرت في الظلمات وحدي
وجد تنفـسـي وعـلا زفـيري
وفاضت عبرتي في صحن خدي
إذاً لعلمـت أنـي عـن قـريبٍ
ستحفر حفرتي ويشق لـحـدي
ويعذلني السفيه علـى بـكـائي
كأني مبتلًى بالـحـزن وحـدي
يقول قتلتها سـفـهـاً وجـهـلاً
وتبكيها بـكـاءً لـيس يجـدي
كصياد الطيور لـه انـتـحـابٌ
عليها وهو يذبـحـهـابـحـد
وقال فيها أيضاً:
ما لامرىء بيد الدهر الـخـئون يد
ولا على جلد الدنـيا لـه جـلـد
طوبى لأحباب أقـوامٍ أصـابـهـم
من قبل أن عشقوا موتٌ فقد سعدوا
وحقـهـم إنـه حـقٌّ أضـن بـه
لأنفدن لهم دمعي كـمـا نـفـدوا
يا دهر إنك مسقـيٌ بـكـأسـهـم
وواردٌ ذلك الحوض الـذي وردوا
الخلق ماضون والأيام تتـبـعـهـم
نفنى جميعاً ويبقى الواحدالصمـد
أما آن للطـيف أن يأتـيا
وأن يطرق الوطن الدانيا
وإني لأحسب ريب الزما
ن يتركني جسداً بـالـيا
سأشكر ذلك لا نـاسـياً
جميل الصفاء ولا قالـيا
وقد كنت أنشره ضاحكـاً
فقد صرت أنشره باكـيا
قل لمن كان وجهه كضياء الش
مس في حسنه وبدرٍ مـنـير
كنت زين الأحياء إذ كنت فيهم
ثم قد صرت زين أهل القبور
بأبي أنت في الحياة وفي المـو
ت وتحت الثرى ويوم النشور
خنتني في المغيب والخون نكرٌ
وذميمٌ في سالفات الـدهـور
فشفاني سيفي وأسرع فـي ح
ز التراقي قطعاً وحزالنحور
دع البدر فليغرب فأنت لـنـا بـدر
إذا ما تجلى من محاسنك الفـجـر
إذا ما انقضى سحر الذين بـبـابـلٍ
فطرفك لي سحرٌ وريقك لي خمـر
ولو قيل لي قم فادع أحسن من تـرى
لصحت بأعلى الصوت يا بكر يا بكر
قل لهضيم الكشح مـياس
انتقض العهد من النـاس
يا طلعة الآس التي لم تمد
إلا أذلت قـضـب الآس
وثقت بالكأس وشرابـهـا
وحتف أمثالك في الكاس
وحال ميماس ويا بعدمـا
بين مغيثيك ومـيمـاس
تقطيع أنفاسك في أثرهـم
وملكهم قطع أنفـاسـي
لا بأس مولاي على أنهـا
نهاية المكروه والـبـاس
هي الليالي ولـهـا دولةٌ
ووحشة من بعد إينـاس
بينا أنافت وعلت بالفتـى
إذ قيل حطته على الراس
فاله ودع عنك أحاديثهـم
سيصبح الذاكر كالناسـي
يا بكر ما فعلت بـك الأرطـال
يا دار ما فعـلـت بـك الأيام
في الدار بعد بقيةٌ نستـامـهـا
إذ ليس فيك بقـيةٌ تـسـتـام
عرم الزمان على الديار برغمهم
وعليك أيضاً للزمـان عـرام
شغل الزمان كراك في ديوانـه
فتفرغـت لـدواتـك الأقـلام
قولا لبكر بن دهمردٍ إذا اعتكـرت
عساكر الليل بين الطاس والجـام
ألم أقل لك إن البغـي مـهـلـكةٌ
والبغي والعجب إفسـادٌ لأقـوام
قد كنت تفرق من سهمٍ بـغـانـيةٍ
فصرت غير رميمٍ رقعة الرامي
وكنت تفزع من لمسٍ ومن قـبـلٍ
فقد ذللـت لإٍسـراجٍ وإلـجـام
إن تدم فخذاك من ركضٍ فربتمـا
أمسي وقلبي عليك الموجع الدامي
ملامك إنـه عـهـدٌ قـريب
ورزءٌ ما انقضت منه الندوب
نغفل والأيام لا تـغـفـل
ولا لنا من زمنٍ مـوئل
والدهر لا يسلم من صرفه
أعصم في القنة مستوعل
يتخذ الشعرى شعاراً لـه
كأنما الأفق له مـنـزل
كأنه بين شنـاظـيرهـا
بارقةٌ تكمن أو تمـثـل
ولا حبابٌ صلتان السـرى
أرقم لا يعرف ما يجهـل
نضناض فيفـاء يرى أنـه
بالرمل غانٍ وهو المرمل
يطلب من فاجئةٍ معـقـلاً
وهو لما يطلب لا يعقـل
والدهر لا يسلم من صرفه
مسربلٌ بالسرد مستبسـل
ولا عقنباة السلامى لـهـا
في كل أفقٍ علقٌ مهمـل
فتخاء في الجـو خـداريةٌ
كالغيم والغيم لها مثـقـل
آمن من كل لصرف الردى
أنزلها من جوها مـنـزل
والدهر لا يحجبه مـانـعٌ
يحجبه العامل والمنصـل
يصغي جديداه إلى حكمـه
ويفعل الدهر بما يفـعـل
كأنه من فـرط عـز بـه
أشوش إذ أقبل أوأقـبـل
في حسب أوفى له جحـفـلٌ
يقدمه مـن رأيه جـحـفـل
بينا على ذلـك إذ عـرشـت
في عرشه داهـيةٌ ضـئبـل
إن يك في العز له مشـقـصٌ
ماضٍ فقد تاح له مـقـتـل
جاد على قبـرك مـن مـيتٍ
بالروح ربٌ لـك لا يبـخـل
وحنت المزن علـى قـبـره
بعارضٍ نجوتـه مـحـفـل
غيثٌ ترى الأرض على وبلـه
تضـحـك إلا أنـه يهـمـل
يصل والأرض تصـلـي لـه
من صلواتٍ معـه تـسـأل
أنت أبا العباس عـبـاسـهـا
إذا استطار الحدث المعضـل
وانت ينـبـوع أفـانـينـهـا
إذا هم في سـنةٍ أمـحـلـوا
وأنت علام غـيوب الـنـثـا
يوماً إذا نـسـأل أو نـسـأل
نحن نعزيك ومنـك الـهـدى
مستخرجٌ والنور مستقـبـل
نقول بالعـقـل وأنـت الـذي
نأوي إلـيه وبـه نـعـقـل
نحـن فـداءٌ لـك مــن أمةٍ
والأرض والآخــر والأول
إذا غفا عـنـك وأودى بـهـا
ذا الدهر فهو المحسن المجمل
على هذه كانـت تـدور الـنـوائب
وفي كل جمع للذهـاب مـذاهـب
نزلنا على حكـم الـزمـان وأمـره
وهل يقبل النصف الألد المشاغـب
وتضحك سن المرء والقلب موجـعٌ
ويرضى الفتى عن دهره وهو عاتب
ألا أيها الركـبـان والـرد واجـبٌ
قفوا حدثوناما تـقـول الـنـوادب
إلى أي فتيان الندى قـصـد الـردى
وأيهم نـابـت حـمـاه الـنـوائب
فيا لأبي العـبـاس كـم رد راغـبٌ
لفقدك ملهوفاً وكـم جـب غـارب
ويا لأبي العـبـاس إن مـنـاكـبـاً
تنوء بما حـمـلـهـا لـنـواكـب
فيا قبره جد كـل قـبـرٍ بـجـوده
ففـيك سـمـاءٌ ثـرةٌ وسـحـائب
فإنك لو تدري بما فـيك مـن عـلاً
علوت وباتت في ذراك الكـواكـب
أخاً كنت أبـكـيه دمـاً وهـو نـائمٌ
حذاراً وتغمى مقلتي وهـو غـائب
فمات ولا صبري على الأجر واقفٌ
ولا أنا في عمرٍ إلى اللـه راغـب
أأسعى لأحظى فيك بـالأجـر إنـه
لسعيٌ إذن مني لدى الـلـه خـائب
وما الإثم إلا الصبر عنـك وإنـمـا
عواقب حمدٍ أن تـذم الـعـواقـب
يقولون: مقدارٌ على المـرء واجـبٌ
فقلت: وإعوالٌ على المرء واجـب
هو القلب لمـا حـم يوم ابـن أمـه
وهي جانبٌ منه وأسـقـم جـانـب
ترشفـت أيامـي وهـن كـوالـحٌ
عليك وغالبت الردى وهو غـالـب
ودافعت في صدر الزمان ونـحـره
وأي يدٍ لي والـزمـان مـحـارب
وقلت له: خل الـجـواد لـقـومـه
وهأنذا فـازدد فـإنـا عـصـائب
فوالله إخلاصاً من القـول صـادقـاً
وإلا فحـبـي آل أحـمـد كـاذب
لو ان يدي كانت شفـاءك أو دمـي
دم القلب حتى يقضب القلب قاضب
لسلمت تسليم الرضا وتـخـذتـهـا
يداً للردى ما حـج الـلـه راكـب
فتًى كان مثل السيف من حيث جئتـه
لنائبةٍ نابـتـك فـهـو مـضـارب
فتًى همه حمدٌ على الدهر رابحٌ
وإن غاب عنه ماله فهو عازب
شمائل إن يشهد فهن مشـاهـد
عظامٌ وإن يرحل فهن كتـائب
بكاك أخٌ لم تـحـوه بـقـرابةٍ
بلى إن إخوان الصفاء أقـارب
وأظلمت الدنيا التي كانت جارها
كأنك للدنـيا أخٌ ومـنـاسـب
يبرد نيران المصـائب أنـنـي
أرى زمناً لم تبق فيهمصائب
سمعوا الصلاة على النبي توالى
فتفرقوا شيعـاً وقـالـوا لا لا
ثم استمر على الصلاة إمامـهـم
فتحزبوا ورمى الرجال رجـالا
يا آل حمص توقعوا من عارهـا
خزياً يحل عـلـيكـم ووبـالا
شاهت وجوهكم وجوهاً طالمـا
رغمت معاطسها وساءت حـالا
أيا بنة عبد اللـه وابـنة مـالـكٍ
ويا بنة ذي البردين والفرس بارد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لـه
أكيلاً فإني لست آكلـهوحـدي
عروضه من الطويل. الشعر لقيس بن عاصم المنقري، والغناء لعلويه، ثقيلٌ أول بالوسطى.
كتاب الأغاني لأبي الفرج ألاصفهاني: الجزء الرابع عشر







