تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 31-12-2008
  • الدولة : الجزائر بسكرة
  • المشاركات : 44
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • خير الدّين is on a distinguished road
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
رواية أحلام يوسف الدونكيشوت
25-06-2009, 08:20 AM
أحلام يوسف " الدونكيشوت"
"الحلم أرخص البضائع وأقربها إلى متناول اليد لكننا أحيانا قد ندفع أرواحنا ثمنا لحلم سخيف...سخيف جدا لا يساوي ثمن ثانية من حرق الأعصاب وتسميم خلايا الجسم".
عندما قرأت هذا الكلام في بداية الصفحة الأولى من الكراسة التي تركها ابن عمي بعد وفاته أيقنت في الحال أنه لم ينتحر إلا أنه ذهب ضحية إجرام منظم تتزعمه جهة عدائية جدا تكره الناس وتستمتع بتخريب المجتمعات وتعمل بكل ما أوتيت من أساليب ضغط وإغراء لدفع الناس إلى مستنقع الأحلام" الدونكشوتية " فابن عمي هذا -عليه ألف رحمة من الله - لم يكن ضحيتها الأولى ولن يكون الأخيرة ...
كنا نسميه في أسرتنا " الدرويش " أما أصحابه في العمل فينادونه" دونكيشوت " والعجيب أنه يرتاح لكلا الاسمين ويعتبرهما رمزا للطهر وعفاف النفس الأبية !
ربطتني به علاقة وطيدة منذ الصغر وتعلق بي أكثر في أيامه الأخيرة على الأرض وقبل أن يسلم الروح أوصى أمه في حضوري أن تدفع لي بالكراسات التي كان يدوّن فيها مذكراته والتي كان يسميها"كراسات الأحلام "!
رهبة عظيمة تملكتني وأنا أهم بفض بكارة أحلام كانت مصونة عن العيون لفترة طويلة لاسيما وأنها أحلام فتى رهيف الحس مثل نسمة شاردة يحول مجراها أدنى عائق تصطدم به ...أخذت أقرأ على مهل وما زال في عيني بقايا دموع لم تجف حزنا على درويشنا الذي حز شريان قلبه وراح يتأمل الحياة وهي تغادره في بطء شديد ودون أن تبدي أي أسف عليه ، لأنها في اللحظة ذاتها تولد من جديد في كائنات أخرى في أماكن كثيرة من العالم الواسع... ! ولكن مهلا فلا يسبق إلى وهمكم أنني أقول بتناسخ الأرواح بل أقول بتناسخ الأفكار والقيم!
. . . .
"كراسات الأحلام"
ليلة :08 أكتوبر 1989م .

كل الناس يحلمون وأنا مثلهم أحلم...فالحلم جزء أساسي من حقيقة الكائن البشري الذي تشبه حياته كلها حلما طويلا يستغرق عمره بكامله وتتخلله في كثير من الحالات كوابيس رهيبة و مقرفة للغاية والعجيب أن الأحلام التي يحلم بها الناس في اليقظة أكثر من أحلامهم أثناء النوم وأكثر تأثيرا, وبشاعة هذه الأحلام وقذارتها تمنع أشدهم جرأة ولامبالاة من البوح بها أو سرد بعض تفاصيلها فهي مخجلة.. مخجلة جدا!
أحسبني الوحيد الذي سأشذ عن القاعدة فلن أكتفي بالإفصاح عن أحلام يقظتي وحسب بل سأتطلع إلى فضح أحلام الآخرين التي أوتيت رؤيا ربانية على كشفها والغوص فيها بقوة الكشف والإلهام ولا تعجبوا ... فأنا ملهم وأوتيت الكشف الرباني الذي لا يناله إلا " مخموم القلب ...الأشعث الأغبر ".
تناهت إلي هذا الصباح تطورات الأحداث التي بدأت يوم 05 أكتوبر والتي عمدت بعض الصحف إلى وصفها بانتفاضة الشباب :هذا كلام سخيف جدا ومخادع ومرتذل يصيبني الدوار كلما سمعت أحدا يردده ؛ وفي مكتبي بالحالة المدنية عندما قلت حركة المراجعين وبعد معركة مع زملائي حول الأحداث الجارية اتكأت على كرسي وجعلت كفي مشبكين تحت رأسي وشرعت في نسج خيوط حلم لذيذ ...لذيذ جدا .
لقد رأيتني محللا سياسيا كبيرا وقد أطللت على الناس من خلال الشاشة واندفعت أبين للناس حقيقة الأحداث ورأيي فيها أتحدث بصراحة مطلقة :
إخواني المشاهدين (طبعا أنا من الذين يرفضون ذلك الاستهلال الممجوج: آنساتي،سيداتي سادتي) لا أظن أن عاقلا منكم يتوقع حدوث أي تغيير أو تحول جذري في البناء الاجتماعي والسياسي للمجتمع انطلاقا من وهم كبير مصطنع سمي زورا انتفاضة الشباب...( أعجبتني كثيرا عبارة البناء الاجتماعي والسياسي وأحسست أنها تعبر بدقة عن المقصود الذي رميت إليه ثم فجأة خطر لي أن أغير منحى الحلم فشخصيةالمحلل السياسي لا تستهويني كثيرا ولقد عشت طوال سني عمري وأنا أمقت السياسة والسياسيين فأستعيذ بالله منها كما فعل ذلك الشيخ محمد عبده رحمه الله ، وكان محقا وصائبا إلى أبعد الحدود !
يتبع........
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية مواطن فقط
مواطن فقط
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 18-04-2009
  • الدولة : جيجل
  • العمر : 43
  • المشاركات : 446
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • مواطن فقط is on a distinguished road
الصورة الرمزية مواطن فقط
مواطن فقط
عضو فعال
رد: رواية أحلام يوسف الدونكيشوت
25-06-2009, 04:11 PM
أستمتع دوما بالقراءة لك...
أنتظر توالي الأحداث...
تحياتي..
-هارون-
إنَّني المشنوقُ أعلاهُ
على حبلِ القوافى
خُنتُ خوفي وارتجافي
وتَعرَّيتُ من الزيفِ..
وعلى ذلِكَ . .
وَقَّعْتُ اعترافي !
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 31-12-2008
  • الدولة : الجزائر بسكرة
  • المشاركات : 44
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • خير الدّين is on a distinguished road
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
رد: رواية أحلام يوسف الدونكيشوت
26-06-2009, 02:17 PM
أنا لا تنقصني الشجاعة وأحمل كثيرا من روح التحدي إلى درجة أنني قادر على هزيمة طواحين الهواء التي حطمت قوى دونكشوت وبدون جهد. في غير طائل ؛ والفرق بيني وبينه أنني سأحطم الطواحين لا بسيفي وإنما بديناميت صغير من قوة أحلامي!
إذن لماذا لا أكون في شارع بالعاصمة وأقف في وجه المتظاهرين الشباب الغاضبين الساخطين وأقول لهم في ألم:
"أيتها الحشرات الضارة إنك عرائس قراقوز في أيدي مصاصي الدماء يجعلونك طعما يصطادون به مطامحهم وأمانيهم العفنة !"
طبعا ها هم ذا يرجمونني بالحجارة ويقذفونني بالطوب ، لا بأس فكم من نبي أدمي وحورب في دعوته بسبب قوله للحقيقة العارية التي لا تخجل من الظهور بسوءتها دون مواربة ، وإن جرح ذلك أحاسيس ذوي البطون المنتفخة والصلعات الملمعة من كثرة الهرش في مصائر الناس البسطاء!
فجأة يدخل أحد المراجعين وينتشلني من حلمي لمدة وجيزة !
- مرحبا يا أخي بماذا أخدمك ؟
- أريد استخراج شهادة " عوز ".
صعدت فيه النظر مليا فوجدته في مثل قامة المصارع و هيئة البرجوازي الشامخ ...رمقته بنظرة مقت وسألته في استخفاف :
- ألا تعمل ؟! خفض رأسه وأدنى فاه من أذني !
- إنها تلزمني في ملف ضروري " وقهوتك " محفوظة !
انتفضت كمن لدغته أفعى وصرخت في وجهه:
- يا حثالة المجتمع أنا لا أشرب القهوة وأكره رؤية الوسخين أمثالك ...وإن لم تغرب عن وجهي ألبستك تهمة " محاولة الإرشاء " ،وخرجت من هنا مكبلا بالأغلال!
رسم على فمه العريض ابتسامة ساخرة زادت من اتساعه ولوح لي بإصبعه و هو يتراجع إلى الوراء ! ثم قال:
- أنت مسكين...من أي مغارة مهجورة أتوا بك ؟! سأحصل على ورقتي وأنت تبصر وترى وأنت مطأطأ الرأس...
فقذفته بسيل هادر من الشتائم ختمتها بكلمة حازمة لأقنطه :هيهات...هيهات! بعد أقل من ربع ساعة عاد إلي يحمل في يده قصاصة ورق ناولنيها قرأت فيها:" تنجز له وثيقته فورا الإمضاء رئيس المصلحة ".كورت الورقة في كفي ثم رميت بها في سلة المهملات، رفعت رأسي لأجد مراجعي ما يزال واقفا وكله ثقة من الحصول على مراده، فقرعت أذنيه بصواريخي المعتادة:
" هيهات...هيهات "!
استدار على أعقابه ليعود في لحظات بصحبة رئيس المصلحة ؛الذي بادرني :
- لم أنت متصلب إلى هذا الحد يا دونكيشوت ؟!
ارتسمت على وجه المراجع ابتسامة تهكم !
ومر بذهني حلم عاجل :
"أمسكت بتلابيب رئيس المصلحة وبضربة من رأسي طرحته أرضا ثم أردفت الآخر بلكمة من قبضتي كأنها الصاعقة فدحرجته على بلاط الغرفة ...فتداعى إلينا الموظفون من كل المكاتب والمصالح مستطلعين وشق جمعهم المسؤول العام عن الإدارة ...وردد النظر بيني وبين الرجلين الممددين على الأرض في غير حراك ...وانطلقت أشرح له الموقف بخطبة حماسية :
- سيدي الفاضل ...أنا إنسان شريف والشرف أغلى ما أملكه في هذا الوجود عملت في هذه المصلحة منذ سبع سنين لم يسجل علي فيها مخالفة واحدة ضميري نقي لا أريد أن ألوثه بوسخ الدنيا...القيم هي معالمي التي أسترشد بها ...والرذيلة بيني وبينها كما بين السماء والأرض ..."
وانفثأ الحلم على هزة من كتفي فنظرت فألفيت رئيس المصلحة يصرخ في:
- ما لك لا تجيب ...هل أصبت بالصمم أنجز للرجل وثيقته ولا تعاضل !
أردت أن أرفض وأصرخ في وجهه أو أدمغه كما فعلت في الحلم إلا أنني بصرت بتهديد صامت في عينيه الجاحظتين، فتراجعت وتمتمت في تذمر:
- إذن فليعد بعد ساعة وليحضر معه شاهدين .
رد علي رئيس المصلحة بحسم:
- الشاهدان حاضران وستنجز الوثيقة فورا !
طأطأت رأسي وسحبت من الدرج استمارة فارغة وأخذت أدون عليها البيانات اللازمة بينما غصت في حلم آخر لذيذ...رغم قسوته:
" أنا لا أشارك في الكذب والتزوير ولن أقبل أن أضع إمضائي على وثيقة إلا بقناعتي ورضاي وإذا لم يعجبك الأمر يا سيدي فافعل ذلك بنفسك...تهددني بتأخير الترقية... وإن يكن ...تهددني بنقلي إلى الأرشيف وإن يكن فالأرشيف أرٍحم من رؤية وجوهكم الشوهاء وضمائركم العفنة تطالعني كل حين: هذا صديق عزيز ...ذلك السيد فلان...هذه بنت خال عمة جار أخت الوزير ...هذا له علينا فضائل وأياد بيضاء ...وهي في حقيقتها سوداء مثل الليل الدميم...
أرفع سماعة الهاتف أطلب مكتب السيد الوالي .أحول عليه شخصيا أشرح له جلية الأمر بحماس فوار ،يرد علي بحماس مثله ويطلب مني أن أبقى مكاني ولا أتزحزح لأنه آت حالا لمعالجة القضية بنفسه ...ترتعد فرائص رئيس المصلحة يكب على ركبتي يقبلها طالبا السماح وعدم القضاء على مستقبله ومستقبل أسرته ويخبرني بأنه صحا ضميره واستيقظ قلبه من غفوته ولن يعود لمثلها أبدا..."
يثقل الحلم على كاهلي أحس بالاختناق كأن الجدران الأربعة تزحف في وقت واحد نحو نقطة المركز لتعتصرني بين رحاها الرهيبة...
حلم آخر يهرب بي من ضغط الوضعية التي وقعت فيها:
" أنا تاجر حر في متجري المتواضع ولماذا يكون متواضعا ...لماذا لأجعله متجرا فخما ومتعدد الخدمات يدر علي أرباحا طائلة ...ولكن إمكانياتي المادية لا تسمح إلا بمتجر متواضع أعيش فيه حرا من كل قيد أو سلطة إنسان...ولكنه حلم مجرد حلم إذن لماذا لا أحقق أفضل الأشياء في أفضل الأوقات بأفضل الوضعيات ...فلن يكلفني ذلك شيئا ...كلا...كلا حتى الحلم لابد أن يكون في حدود إمكانيات الإنسان إذن أنت تجري وراء الحقيقة والواقع لا وراء الحلم!حسن إذن لنجعل الأمر كما يلي .."
– لماذا تكتب وتمزق أتعجز عن ملء الوثيقة بشكل صحيح ؟
انتبهت لنفسي فوجدتني قد كورت مجموعة من الأوراق فوق مكتبي ورئيس المصلحة يؤنبني على ذلك .
ملأت الاستمارة بيد مضطربة وأمررت عليها توقيعي في غضب بعد أن وضعت عليها ختم المصلحة ومددت بها يدي إلى رئيسي وأنا أتمتم:
- رحم الله الشرف والأمانة...
ربت على كتفي وقال:
- لا تحزن دونكيشوت سترقى قريبا إلى الدرجة الخامسة ...وتنسى كل همومك!

يتبع ................
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 31-12-2008
  • الدولة : الجزائر بسكرة
  • المشاركات : 44
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • خير الدّين is on a distinguished road
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
رد: رواية أحلام يوسف الدونكيشوت
02-07-2009, 09:08 PM
ليلة : 31/12/1989م.


الأخبار تترى عن توالد مجموعة من الأحزاب السياسية بعد نجاح الاستفتاء على الدستور الجديد الذي يقرر التعددية السياسية لأول مرة في الجزائر:
بعد أن قرأت تحليلا سياسيا جريئا لأول مرة في الجريدة سبحت في فلك الحلم النرجسي:

عودة إلى الوراء...الرئيس يطرح فكرة دستور جديد يقرنه بالانتخاب عليه ،الشعب يخرج في مظاهرات حاشدة نعم للدستور...نعم للتعددية...لا للرئيس مللنا حكم الدينصورات وكائنات التاريخ المنقرضة...الصحافة في اليوم الموالي تتناول الشعارات التي رفعها الشعب الغاضب بالتحليل وتبحث في محاولة يائسة عن مصدرها ... أغبياء إنهم لا يتوقفون أبدا ولن يخطر ببالهم أن موظفا بسيطا في مصلحة منسية في بقعة نائية من أرض الوطن؛ يمكن أن يصوغ مثل هذه الشعارات الرائعة التي هزت كيان الجماهير...لا بأس فكل نبي منسي في قومه " وعين السخط تبدي المساويا " ولكن المهم النتيجة والاعتبار بالخاتمة ...
فالرئيس خضع لضغط الشعب الثائر واستجاب لمطالبه وقرر التنحي بعد إجراء انتخابات حرة ونزيهة كررها عشرات المرات في خطابه المستفيض.
أشرع فورا في تأسيس حزب سياسي يلتف حوله الشباب ولا أقبل فيه إلا من كان شريفا نقي الثوب، طاهر اليد، حي الضمير... !
أفتح مكتبا بسيطا للحزب في أكثر الأحياء الشعبية اكتظاظا بالسكان؛ يقبل الناس أفواجا مستعدين للتضحية والنضال في سبيل مبادئ الحزب وأفكاره النيرة...ولكن ما هي المبادئ التي سأضعها لهذا الحزب وماذا أسميه : التسمية سهلة على شرط أن يكون الاسم جذابا متميزا فيمكن أن أدعوه مثلا:حزب الشعب، أو صوت الجماهير أو رابطة الأمة ،أو اتحاد البسطاء والمطحونين أو حركة الأمل الساطع ...الخ.
لكن المبادئ ما هي المبادئ ؟ لماذا أتعب نفسي وأكثر من التفلسف وأدخل في فلسفة سفسطائية عقيمة لا تغني ولا تسمن من جوع ، فليقم الحزب على شيئين أساسيين:العمل الدؤوب – الحرية المطلقة!
لقد رجعت إلى السفسطة :هل هناك حرية مطلقة في الكون ؟ إذا مارس الإنسان حريته بشكل مطلق تعدى على حرية الآخرين ،وفعل الآخرون مثله ! فتصاب حريته وتقيد، إذن لا وجود للحرية المطلقة: نعم هو ذاك ! إذن لا وجود للحرية بتاتا... ما هذه النظرة التشاؤمية: ألا يمكن أن تكون هناك حالة وسط بين الحرية المطلقة والعبودية ؟! ربما...ولكن هذا كلام ليس من ورائه طائل، المهم أن نعمل على إخراج الشعب من بؤسه وتخلفه."
تقطع علي والدتي مسار الحلم:
- ألا تذهب إلى العمل اليوم ؟!
- ولم ؟ ! سأذهب.
- لكن الوقت يكاد يفوتك وأنت ما تزال مستغرقا في شرودك ، هذا الذي استولى على لبك هذه الأيام...يا بني طاوعني وتزوج اختر من تشاء ، فقط أشر إليها بسبابتك وسوف ترى كل بنات المدينة يتطلعن إلى اليوم الذي تفتح فيه فاك وتختار إحداهن...وستهرول نحوك على عجل !
- ليس بعد ...يا أمي!
أرادت أن تواصل إلحاحها وتوسلاتها...لم أعطها فرصة ، نظرت في ساعتي وودعتها على عجل ،استقللت الحافلة بصعوبة كنت أشبه ما يكون بالواقف على قدم واحدة ؛ أراوح بينها وبين الأخرى فضغط الأجساد بعضها على بعضا ؛ يشعر الركاب الواقفين بثقل كبير يفقدهم توازنهم ، لاسيما أثناء خضخضات الحافلة...مرت في ذهني أفكار مقلقة وغصت في الحلم :
" إني أقود سيارتي الفخمة المكيفة ذات التشغيل الأتوماتيكي ، بهدوء وسكينة أقطع شوارع المدينة كأنما أنا في عالم آخر يطل على هذا العالم الكئيب من عل ، أشعر بأريحية تملأ صدري، حسن سأعطف على بعض المساكين وأركبهم معي ؛ لأريحهم من زحام الحافلات الهرمة والسيارات الصدئة ! لكن الشرطة سوف تعترض سبيلي وتسألني لماذا أحمل معي هؤلاء الأفراد ، وربما اتهمت بالنقل غير الشرعي ...وتحرر ضدي غرامة مالية...إذن لن أسبب لنفسي الإزعاج وسأكتفي بحل مشكلاتي الخاصة .
ويأتيني صوت داو من أعماقي:
- هذه أنانية...إنك لا تحب إلا ذاتك ولا تشعر بآلام الآخرين ومتاعبهم!
- وهل أنا مكلف بإصلاح العالم أنا لا أسبب الإزعاج لأحد ، ولا أكلف إنسان مثقال حبة خردل فلا أريد أن يزعجني الآخرون أو يحملوني مالا أطيق ! "
خضخضة من الحافلة أعادتني إلى بوتقة الزحام الخانقة، تردد صدى صوت أمي في صدري: يا بني طاوعني وتزوج !
" ومن تلك التي تستق رجلا مثلي ؟!".
أنا رقيق المشاعر مرهف الحس قوي العواطف جياشها ، مثقف لا أرتوي من معين الفكر والمعرفة...وسيم تفتن بي كل الفتيات ، فمن ذي التي تستأهل أن أسلمها قيادي وآمنها على خاصة نفسي ... وإنّي لأسمع ضحكة ساخرة وتعليقات موشوشة ! لم العجب... وما الدّاعي للضحك ، فمن منكم أيها المتزوجون من لم يسلم قياده لآمرة توجهه أنى تشاء...صحيح أن بعضكم قياده من حديد أو ليف ، وبعضكم قياده من ذهب أو حرير لكن لا فرق القياد هو القياد!
آه يا أمي لو تدرين كم أتعذب في البحث عن المرأة السعيدة التي تستحق أن أنظر إليها بعين الرضا...".
مسحت الشوارع والحارات مسحا ، وقلبت في ذهني صور كل من عرفتهن من قريباتي وجيراني ؛ فما وقعت واحدة منهن في نفسي كما أحب هذه فطساء الأنف، وتلك جعداء الشعر والأخرى قصيرة بطينة وأختها طويلة عجفاء ...وجارتهن سليطة اللسان هوجاء ، والسادسة كبيرة السن واسعة الفم...ثم الأخلاق! أين الأخلاق...النساء ناقصات عقل ودين منذ القديم ، وهن اليوم برغم التطور الحضاري ناقصات عقل ودين ضعفين، والحضارة العرجاء هي سبب زيادة ذلك النقص ،فقد قضت على جمالهن الطبيعي وخفرهن المحبب ؛ الذي كان يغطي على نقص العقل وطيش العاطفة !
خف حمل الحافلة قليلا استطعت أن أعثر لي على مقعد قرب النافذة ، ألقيت بكاهلي المكدود عليه فأحسست بسريان الدم في عروق قدمي ، سارت الحافلة مثل سلحفاة في جولة سياحية تداعت الخيالات من جديد :
" الصحف ، المجلات ، وسائل الإعلام المختلفة تتحدث عن زعيم الحزب الجديد (طبعا الذي هو أنا ) ، الكل أجمع على أن شخصيته خارقة للعادة إنه خطيب مفوه ومحلل عبقري ، ومتحدث ذو حجة دامغة وأسلوبه مقنع وجرأته لا نظير لها ، لقد غدت الأحزاب الأخرى كلها تنظر إليه بعين الحسد والحقد !
حتى أن بعض المصادر تحدثت عن إمكانية إشراكه في الحكومة القادمة ؛ لما أصبح يمثله من ضغط كبير وتأثير فاعل على أصحاب القرار في البلاد ، حاول العديد من الأنصار أن يتطوعوا لحراستي ومرافقتي حيثما أحل أو أرتحل ؛ إلا أنني رفضت بشدة وأوضحت لهم بصورة حاسمة أنني فرد من أبناء هذا الشعب وواحد من مواطنيه ، الذين يتألمون لألمه ويفرحون لفرحه وأن الموت قضاء وقدر ولن أعيش في برج عاجي أو أضع الحواجز بيني وبين طبقات البسطاء ، فليس غاندي بأفضل مني ولا الهواري بومدين أكثر جرأة من "الدونكيشوت الجديد " مشهد مثير يقحم نفسه في الحلم بالرغم مني على أن أوقف السرد ، أنا في ساحة الشهداء أحاول امتطاء حافلة كبقية خلق الله الذين يهرولون إلى مصافحتي وإبداء إعجابهم وولائهم ... إلا أن أحدهم وهو يقترب مني بدل أن يصافحني يسحب من تحت معطفه مسدسا ويصوبه نحوي ... انتابني رعب شديد وتنبهت كل حواسي...".
توقفت الحافلة وكان لزاما علي أن أنزل ولمّا يتم الحلم... ! ظل هاجسه يراودني وأنا أرقى درج مبنى البلدية وكلما حاولت الإمساك بأطرافه من جديد قاطعني أحد الزملاء بتحية الصّباح!
" انتابني رعب شديد وتنبّهت كل حواسي... "
" صباح الخير يا سيد يوسف "
كانت تلك تحية البواب !فهو لا يجرؤ على مناداتي بالدونكيشوت ، إضافة إلى أنني لا أتعاطى معه أطراف الحديث كثيرا لمقتي إياه فهو رجل وصولي انتهازي جعل من نفسه السّد المنيع في وجوه المراجعين ؛ إذا لم يصافحوه بورقة نقدية دافئة!
" انتابني رعب شديد وتنبهت كل حواسي... "
تحياتي دونكيشوت؛ أما هذه فتحية أمقران آيت الحسين ، وهو يتعمد إلقاء هذه التحية التي تميز جميع أعضاء الحزب الجهوي الذي ينتمون إليه ،وأنا أرد عليه عن قصد أيضا :" وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
فيرمقني بجمود ثم ينصرف لشأنه ، أو يتكلم معي بلهجة ثائرة متمردة على كل شيء وبالأخص قيم المجتمع وتقاليده التي ينعتها بالبالية ، أحيانا أدخل معه في جدال حامي الوطيس وأحيانا أخرى أسخف رأيه وأنعته بالمارق المتهتك ، فلا يزيد على أن يبتسم في تهكم... !
ما إن تخلصت منه حتى بدأت أفتش عن رأس خيط الحلم الذي لم يتم ؛ ضربت جبهتي بباطن كفي كأنما أحاول تنبيه ذهني من حالة جمود مفاجئ!
" انتابني رعب شديد وتنبهت كل حواسي... "

...........يتـــــــــــــبع.................
  • ملف العضو
  • معلومات
Dr-jenin
عضو مبتدئ
  • تاريخ التسجيل : 07-07-2009
  • المشاركات : 13
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • Dr-jenin is on a distinguished road
Dr-jenin
عضو مبتدئ
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 31-12-2008
  • الدولة : الجزائر بسكرة
  • المشاركات : 44
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • خير الدّين is on a distinguished road
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
رد: رواية أحلام يوسف الدونكيشوت
15-07-2009, 08:47 PM
يا دونكيشوت...يا دونكيشوت...السلام عليكم ! التفت إلى يميني فألفيته سعد بن قدري...الوحيد الذي أطمئن إليه في محيط عملي وله خصوصية في قلبي ؛ فأفكارنا متشابهة، وأحلامنا متقاربة ؛الخلاف الوحيد ما بيني وبينه هو أنه لا يفرط في ركوب موجة الحلم ويوازن بين إمكانياته وطموحاته...رددت عليه التحية وكأنما لم يسمعها وراح يجذبني من طرف ذراعي ويوشوش في أذني :

-أريد أن نلتقي الليلة في مقهى "البركة" .
لم أناقشه أو أحاول استفساره لأسباب كثيرة ،ثقتي الزائدة به وشعوري بالارتياح إلى حديثه .لا يتفوق عليه في هذا المجال إلا ابن عمي "حكيم" وبإيماءة خفيفة من رأسي أبلغته موافقتي فانصرف وتركني حائرا وسط الرواق أبحث عن مكتبي وحلمي...وما إن اهتديت إلى الأول حتى دعوت الله في نفسي أن لا يزعجني أحد من الموظفين أو المراجعين ؛ حتى اهتدي إلى الثاني وأتم صورة المشهد المرعب الذي ورطني فيه ولا أدري كيف المخرج فلا يمكن أن يموت الزعيم هكذا بضربة غادرة دون أن يحقق طموحات الجماهير المطحونة التي يتوقف مصيرها على إشارة واحدة منه تغير اتجاه عجلة التاريخ:
"انتابني رعب شديد وتنبهت كل حواسي... ! "
كيف أطور الحلم؟ كيف أجعله أكثر لذة وأعظم نشوة ؛ متعة حرة لا تثقل الجسد بأي وقر مادي يرهقه! ؟
فلأبدأ من جديد:
"انتابني رعب شديد وتنبهت كل حواسي... ! "
"بحركة مرنة وسريعة كنت قد قفزت خلف الخصم وشللت حركته...." لا...لا هذا لا ينفع...بل أخرجت مسدسي في لمح البصر وأفرغته في صدره...كلا الصدر لا ينفع فالضرب إلى الصدر لا أضمن معه عدم بقاء الخصم حيا وحينئذ يمكن أن يسدد إلي ضربة ترديني ...إذن فلتكن الطلقة موجهة إلى الرأس مباشرة...يسقط على إثرها دون حراك ؛ أقف أنا عند رأسه وعلى وجهي ملامح أسى عميق كأني آسف على اضطراري لقتله ...وجمهور الناس يرمقونني بإعجاب ودهش ويوشوشون "يا له من زعيم كامل الأوصاف ... إنه يحسن التصرف في أشد الأوقات حرجا...".
في النهاية فإن هذا المشهد لا يبعث في نفسي النشوة الكاملة التي أرومها ؛ فجأة انتبه لذاتي: أنا أروم النشوة وحسب من أحلامي إذن ما الفرق بينها وبين القرص المخدر؟!
وليكن فلكل إنسان له مخدر معين يغيب به عن الواقع الذي يرفضه بين حين وآخر...وومضت في ذهني فكرة مغايرة تماما لإنهاء المشهد بشكل مؤثر أكثر:
"انتابني رعب شديد وتنبهت كل حواسي... ! "
بل شملتني سكينة وهدوء عجيب وأحسست كأن نورا بديعا يفيض من كل جوانبي وبسمة الرضا على وجهي شمس وضاءة ،قلت له :اضرب...أمت جسد التراب والطين ...وأحيني في الروح الأبدية...أقتل المطامع والشهوات وسلطان الأنانية...أنا نذر لشعبي المسكين وفداء لأمتي العزيزة...
صوت الرصاص مركبة ضوئية تطوي لي المسافات بين عالم اللغوب وفضاء السعادة المطلقة ( كم ذا تعجبني كلمة مطلقة هذه ولا أجد أي صيغة مبالغة أخرى توفي المعاني حقها إلا أنني أشعر أنها كذبة كبيرة لا وجود لها...).
وبعد؟ أموت...أسقط شهيدا تمجدني الجماهير ويخلد ذكري في الناس وأغدو رمزا من رموز التاريخ ! وبعد...؟ ! تكتب عني الكتب وتلقى الخطب ويدرس تاريخي النضالي طلبة المدارس ورجال العلم والمعرفة !
وبعد؟! الذكر للإنسان عمر ثان...
وبعد؟! لا بعد أبعد من ذلك !
إن كل ما ذكرته لن تشعر به ولن تستلذه وأنت في عالم الآخرة ...فإن كنت من المحسنين فلن يزيدك فوزا وربحا وإن كنت من المسيئين ...ولا يبعد أن تكون كذلك ...فلن يكون لك تسرية أو تعزية ولا صبر لك على النار ...أتفقد حياتك من أجل وهم كبير يسمى "التضحية" والعمر الثاني؟ فكيف المخرج وأين الخلاص والمشهد أقحم نفسه في حلمي برغمي ؟!
أنسيت أن الحلم رخيص وأنه أقرب شيء إلى متناول اليد لما لا تجعل المشهد يمر بسلام وإن ولابد من تضحية تستلزمها متعة تعذيب الذات فلتكن الإصابة خطرة وتنجو منها بصعوبة بالغة!
هذا كثير جدا ...إن أعصابي لا تحتمل كل هذا التردد والتذبذب حتى في الأحلام؟!
أعود إلى الواقع المرير خالي الوفاض وبعض من خدوش الأحلام في صدري تدمي قلبي ببطء شديد؛ سحقا للسياسة والسياسيين كم ذا أهرب منها وأنبذها وأجدها تترصد ني بكل باب.
أنا لا أحب المقاهي وليس من عادتي الجلوس بها ، غير أني ألم بها لضرورة ما مثل لقاء صديق أو طلبا لراحة وجيزة من السير في أزقة المدينة. الليل يوغل في ظلمته والشتاء بارد...بارد جدا والمقهى يزدحم برواده وسعد بن قدري لم يأت بعد ، الدخان يغمر المكان ويخنق الأنفاس ؛ إنّ صدري يضيق وحلقي يجف وريقي تمازجه مرارة مقرفة ...يمر الوقت في مثل ثقل الرصاص وسعد بن قدري لا يريد أن يجيء ... لابد من المغادرة فروحي لا تطيق الانتظار الطويل ، ولا الصبر على المجهول لاسيما إذا كان هذا المجهول لم تكن لنا يد في نسج بعض خيوطه... ! وقبل أن أنهض يائسا لا أدري من الذي وسوس إلى النادل أن يدير زر المذياع ؛ فتنبعث منه موسيقى صاخبة معلنة عن نشرة الأخبار أرهفت أذني فتناهى إليها تعليق المذيع ذي الصوت الجهوري " أبناء الحجارة يمرغون أنف الجيش الإسرائيلي المتغطرس في التراب ، ويمسحون عن سوءات السياسيين العرب بعض قذاراتها...".
لم أعد أسمع تفاصيل الخبر إنما انقلبت إلى قلب الحدث ، ودخلت معمعة المعركة لا بحجر لأنني لا أومن بثورة الحجارة برغم احترامي للأيدي التي تقذف بها في وجه " النسانس " الحديثة ، ولكن بسلاح فتاك لم يخترع مثله من قبل ، ورحت أحصد جنود العدو الصهيوني وأشبع نهمي لرؤية دمائهم القذرة تشخب شخبا... !
صوب نحوي بعضهم رشاشاته وأمطروني بوابل من الذخيرة الحية ...الرصاص يتساقط على بعد بضعة أشبار مني لأنه كان يصطدم بهالة إشعاعية واقية من زخات الرصاص... أرى الرعب في عيون بني اليهود وإشعاع الفرحة والبشر ؛ ينبعث من عيون بني " كنعان " أحفاد صلاح الدين ونور الدين زنكي ...وأشعر أن عمر بن الخطاب يتنفس الصعداء في قبره! بنو يهود يجرون في ذعر يستترون بشجر الغرقد ، هذا النبت الشيطاني المتواطئ مع غلاظ الرقبة بينما كل شجر وحجر ينادي " يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله..." !
لم أشعر إلا وأنا أصرخ بملء في:" خيبر ..خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود " ،" خيبر ..خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود " وبدأت العيون ترمقني من كل جانب ، والهمهمات تتعالى وذهلت لما حدث... أو تقود أحلام اليقظة إلى مثل هذا الموقف السخيف ألا بعدا للأحلام...بعدا لها ، واستدرت على أعقابي عازما على مغادرة المقهى ؛ فوجدت سعد بن قدري يقف قبالتي.. وقبل أن أبدأه بالعتاب استبقني بالاعتذار :
- آسف جدا لقد جاءني ضيوف وما كدت أتملص منهم إلا بشق النفس!
- لا أظنك فرطت في ضيوفك إلا لأمر جلل!
نظر في عمق الظلمة برهة ثم أحد بصره في؛ وأجاب:
- اسمعني جيدا وقبل أن تقول أي كلمة عليك أن تفكر جيدا وبروية.
- تكلم شوقتني.. !
- أنت رجل مستقيم تكره الباطل وتحب الحق... وترى الفساد قد عمّ والناس جنحوا عن الجادة !
- كلام صحيح، وماذا بعد؟!
- لا تعجل! لا شك أنك سمعت بالحزب الجديد الذي استقطب جماهير الشعب ، وبدأ ينشر فروعه في كل المدن والقرى ...وهو يرفع الراية الخضراء بيد من حديد ، وبوادر التغيير تلوح في الأفق على يديه بلا شك و...
تركت صاحبي يوغل في مقدمة حزبية ، عرفت مرماها من أول وهلة وسرحت بخيالي في أفق بلا حدود :
" أما كنت أحق الناس بتزعم هذا الحزب ؟ هل هؤلاء الخطباء المتفيقهون الذين يتحدثون باسمه ،ويروجون لبرنامجه أفصح مني لسانا وأربط مني جنانا...إن رأسهم الكبير الذي له يهللون وبه يطوفون عيي لا يكاد يبين ، وشيخ هرم مغرور يحسب نفسه أنه أوتي مفاتيح الكلم وزمام الفهم ولا يدري أنه يقزز السامعين بمده الطويل وصمته الثقيل...فلو كنت مكانه لهدرت هدر الخطباء الفحول ، وقلت حتى يعجز مني القول ويبهر السامعون...ولكنه الحظ يواتي أناسا ويزّاور عن آخرين ...ولكن لما لا ...الفرصة لم تفت وارتقاء السلم يبدأ من أول الدرج ، وسعد لن يكون أبعد مني نظرا أو أسرع تلبية لنداء الحق ورفع الراية الخضراء الوضيئة..."
- هيه ماذا قلت يا يوسف ؟!
صدمت أذني لكلمة " يوسف" كأنني اسمع اسمي لأول مرة ؛ فسألته بعجب :
- ها أنت تناديني " يوسف " ماعدا مما بدا ، وقد كنت كالآخرين جميعا لا يعجبكم سوى مناداتي بالدونكيشوت !؟
- ذاك مزاح ودعابة لهما وقتهما ومكانهما... أما الآن فالجدّ الجدّ والتشمير التشمير!
- إذن كأن الجدّ لا يكون إلا استثناء وحالة خاصة ، والمزاح والدعابة سلوك يومي وعادة شائعة...؟ !
صمت لحظة ثم أجاب:
- ذاك ما كان وليس ما سيكون !وأشار بيده إلى الخلف مرة ثم إلى الأمام أخرى.. فأفزعني وسرت قشعريرة في بدني:
- أخفتني كأننا مقبلون على حرب أو أهوال لا نهاية لها.
- فعلا نحن مقبلون على حرب ضروس وأهوال كالزلزال.. تفرق بين الضياء والظلام والعدل والطغيان.
ماذا قلت لا تتردد ؟ فالمسألة مسألة عقيدة ، قضية ولاء وبراء ، حق وباطل !
لم أستطع الإجابة فورا فاستمهلته فأمهلني ثلاثة أيام وافترقنا على ذلك!
ويلي أيبدأ الدونكيشوت ملحمته حقا ؛ خارج إطار الحلم الوردي ويتحدى فرسان الميدان بدل طاحونة الهواء في غبش الفجر الثقيل... !

............يتبـــــــــــــــــــــــع ...............
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 31-12-2008
  • الدولة : الجزائر بسكرة
  • المشاركات : 44
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • خير الدّين is on a distinguished road
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
رد: رواية أحلام يوسف الدونكيشوت
22-07-2009, 06:18 AM
ليلة 03 أوت 1990م

النور ينبعث من الشرق من جديد ...وشمس العرب أشرقت من مدلهم الظلمات...والبشرى من بلاد الرافدين من بغداد التاريخ ، بالطبع لن يرفع الشرق رأسه مرة أخرى ؛ إلا بوحدة عظمى تلحم كل أجزائه في نسيج واحد متين وها هو العراق يعصف بالعقال المنقوع في بئر القار اللعين ، في بضع ساعات طوى تحت جناحه شبر الأرض الذي يدعى دولة الكويت ، وهو يزحف أو يوشك نحو البقية الأخرى من أشلاء أرضنا الممزعة ؛ لله دره من بطل مغوار هذا " الزدام " ... !
ليلة البارحة رأيت حلما ...حلما حقيقيا أعني حلم منام ، لا حلم يقظة وذلك نادر ما يحدث لي منذ بدأت أصنع أحلامي نهارا وأنا في قمة يقظتي وانتباهي ؛ أجل رأيت حلما حقيقيا وهذه أماراته بدت تترى اليوم : رأيتني كأني أهوي في بئر معتم ، لا قرار له وكلما أوغلت في السقوط شعرت كأنّ جناحين ذهبيين ينموان في جنبي ، حتى امتدا قويين جبارين فخفقتهما بقوة وعرجت صعدا نحو الفضاء الوضيء ، أبغي عين الشمس وكلما تماديت في الطيران عبر المدى شففت...شففت إلى أن غدوت مثل نسيم هفيف أو زهرة عبقة أو...أو روح طاهر يسري في الكون... !
أسكرني هذا الحلم وأنساني لفترة كل أحلام اليقظة ، ولكن الأحداث التي انبثقت من رحم هذا اليوم جعلتني لا أتوانى عن ابتلاع قرص الأحلام من جديد :
" ابن عمي خالد أزعجني كثيرا وكدت أصبّ على رأسه طبق المرق ونحن نتغدّى معا ، فلقد سألته عن رأيه فيما يحدث في الخليج فأنى وتوجع وتألم وتحسر...وصرخ كالمكلوم " واثكلاه فيك كويت.. !" صعقت مما سمعت واستوضحته الأمر في حنق فقال:
- الكويت مصر يوسف في زمن القحط والسنين العجاف ، والعراق جاء على قميصها صبحا بدم كذب ولم يترقرق في جفنه أي دمع .. !إن صدقا أو كذبا !
- " العراق يرفع راية العرب خفاقة وجموع المسلمين خلفه تزأر مثل الأسود ، ورايات الكفر والنفاق تتهاوى تباعا ونور الحق يبسط جناحه على الكون ...الجزائر تعلن اتحادها مع العراق في دولة عربية مسلمة وتنظم إليهما ليبيا ثم السودان ثم مصر و سوريا...ومن لم تقبل من الدول العربية الأخرى بالوحدة الكبرى تخضع بالقوة ، أو بواسطة ضغط شعوبها الملتهبة حماسا للزحف التاريخي الفريد... ولكنّ سؤالا يزعج كل هذا الحلم اللذيذ.. هل العراق جاد حقا في ما أقدم عليه من عمل خطير؟ وسيواصل المسير ويقتحم العقبات والموانع أم هي فورة حماس سرعان ما تنطفئ ونزوة ساعة بعد حين تزول؟ ".


*** ***

ليلة 10 سبتمبر 1990م

هذا اليوم انقضى دون أحلام تقريبا إلا صورا سرعان ما تتلاشى ، فهو يوم مليء بالعمل زاخر بالحركة والنشاط ولتعويض ما فاتني خلال النهار سأعوضه ليلا قبل أن أخلد للنوم فأنا لا أضمن أن أرى في أحلام النوم ما أشتهي وأحب. بما أحلم يا ترى ؟..بأي شيء !؟..لا ذلك عبث لا يجدي ! لقد تجاوزوني في الترقية مرة أخرى. حياتي المادية صعبة للغاية بيتي يحتاج إلى ترميم ، مشروع زواجي ما يزال مؤجلا إلى حين ، الأسعار في ارتفاع مذهل وبسرعة قياسية ، اقتصاد السوق يزحف مثل ثعبان مبين ، والبقاء في الوظيفة معناه التسول المقنع ، وترك الوظيفة دون ضمان مصدر دخل أفضل ؛ معناه الانتحار ( أخ... كم ذا ترعبني هذه الكلمة ، أنا متشبث بالحياة بأسناني وأظافري أحبّ أن أعيش ...أعيش كما يعيش بقية الناس ولو بوضع متوسط من الرفاه) إذن ما العمل ؟!لابد من دخل إضافي !الرشوة موت للضمير ، والعمولات خنق بطيء للأخلاق والقيم...والنفاق شيء لا يحسنه " الدونكيشوت " فأنا لا أبصر أمامي غير الخط المستقيم . والطرق الملتوية والسبل المتعرجة عيناي عنهما عمياوان ، إذن مشروع تجاري مناسب:
- كيف ؟
العمر يمضي بغير مهل وليس بعد الثلاثين من صبر على الزواج لأحد ، لاسيما وأن العري والسفور يسري في نساء المجتمع مثلما تسري جراثيم العفن في الطعام القديم المنبوذ في الأقبية المظلمة ... وليس عليهن حرج وهن بقرات إبليس و صويحبات يوسف وذوات الكيد العظيم ! !
أأتزوج وأسكن إلي روح تخفف عني مصاعب الحياة ووهم الكدح ؟ أم أتجر بما معي من قليل مال وأأجل فكرة الزواج بضع سنين أخر؟
القرار صعب وخطير، والوقت طاحونة تأكل العمر في غير شفقة ولا رحمة ...أواه...أواه ما أتعس الإنسان ؛ بل ما أتعس الإنسان المعدم الفقير ! والسياسة تشدني من جهة رغم التعويذات واللعنات...
ظنك المعيشة يشدني من جهة أخرى رغم التقشف وشدّ الحزام والخناق معا...
والزواج أمنية عذبة صارت كابوسا رهيبا يشدني من كل الجهات ... ولا حيلة لي ولا طول!
- أحلم... ! نعم أحلم هذا المفر والملجأ الوحيد فلأحلم إذن ...ولكن بماذا ؟
ما أقسى الدنيا بغير أحلام!
18 سبتمبر 1990م

الحياة جافة فارغة بلا معنى أو روح! فقدت نكهتها الوحيدة ، التي كانت تنسينا الوجه الآخر القذر لهذه الدنيا...الأحلام...عبثا أحاول بناء أبراج أحلامي ويصدني الفشل في كل مرة ، ونكبتاه إنني لم أعد قادرا على الحلم! !
في النهاية اكتشفت أن معظم الناس فقدوا هذا الإكسير السحري " الحلم " ، ولذلك صارت الحياة قاسية بل رهيبة.
كنت أذهب إلى عملي أقوم بالمراجعات الروتينية ، أنجز الاستمارات اللازمة ، ألقي السلام على الأصدقاء ، أتبادل معهم حديثا مستهلكا عن الصحة وأحوال الطقس وازدحام المواصلات ، آكل ، أشرب ، أنام لا شيء مثير أو جديد ، برغم تقلب الجو السياسي وتوتره إلا أن كل ذلك بدا لي نسخا معدلة عن الواقع المرّ الذي نحياه منذ سنوات ، الحلم وحده المخرج وحلم اليقظة بالذات.
ذات صباح وبلا مقدمات وأنا مستلق على فراشي ؛ أنظر إلى السقف بعينين جامدتين ؛ أتى صديقي الأثير على حين غرة كأنما كان تحت السرير ثم برز بملامحه العذبة وشكله الأريحي!
استعددت بطريقة طقسية لأهيأ له الأجواء ، فهو يستحق كل ما أبذله من أجله من عناء وتكلف!
سويت الوسادة بشكل مريح أكثر ، سحبت الغطاء المكور عند نهاية قدمي ؛و تغطيت حتى رقبتي ثم وضعت وسادة ثانية فوق وجهي لأخفف من حدة الضوء المتسرب من النافذة المقابلة ، إنّ هذه الوضعية تساعدني كثيرا على التركيز في أحلامي وتمدني بخيال غير محدود ، فلا أحتاج إلى إجراء تعديلات كثيرة على تداعيات وتفاصيل الحلم الذي تنسجه المخيلة بشكل هادئ وبطيء جدا ؛ للاستلذاذ أطول فترة ممكنة بالصور التي تترى داخل ذهني!
" في طرفة عين صرت غنيا ،غنيا جدا ،أملك دارة فخمة يحيطها بستان بديع وأملك سيارة فخمة تنقلني حيث أشاء، لم يمت أبي بعد فهو يشاركني متعتي بالثروة العظيمة.. آخذه إلى أشهر الأطباء يعالج من جميع الأمراض التي أصيب بها بدءا بالروماتيزم والسكر وانتهاء بمرض تلف الكبد ؛ هذا الداء الخبيث الذي أودى به، إنه الآن يجلس متكئا على مرفقه في حديقة الدارة ويتناول أكوابا من الشاي الأخضر وينفث دخانا كثيفا من دخينة العرعار الثخينة ؛ التي تملأ فمه وتضفي على تقاسيم وجهه مظهر الحكيم المتفكر في الكون والحياة، يعدو إليه أبنائي الأربعة ، بنتان ، وولدان ، يحيطونه بحيويتهم المرحة يقفزون هناك وينطون هنا ، في المساء يجلس بعضهم على ركبته وبعضهم إلى جانبه وهم يلحون عليه أن يروي لهم قصة عنترة بن شداد الذي أوشك أن يحمل الأرض بكاملها بقبضة يده ؛ لولا أنه لا يجد مكانا يقف عليه ".
أدخلتني قصة عنترة في حلم ثان أكثر جدة وأشد جاذبية .
" في مكان ما تحت الأرض قبع ثلة من الشباب الأمة الأفذاذ يخترعون آلة مذهلة وفي أذهانهم مشروع متكامل لتوحيد العلم العربي والعالم الإسلامي...وتركيع أمريكا وإزالة ورم إسرائيل من الوجود إلى الأبد ، وفي يوم مشهود تظهر الآلة العجيبة في فضاء الصحراء الجزائرية ، مثل لؤلؤة تتألق نورا وصفاء وبداخلها رجل واحد هو العبد الضعيف الذي سينقذ العالم الإسلامي من تشتته وضعفه ، أمامي أجهزة متطورة جدا أستطيع بواسطتها القيام بأعمال تشبه المستحيل.
أول شيء أقوم به هو قطع البث بواسطة بث آخر جبري على جميع قنوات التلفاز الموجودة في كل أنحاء الأرض !
ثانيا: أبث رسالة مختصرة :
" يا سكان العالم أنا الحاكم الجديد للكرة الأرضية الذي سيقيم العدل ويقهر الطغيان.. انتظروني على الساعة الثامنة مساء سوف أزودكم بتعليماتي الأولية ".
يقطع البث...فترة انتظار لابد منها ، الناس في حيرة من أمرهم ، هل هي مزحة ، كذبة أبريل ليس الشهر شهر أبريل...كيف يمكن لشخص ما أن يقطع البث في كل قنوات التلفزة في جميع مدن العالم ، ويدلي بتصريح غريب كهذا ؟!...
يقول آخرون: لا يبدو عليه أنه يمزح.. الجد في ملامح وجهه وصوته ساطع كأشعة الظهيرة ، الرؤساء يجتمعون بمساعديهم ورجال أمنهم مستفهمين:
- من أين جاء مصدر الرسالة ؟!
- من صحراء الجزائر؟
- كيف...من أين بالضبط ؟
- من مركبة غريبة تقف معلقة بين السماء والأرض!
- أيعقل هذا ؟!
- ... ! !
على الساعة الثامنة تماما أطلّ بوجه صارم تتجلى فيه ملامح الحزم والهيبة على كل شاشات الكرة الأرضية ، قاطعا كل برنامج مهما كان نوعه أو دقة التقنية المستعملة في بثه ، لأدهش العالم من أول وهلة بقدراتي العلمية وإمكاناتي الفائقة في السيطرة عن بعد على كل ما أريد ، أفتتح كلامي بالبسملة ثم أملي أولى تعليماتي القاطعة:
" أيها الناس في كل بقاع الأرض لست مغامرا أطمح إلى الشهرة ، ولا أنا متهور لا يحسب للعواقب حسابها ، أو مهرج أريد تزجية الوقت بالمزاح والدعابات السخيفة ، وإذن إليكم أوامري التي أحبّ أن تنفذ فورا وبغير إبطاء ومن يجنح عن الطاعة قيد أنمله كانت عاقبة أمره وبالا:
أولا: على كل يهودي جاء إلى فلسطين ، ولم تكن له وطنا قبل عام 1948 م أن يغادرها إلى الجهة التي جاء منها!
- آمر كل القيادات اليهودية أن تسلم أزمة الحكم في أرض القدس الطاهرة إلى أبناء الأرض الحقيقيين من الفلسطينيين الشرفاء .
ثانيا: على الولايات المتحدة الأمريكية أن تسحب كل أساطيلها وقواتها العسكرية من كل مكان هي فيه الآن خارج أرضها.
ثالثا: على كل الرؤساء العرب أن يقدموا استقالتهم إلى شعوبهم ، وسأعين في وقت لاحق حكاما يختارهم الناس بكل حرية وإرادة.
رابعا: كل دولة تحتل أرض دولة أخرى عليها أن تأمر جيوشها بالانسحاب الفوري !
خامسا: ولكي يتبين لكم صدق قولي وتعلمن أنني أقول فأفعل وأضرب فأوجع ؛ فهذا إنذار بسيط وسريع أوجهه إلى الولايات المتحدة الأمريكية .
- أعطي مهلة 05 دقائق لكل فرد في البيت الأبيض لكي يغادره حالا وإلا فإنه سيعرض للهلاك...".
وينقطع البث...حالة من الهلع والفزع تعمّ البيت الأبيض وفي أقل من 5 دقائق يخلو من كل من فيه بما فيهم الرئيس الذي نصح بإخلائه على سبيل الاحتياط ، أما بقية بقاع العالم فالتوجس هو الهاجس الذي يسكن جميع الناس والحيرة تصبغ كل الوجوه...إنها خمس دقائق تمر على الكرة الأرضية مثل دهر مديد وأصوات تردد سرا وجهرا بجملة واحدة !
- لو كان غير جدي لحدد مدة أطول حتى يتمكن من المراوغة والعبث بالأعصاب ، لكن خمس دقائق كلام حاسم وقرار بيّن لا غبش عليه !
وتمضي الدقائق الخمس...
آلاف الكاميرات تنقل صورة الحدث السريع:
انفجار مدوي يهز أركان البيت الأبيض في لحظات ، وغبار قائم مثل الطوفان يملأ الأفق والدنيا كلها تتأمل المشهد المريع في ذهول...بعد خمس دقائق أخرى أعود لأطل على سكان الكوكب الأزرق عبر صناديق العجب التي ألغت الحدود بين قاطنيه :
صوتي بنبرات واثقة وكلمات صلبة يردد في ارتياح:
هذا إنذار فقط...إذا لم تطبق تعليماتي وبدقة خلال 24 ساعة فكل سيواجه مصيره بالحق والعدل ، وقد أعذر من أنذر...
تتحامق الولايات وترسل في كل تبجح وبلاهة بصاروخ نووي مدمر نحو الصحراء الجزائرية ، وعلى المركبة اللؤلؤية بالضبط، وفي الحال أبث على كل شاشات العالم صورة الصاروخ الرهيب وهو يعبر المحيط الأطلسي باحثا عن هدفه بجنون ، وأبث إلى جانب المشهد صورتي وأنا أضغط على أزرار ملونة بلوح زمردي أمامي وفي رمشة عين يتساقط الصاروخ رمادا خامدا دون أن يحدث أي دوي أو ضوضاء ليطفو فوق سطح المحيط الأطلسي ، وأجلجل بصوتي الجوهري:
- ما هذه اللعب التافهة يا حكام أمريكا ...إننا شبابنا من العلماء الأفذاذ تجاوزوا هذه القوة البدائية التي ترهبون بها العالم بعشرات من السنين ! وإنني ومن مكاني هذا أستطيع أن أمحو أي فرد في أي مكان بإشعاع لا مرئي ، لا يستغرق ليصل إلى أبعد نقطة في الكوكب عشر الثانية ودون أن يترك أي أثر يذكرٍ!
- لا تلعبوا بأرواحكم ...واسمعوا وأطيعوا فقد استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، وآن الأوان ليرث الأرض عباد الله الصالحون..." !
استيقظت على صوت عنيف ينبعث من الشارع الملاصق لغرفتي ، لأجدني قد غرقت في نوم عميق ومزجت بين حلم اليقظة وحلم المنام وأغاظني أن لا يكتمل مشهد الانتصار البديع وقد أزفت ساعة العمل وعدت لدنيا الواقع البغيض!
لكن لا بأس يمكن للحلم أن يستمر...

........... يتبــــــــــــــــــــع .................
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 31-12-2008
  • الدولة : الجزائر بسكرة
  • المشاركات : 44
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • خير الدّين is on a distinguished road
الصورة الرمزية خير الدّين
خير الدّين
عضو نشيط
رد: رواية أحلام يوسف الدونكيشوت
29-07-2009, 03:44 PM
فتحت الباب فقابلتني والدتي بابتسامتها المعهودة وحنوها الدائم الذي يخفف من غلواء محنتي، ترانى ماذا كنت سأصنع وحدي في هذا العالم المقفر...؟
ارتميت على الأريكة المهترئة ..جاءتني بقهوة الصباح وفي عينيها سؤال قديم ما يلبث أن يتسرب إلى شفتيها المتغضنتين:
- ألن يهديك الله وتريح أمك الموشكة على الرحيل ؟...أريد أن أمتع ناظري بأبنائك قبل أن أوسد الثرى !
تلوب الدنيا في عيني أغمضهما على عجل ؛ حتى لا تسبر غوري وتفضح مدى معاناتي !
أمد يدي بفنجان القهوة إلى فمي المنطبق...يلفحني بخارها الحاد...أفتح عيني...أجدها ما تزال ترمقني بتساؤلها الملح..أواسيها برسم ابتسامة مبتسرة على شفتي ثم أنهض لأودعها دون أن يكتمل المشهد.. !
وأنا أنزل الدرج تقاطعت مع فتاة بدا لي وكأني أعرفها... ملامح مألوفة لديّ إلا أنها أكثر نضجا وأكثر فتنة...أردت أن التفت وأدقق فيها النظر أربكني الحياء فلم أفعل ، إلا بعد أن غابت في إلتواءات الدرج...
صباح الحارة مفعم بالصخب ، الدكاكين على جانبي الشارع شرعت أبوابها وأخذ أصحابها في العناية بمداخلها ، هذا يكنس والآخر يرش على الرصيف الملاصق لدكانه! وثالث يتفنن في تصفيف بضاعته ، عرجت على عمي بشير صاحب عربة الفول صديق والدي ، وأقرب سكان الحي إلى نفسي ألقيت عليه تحية الصباح ، ثم طلبت منه طبق فول بدون توابل، بالزيت وحسب وأعدت عليه الأسطوانة التي حفظها عن ظهر قلب :
- أنت تدري أن معدتي معلولة ولا تقوى على هضم توابلك اللاذعة !
ابتسم في حنوّ فانفرجت شفتاه عن أسنان صفراء امتزجت بخطوط بنية داكنة ، وقد سقط نصفها وقال وهو يسكب الفول في الصحن بطريقة إحتفالية كأنما يعزف سنفونية خاصة ، يأبى إلا أن يسمع زبائنه بعضا من مقاطعها:
- أنت عنيد .. لم يخطئ من سماك بالدونكيشوت لو أخذت الوصفة التي أعطيتها لك ؛ لكنت قد شفيت منذ زمن ولأصبحت معدتك تطحن الحديد وتفتت الجلاميد ، تأمل عمك..! أتستطيع أن " تربي" كرشا مثل هذه ؟ انظر.. وأشار إلى بطنه المنتفخ أمامه مثل قربة مملوءة ماء توشك أن تتفتق، ثم أردف:
- معدتي مطحنة تلقف أي شيء لا تأبه بحار ولا بارد، ولا يعجزها حلو ولا حامض ، إنها الأعشاب السحرية يا ابن صديقي أعشاب ( العرب ) والبادية البكر التي لم يمسسها سوء ، ولا تبدلت بأقذار التمدن الخبيثة...
وأراد أن يقص علي أحداث الأيام العجاف وسنين التعب والشقاء؛ فالتهمت ما وضع بالصحن من حبات معدودات على عجل ...واستأذنته معتذرا بتأخري عن ساعة دوامي ، وفي الطريق عدت بذهني إلى الوراء وولجت ذهن عمّي بشير لأكشف أي نوع من الأحلام يدور برأسه الآن:
" لعله يأمل أن يمتلك دكانا خاصا به يقيه حر الشمس، وقرّ البرد. وربما طوّره إلى محلّ واسع يبيع فيه التوابل والوصفات الطبيّة الشعبيّة ، التي يقبل عليها النّاس ويثقون في مفعولها وتأثيرها أكثر ممّا يقبلون ويثقون في الأطباء..
ها هي الدنيا تقبل على عمّي بشير ويصبح من أغنى أغنياء الحيّ بل البلد كلّه ، ثمّ ماذا بعد ..؟ ماذا بعد..؟ يقبل الخطاب على بيته ويتزاحمون على خطبة بناته الثلاث العوانس ، فيتزوجن في أقلّ من شهر، يا للعجب النّاس أسرى للغنى والثراء وعبيد الجاه والمناصب ، إنّ عمّي بشير أمامهم في الحارة منذ تفتحت معظم أعين شبابهم على الحياة، ولكنّ أحدا منهم لم يجرؤ على التقدّم لخطبة إحدى بناته حتى أنت يا دونكيشوت !( وكدت أغص ّ بريقي لمّا فطنت إلى أنّني مشارك في هذه اللعبة الحقيرة ، لعبة التجاهل والأنانيّة المقيتة )، فول عمّي بشير لذيذ ولكنّ نسبه فيه كلام ... ترى من يناسب فوّال الحيّ ، إنّه لأمر مقيت أن تفكر بهذه الطريقة يا دونكيشوت ..!
حسنا لأقهر نفسي وأثبت شهامتي سأقترب من عمّي بشير وأخطب إحدى بناته ، بكل فخر واعتزاز أليس هو صديق أبي ، وموضع برّي من بعد وفاته ..! ؟
لكن متى تخطب إحدى بناته عندما كان فقيرا أم لمّا صار غنيّا ( ما هذه الهلوسات إنّ كلّ هذا حلم مجرد حلم ) ، أقف مبهوتا على عواء عجلات سيّارة توقفت بعنف عند أطراف أصابع قدميّ ، وأطلّ السائق من نافذتها وهو يصرخ:
ـ أنظر أمّامك..هل تمشي وأنت نائم ..
نظرت إليه وقد اكتسى وجهي بحمرة الخجل، ثمّ لوحت ّله بيدي معتذرا دون أن أقوى على النطق بكلمة واحدة.
وصلت إلى العمل في الوقت المناسب.. كان المراجعون يصطفون في طابور مضطرب، وبعض منهم يحاول حملهم على تنظيم الطابور لكنهم تجاهلوه ، وراح كلّ منهم يقف في الموقع الذي يراه أكثر قربا من كوّة الإدارة ، طبعا الكوّة هي النّافذة الزجاجيّة التي يتمّ التواصل من خلالها بين الموظفين والمراجعين، وأنا أحبّ أن أسميها كوّة لأنّها التعبير الحقيقي الذي يرمز لإدارتنا ، إنّها مجرّد كوّة صغيرة .. تضيق أحيانا وتضيق حتى تصير أضيق من سمّ الخياط ؛ فتخنق المواطن وتذهب بأنفاسه المتبقيّة من متاعب الحياة وضنكها.
بصعوبة بالغة استطعت أن أنجز طلبات مراجعيّ الكثر ، قبل أن تحين ساعة الانصراف فوجدت وقتا فارغا لممارسة هوايتي المفضّلة ، هوايتي التي نمت بداخلي منذ الصغر وترعرعت حتى صارت عالما ورديّا أحقق فيه كلّ رغباتي وأمانيّ ، بلا ثمن أو عناء إنّه مجرد الإبحار في عالم الخيال بأجنحة من نور...
ترى ما الذي يمكنني أن أحلم به اليوم...
هناك أمران يلحّان عليّ بشدّة الوضع السياسي في الوطن ، والذي أصبح على فوّهة بركان بعد أن هدّد الحزب الإسلامي الكبير ، بإضراب مفتوح يشلّ الوطن كلّه إذا لم يتراجع الحزب القديم عن تعديلاته الدستوريّة الجائرة والتي لا تخدم إلا مصالحه السياسيّة وحسب...
والأمر الثاني خاص جدا ومشوّق جدا ... ومثير جدّا ، إنّه يتعلّق بمصير حياتي بل بوجودي كلّه في هذه الحياة ، إنّه مشروع زواجي الذي تأجل مرارا وتكرارا ، وطاف بذهني خيال تلك الفتاة التي تقاطعت معها في السلّم ..
لم أرها حقيقة بشكل جيّد .. ولكنّي شعرت بوجودها يغمر المكان كلّه برائحة الأنثى.. ترى ما السرّ الذي بثه الله في المرأة حتى جعل الرّجل يتوق إليها بهذا الاندفاع الجنونّي، ما الذي جعل آدم يستوحش من حياته وحده في الجنّة، حتى سأل الله الرفقة وكانت هذه الرّفقة امرأة اسمها.. حوّاء مع كلّ الحبّ والتقدير لأمنّا الأولى ، لا شك أنّ الحاجة الجنسيّة وحدها ليست هي السرّ .. ولكن أيضا ما هو سرّ هذه العلاقة الغريبة ...؟
أنا لم أمسّ امرأة ولا أعرف حقيقة ما يسمّى بالجنس لأنّني لم أجربه ، والحمد لله على العفة ... الكبار من النّاس يتداولون حكاية طريفة يرددونها على مسامع كلّ من هو مقبل على الزواج ، وملخصها أنّ شيخا طيبا وحكيما كان يمرّ به شاب عزب كلّ يوم فيلقي عليه السلام ، فيردّ الشيخ بفرح وبشر:
ـ أهلا بخير النّاس ..
فيفرح الشاب ويملأ الانشراح صدره..وقال في نفسه ذات يوم إنّ هذا الشيخ كلّما رآني قال أهلا بخير النّاس وأنا شاب عزب لو أنّني تزوجت لكان ذلك زيّادة فضل فيّ، ولأعجبه ذلك منّي أكثر.
فذهب الشاب وتزوّج ولما مرّ بالشيخ مرّة أخرى وحيّاه ، ردّ عليه التحيّة وقال له:
ـ مرحبا برجل من النّاس..
فتعجب الشاب لذلك وظنّ أنّه فعل بالزواج ما يحط من شأنه ، فقام وطلق زوجته..
ولمّا مرّ بالشيخ مرّة أخرى وحيّاه ، ردّ عليه تحيته كعادته ولكنّه قال له هذه المرّة:
ـ أهلا بأخسّ النّاس..
فالزواج نعمة من الله ونصف الدّين غير أنّه يدخل الرّجل في دوّامة دسائس المرأة ومكرها ؛ فيذهب بصفاء العزوبة وسذاجتها الأولى ، ولكنّه على كلّ حال خير من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله..
أين هي المرأة المدهشة التي تفتح مغاليق قلبي ، وتبعث الحياة بين جوانحي..إنّ في الإدارة التي أعمل بها كثير من الموظفات بغير زواج ، على تفاوت بينهنّ في الجمال والدّمامة ولكن ولا واحدة منهنّ شدّت انتباهي ، إنّ الاختلاط في العمل ولاسيما في الإدارة يذهب بطهر المرأة وصفائها ، ويقضي على روحها الملائكي فتغدو مثلها مثل الرّجل في خشونة الطبع، وجفاء السلوك وذلك سرّ قول أحد العلماء:
" إنّ البيت هو مملكة المرأة الطبيعيّة " .
تذكرت عرض أحد الأصدقاء القدامى بالزواج من إحدى قريباته ، قالها لي في صراحة ودون مواربة :
ـ يا يوسف إنّنا نخطبك لابنتنا... فما رأيك ؟

.............. يتبـــــــــــــــــــــع .......................
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 02:28 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى