منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى اللغة العربية (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=57)
-   -   أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية. (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=310980)

mohamed yakon 05-08-2015 11:24 PM

أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.
 
أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.


دراسة اكاديمية مقتبسة بتصرف بسيط.



الفروقات وأوجه الأختلاف الجلية بين الفصحى والعامية بالأمكان حصرها في النقاط التالية.

1 ـ العامية أو اللهجة هي لغة السواد الأعظم لمجموعة من الناس، بينما الفصحى تقتصر على الخاصة أي لغة الطبقة المتعلمة، وتعتبر اللغة الرسمية المعترف بها في إطار مؤسسات السلطة وفي المحافل الدولية والإعلامية والتربوية والعلمية والأدبية.

2 ـ تحرر العامية من التقييدات والأحكام اللغوية لتنطلق على سجيتها الكلامية باعتبارها اللغة المحكية، بينما تُحدّد الفصحى بأحكام الصرف والنحو والألفاظ الدلالية المنتقاة.

3 ـ تقتصر العامية بتشعبات لهجاتها المختلفة على مجموعات سكانية مُتمَيّزة في البلد الواحد من جراء تعايش المجاميع في مواقع جغرافية متفاوتة من البلد كشماله، ووسطه وجنوبه، بينما تفرض الفصحى نفسها على البلد قاطبة من خلال العملية التعليمية والأعلامية رغم انحصار تأثيرها واستعمالها على النخبة الخاصة والمُتَمَيّزة بحكم العمل الوظيفي والشؤون الرسمية

4 ـ تتميز العامية بلهجاتها الكثيرة بطابع المُغايرة النبرية والقياس المشترك ( النورم ) في البلد الواحد كأن تقول هذه لهجة مصرية، لبنانية، عراقية، جزائرية ، بينما تتمثل الفصحى والحالة هذه بمصدرها البليغ المتمثل بالقرآن الكريم الذي يتوجب قراءته وفق الأصول المحتمة وبشكل خاص في عملية التجويد.

5 ـ إفتقار العامية إلى ما لا يُحصى من المصطلحات العلمية والفنية والمفردات المُستحدثة ولا سيِّما العصرية التي تمليها مستلزمات التطور الحضاري والتقدم التكنولوجي لتُستَدرَجَ في قاموس الفصحى تيسيراً لأستعمالها وضرورة انسجامها مع متطلبات مناهج البحث العلمي والعلوم المُستحدثة , هذا كله نتيجة التهميش الذي لحقها , و استحواذ الفصحى على كل المجهود من أجل التطوير , دون جدوى احيانا كثيرة.

6 ـ ندرة المترادفات في العامية واقتصار المعنى في لفظ واحد يفي بالغرض المطلوب أو الضرورية منها للحديث، بينما تزخر الفصحى بالمترادفات التي لا حصر لها في لغة العرب

7 ـ قلة التدوينات والمنشورات بالعامية سواءً المخطوطة أو المطبوعة، واكتظاظ المكتبات بما يقتصر على اللغة الفصحى.

8 ـ عدم تواجد المعاجم والقواميس التي تفي بالغرض المطلوب في العامية ـ إلاَّ ما ندر ولحاجات خاصة تقتضيها الضرورة ـ بينما معاجم وقواميس الفصحى تغطي مساحة واسعة في عالم الكتب، وخاصة ما يتعلق بالعربية الفصحى واللغات الأجنبية بسبب ظروف الهجرة والدراسات الأكاديمية أو التعليمية كما هو الحال في السويد والدنمرك والدول الأوروبية الأخرى.


من صعوبات الأشكالات اللغوية في عملية التعليم.


ندرج فيما يلي أهم الصعوبات التي تواجه التلاميذ فيما يتعلق بالقراءة والكتابة في المراحل المختلفة من عملية التعليم، إبتداء من المرحلة الأساسية، معتمدين في ذلك التجارب التي عشناها مع تلامذتنا على مدى عشرين عاماً في مدارس ديار الغربة، ناهيك عن مدارس البلد الذي هجرناه، بالرغم من قلتها نسبياً إذا ما قيست بما استنتجناه ووقفنا عليه في السويد.



1 ـ مواقع شكل الحرف في أول الكلمة، في وسطها وفي آخرها.

2 ـ الحروف التي تتصل ببعضها والتي تتصل بما قبلها أو كتابتها منفصلة مثل ( دار، زرزور).

3 ـ عدم التمييز بين الحروف الصوتية الطويلة ( ا ، و ، ي ) والحركات القصيرة ( ــــَ ، ــــُ ، ــــِ ).

4 ـ إشكالية الحروف المضَعَّفة أي المُشَدَّدة في الكلمة.

5 ـ عدم التمييز بين الحروف الشمسية والقمرية أثناء إضافة ( ال ) التعريف.

6 ـ الخلط بين تاء التأنيث والتاء المربوطة ( هاء التأنيث ) .

7 ـ عدم إدراك حركات الأسماء والصفات المُنَوَّنة مثل: ( قلمٌ ، قلماً ، قلمٍ ).

8 ـ هجاء أسماء الإشارة والأسماء الموصولة مثل: ( هذا = هاذا ، الذي = اللذي ).

9 ـ الاستغراب من قراءة الكلمات التي تلفظ بشكل مغاير لكتابتها مثل: ( طه ، سموات ، لكن ).

10 ـ قراءة وكتابة الهمزة بأشكال مختلفة من أحكامها النحوية مثل: ( أَب ، أُم ، إن ، بئر ، شئ ، قارئ ، لؤلؤ ، قراءة ، ضوء ، قَرَأا ). إضافة لهمزة القطع والوصل مثل: ( إعلم ) و (واعلم ) حيث تُلفظ الثانية ( وعْلَم ) لاتصالها بما قبلها اتصالاً لفظياً ، فقلبت الهمزة إلى علامة وصل

11 ـ الألف الممدودة أو الساكنة والألف اللينة أو المقصورة مثل: ( عصا ، دعا ، صلى ، ليلى ).

12 ـ زيادة الألف بعد واو الجماعة وعدم لفظها مثل: ( كتبوا ) ، وعدم كتابة الألف بعد واو الجمع مثل: (معلمو المدرسة ) ، أو المضارع المنتهي بواو مثل: ( نرجو ، يدعو ).

13 ـ إدخال ( ال ) التعريف على الكلمة المبدوءة بحرف اللام مثل: ( لبن : اللبن ) وقراءتها أو كتابتها بحذف أحد اللامين ( الأصلية أو التعريف ) وبالشكل التالي ( البن ).

14 ـ التغييرات التي تطرأ على حروف العلة في المضارع المُصاغ من الماضي المُعتَل من جراء دخول أدوات الجزم أو النصب مثل: ( يلهو ، لم يلهُ ، يبني ، لن يبن ، يسعى ليسعَ ).

15 ـ تذكير وتأنيث العدد من نوع المعدود، إضافة للتغيرات التي تطرأ على العدد المركب.

16 ـ إشكالات التقارب والتغيير اللفظي في نطق بعض الحروف مثل: ت : ث ، ق : ك ، ذ : ز : ظ ،

ض : د ، ط : ت ، س : ص ، ك : ج ، د : ت ، ث : س ، الهمزة والعين) كأنك تقول: توم بدلاً من ثوم ، وحدس بدلاً من حدث ، وحرس بدلاً من حرث ، وصورة بدلاً من سورة ، صار بدلاً من سارَ ، دابط وزابط بدلاً من ضابط.

إن ما عرضناه هنا لم يكن إلا جزءً يسيراً من قائمة الصعوبات التي تعترض التلاميذ في المراحل الأولى من عملية تعلم القراءة والكتابة والتي يمكن ربطها بعوامل كثيرة تتصل بالنواحي النحوية والصرفية للكلمة التي تنعكس على إخراج صوت الحروف من مخارج مغايرة لمنبعها الأعتيادي لتؤدي بالتالي إلى عيوب في النطق والقراءة غير الصحيحة المشوبة بالوقف والتأمل في هجاء الكلمة المقروءة والتأخر في فهم المعنى المقصود، ناهيك من مزيدات الفعل الثلاثي وتصريفاته وصيغ الجموع والمفعول المطلق والمفعول لأجله والمفعول فيه والمفعول معه وما إلى ذلك من أمور قواعدية حَيَّرَت مشاهير الكتاب واللغويين والنحويين وأردت الكثير من بني عصرنا ممن لهم باع طويل في حقل اللغة والكتابة من كبار الأدباء ومربي الأجيال للوقوع في أخطاء وهفوات لا يغفر لها سيبويه والفراهيدي وأمثالهم.


أيهما أجدى في عملية التعليم الفصحى أم العامية ؟

سبق وأن نوهنا في مطلع حديثنا ومن خلال إشارة عابرة عن تواجد تيارين متفاوتين في الرأي عن مفهوم الفصحى والعامية وأيهما أجدى لنا كمنطلق لتعليم اللغة العربية. وبعد رحلتنا واستقرارنا في محطات لغوية كثيرة، وجدنا بأنه يجدر بنا هنا أن نجذف بمجاذيف متفاوتة علنا نصل إلى ساحل الأمان من بحر اللغة ونؤكد فيما بعد قوة وفاعلية تلك المجاذيف اللغوية وأيهما الأجدى والأمثل لتسيير دفة التعليم اللغوي.

أنه بوسعنا الآن أن نضيف تيارين آخرين تمثلا بمجموعة الذين لا ينضوون تحت راية اللغة الأم المتمثلة باللغة العربية، أي بما معناه الأجانب أو من غير العرب الذين يزمعون تعلم العربية واستخدامها لتقريب التفاهم عند الضرورة أو لغايات أخرى. كما وهناك تيار آخر جمع قواه من التيارين الأولين الأصليين، أي الجمع ما بين الفصحى والعامية.

ولكي نكون منصفين في خوض غمار هذه التيارات الخمس وإعطاء صورة واضحة المعالم لكل منها ندرجها أدناه مستعرضين فكرة موجزة عن مفاهيمها العامة وما تزعمه من حجج ومبررات في تفضيل اللغة الفصحى على العامية وبالعكس. وإن هذه التيارات هي:

1 ـ تيار دعاة الفصحى لغة للتعليم.

2 ـ تيار دعاة العامية لغة للتعليم.

3 ـ تيار دعاة العامية من المستشرقين.

4 ـ تيار دعاة استبدال الحروف العربية باللاتينية.

5 ـ تيار دعاة تطعيم اللهجات بالفصحى.

1 ـ تيار دعاة الفصحى: ينطلق مناصرو هذا التيار من مفهوم الوازع الديني والألتزام القومي بالوحدة العربية وأسس القيم التراثية والأدبية والفكرية التي شاعت بلغة موحدة مشتركة وجمعت بين العرب منذ فجر الإسلام، مؤكدين عن ضعف الروابط بين أبناء الأمة الواحدة في حالة ضعف وتشتت اللغة القومية إذا ما تم استعاضتها بالعامية، وبالتالي ضعف أصحابها ورجالاتها في مجال الفكر والأدب والسياسة والعلوم الأخرى، إضافة لافتقاد الصلة بين ماضي العرب وحاضرهم، علماً بأن العامية في نظرهم هي ظاهرة مشتركة بين جميع اللغات في العالم ولها لهجات محلية كثيرة. أما اللغة الفصحى فهي مهارة من المهارات التي يكتسبها الإنسان ـ صغيراً أو كبيراً ـ عن طريق الممارسة والمران كالسباحة والقيادة وغيرها من المهارات. وفيها من أساليب التعبير التي تعجز العامية عن الإتيان بمثلها. لذلك ينبغي أن تتم العملية التعليمية وفق أحكام لغة القرآن والدين الحنيف.

2 ـ تيار دعاة العامية: يعتمد مؤيدو هذا التيار على تلك الخبرات المكتسبة من قبل الأطفال ومن خلال البيئة التي نشأوا فيها، انطلاقاً من الرصيد اللغوي المبني على اللهجة العامية المحكية لتميزها بمرونة التركيب وسهولة التعبير. وإن عملية الأستمرار في النمو والتدرج على المنوال الذي يألفه الأطفال يقربهم أكثر من اعتبارات الفهم والإدراك وشحذ الهمم، حيث أنه بهذه الطريقة يتم تحفيز التلاميذ على التشويق وزيادة خبراتهم وسهولة تطبعهم في المجتمع العام الذي يمارس ذات اللغة، بعيدة عن أحكام الأعراب التعجيزية والمترادفات المتشابكة، معتمدين مبدأ الحياة تتطلب البساطة والوضوح وفق المنظار العام المألوف. والفكرة الرئيسية هنا تنحصر على إقبال دعاة هذا التيار بالنظرية القائلة: ( إذا كانت اللغة للفهم والإفهام، فإن أحسن لغة وأفصحها هي التي تُفهَم وتًفهِم بأيسر ما يكون من الجهد ).

3 ـ تيار دعاة العامية من المستشرقين والأجانب من غير العرب: يرتكزوا المهتمون بهذا التيار على صعوبة وجماد اللغة الفصحى وبقائها على حالها منذ القرون الأولى لشيوعها بحوالي 1400 سنة، وانها لم تعد تجدي كشكل من أشكال النشاط اللغوي المختلف عن العامية التي تعتبر لغة الحياة اليومية. كما ودعموا ادعاءاتهم بأن الأدب يجب أن يكتب بلغة الشعب، وعلى المفكرين أن يخاطبوا الشعب بلغته التي يمارسها في التفاهم والتخاطب اليومي الدائم والمألوف. كما وأن فقدان قوة الاختراع عند العرب ومواكبة العصر هو استبقاء الفصحى وافتقارها للأصطلاحات العلمية لا سيما في عصر الاكتشافات والاختراعات. ومما لا شك فيه أن يكون هناك من بين المستشرقين من يبدي حرصه على مستقبل اللغة العربية ككل، وهذا ما تشهد له العديد من الدراسات والبحوث الأكاديمية التي أغنت المكتبة العربية والأجنبية.

4 ـ تيار استبدال الحروف العربية باللاتينية: ينظر دعاة هذا التيار الى اعتبار العربية بفرعيها ـ الفصحى والعامية ـ لم تعد تساير وتواكب التطور العلمي والتكنولوجي الحديث، ولكي يرتقي العرب إلى درجة التمدن الحضاري والتنبؤات المستقبلية ينبغيهم الأبتعاد عن إشكالات التعقيد اللغوي في القراءة والكتابة وهجر الحروف الأبجدية العربية التي تتخذ أشكالاً متفاوتة لا تنسجم وروح العصر في التعليم. لذلك ينبغي ابدال الحروف العربية باللاتينية التي تتخذ شكلاً واحداً متعارفاً عليه، حينذاك تكون اللغة العربية أكثر انسجاماً ومقاربة للحرف الأكثر شيوعاً واستعمالاً في العالم، مما يجعل التعلم أكثر سهولة ومرونة وأكثر قوة ورصانة في المراحل العليا طالما يجري توليد المصطلحات المستحدثة من واقع العالم الغربي الذي يعتمد الحرف اللاتيني.

5 ـ تيار تطعيم اللهجات بالفصحى: يكترث مُنادو هذا التيار بمحور واقع ومحيط الأطفال، وذلك باعتماد اللغة المكتسبة لديهم وسيلة للتعليم، كونها الأقرب إلى نفوسهم والأسهل عليهم، ولكونها لا تخلو من المفردات الفصيحة وبشكل خاص الأسماء والصفات المتعارف عليها، إضافة لأحتوائها على المفردات التي شابها التغيير في اللفظ واعتبارها التبديل في التركيب، رغم أصالتها وشرعيتها اللغوية. بهذا فأنه من خلال تطعيم لغة التعليم بمفردات وعبارات بسيطة واضحة سلسة وخالية من التعقيد يتيسر تهذيب لغة الأطفال وتشذيبها من الألفاظ الغريبة والخاطئة الأستعمال تدريجياً. فتكون هذه المحاولة نقطة انطلاق لمراحل التدرج في النمو اللغوي السليم لدى الطفل واثرائه برصيد ينسجم وعمره الزمني والعقلي وتقدمه التعليمي والتربوي. ويرى أصحاب هذا الرأي بأنهم يكونوا قد توصلوا إلى لغة مرنة توسم بالفصحى المتوسطة أو المعتدلة باعتبارها الخطوة الأولى لترغيب وتعويد التلاميذ المبتدئين على تقبل الفصحى. وان ما يستوجب هذه الطريقة هو دراسة اللهجات الأكثر شيوعاً والأوسع انتشاراً والأقرب صلة في البلاد العربية، أي أن يتم جمع الكلمات العربية العامية والدخيلة وانتقاء ما هو قريب من اللغة الفصحى ليتسنى استخلاص ما هو الأهم والأنسب للتلاميذ والأقرب لخبراتهم بغية وضع منهج تربوي موحد وشامل للمراحل الأولى من المدرسة الأبتدائية يتم تعميمه على البلاد العربية بشكل عام لتصبح اللغة الدارجة ولغة الكتب واحدة موحدة كبعض اللغات الحية.

إن كانت هذه الفروقات واضحة وجلية ما بين الفصحى والعامية فمعنى ذلك أن ينشأ الفرد العربي مزدوج أو ثنائي اللغة ما بين المفردات والتراكيب الرسمية والعامية المحكية، أو ما بين لغة الإيمان بالدين الأسلامي المتمثل بالقرآن ونصوصه التي لا تقبل التغيير أو التحريف واللهجة المحكية التي تتفاوت في العديد من مظاهرها عن اللغة المحتمة.

وإن كانت هذه هي الحقيقة التي تتراءى لنا عن كثب وفي عصر بلغ شأواً كبيراً من التطور في كافة ميادين العلم والمعرفة للوقوف على أيسر وأنجع السبل ومنها العلوم اللغوية والتعليمية، فكيف هو الحال قياساً بنتائج البحوث التجريبية المتعلقة بدراسة العلاقة بين العامية والفصحى في بداية الخمسينات وفيما بعد، والتي تؤكد قرب الصلة بينهما حيث تشير إلى أن ( 73%) من الكلمات ذات التكرار العالي في كتاب القراءة في الصفين الأول والثاني الأبتدائي موجودة في اللغة العامية. وحوالي (80%) من كلمات الأطفال المصريين الذين لم يدخلوا المدرسة بعد توجد في اللغة الفصحى. ونسبة الكلمات التي لا تمت إلى الفصحى بصلة والموجودة في لغة الأطفال المصريين الشفوية قد بلغت 3,5 % في السنة الأولى و 2,5 % في السنة الثانية و 2 % في السنة الثالثة.

إن كانت هذه الأستنتاجات قد أكدت قدرات الطفل المصري على تقبل الفصحى بشكل ما فمعنى ذلك إن أطفال الأقطار العربية الأخرى لا يقلون شأناً عن هذه الحصيلة طالما هناك العديد من الدراسات والكتب الصادرة في عدة بلاد عربية تشير إلى تواجد آلاف الكلمات العامية أضيفت إلى قائمة معجم الفصحى في مصر ولبنان وسوريا والعراق ودول الخليج.

نستنتج هنا بناء لما أشرنا إليه واعتماداً على معدلات النسب المئوية المتعلقة بثروة الأطفال اللغوية إن كانت حقيقة وأثبت صحتها ميدانياً فمعنى ذلك سهولة عملية التعلم تدريجياً واحتمال تجاوز الأشكال الضئيلة، إلا أن الواقع العملي لعملية التعليم اللغوي القويم تشير إلى العكس لأسباب وعوامل أخرى تتحكم فيها القواعد الصرفية والنحوية وتفاوتها بين الفصحى والعامية وافتقار خبرات الأطفال لأصولها كالأحكام الأعرابية والأشتقاقات التي تتكون بنوع من التغيير الداخلي للكلمة مع بعض اللواحق (Affixes ) كاسم الفاعل، والمفعول، وأفعال التفضيل، وتصريف الأفعال، والجموع وغيرها.

إن هذه الأعتبارات التي حيرت خبراء التربية والتعليم واللغويين في البلاد العربية، وأعاقت مسيرة العديد من المستشرقين من ذوي الأختصاص في هذا المجال وعلى مدى قرون عديدة لا زالت آثارها مترسبة في الأقطار العربية ومعاهد الأستشراق لحد اليوم، فكيف هو الحال إذن للتلاميذ العرب الذين يتعلمون العربية في مدارس دول الشمال التي يشكلون فيها نسبة ضئيلة جداً، وفي بيئة تختلف كلياً عما هو عليه في بلادهم الأصلية؟!


الأطفال بين الفصحى والعامية.

من جراء الأزدواجية اللغوية الآنفة الذكر والفروقات الواضحة في بيئة الأطفال العرب يقودنا التساؤل للقول: كيف ينبغينا أن ندعم لغة الأطفال وهم في مراحل التعليم الأولى؟ وما هي السبل الكفيلة لضمان مسيرتهم التعليمية في مجال اللغة العربية في بلاد الأغتراب؟

مما لا شك فيه ان إقدام الطفل في بداية مراحل تعلمه عادة ما يُعاني من صعوبات جَمّة في عملية فهم وإدراك النصوص المقررة في المناهج الابتدائية إذا ما قسنا ذلك بمناهج لغات الدول المتقدمة التي تعتمد اللغة التي يدركها الغالبية من الناطقين بها، وهذا ليس معناه أن يستوعب الطفل مرة واحدة لكل ما تحتويه لغته الأم، وإنما عملية التدرج وفق الأساليب التربوية والنفسية الحديثة تجعله يتقرب إلى الأصعب فالأصعب أي من المحسوس إلى المجرد. بينما نجد الطفل العربي ومنذ الوهلة الأولى لتعلمه مُتَحَسساً بإسدال ستارأمامه ليتحمل مصاعب التخمين والحسبان وعناء الحزر في حل واستجلاء ما وراء الستار من طلسم التركيب والنبرة ( Accent ( في الكلمة والجملة أو العبارة المقصودة، حيث يُلفت إنتباهه واستغرابه ما لم يألفه من مفردات في محيطه العائلي أو المجتمع الذي يحيط به، إضافة لضوابط حركات أواخر الكلمات التي تُستَبعَد من اللهجة المحكية، وعلى سبيل المثال تعود الطفل إلى القول: ( راحْ أحمدْ للبيتْ ) أو ( أحمدْ راحْ للبيتْ ) بينما يفاجأ في المنهج التعليمي بعبارة ( ذهبَ أحمدٌ إلى البيتِ ). إن حالة استغرابه تدعه متأملاً عدة مُتغيرات وهي المُصَوتات ( Vowets ( القصيرة في أواخر الكلمات، استعمال الفعل ذهب بدلاً من راح، تعويض حرف اللام بحرف الجر إلى، إضافة لعملية مرتبة الأصوات ( Phonem ) . ناهيك عن مرتبة الصرف ( Morphology ) المتعلقة بالشكل والبناء وبالتغييرات التي تطرأ على الكلمة المفردة في بدايتها ( Prefix ) ووسطها ( Infix ) وأواخرها ( Sufix ) والتصريف مع الضمائر وما شاكلها.

إن هذه المستجدات في لغة الطفل تجعله ينفر من دروس تعلم العربية وكأنه قادم على تعلم لغة جديدة عليه. وهذا ما عشناه من خلال تجاربنا الواسعة وخبراتنا الطويلة مع التلاميذ في مدارس القطر والمدارس السويدية التي أقرت تعليم اللغة الأم رسمياً والتي تتضاعف فيها صعوبات تعليم الطفل رغم توفر وسائل التعليم والطرق التربوية والنفسية الحديثة لدراسة ومعالجة سلوكية التلميذ وقدراته ومواهبه.

ومن جانب آخر نرى أن الظاهرة الأكثر تعقيداً وخطورة لدى التلميذ العربي الذي يقدم على تعلم العربية هي ازدواجية لغته المحكية بمفردات سويدية وعربية عامية مستوحاة من واقع محاكاته لها بتعايشه مع زملاء له من أقطار عربية متعددة ومتفاوتة اللهجات. وإن ما يُهيئ ويمهد لهذه الظاهرة السلبية خطورة هل انعزال الجيل الناشئ عن الكبار بسبب ظروف المعيشة والتي تؤدي إلى نقص في سماع وتقليد ومحاكاة ما ورثه الآباء من عادات وتقاليد. ومن السهولة جداً أن نستخلص نتيجة ذلك من أفواه الناشئة أنفسهم بإقدامهم على استعمال اللغة السويدية في البيت أو الشارع أو أثناء لقاءاتهم اليومية، باستثناء حالات الضرورة التي تحتمها نظرة الوالدين ومواقفهم الحدية لظروف معينة من هذا السلوك.

ولكي نكون على مقربة من مسألة ( الحل الأوسط ) لتجاوز المردود السلبي لمثل هذه الأشكالات ليس بوسعنا إلا أن ننظر إلى ما هو الأفضل والأسمى والأولى من خلال مختبر التجارب الملموسة في المجتمع الذي نعيش فيه وما يوفر لنا من احتمالات التحسن والتطور والمعايشة التحفظية للسلوكيات والعادات والتقاليد واللغة التي لا ينبغي الاستغناء عنها طالما هي أساس مواصفات الهوية القومية.

إن ظاهرة تحديد اللغة القومية ما بين الفصحى والعامية وما يشوبها من آراء ووجهات نظر متفاوتة لم يعد حصراً على ما نحن عليه في بلاد الأغتراب وعلى وجه التحديد في السنوات الأخيرة من اشتداد عامل الهجرة من أوطاننا الأصلية، بل أن هذه الظاهرة تمتد جذورها إلى الأقطار العربية قاطبة ومنذ بزوغ فجر قوة اللغة العربية بدلالة البحوث والدراسات والكتب التي اهتمت بهذه الناحية قديماً، إضافة لما رسمت وحططت له المجامع اللغوية من مؤتمرات وما رصدت له من أموال لبحث هذه المشكلة التي منبها التعقيدات الأعرابية التي لا تخضع لقاعدة عامة في وضع الأحكام، ونشوء مدارس للتأويل والأجتهاد كمدرستي الكوفة والبصرة. وليس أدل على ذلك مما قاله اللغوي الشهير ابن خالويه حينما أتاه رجل يقول: ( اريد أن أتعلم من العربية ما أقيّم به لساني) فقال له: أنا أتعلم النحو منذ خمسين سنة فما تعلمت ما أقيّم به لساني).

وفي نفس المعنى يدون الكاتب الضليع الأب بولص بيداري في محاضرة له بعنوان بين الآرامية والعربية ألقاها في بيروت عام 1936 ( أقر صاغراً بالرغم من انكبابي على دراسة لغة الضاد منذ ست وثلاثين سنة لا أجرؤ على تحبير شئ تدخله الهمزة أو اسم العدد..... فمن أعلال الهمزة إلى كتابتها إلى تحريكها أو إسكانها كلها اشواك وعثرات تنغص عيش الكاتب وتفسد عليه السبل) .

وها هو الأديب المعروف أنيس فريحة يشير إلى التعقيد اللغوي في العربية قائلاً: ( انني متيقن من ان 95 % من العرب المتأدبين عندما يأتون إلى ذكر العدد كتابة أو خطابة عليهم أن يقفوا قليلاً ليعيدا القاعدة......ولشهد الله انني انا الذي قضيت شطراً من حياتي في تدريس العربية توقفت قليلاً عندما نقلت جملة ( مبارح رحت للسوق واشتريت رطل عنب بخمستعشر قرش ) إلى الفصحى. هل هي خمسَ أو خمسةً أو خمسةِ، عَشَرَ أو عَشْر أو عَشرَةِ )

فإذا كانت ملابسات هذه الظواهر اللغوية في الصرف والنحو قد شغلت المتضلعين في مجال اللغة من القدامى أمثال ابن جني والفراء وسيبويه والكسائي والفراهيدي وابن خالويه وغيرهم من المعاصرين ، كيف هو الحال إذاً بالنسبة للأطفال الذين يقدمون على تعلم نفس اللغة التي تُعَدُ في عرفهم وكأنها لغة جديدة عليهم؟ ! أليس من حق مجمع فؤاد الأول للغة العربية في مصر أن يخصص جائزة مالية كبيرة لمن يقدم أفضل اقتراح لأفضل هجاء من شأنه تسهيل القراءة؟! وكيف بنا كمعلمين للغة العربية في ديار الغربة أن نتجاوز هذه المعضلة ونضع نصب أعيننا ما يتلائم وأفكار الناشئة الذين يعيشون في مجتمع خليط اللهجات وتُتَوِّجُهُ اللغة السويدية الرسمية ؟!



إجراءات تجاوز الإشكالات اللغوية في التعليم.

بغية تفادي هذه الإشكالات والملابسات ينبغي أن نشد من عزمنا ونضع أمام أبصارنا ما هو في اعتبار الممكن في رفع معنويات التلميذ وتذويب كلمة المستحيل من قاموسه بحثِّه وتشجيعه ودعمه إنطلاقاً من مشاعره وقدراته واهتماماته المناسبة لعمره العقلي والزمني في مرحلة التعليم وذلك بمراعاة الملاحظات التالية:

1 ـ انتقاء واختيار المنهج التعليمي المناسب لمستوى التلميذ. وبامكان المعلم المُقْتَدر من وضع وصياغة نصوص أو مادة تعليمية تتفق وتتلائم مع رغباته ومراحل نموه بحيث لا تتعارض وأساليب المناهج التي يألفها ويستسيغها في المدرسة الرسمية، أي أن تخضع للأعتبارات التربوية والسلوكية والفنية العامة ليتحسس بأنها مُكَمِّلة لما اعتاده مسبقاً.

2 ـ دعم العملية التعليمية بما يجعلها أكثر تشويقاً من خلال وسائل الإيضاح ذات العلاقة بالدرس، وعادة ما تكون مستوحاة من واقع التلاميذ، إضافة للكتب المصورة من أدب الأطفال بحيث تتفق ودرجة نموهم النفسي واللغوي.

3 ـ الأنتقال من السهل إلى الصعب ومن المحسوس إلى المجرد ومن واقع التلميذ اليومي المُعاش، ودعم ذلك بوسائل تعبيرية مألوفة كالغناء والموسيقى والرسوم والأصوات ونبرات التعبير السليم.

4 ـ أن يستخدم المعلم في شرحه للدرس اللغة التي تتناسب والمستوى الفكري للتلاميذ تماشياً وقدراتهم العقلية وانسجاماً مع أحاسيسهم ومشاعرهم ورغباتهم، وأن يجمع في تركيب مفرداته ما بين الفصحى المُبَسَّطة واللهجة العامية المَحكيَّة أو الدارجة.

5 ـ استخدام اللوح أو السبورة بالإشارة إلى الكلمات الغريبة على التلاميذ وكتابة معانيها بالسويدية، إضافة لشرحها باللهجة المحكية رغم تفاوت مفرداتها لدى التلاميذ المنحدرين من بلاد عربية متفاوتة اللهجات، كأن يقول: معنى كلمة منضدة هي طاولة، وباللهجة المصرية ( طربيزة ) والعراقية ( ميز ). أو عن كلمة ( قدح ) يقول: كوب، كبّاية، كلاص وهكذا.

6 ـ التأكيد على التعبير الشفوي باختيار مواضيع من واقع التلاميذ، كالتحدث عن حيوان ما، أو وصف فصل الشتاء أو ما يختاره التلاميذ أنفسهم. حيث أن هذه العملية تقوى لديهم ملكة التعبير والحديث وتزيد من ثروتهم اللغوية. كما وبأمكان المعلم أن يطلب منهم لفظ كلمات فيها أحد الحروف الهي يُصعَب عليهم ادراك صوته أو تمييز شكله كحروف الجيم والحاء والخاء أو الباء والتاء والثاء، وبطريقة تبعث فيهم روح المتعة والمرح لتنمية آفاق الخيال وتوسيع مداركهم وتصوراتهم وتقريبهم لمعايشة حقيقة التجربة.

7 ـ الاستعانة بوسائل الإيضاح البصرية والسمعية وذلك بعرض أفلام البرامج الترفيهية التوجيهية والتثقيفية المبنية على أسس تربوية، ومن ضمنها المسرحيات والأفلام التي تناسب أعمار التلاميذ المعنيين، إضافة للقصص والمحاورات المسموعة التي تلازمها النصوص الأصلية من أجل متابعتها مباشرة. كما وينبغي استغلال قنوات الفضائيات التلفزيونية التي أغنت الناطقين بالعربية أينما كانوا سواءً بالفصحى أو العامية. إضافة للبرامج التقنية المُستَحْدَثة والمُوَجَهة للأطفال والشباب بغية استخدامها عن طريق الحاسوب بصورة فردية أو جماعية بمشاركة المعلم أو دون مشاركته، حيث تتضمن تدريس أشكال وأصوات الحروف وتركيبها ونطقها وتكوين العبارات المُدعَمة بالتمارين واختبارات الأستماع والرؤية والكتابة مع سهولة تكرار استخدامها، والوقوف على مواضع الخطأ والصواب مباشرة.

8 ـ التعاون المشترك ما بين البيت والمدرسة. وهنا يستوجب على الوالدين متابعة مسيرة التلميذ من تعلمه اللغة الأم، وأن يكونوا على اتصال دائم مع معلمي اللغة العربية ليقفوا على مواطن الضعف والسلبيات التي تقف عائقاً في طريق تعليم ولدهم، لكونهم الأكثر دراية بمحيطه العائلي والاجتماعي وعلاقاته في الأوقات الحرة، واستعداداته العقلية والجسمية والانفعالية.



مقترحات لتسهيل عملية التعليم اللغوي.

لكي نتمكن من تسهيل الملاحظات الآنفة الذكر ونكون على يقين من نيل الهدف الأسمى والسبل المرجوة لا محالة من توسيع دائرة الأهتمام التربوي والنفسي والتعليمي لدى المُرسل وواسطة أو وسيلة الأرسال والمُتَلَقي أو المُستَقبِل والمُتَمَثلة بالمعلم والكتاب والتلميذ، إضافة للأجواء والظروف الخاصة بالمرسل والمستقبل.

وفي خلاصة القول ندون أدناه ما يدعم المعادلة المذكورة بما يخطر على بالنا من سبل نحصرها في النقاط التالية:

1 ـ المُرسِل: ونُعني به المعلم. تنظيم دورات وحلقات دراسية لمعلمي اللغة العربية في مجال اللهجات المَحكية والمتداولة في الأقاليم والأقطار العربية، وذلك بدعم من المؤسسات التربوية واللغوية المختصة، ودعوة متخصصين من ذوي الخبرات والتجارب في هذا الحقل، ليقف المعلمون المشاركون فيها على أنسب الطرق وأصلح الوسائل لتطعيم اللهجات الدارجة باللغة الفصحى، وليكونوا على معرفة بأصول وأحكام اللهجات تسهيلاً لعملية تعليم مجموعة التلاميذ الذين تتفاوت لهجاتهم، وذلك تماشياً مع السياسة التربوية الحديثة في عملية التطوير المدرسي والمفهوم الشائع مدرسة واحدة للكل. وبما أن المعلم هو نقطة البداية والعنصر الأهم في قيادة وتوجيه العملية التربوية والتعليمية، فحري به أن يتأهل تأهيلاً كاملاً في المادة اللغوية التي يسعى توظيفها لتعزيز اللغة العربية والأسهام في تعليمها ونشرها وتوسيع آفاقها بين الراغبين في تعلمها والأنتهال من منابعها.

هذا بالأضافة إلى تنظيم لقاءات ودورات تدريبية خاصة للمعلمين وفي مجال عملهم اللغوي والتربوي للوقوف على أحدث الطرق والوسائل المُستَحدثة .

2 ـ واسطة الإرسال: ونعني بها المنهج التعليمي أو الكتاب ووسائل الإيضاح. ويفترض تسمية لجنة منتقاة من ذوي الأختصاص في مجال التأليف التربوي والتعليم اللغوي لوضع المناهج المدرسية الملائمة للمرحلة الدراسية الأولى من المدرسة الأبتدائية ومن ضمنها التمهيدية، تكون متماشية والأهداف المرسومة على ضوء الخطة السنوية والحصص المقررة لتعليم اللغة الأم وأن يتم تبني هذا المشروع من قبل وزارة التربية والتعليم والجهات ذات العلاقة مع تمويله رسمياً وفق القوانين المرعية في السويد أو أية دولة من دول الشمال. لكون المرحلة الابتدائية هي الدعامة الأساسية للبناء الرصين وبلوغ الهدف.

ومما يستوجب مراعاته هنا هواتباع الأسلوب البنيوي بوضع النُظُم العملية الخاصة باللغة المُستَهدَف تعليمها، واعتماد الأسلوب التواصلي بما سيؤديه المتعلم بعد الأنجاز بمتابعته لاختيار ما يستهدف تقويم قدرته على استخدام اللغة في مواقف التواصل ووقوفه بالتالي على الوظائف اللغوية الواجب تعلمها في المواقف الحياتية الهادفة.

إن عملية الأقدام على مثل هذا المشروع تدعوا المعلمين لإلتزام طريقة تعليمية موحدة للغة مشتركة جامعة تبعدهم عن الطرائق والوسائل التعليمية التي عانوا منها منذ إقرار تعليم اللغة الأم، والتي أردتهم في دوامة الحيرة من إنتقاء الكتب والمناهج المختلفة المحتوى والمتفاوتة الأهداف والمتباعدة في المضامين، لكونها تساير سياسة حكم البلد الذي أقر شكلها ومضمونها بالإضافة إلى اعتمادها الأساليب التربوية التي لا تنسجم والمناهج السويدية التي تطبعَ عليها التلميذ الناطق بالعربية. وهنا نكون قد حققنا غاية مرجوة للتلاميذ نابغة من حاجاتهم ورغباتهم واهتماماتهم.. لكون النمو اللغوي عند الطفل عادة ما ينبع من اللذة الصادرة عن التعبير بغية الإفصاح عما يخالجه. لذا يستلزم هذا المحور مراعاة العوامل الإجمالية التي تؤثر في الاستعداد لتعلم القراءة والتي تنجم عن العوامل الو راثية والبيئية والتربوية المحصورة بالاستعدادات العقلية والجسمية والانفعالية.

3 ـ المُستَقبِل: ونعني به التلميذ. وبما أنه هو النقطة المركزية المقصودة في عملية التعليم، فينبغي أن يكون تلقيه واستقباله واضحاً وجلياً بما لا يقبل الشك والضجر ومن ثم الأنعزال والعزوف.

وهذا ما يستلزمه مراعاة جملة مظاهر وخصائص متعلقة بالعوامل الشخصية والجسمية والأجتماعية والتربوية مجتمعة أو منفردة، أهمها الوضع النفسي المريح والوقت المناسب، ويكون مرد هذا اللزوم الجو المدرسي والمحيط العائلي. لذا ينبغي والحالة هذه أن تؤخذ بنظر الاعتبار الأجراءات اللازمة عن طريق بحث ودراسة المظاهر الإيجابية والسلبية التي تكتنف وتلازم التلميذ في عملية التعليم أثناء الدوام المدرسي وخارجه وبتخطيط مدروس، إضافة لزيادة حصص التعليم المقررة باللغة الأم والوقوف على ما يعانيه التلميذ وذلك من خلال التعاون ما بين الأسرة والمدرسة، لكون الأسرة قد بذرت البذور الأولى والأساسية في تكوين وتنمية شخصية الطفل وفق منهجية خاصة، ولكون المدرسة تتولى مهمة تطبيعه بصفات وعادات ومبادئ إضافية جديدة في مجتمع يتعامل مع أفراده بشكل مغاير لما تطبع عليه في محيط الأسرة. إن هذه المرحلة الأنتقالية في حياة الطفل بحاجة ماسة إلى المساعدة والتوجيه والرعاية والإرشاد لينسجم ويألف الواقع الجديد الذي يربطه فيما بعد بواقع آخر متمثل بزملاء له خارج المحيط المدرسي أي المجتمع العام. وهنا تقع مسؤولية تقويمه وتطويره على كافة الأطراف بغية معرفة وتشخيص الداء ومعالجته بوصف الدواء، ليتسنى للتلميذ استقبال الإرسال بحرية تامة واطمئنان معرفي ورغبة كافية لا ترديه في خضم مشكلات سلوكية وفي معمعة اضطرابات نفسية من ضيق الوقت وفوات الأوان، كما داهمنا الوقت معكم، وفَوَّت علينا الكثير.

4 ـ الأجواء المحيطة بالمرسل والمستقبل: تتعلق هذه النقطة بما يحيط بالمرسل والمستقبل وتنعكس عليه من جراء ظروف خاصة سواءً من المحيط العائلي أو المجتمع أو المدرسي أو الشخصي، مشابهة بالأنواء الجوية التي تعيق عملية الإرسال أحياناً لتؤثر على قدرات وإمكانيات المُستَقبِل في تواصله مع المرسل وبالعكس.

و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اماني أريس 05-08-2015 11:58 PM

رد: أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.
 
دراسة قيّمة مشكلتنا ان الرؤيا الموضوعية تكون محجوبة كلما اثيرت مسائل كهذه بسبب الادلجة

mohamed yakon 06-08-2015 12:23 AM

رد: أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اماني أريس (المشاركة 2055166)
دراسة قيّمة مشكلتنا ان الرؤيا الموضوعية تكون محجوبة كلما اثيرت مسائل كهذه بسبب الادلجة



هناك غيوم كثيرة تعطل الرؤية و خلط في المفاهيم عن قصد و عن حسن نية .

Mushtak 06-08-2015 06:04 AM

Re: أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.
 
لكن الدراسة لم تحدد اية عامية بالتحديد, هل هي عامية العاصميين أم الجيجليين أم الجلفاويين أم السطايفيين أم القبايليين أم الشاويين أم الوهرانيين أم ... الخ
أي عامية تقصدون؟ كشف أمركم تريدون تقسيم الشعب ليسهل فيما بعد تقسيمه إلى دويلات و إلى قوميات
امريكا فيها جميع لغات العالم , اقول لغات و ليس لهجات, ومع ذلك لغة التدريس عندهم هي الانجليزية! كفاكم ضحكا على الذقون, قال دراسة أكاديمية قال

mohamed yakon 06-08-2015 07:40 AM

رد: Re: أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة mushtak (المشاركة 2055187)
لكن الدراسة لم تحدد اية عامية بالتحديد, هل هي عامية العاصميين أم الجيجليين أم الجلفاويين أم السطايفيين أم القبايليين أم الشاويين أم الوهرانيين أم ... الخ
أي عامية تقصدون؟ كشف أمركم تريدون تقسيم الشعب ليسهل فيما بعد تقسيمه إلى دويلات و إلى قوميات
امريكا فيها جميع لغات العالم , اقول لغات و ليس لهجات, ومع ذلك لغة التدريس عندهم هي الانجليزية! كفاكم ضحكا على الذقون, قال دراسة أكاديمية قال



هناك عامية دارجة يفهمها جميع الجزائريين , أما عن الأمازيغية فهي لغة قائمة بذاتها و الدراسة لا تعنيها . إن التحجج بسؤال أي لهجة من اللهجات يمكن استعمالها , هو مبرر قديم استعمل مع الامازيغية و لكنه مبرر هش لا يصمد امام النقد والمنطق . و في الحقيقة إذا قرأت النص , فالدراسة تتحدث عن الفروق بين العامية و الفصحى و أوجه الاختلاف بينهما و هما تكملان بعضهما البعض , و يمكن للعامية ان تكون رافدا قويا للفصحى و هي ليست دخيلة على المجتمعات العربية . على العموم العامية و الفصحى لم تكونا متنافرتين و بينهما وئام منذ وجود الفصحى .

mohamed yakon 06-08-2015 07:51 AM

رد: أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.
 

"العامية" و"الفصحى" مرّة أخرى!
بروفسور سليمان جبران*
نبدأ بالتسمية. فقد درجنا منذ سنوات طويلة، بغير حقّ، على تسمية لغتنا التي نتحدّث بها في البيت والشارع والمكتب، والمنابر الرسمية أحيانا، لغة عامّية. ليس من السهل معرفة أوّل من "ابتكر" هذه التسمية، فنحمّله وزرها، لكن من الواضح أنّها تسمية غير موضوعية، تسمية ظالمة. في هذا السياق لا بدّ لي من اعتراف شخصي أيضا: كنت طوال الوقت أشعر بالضيق في استخدام هذه التسمية، لما فيها من التعالي على هذه اللغة التي نتحدّث بها جميعنا؛ الصغار والكبار، الأمّيون والمثقّفون، العامّة والخاصّة. إلا أنني كنت أواصل استخدامها في أحاديثي ومقالاتي باعتبارها "خطأ مشهورا" لم يعترض عليه أحد من الأدباء والباحثين، فلماذا أخرج أنا بالذات على "إجماع الأمّة" حاملا السلّم بالعرض؟ إلى أن قرأت قبل سنوات مقالة للأستاذ خليل كلفت في قضايا فكرية أشعرتني بتقاعسي المزمن، وشجّعتني على نبذ هذه التسمية دون تردّد: " هكذا نجد الباحثين الذين يريدون إنصاف ما يسمّى بالعامّية يسمّونها بهذا الاسم، كما نجد شعراء ما يسمّى بالعامّية المصرية يعلنون باعتزاز أنّهم يكتبون شعرهم بالعامّية المصرية. ومن البديهي أنّ هؤلاء الباحثين والشعراء يرفضون كلّ مغزى ازدرائي تنطوي عليه تسمية العامّية ويستخدمونها بكلّ التحدّي لأيّ نظرة استعلاء على هذه اللغة. لكنّهم لا يدركون فيما يبدو أنّ التسمية خاطئة تماما ولا تنطوي على أيّ معنى شريف، شعبي أو جماهيري، بقدر ما تنطوي على معنى الاستعلاء والاحتقار والازدراء من جانب أنصار ما يسمّى بالفصحى عبر القرون " ( قضايا فكرية، العدد 17- 18، 1997، ص 114). باختصار: العامّية تعني لغة العامّة، لغة سواد الناس ، بل لغة "سوقية" أيضا. كأنّما "الخاصّة" يتحدّثون بلغة أخرى أنقى وأرقى. لهذا السبب أقلعت مؤخرا عن هذه التسمية، بل يجب علينا جميعا، في رأيي، رفض هذه التسمية الظالمة وهجرها. بعض الباحثين يسميها اللغة الدارجة أيضا، أي اللغة الشائعة أو المنتشرة، من الفعل درج بمعنى مشى أو سار. وهي تسمية محايدة، لا تحمل دلالة قيمية، إلا أنّها غيردقيقة طبعا. لذا نرى أنّ اللغة المحكية هي التسمية الصحيحة، لأننا جميعا نحكيها؛ نستخدمها لغة اتّصال وحيدة بيننا، وهي أيضا تسمية موضوعية تماما ، لا تحمل إيحاءات سلبية أو إيجابية.
من ناحية أخرى نسمّي لغة وسائل الاتّصال، الصفحات الأولى في الصحف ونشرات الأخبار بوجه خاصّ، ولغة الأدب غالبا، اللغة الفصحى. هذه أيضا تسمية غير دقيقة. إذا كانت الفصحى مؤنّث الأفصح، بمعنى أفصح ما يمكن، والفصاحة تعني " البيان، وسلامة الألفاظ من الإبهام وسوء التأليف" ، فهل يجوز لنا إطلاق هذه التسمية على لغة الصحافيين والمذيعين والخطباء، رغم ما فيها من ركاكة واضحة وأخطاء فاضحة في أغلب الأحيان؟ أليس في هذه التسمية مجافاة للدقّة وكثير من "المحاباة " أيضا؟ إذا كنّا نسمّي اللغة الكلاسيكية لغة فصحى فهذه اللغة لا هي فصحى ولا فصيحة طبعا. وبعضهم يسميها اللغة المكتوبة، رغم أنّ المحكيّة تُكتب أيضا، بالعلامات ذاتها عادة، وفي هذه الأيّام تصدر فيها كتب كثيرة متنوّعة.
ليست هذه اللغة فصحى، ولا فصيحة، ولا مكتوبة. إنّها لغة يحاول كتّابها والناطقون بها أن يرسلوها وفق معايير النحو والصرف وأحكام الأسلوب المتّبعة، فيوفّقون حينا ويفشلون حينا.
أحرى بنا إذن، توخّيا للدقّة، أن نسمّيها لغة معيارية (standard)، كما نجدها فعلا عند بعض الباحثين في الدراسات اللغوية . هذه هي التسمية الموضوعية الدقيقة، بعيدا عن التعميم أو المحاباة. لدينا إذن لغة محكيّة ولغة معياريّة، ولا حاجة في المسمّى الواحد إلى أسماء عديدة!
إلا أنّ ظُلم المحكية لا يقتصر على التسمية فقط. فكلّ من يقرأ المقالات والكتب التي تعرض لهذه القضية اللغوية يلحظ بوضوح تحامل كثيرين من "الغيورين" على اللغة المحكية. كأنما هي بدعة استعمارية ألقى بها الغرب لتفريق صفوف العرب الموحّدين والنيل من قوّتهم وصمودهم! يقول الأستاذ عبد الله خلخال مثلا: " الدعوة إلى العامّية دعوة استعمارية لغوية قديمة، عرفتْ في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن العشرين أوج صراعها الضاري في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، بين دعاة العامية ومن ورائهم الاستعمار الأوروبي، وبخاصّة الفرنسي والإنجليزي، وهم في حالة قوّة ووضعية هجوم، وحماة العربية الممسكين [ المتمسّكين بها ؟ ] وبتراثها العلمي والأدبي مهما كان الأمر وبوسائلهم المحدودة." ( قضايا فكرية 1997، ص 139).
الدعوة إلى اللغة المحكية إذن هي دعوة استعمارية، لا أكثر ولا أقلّ. وإذا قام الباحثون الغربيون بدراسة اللهجة المصرية، مثلا، فدراساتهم هذه أيضا لم تكن لوجه الله، ولا لوجه العلم طبعا. هذه الدراسات ليست إلا وجها من وجوه المؤامرة الكبرى على العربية الفصحى، وانتصارا للمحكية المصرية؛ "السلاح" الاستعماري الخبيث ضدّ العربية والعرب: " وقد أرشدني البحث في دراساتهم [ الأجانب ] للهجة المصرية وما بذلوه من جهود لضبطها وتدعيمها والدفاع عنها إلى السبب الحقيقي في اهتمامهم بدراسة اللهجات العربية المحلية. فهذا الاهتمام لم يكن من أجل البحث العلمي كما يزعمون، ولا من أجل حاجتهم إلى معرفة لهجات البلاد العربية التي تقتضي مصالحهم أن يعيشوا فيها ويتعاملوا مع أهلها، وإنما من أجل القضاء على العربية الفصحى وإحلال العامية محلّها." ( الدكتورة نفوسة زكريا سعيد: تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر، اللإسكندرية، 1964، ص 12). ونحن إذ نقرأ رأي الدكتورة نفوسة سعيد هذا، يحقّ لنا أن نسألها عن" السبب الحقيقي " الذي يمكن أن يرشدها إليه البحث، في دراسات كثيرين من اللغويين والأدباء العرب، في الماضي وفي هذه الأيام، للهجات العربية في جميع الأقطار العربية، من المحيط إلى الخليج: هل يخدمون هم أيضا بدراساتهم هذه غايات استعمارية خفيّة؟ وما "السبب الحقيقي" أيضا في دعوة الأستاذ ساطع الحصري، أشهر دعاة القومية العربية، إلى دراسة "اللغات العامية" في مختلف البلاد العربية، لا في مصر فحسب: " يجب علينا أن ندرس اللغات العامية واللهجات المحلية، المنتشرة في مختلف البلاد العربية، ما هي أنواعها؟ وما هي خصائص كلّ نوع منها، من حيث الكلمات والتعابير[ ... ] يجب علينا أن نتتبّع التطوّرات التاريخية أيضا: من المعلوم أنّ اللغة كائن حيّ، يتطوّر على الدوام بتطوّر المجتمع، وينمو تبعا لنموّ الأفكار وتنوّع الحاجات. " ( ساطع الحصري: في اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية، بيروت، 1985، ص 31) .
دراسة التراث الشعبي المصري، في رأي "الغيورين" ، هي أيضا بُعد آخر من هذه "المؤامرة" الاستعمارية. ليس هذا الفولكلور الشعبي، من قصص وأشعار وأغان وأمثال وطرائف ، في رأيهم، تراثا وطنيا مصريا، وعاملا من عوامل تشكيل الوجدان المصري والشعب المصري. ودراسته ما هي إلا حيلة استعمارية أخرى لتعزيز المحكية بابتكار أدب لها أيضا، وإذ لم يجدوا آثارا كافية في المحكية لم يتورّعوا عن تسجيل هذا التراث الشعبي "من أفواه العامّة" إمعانا في مؤامرتهم المذكورة: " لمّا قام الأجانب بنشر دعوتهم إلى اتّخاذ العامية لغة أدبية لم يجدوا أدبا لهذه اللغة يمكن الاعتماد عليه في دراسة العامية وقد اعترفوا هم أنفسهم بذلك. وأشاروا إلى الآثار
العامية القليلة التي عثروا عليها والتي لم تف بحاجتهم [...] لذلك قام بعضهم بتسجيل ونشر أدب العامّة من أزجال ومواويل وقصص من نوع الأحدوثة الذي يعرف عند العامّة ( بالحدوتة ). وكان أكثره ممّا التقطوه من أفواه العامّة في مختلف أنحاء القطر المصري."( سعيد 1964 ص 43). هل نفهم من هذا الكلام أنّ جميع الكتاب والباحثين المصريين، الذين بذلوا جلّ جهدهم ووقتهم في دراسة الأدب الشعبي المصري ونشره، وهم كثيرون، شركاء أيضا في هذه "المؤامرة" الاستعمارية على العربية والعرب؟ هل دراسة وتحليل وطباعة الأدب الشعبي ، المكتوب بالمحكية حينا وبلغة وسطى حينا، تشكّل خطرا على العروبة والعربية؟ وهل الأصوات القائلة بصعوبة العربية نحوا وصرفا، المنادية بضرورة تيسيرها على المتعلّم والقارئ والكاتب، هي دعوات " انهزامية مشكّكة" فعلا، كما يفيدنا الأستاذ محمد عيد: " ينبغي أن تطرد من حياتنا تماما تلك الدعوات الانهزامية التي ترتفع بين الحين والحين لتشكّك في لغتنا وترميها بالتحجّر والجمود ، وتصف نحوها بالصعوبة والتعقيد" ( محمد عيد: قضايا معاصرة في الدراسات اللغوية والأدبية، القاهرة، 1989، ص 70).
الجدل في قضية "الفصحى والعامية" جدل حادّ وطويل، لهذه حماتها ولتلك أنصارها، وكلّ فريق يطرح مواقفه وتقييماته. إلا أن هذا الأسلوب في النقاش بعيد عن الموضوعية والإقناع. حتى في القضايا السياسية لم يعد هذا الأسلوب "الشعبوي " مقبولا. من حقّ كل كاتب أن يبدي رأيه في هذه القضية التربوية الثقافية بأسلوب علمي موضوعي، سواء ناصر اللغة المعيارية أو المحكية. لكن لا يجوز، في هذه المسألة الهامّة، استعارة مفردات ومفاهيم "الخطاب" السياسي الشعبوي دونما دراسة المسألة ذاتها بكلّ أبعادها. لسنا من يحسن الظنّ في نوايا الاستعمار والصهيونية، لكن يصعب علينا، مثلا، الاقتناع بأن " إضعاف اللغة العربية " هو هدف من أهداف الصهيونية في الشرق الأوسط، كما يذهب الدكتور أحمد درويش، الناقد المصري المعروف : " هل يمكن أن نتصوّر أنّ فلسفة كالفلسفة الصهيونية، تجعل من أرض اللغة العربية منطلقها الواسع لتحقيق كلّ أحلامها العنصرية، وتمهّد لذلك بإضعاف كلّ العناصر المناوئة لتحقيق الحلم، هل نتصوّرها غافلة عن إضعاف اللغة ومن خلالها إضعاف الشخصية العربية بوسائل يظهر بعضها، ويغيب عنّا أكثرها؟! " ( أحمد درويش: إنقاذ اللغة العربية من أيدي النحاة، دمشق، 1999، ص 9).
ينعكس ظلم المحكية أيضا في اعتبارها، من قبل كتّاب كثيرين، وليدة " انحراف " عن اللغة الكلاسيكية. كأنما الناس جميعا كانوا يتداولون اللغة الفصحى، لكن بمرور الزمن واختلاط العرب بالشعوب الأخرى، فسدت الألسنة، فنشأت تبعا لذلك اللغة المحكية مزيجا من عربية رديئة ولهجات محلية غير عربية. تلك فرضية غير صحيحة، أو غير دقيقة على الأقلّ. فاللغة المحكية ، في رأي كثيرين من الدارسين، كانت متداولة في القبائل العربية قبل الفصحى؛ لغة قريش التي أخذت تنتشر وتهيمن تدريجيا في الحقبة الأخيرة من الجاهلية، تبعا لمكانة مكة الاقتصادية والدينية، وانتصرت أخيرا بظهور الإسلام ونزول القرآن الكريم فيها دون غيرها: " هذه العامية أقدم من الفصحى عهدا، وأعرق منها إلى العروبة نسبا، وفي مقدورنا لو أتيحت لنا كتابة العامية أن نقول بأننا نكتب العربية لا مراء. لقد عاشت خصائص تلك العامية في العصور العربية الأولى، إذ كانت لهجات لمختلف القبائل والعشائر، جرت عليها طبائع النشوء والارتقاء، ومرّت بها أطوار تنازع البقاء." ( محمود تيمور: مشكلات اللغة العربية، القاهرة، 1956، ص 188- 189؛ وانظر أيضا أنيس فريحة: نحو عربية ميسّرة، بيروت، 1955، ص 102).
ليست المحكية أيضا " انحرافا " عن اللغة الكلاسيكية، كما يتوهّم البعض، لقيام بعض أوجه الشبه بين اللغتين، وهي أوجه تكاد تقتصر على المادّة المعجمية المشتركة بينهما. حتّى المادّة المعجمية المشتركة هذه تختلف في لغتنا المحكية عنها في المعيارية صرفا وأصواتا في أغلب الأحيان. لذا
علينا، إذا توخّينا الإنصاف، اعتبار المحكية منظومة لغوية مستقلّة، لا هي تابعة، ولا هي خروج أو "انحراف " عن اللغة المعيارية: " إنّ الفروق اللغوية بين العامية والفصحى التي ينظر إليها الناس إنّها فروق طفيفة جزئية، أو انحراف بسيط عن الفصحى، هي من وجهة نظر علم اللغة فروق أساسية جوهرية تبرّر اعتبار العامية لغة قائمة بذاتها، سواء أكان ذلك في النظام الصوتي أم التركيبي أم الصرفي أم النحوي أم في المفردات والتوليد والاقتباس والقياس" ( فريحة 1955، ص 117؛ وانظر أيضا، محمّد فريد أبو حديد: " موقف اللغة العربية العامّية من اللغة العربية الفصحى" ، مجلّة مجمع اللغة العربية ، القاهرة، 1953، 7/ 217).
حتى إذا أخذنا، جدلا، بالرأي القائل إنّ المحكية تطوّرت عن الفصحى، فهذا التطوّر ليس بالانحطاط ولا بالفساد. إنه تطوّر نحو السهولة والطواعية والمرونة، بحيث يمكّن مِن تداولها بيسر ورشاقة. هل سقوط حركة الآخر في اللغات المحكية كلها، عدا ألفاظا قليلة اتّخذت لها شكلا ثابتا، وتخفيف الصوامت الثقيلة في النطق، وتقديم الفاعل على الفعل، والاستفهام دون حرف استفهام إلى غير ذلك، هل هذه التغييرات انحطاط وفساد فعلا، أم هي تيسيرات ضرورية فرضها انتقال اللغة من السياقات الرسمية إلى لغة يومية حيّة تحكمها الرشاقة والتلقائية؟ لا انحطاط في المحكية ولا سموّ وشرف في المعيارية، لا هذه واطئة ولا تلك عالية. كلتاهما منظومتان لغويتان مستقلّتان، تتّفقان في بعض النواحي وتختلفان في غيرها: " اللغة ظاهرة من ظواهر الحياة، وقانون من قوانين المجتمع. وظواهر الحياة تتبدّل وتتشكّل طوعا لتصاريف الزمن، وقوانين المجتمع تتجدّد وتتطوّر وفقا لما تقضي به ضرورات الاجتماع" ( تيمور 1956، ص 27 ) .
بخلاف المزاعم السابقة ضدّ اللغة المحكية، يذكر بعض الباحثين " عيبين " في هذه اللغة لا بدّ من مناقشتهما في أناة وموضوعية. الأديب الرصين محمود تيمور، مثلا، يرى أن اللغة المحكية " لا ضابط لها ولا نظام، فإنها لهمجية غير مهذّبة، وليس لها من أصول مستقرّة قطّ " (تيمور 1956، ص 10 ). والرأي ذاته، بشكل أو بآخر، تذكره الدكتورة نفوسة سعيد أيضا: " لغة الأدب أو الفصحى هي اللغة التي تستخدم في تدوين الشعر والنثر والإنتاج الفكري عامّة. أمّا لغة الحديث أو العامّية فهي اللغة التي تستخدم في الشؤون العادية ويجري بها الحديث اليومي. والأولى تخضع لقوانين تضبطها وتحكم عبارتها، والثانية لا تخضع لمثل هذه القوانين لأنّها تلقائية متغيّرة تتغيّر تبعا لتغيّر الأجيال وتغيّر الظروف المحيطة بهم."( سعيد 1964، ص 3). حيال هذه "التهمة" لا بدّ أوّلا من السؤال: ألا تتغيّر "الفصحى" أيضا بتغيّر " الأجيال والظروف المحيطة بها"، بين عصر وعصر، بل بين مجتمع وآخر في العصر ذاته أحيانا؟ هل "الفصحى" التي نتداولها اليوم هي الفصحى الكلاسيكية نحوا ومعجما؟ صحيح أن قواعد اللغة لم تعرف أيّ تغيير أو تيسير، وذلك ما يُحسب عليها لا لها، إلا أن اللغة الحديثة تطوّرت نحوا ومعجما بما يخالف القواعد الكلاسيكية في أحيان كثيرة، بحيث يمكن القول إن هذه اللغة في حاجة إلى نحو جديد يحكم كلّ المباني اللغوية الحديثة. أمّا أنّ المحافظين لا يعترفون بهذه الأبنية الحديثة، ويعتبرونها أخطاء لا بدّ من إصلاحها، فذلك لا يضير اللغة ومستهلكيها، لأن المبدع الحقيقي لا يعود إلى كتب النحو، أو يستفتي "الغيورين" ، عندما يكتب قصيدته أو قصّته، بل يحتكم إلى حسّه اللغوي، وحسّه هذا عادة حسّ حديث، غالبا ما يتأثر بقراءاته في لغات أخرى، أو بلغته المحكية الحيّة التي يتداولها معظم ساعات يومه. صحيح أنّ قواعد المحكية أكثر عرضة للتغيّر، لأنّها لا تُدرّس عادة ولا تقدّس ، إلا أنّ كل محكية لها قواعدها وأحكامها، ما في ذلك شكّ. إذا كانت المحكية " لا ضابط لها ولا نظام" فكيف يكتسب الطفل بالسماع ، دونما عناء، محكية والديه بضوابطها، ويثير الضحك أحيانا حين يخالف هذه الضوابط صرفا أو نحوا؟ حتى لطفي السيد، وهو ليس رجل لغة، يؤكّد ذلك: " إنّ العوامّ يملكون بالوراثة سرّ اللغة ويصرّفون البيان فيها
تصريفا حيّا مألوفا. وإنّ اللغة العامية هي اللغة الحيّة في النفوس، والفصيحة ليس لها أثر في الصور البيانية إلا عند الذين يعرفونها ويقرءونها فصيحة كلّ يوم " ( عن أنور الجندي: اللغة العربية بين حماتها وخصومها، القاهرة، 1963، ص 82 ). كلّ محكية لها قواعدها وأحكامها طبعا، والجامعات ومكتباتها تحفل، في ايّامنا هذه، بالدراسات التي تتناول المحكيات المختلفة، نحوا وصرفا ومعجما ، بعضها في العربية وبعضها الآخر، ما العمل؟ ، في اللغات الأوروبية !
يعاب على المحكية، أخيرا، أنّها غير قادرة على التعبير عن القضايا الفلسفية والفكرية والثقافية ، فهي مجالات تكاد تقتصر على اللغة المعيارية، لا تنافسها المحكية فيها على أقلام الكتّاب وصفحات المطبوعات: " إنّ العامّية لم تستطع إلى الآن أن تتسامى إلى آفاق الفكر العليا، فإنّها لم تزد بعد على أن تكون وسيلة للتعبير الساذج والأحاسيس البدائية . " (أبو حديد 1953، ص 213-214؛ وانظر أيضا: تيمور 1956، ص 10). هذه واقعة لا سبيل إلى إنكارها طبعا، لكن يجب أن نسأل أيضا: لماذا لا تستطيع اللغة المحكية أن تقوم أداة تعبير في المجالات المذكورة دون غيرها؟ السبب بسيط: أن جميع الأدباء والباحثين لم يستخدموا المحكية في هذه المجالات! هل يمكن أن يعاب على إنسان جهله السباحة إذا كان لم ينزل إلى الماء منذ ولادته؟ لا داعي إلى العجب إذن إذا كانت المحكية "عاجزة، بحكم عدم الممارسة، وبحكم وقف النموّ المفروض عليها، عن أن تكون لغة الفكر والفلسفة والأدب" ( كلفت 1997، ص 115). لو اعتمدنا المحكية في تناول الميادين السابقة لكانت هذه اللغة تطوّرت اصطلاحا ومعجما وصياغة، وزاحمت اللغة المعيارية في الميادين المذكورة كلّها، بل فاقتها أيضا طواعية ومرونة: " غير أنّنا لا ينبغي أن نتجاهل الخطر الماثل في لياقة اللغة العامية وصلاحيتها كأداة للتعبير الأدبي، فهو إن كان اليوم من ذلك محدودا، فقد يكون غدا أقوى، وقد تصبح أقدر على الأداء الأدبي السامي من الفصحى إذا فتن الشباب المثقّف بالإنتاج الفكري باللغة العامية وعملت أجيال منهم على الارتفاع بها إلى المستوى الأدبي الذي يجعلها لغة فكر وتعبير صحيح. وليس يجدينا أن نقاوم عوامل الحياة بالعنف والقسر لأنّ الطبيعة تأبى كلّ عنف، وهي أقوى من كلّ قوّة" ( محمد فريد أبو حديد، مجلّة مجمع اللغة العربية في القاهرة، 7 / 214 ).
هذه هي المواقف المغالية لأعداء اللغة المحكية: رفض هذه اللغة جملة وتفصيلا، كأنما هي مرض أو خطر يتهدّد ثقافتنا ووجودنا، متناسين أن المحكية هي لغتنا الطبيعية السائغة في معظم مجالات الحياة، شاءوا أو أبوا. بل يعمدون أيضا إلى " اتّهام كلّ من يحاول التعرّض لقضيّة اللغة بتهم من مثل المروق والانحلال والعداوة للغة ذاتها" ( حسام الخطيب: اللغة العربية، إضاءات عصرية، القاهرة، 1995، ص 4). النظرة المتأنية في مواقف هؤلاء الغلاة من اللغة المحكية تبيّن بوضوح أنّ هذه المواقف هي، في الواقع، دفاع عن "الفصحى" أكثر منها عداء للمحكيّة. الحياة تتغيّر وتتبدّل بين عصر وعصر، بل بين سنة وسنة في هذه الأيام، والغلاة يقفون"حماة " على حدود "الفصحى"، يحاولون الحؤول دون أي تغيير أو تجديد فيها. وإذا حدث شيء من ذلك، ولا بدّ أن يحدث لأنّ الحياة أقوى منهم ومن قيودهم، رفعوا أصواتهم محتجّين، معتبرين هذا التجديد خروجا على اللغة وإفسادا لها. وهل يمكن أن يرضى بدراسة المحكية ورعايتها، أو بالتغيير والتجديد في"الفصحى" من يعتبرهذه اللغة " أمّ اللغات وأصلها الأصيل، وكلّ اللغات الآرامية والسامية والحامية كان أصلها لهجات عربية تولّدت عنها وتطوّرت فيما بعد بحسب البيئات والحاجيّات، ثمّ تعمّقت كلغات مستقلّة على مرّ العصور" ( عن عبد الرحمن أحمد البوريني: اللغة العربية أصل اللغات كلّها، عمّان، 1998، ص 13) . لا بدّ هنا من القول صراحة إنّ هذا التعصّب المغالي للغة "الفصحى" والعداء الظالم للمحكيّة ناشئان عن عاملين اثنين خارجين عن اللغة ذاتها: الأوّل هو العامل الديني متمثّلا في نزول القرآن في هذه اللغة، والثاني
هو العامل القومي، في العصر الحديث، متمثّلا في اعتبار "الفصحى" من مقوّمات الوحدة بين الشعوب العربية على اختلاف أقطارها ولهجاتها. ما إن يدعو أديب إلى الاستفادة من اللغة المحكية، أو إلى التجديد في "الفصحى" نحوا ومعجما حتّى يلجأ المحافظون إلى هذين العاملين في تبرير جمودهم، وإلى اتّهام الإصلاحيين والمجدّدين، في أحيان كثيرة، بالإساءة إلى الدين والقومية: " فارتباط الفصحى بالقرآن منذ فجر الإسلام، ثمّ ارتباطها بالقوميّة العربيّة في العصر الحديث، جعل رؤية واقع اللغة، ودراسة هذا الواقع كما هو- وخاصّة المسائل الخلافيّة كمسألة الفصحى والعاميّة- جعل كلّ ذلك من أشقّ الأمور على الباحث العربي المسلم" (السعيد محمد بدوي، مستويات العربية المعاصرة في مصر، القاهرة، 1973، ص 7 ؛ وانظر أيضا عيد 1989، ص 85).
في هذا السياق، لا بدّ من طرح السؤال دونما خوف أو حرج: هل نزول القرآن الكريم في اللغة الفصحى من شأنه أن يسبغ على هذه اللغة قداسة القرآن الكريم ذاتها، وهل يجب على الأدباء وعلماء اللغة إغلاق باب "الاجتهاد" هنا أيضا، ليحولوا دون كلّ إصلاح أو تجديد تمليهما الحياة المعاصرة؟ ليست اللغة الفصحى، في رأينا، لغة "توقيفية" أوّلا، ولا هي لغة مقدّسة ثانيا، فيُحظر كلّ تطوير أو تغيير أو تجديد فيها، كما لو كان ذلك كفرا أو مروقا! بل إنّ هذا الموقف المتعصّب ذاته هو ما يسيء، في اعتقادنا، إلى هذه اللغة ويقيّد حركتها، لتظلّ متخلّفة عن كلّ اللغات المعاصرة الراقية: " يظهر أنّ باب الاجتهاد أُغلق في اللغة كما أغلق في التشريع، فقد صار من المقرّر بيننا الآن أنّ اللغة العربية وسعت وتسع كلّ شيء. لكي يكون هذا الاعتقاد صحيحا يجب أن نفرض أنّ هذه اللغة نتيجة معجزة ظهرت كاملة من يوم وجودها في العالم، وهذا يناقضه أنّ جميع اللغات خاضعة لقوانين التحوّل والرقيّ العامّ، وتابعة في أطوارها لسير الإنسانية، فهي إذن مظهر من مظاهر غريزتها الطبيعية التي لا تزال تنتج وتبدع كما فعلت في الماضي" ( قاسم أمين، عن الجندي 1963، ص 88 ). ما يقوله الرجل التنويري قاسم أمين بأسلوب "تقليدي" في أواخر القرن التاسع عشر، يردّده أنيس فريحة أيضا، بأسلوب عالم الألسنيات الحديثة، وبعبارة صريحة لا لبس فيها ولا مواربة: " لقد أثبت علم اللغة الحديث أنّ اللغة ظاهرة اجتماعية يتميّز بها كلّ مجتمع إنساني. وهي ظاهرة إنسانية لا علاقة لها بالآلهة، ولم تهبط من علٍ، بل نشأت من أسفل، وتطوّرت بتطوّر الإنسان ذاته، ونمت بنموّ حضارته. وليس هناك من مبرّر للمفاضلة بين لغة وأخرى[...] لكلّ لغة عبقريّتها ومقدرتها على التعبير عن حياة المجتمع. وليست القضيّة قضيّة لغة أفضل من لغة بل قضيّة حضارة أرقى من حضارة وحياة أغنى من حياة" ( فريحة 1955، ص 72- 73).
إذا كانت الفصحى "مقدّسة" ، في نظر الغلاة المذكورين، فمن الطبيعي أن يعارضوا كلّ تغيير فيها، صغيرا كان أو كبيرا، كما أسلفنا، باعتبارها لغة مثلى لا تعرف عيبا، ولا تعاني إشكالا أو تقصيرا، حتى في عصرنا هذا الحافل بالتغييرات الكبرى في الفلسفات والمعارف والمفاهيم: "وقد أثبتت[ اللغة العربية] في العصر الحديث قدرتها على الترجمة والتعريب، ولم تكن إشكالات المعاصرة إلا وهما شجّعه المستعمر وغذّاه التابعون وأعداء الأمّة العربية. بل إنّ هذا الوهم سياسي وليس لغويا على الرغم من أنّه يدور حول ثلاثة أمور معرفية وتاريخية ولغوية ( سمر روحي الفيصل: المشكلة اللغوية العربية، طرابلس، لبنان، 1992، ص 85-86 ؛ وانظر أيضا: عيد 1989، ص 109؛ مناف مهدي محمد الموسوي: مباحث لغوية، بيروت، 1992).
هل يمكن لامرئ الزعم أنّ " اللغة العربية بخير" إلا إذا كان منقطعا عن ثقافات العصر ومعارفه؟! وهل كلّ الأصوات التي تشير إلى عجز هذه اللغة وفقرها في مواجهة الحضارات والثقافات الوافدة، وتنادي بتطويرها وتحديثها، هي أصوات سياسية واهمة يشجعّها الاستعمار
بالذات؟ هل ساطع الحصري، رائد القومية العربية، مثلا، يكتب ويعمل بتشجيع من الاستعمار وأعداء الأمّة العربية أيضا: " لا شكّ أنّها [ اللغة العربية ] إن أمست اليوم عاجزة وفقيرة – بعد أن كانت بالأمس غنيّة وقديرة – فما ذلك إلا لأنّ المتكلّمين بها قد انقطعوا عن مزاولة العلوم منذ قرون، ولأنّهم حبسوا أذهانهم في دائرة ضيّقة من الأدبيات والشرعيات، منصرفين إليها عن كلّ ما سواها. وكأني باللغة العربية قد ظلّت داخل هذه "الشرنقة المعنوية " جامدة خامدة، لا تتحوّل ولا تتكيّف، ولا تنمو ولا تتطوّر " الحصري 1985، ص 74. وانظر أيضا: المصدر نفسه، ص 73؛ كلفت 1997، ص 115؛ سعيد حافظ محمود، قضايا فكرية 1997، ص 131).
ليست اللغة "الفصحى" اليوم بخير، كما يزعم هؤلاء الغلاة. وإذا كان الحصري رأى عجزها وفقرها قبل عشرات السنين، فلا شكّ أنّ حالتها اليوم، حيال الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الكاسحة، قد ازدادت عجزا وفقرا. بسبب هؤلاء السادة، من محافظين وغلاة ومتعصّبين، تعاني لغتنا اليوم أزمة مزدوجة حادّة، وتجاهل المرض لا يؤدّي إلا إلى تفاقمه وإلى تهديد حياة المريض. البعد الأول من الأزمة هو فقر هذه اللغة في المصطلح، لا في مجال التكنولوجيا والاختراع فقط، كما يظنّ كثيرون، بل في جميع مجالات المعارف الإنسانية. الذنب في هذا الفقر الصارخ هو ذنبنا نحن طبعا، الناطقين بهذه اللغة : لا نشتقّ ولا نستحدث بدائل عربية لهذه المصطلحات الأجنبية، ولا نرضى أيضا بتعريب هذه المصطلحات مكابرة وغرورا: " فالمجتمع العربي، بسبب تخلّفه الحاضر، مضطرّ إلى الاستعانة المتواصلة بالمنتجات الفكرية والعلمية والعملية الأجنبية، وهذه الحصيلة الدافقة يوميا من الخارج في جميع مجالات الحياة دون استثناء تجلب معها مصطلحات ومفردات وأساليب في التعبير، لا تنتظر الإذن من المجامع والمؤسّسات اللغوية والتربوية، فتحدث خللا وإرباكا لغويا بطرق متفاوتة حسب وضع كلّ بلد عربي وحسب قوّة السيطرة اللغوية الأجنبية ( بين إنكليزية وفرنسية ) التي تفرضها عوامل تاريخية وسياسية واجتماعية( الخطيب 1995، ص 37). لا أظنّنا في حاجة إلى الاسترسال في شرح هذا البعد من الأزمة. فكلّ مثقّف ، وكلّ صحافي، وكلّ أديب، وكلّ مترجم بوجه خاصّ، يعانون يوميّا من هذا النقص المحبط في المصطلح، ويستغيثون وما من مغيث!
البعد الثاني، ولعلّه الأهمّ أيضا، هو هذه القطيعة المذهلة بين أبناء العربية، الأجيال الشابّة بوجه خاصّ، واللغة "الفصحى" - لغة آبائهم وأجدادهم، لغة قوميتهم وتاريخهم وتراثهم. سألت أحد تلاميذ الثانوية من أقاربي لماذا غاب في أحد الأيام عن المدرسة ، فأجابني دون تردّد أو تفكير: هذا يوم غير مهمّ، نتعلّم فيه درسين في العربي !! وإذا كان بعضنا يظنّ أنّ هذا الوضع المؤلم يقتصر على أبنائنا هنا فحسب، فليستمع إلى الأستاذ فريحة ، وقد لمس بنفسه النفور من العربية بين الصغار في بيته هو أيضا: " إنّ درس العربية درس صعب جافّ بعيد كلّ البعد عن تفكيرهم [ الصعار ]. فلا الكتاب يستهويهم، ولا الحرف العربي يلين لهم، ولا قواعد الصرف والنحو التجريدية في متناول إدراكهم، ولا الذين وضعوا البرامج نزلوا من الأبراج إلى مستوى الأطفال، ولا المعلّم حرّ التصرّف في تعليمه إذ إنّه مقيّد بإدارة المدرسة وإدارة المدرسة حريصة على تطبيق منهاج الوزارة، والوزارة تدرس الأمر! " ( فريحة 1955، ص 48). لا يحسبنّ أحد أنّ المشكلة هي مشكلة الصغار دون غيرهم. لقد سمعت بأذني كثيرين من المعلّمين والمثقّفين و"الشعراء" أيضا، يقرءون ولا يعرفون كيف يجب أن يقرءوا. بل سمعت، ذات مناسبة، واحدا من " المقعّرين" يحاول القراءة ﺒ "الشكل التامّ " فلا يكاد يفهم ما يقرأ، لأنّه كان يلهث وراء الضمّة والفتحة والكسرة ناسيا أين تبدأ الجملة وأين تنتهي ! لا تظنّوها مبالغة، فإنّ " كثيرا من أبناء هذه اللغة يواجهون قصورا ظاهرا في السيطرة عليها والتفكير بها، وتحويلها من مجرّد معرفة مفروضة أو واجبة إلى معرفة محبوبة، يتمّ السعي إليها والتمتّع بها، فينفضّون عنها في
كثير من الأحيان يأسا أو زهدا، وينصرفون إلى أدوات أخرى يبرزون من خلالها طاقاتهم التفكيرية التي هي ضرورية للحياة، فضلا عن التقدّم والرقيّ، ويستقرّ في أذهانهم ما لا بدّ أن يورث للأجيال التالية من صعوبة اللغة وانعزالها عن التفكير الحيّ "( درويش 1999، ص11 ). إذا كان بعضنا يتّهم "شباب اليوم" بهذا الضعف الواضح في إجادة العربية، كتابة وقراءة، فقد أشار الأستاذ الأديب محمود تيمور إلى هذا العيب لدى "عامّة المثقّفين" قبل عشرات السنين أيضا، وبنفس الأسلوب تقريبا : " لا خلاف على أنّ قراءة الكلام غير المضبوط قراءة صحيحة، أمر يتعذّر على المثقّفين عامّة. بل إنّ المختصّين في اللغة، الواقفين حياتهم على دراستها، لا يستطيعون ذلك إلا باطّراد اليقظة، ومتابعة الملاحظة، وإنّ أحدا منهم إذا حرص على ألا يخطئ، لا يتسنّى له ذلك إلا بمزيد من التأنّي، وإرهاف الذاكرة، وإجهاد الأعصاب " ( تيمور 1956، ص 47 – 48).
يصعب القول إنّ كلّ من لا يجيدون اللغة "الفصحى" يعانون جهلا أو غباء، خصوصا إذا كان بعضهم يجيد لغة أجنبية أو أكثر. لا مناص من الإقرار بأنّ اللغة " الفصحى" لغة صعبة معقّدة، غريبة عن الأنسان العربي المعاصر في نحوها وصرفها وقاموسها وصياغاتها. السبب الأوّل في صعوبتها أنّها ليست لغة طبيعية حيّة نتداولها في البيت والسوق والشارع، " ونحن نعتقد أنّ انتقال العربي من لغة سيّالة مرتة غير معربة، من لغة لا تحتاج إلى عناء ولا إلى بذل مجهود، إلى لغة غريبة عن حياته اليومية، صعبة معقّدة تخضع لقوالب معيّنة، أمر يعوق الفكر، لأنّ اللغة طريق الفكر. وعوضا عن أن ينصبّ الجهد الفكري في المعنى ينصرف إلى الشكل الذي يظهر فيه المعنى. والمعنى أصل والشكل فرع، أو ذاك جوهر وهذا عرض. هذه مشكلة ازدواج اللغة بالنسبة إلى الفكر" ( فريحة 1955، ص 136 -137). إذا كانت هذه حال الكبار منا، بعد أن تعرّفوا " الفصحى" ودرسوها سنوات طويلة، فكيف بالطفل المسكين ينتقل فجأة من بيئة لغوية حميمة طيّعة ، ألفها وألفته سنوات، إلى مجاهل "الفصحى" الباردة، الغريبة عن لسانه وعقله وقلبه؟ إلا أنّ المجال هنا يضيق عن الخوض في الآثار السلبية الناشئة عن الازدواجية اللغوية في التحصيل العلمي لأطفالنا، التي تؤكّدها الأبحاث التربوية نظرية وتطبيقا.
السبب الثاني في صعوبة اللغة المعيارية أنّ هذه اللغة لم تعرف إصلاحا أو تغييرا أو تيسيرا، لا في نحوها، ولا في صرفها، ولا في كتابتها. أصوات كثيرة ارتفعت منادية بإصلاح اللغة، خلال المئة سنة الماضية، ومقترحات عينية طُرحت، ونقاشات طويلة دارت، إلا أنّ شيئا لم يحدث، وها نحن اليوم ما زلنا نكتب ونقرأ محكومين بقواعد وأحكام أنتجوها قبل أكثر من ألف سنة! وإذا حدث شيء من تغيير أو تطوير في اللغة فإنّما يحدث رغم القواعد والأحكام المذكورة، ويعتبر في نظر " المسؤولين " خروجا على اللغة، أو شذوذا، أو " أخطاء ألفناها ". نتباهى بهذه اللغة، وننظم في الفخر بها الأشعار، إلا أنّنا نحاول جاهدين تقييدها وتجميدها: " إنّ اللغة العربية غير مخدومة لغويا وعلميا وتربويا وإعلاميا، وإنّها تحتاج إلى جهود علمية – عملية حتّى تنتقل من عبء نفسي عند مستخدميها إلى بهجة ويسر ودافع إيجابي. ولا نعرف أناسا في الدنيا يستخدمون لغتهم بمثل ما يصاحب استخدام اللغة العربية لدى أبنائها من تهيّب وتحفّز وتردّد وتوتّر نفسي ورهق" ( الخطيب 1995، ص 5).
هذه هي أوضاع اللغة العربية اليوم : لغة معيارية مقيّدة، لا تتغيّر ولا تتبدّل، صعبة على العقل والقلب، وهي مع ذلك كلّه اللغة الرسمية المفروضة بسلطة المؤسّسات المهيمنة. ولغة محكيّة حيّة طيّعة متطوّرة، تحتلّ العقل والقلب، لكنّها مع ذلك كلّه لغة غير رسميّة، غير معترف بها، بل مزدراة أحيانا. إلا أنّّ الحياة ترفض الجمود والقيود، واللغة المحكيّة، لغة الحياة، تصرّ على رفض التمييز والاضطهاد أيضا. ما أشبه اللغة " الفصحى" ، وأنصار "الفصحى" ، بالحاكم
الظالم يأبى مسايرة الحياة، رافضا أيّ إصلاح أو تغيير، فلا تجد الحياة أخيرا من حلّ إلا بتغييره هو! نحن لا نتمنّى سقوط اللغة المعيارية، ونعرف مخاطر ذلك، إلا أنّ "حماة" هذه اللغة يسيرون بها غير واعين في هذه الطريق بالذات! فنحن اليوم نشهد اللغة المحكية " تحتكر احتكارا فعليا في مجال الحياة اليومية وامتداداتها المباشرة في الثقافة والآداب والفنون الشعبية. كما أنّها تنافس "الفصحى" في كافّة مجالات احتكارها منافسة تتباين قوّتها من مجال إلى آخر. ولا يعني هذا بحال من الأحوال أنّ "العامّية" قد أحرزت قصب السبق وصارت اللغة السائدة. فالحقيقة أنّ الإيديولوجية السائدة لا تزال تحكم على "العامية" بوضع اللغة المضطهدة، وضع لغة من الدرجة الثانية، تتسلّل من النافذة ولا تدخل من الباب" (كلفت 1997، ص 113).
إذا أردنا الدّقة فالمحكية اليوم ، في أحيان كثيرة، تدخل البيوت من أبوابها أيضا. وستظلّ تزحف على مواقع "الفصحى" ، ما في ذلك شكّ، إذا ظلّت هذه مقيّدة مجمّدة، يحول "حماتها" دون أيّ تغيير أو تطوير. المحكية اليوم تكاد تحتكر المسرح ، وتطغى تماما على الأفلام والمسلسلات. حتّى المسلسلات الأجنبية التي لم تترجم في الماضي إلا في اللغة المعيارية، أخذوا يدبلجونها مؤخّرا في اللغة المحكية، المسلسلات التركية مثلا، فلاقت رواجا مدهشا. والمحكية تغلب أيضا على وسائل الاتّصال، إذا استثنينا نشرات الأخبار. بل إنّ إحدى الفضائيات الخاصّة، في مصر بالذات، تبثّ نشرة الأخبار بالمحكية المصرية أيضا، وهو ما يسبب ارتفاع الضغط لدى السيد سليمان عبد الشكور الذي ربّى الأجيال " على إتقان قواعد الصرف والنحو والتفنّن في مخارج الألفاظ " (صحيفة الحياة، 6/ 3/ 2009). المحكية دخلت أيضا عالم الشعر، وفي كلّ يوم تُكتب وتُنشر أشعار، ناهيك عن الأزجال والأغاني، في المحكية، في مصر ولبنان أساسا، فتلقى قبولا وذيوعا. أما المحكية في الإنترنت والبلوجات والتعقيبات فعالم قائم بذاته، لا تعرف فيه قيودا ولا حدودا. حتى الروايات أخذ بعضها يصدر في المحكية، وتلك "انتفاضة" حقيقية تطلقها المحكية، ويصعب تقديرنتائجها وأبعادها.
الأوضاع اللغوية في العالم العربي متأزّمة متفجّرة، وإذا واصلنا تقييد وتجميد" الفصحى" ، كما دأبنا حتى اليوم، فلا أحد يمكنه استشراف العواقب! لا أجد خاتمة لهذه المقالة خيرا من عبارة للمفكّرالمعروف محمود أمين العالم، يوجز فيها إشكالية الازدواجية اللغوية بشجاعة وصدق: " ما تزال قضيّة العلاقة بين اللغة الفصحى واللغات العامية أو الشعبية قضيّة ملتبسة معقّدة تفتقد الجسارة العلمية والقومية لتناولها وحسمها" ( قضايا فكرية 1997، ص 11)

Mushtak 06-08-2015 09:03 AM

Re: رد: Re: أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة mohamed yakon (المشاركة 2055194)

هناك عامية دارجة يفهمها جميع الجزائريين , أما عن الأمازيغية فهي لغة قائمة بذاتها و الدراسة لا تعنيها . إن التحجج بسؤال أي لهجة من اللهجات يمكن استعمالها , هو مبرر قديم استعمل مع الامازيغية و لكنه مبرر هش لا يصمد امام النقد والمنطق . و في الحقيقة إذا قرأت النص , فالدراسة تتحدث عن الفروق بين العامية و الفصحى و أوجه الاختلاف بينهما و هما تكملان بعضهما البعض , و يمكن للعامية ان تكون رافدا قويا للفصحى و هي ليست دخيلة على المجتمعات العربية . على العموم العامية و الفصحى لم تكونا متنافرتين و بينهما وئام منذ وجود الفصحى .

العامية التي تريد أن تقارنها بالفصحى هي خليط ببن العربية المكسرة و الفرنسية المكسرة أيضا
مثلا: في بعض المناطق يسمون البيض بالعضام و في بعض المناطق يسمون مجفف الشعر بالسشوار بل إن بعضهم يسميه كابوس ذ الريح فأي لغة هذه
رحت للبولونجي باش نشري زوج باغيطات خبز لقيت لاشان وليت حكمت الطرولي لحقت للخدمة روطار على خاطر كاين السيركولاسيو في الطريق
يا أخي راك تكومباري لانكومبرابل
كمن يقارن العصى بالسيف

ahmimou 06-08-2015 09:29 AM

رد: أوجه الأختلاف ما بين الفصحى والعامية.
 
في السنوات الاولى للتعليم تستعلم في المدارس اللغة العربية الصحيحة اي انها دارجة ومهذبة الى الفصحى مثل كلمة قدام البيت راح الى المدرسة وكالمات اخرى وطماني يا بن غبريط فالمعلمين يستعملون دراجتك في التدريس دون ان تقنينها انت وراحت الفصحى حينما راح الزمن الجميل حيث كانت الاخلاق والمثل والمبادىء هي التي تحكم المجتمع حيث كان المعلم عندما ينطق كلمة بالدارجة لاينام الليل ويعود الغد الى تلاميذته وكان الوزير عندما يأتي يحاول ان يضع لمسته وليس ان يواجه مشاكل ثم مشاكل وعندما تنتهي المشاكل ينطق كفرا


الساعة الآن 10:00 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى