بسم الله وكفى وصلى اللهم على عباده الذين اصطفى وعلى آله وصحبة ومناهتدى بهديه بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
مشكور أخي في الله على هذه التعريج على قظية منهج التلقي و الإستدلال عند الأشاعرة في مسائل العقائد و التى تعتبر من أهم مسائل الدين نبدأ باقتباسات من ردك على هذا الموضوع نم نَكِرُ عليها بالرد إن شاء الله تعالى بما تيسر
اقتباس:
|
سبق لي وان قلت لست داعيا الى منهج دون غيره , ولكن علينا أن ننظر للأمور بانصاف وللقضايا من الأصول , لاا أن نأخذ من طرف الحديث ونعمم الجزء على الكل ... .. .تأمل فتح الله عليكـ
|
لاشك أن الإنصاف عزيز في هذه الأزمان خاصة في باب الردود فكل راد يريد ان يحشد جيوش من الأدلة لنصرة مذهبه وهذا ليس مسلك المسلم الحق بل الواجب هو أن يستدل المرء ثم يعتقد لا أن يعتقد ثم يستدل فهناك فرق بين الناظر المناظر.
وهنا ألوح أن الأعتماد في الرد على أي مذهب هو كتب القوم أنفسهم ومعرفة اصطلاحهم في الباب الذي يراد النقاش فيه .
اقتباس:
|
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ®عبـ القادر ـد® والمتكلمون في أثناء استدلالهم على مسائل العقيدة بالعقل ينسبون تلك المسائل إلى احكام العقل الثلاثة : الوجوب , الاستحالة , الجواز ؛ ولذلك تجدهم يقولون الواجب في حق الله تعالى كذا والمستحيل في حقه كذا والجائز في حقه كذا وكذا في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام ؛ وكثير من المتكلمين خاصة المتأخرين منهم يذهبون إلى ان هذه المسائل لا يجوز الاستدلال عليها بالنقل ابتداءاً لأن صحة النقل متوقفة على معرفتها , فإذا استدللنا بالنقل عليها حصل الدور
|
مما لاشك فيه أن الأدلة العقلية هي العمدة عند الأشاعرة وكتب القوم تشهد بهذا اللهم الإ في باب السمعيات(أي العقائد الغيبية,كالجنة والنار,وعذاب القبر,الصراط والميزان,رؤية المؤمنين لاربهم جلاوعلا) فهم يستدلون بالنصوص الشرعية ولكن هذا ليس على اطلاقه بل كما هو مفصل في كتب القوم وليس خروجاً عن أصلهم في مصدر التلقي وهو العقل.
لانهم يقسمون دائرة الموارد إلى العقل والوحي
1- وهذا التقيسم مبني على مفهوم العقل وعلاقته بالوحي
ولذلك قال الجويني رحمه الله في كتابه الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الإعتقاد [باب : القول في السمعيات] :
((باب القول في السمعيات:اعلموا وفقهكم الله أن أصول العقائد تنقسم إلى
1-ما يدرك عقلا ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعاً,
2- وإلى ما يدرك سمعاً ولا يتقدر إدراكه عقلاً,
-3 وإلى ما يجوز إدراكه سمعاً وعقلاً)).
وما هذا الإ هضم لدور النقل وتضخيم لدور العقل
أما المفهوم الصحيح للعقل فهو يشمل العقل الفطري الذي منحه الله لكل بني آدم, والعقل الإستدلالي النظري الذي يكتسبه الإنسان ويستخدمه العلماء
بعبارة أخرى العقل يشمل البديهة والبصيرة, والحس والفهم و التفكير
ولذلك لا نحتاج إلى هذه القسمة أي نسمي بعض العقائد سمعيات بمعناهاعند الاشاعرة,بكل بساطة لانه لا يوجد بالمقابل عند أهل النسة عقائد تسمى عقليات بمعناها عند الأشاعرة
أما الشيء الممتنع في عقيدة السلف فهو أن يكون هنالك أصلٌ من أصول العقائد يستقل العقل بإدراكه وإثباته,وهذا من أهم الفوارق المنهجية بينهم وبين الأشاعرة
ولذلك الاشاعرة أثبتوا ما أثبتوا من السمعيات لا لان الأدلة الشرعية (الكتاب والسنة) اثبتتها بل لأن العقل لم يحكم باستحالتها
كما هي عباراتهم ((إن العقل لا يحكم باستحالة شيء من الغيبيات الثابة بالنص)) وجعلوا هذه العبارة شرطاً في كل مسألة من مسائل السمعيات
فإنهم يؤمنون بها لتحقق شرطين:
1-أن الصادق أخبر بها
2- أن العقل لم يحكم باستحالتها.
بعبارة أخرى لو حكم العقل بستحالتها لردوا النص,أو فوضوه, أو أوًّلوه كما فعلوا في الصفات و غيرها
ولتوضيح ذلك نظرب أمثلة للأشاعرة لبيان منهجهم من كلامهم
· اثبات العلو:
فالأشاعرة ينكرون العلو وهم في المقابل يثبتون الرؤية بل بما هو من دونها من جهة قوة الثبوت وهو الصراط مثلاً.
تعليلهم ذلك بأن العلو من باب العقليات وليس من باب السمعيات
لان العقل يحكم بستحالة الجهة على الله تعالى لان إثبات الجهة من خصائص الأجسام ونحن ننزه الله عن الجسمية
ولو سألوا بما أثبتم الرؤية لقالوا
أثبتناها بالعقل لا بمجرد السمع لان العقل يجيز الرؤية دون اشتراط المقابلة و الجهة ,وأنطلاق شعاع من عين الرائي إلى المرئي.
فعقلهم حكم بستحالة العلو ولم يحكم باستحالة ذاتين منفصلتين يرى كل مهما الأخر بلا جهة ولا مقابلة !!!!!!!
ولذلك سخر المعتزلة منهم فقالوا ((من أثبت الرؤية وأنكر الجهة فقد اضحك الناس على عقله))
فلقد عرفنا بما أثبتوا به الرؤية ويما أنكروا به العلو
فبما أثبتوا الصراط ؟
جوابهم ان هذا من باب السمعيات نؤمن به الانه غير مستحيل في العقل ولان الصادق اخبر به!
فيقال لهم أين نصوص إثبات العلو المتظافرة من نصوص اثبات الصراط التي هي أقل بدرجات
بل لم يرد صريحا في القرآن ولم يتواتر على شرطكم من السنة ؟
(لانهم يشترطون في التواتر ان يكون في المحسوسات)
فظهر تناقضهم في العقليات بين العلو والرؤية وتناقضهم في السمعيات بين الصراط والعلو.
وأكتفي بنقل بعض النقول من كتب القوم لبيان أن العمدة العقل وأن أثبات ما جاء في السمعيات هو لإن العقل لم يحكم باستحالتها وليست الادلة أعنى الكتاب والسنة مستقلان , بل هما تابعان للعقل .
يقول الباقلاني: (( يجب أن يعلم كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر,و سئال منكر ونكير, ورد الروح إلى الميت عند السؤال, ونصب الصراط, والميزان, والحوض,و الشفاعة للعصاة, من المؤمنين, كل ذلك حقٌ وصدقٌ , يجب الإيمان به,والقطع به, لان جميع ذلك غير مستحيل في العقل.)) الإنصاف.
أما الجوينى: فإنه فصل في كل مسألة
فقال في سؤال القبر: (( إن السؤال يقع على أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب أو غيره, فيحيها الرب تعالى فيتوجه السؤال عليها وذلك غير متسحيل عقلاَ,وقد شهدت قواطع السمع به)) الارشاد
وفي خلق الجنة والنار قال: (( الجنة والنار مخلوقتان, إذ لا يحيل العقل خلقهما,وقد شهدت بذلك آيٌ من كتاب الله ))الارشاد
وعن الشفاعة قال: ((فاذا ثبت جواز التشفيع عقلا, فقد شهدت له سننٌ بلغت الاستفاضة)) الإرشاد
ثم قال في نفس الكتاب((فاذا شهد العقل بالجواز, وعضدته شواهد السمع, فلا يبقى بعد ذلك للإنكار مضطرب))
وقال عن الجن والشياطين (( نحن قائلون بثبوتهم )) إلى ان قال ((فليس في إثباتهم مستحيل عقلىٌ ,وقد نصت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم, وحق اللبيت والمعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى العقل بجوازه ونص الشرع على ثبوته )) الإرشاد
وقال في إعادة الخلق بعد الموت (( ودرجة تحرير الدليل أنا لا نقدر الإعادة مخالفة للنشأة الأولى على الضرورة, ولو قدرناها مثلاَ لها لقضى العقل بتجويزها , فإن ما جاز وجوده جاز مثله)) الإرشاد.
يقول الآمدي: (( ومذهب الحق والإسلاميين أن إعادة كل ما عدم من الحادثات جائزٌ عقلا, وواقع سمعاَ,
ولا فرق في ذلك بين أن يكون جوهراَ أو عرضاً ...))الخ
ثم قال: (( هذا حكم الحشر والنشر, وعذاب القبر ومساءلته, ونصب الصراط والميزان , وخلق النيران والجنان , والحوض, والشفاعة للمؤمن والعاصي, والثواب والعقاب, فكل ذلك ممكنٌ في نفسه, وقد وردت به القواطع السمعية والأدلة الشرعية)) غاية المرام
وقال في (المواقف) : (( إن جميع ما جاء في الشرع من الصراط و الميزان , والحساب و قراءة الكتب, والحوض المورود , وشهادة الأعضاء حقٌ, والعمدة في إثباتها: إمكانها في نفسها, إذ لايلزم من فَرَض وقوعها محالٌ لذاته مع إخبار الصادق عنها ))
فالقوم كما ترى أخي الفاضل أنهم ملتزمون بتقديم العقل وحكمه بالإمكان وعدم الإستحالة ,ثم يوردون الأدلة السمعية وهذا في باب السمعيات ,خلافاَ لما يتبادر للكثيرين أهم سلموا فيه للنصوص
وشتراط نفي الصفات بما لم ينفه العقل
أو أثبات السمعيات بما لم يخالفه العقل
فهذا قول ليس له ضابط لانه تصديق بالسمع مشروطاَ بعدم جنس لا ضابط له
وما كان مشروطاً بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط
اقتباس:
وكتب العقيدة عندهم تحتج بالأدلة العقلية والأدلة النقلية ، وانظر على سبيل المثالكتاب الإنصاف للباقلاني ، فإنه مشحون بالأدلة العقلية والأدلة النقلية الكثيرة كثرةواضحة ظاهرة .
كتبهم تقدم الأدلة العقلية على الأدلة النقلية في مجال الاستدلالفي العقائد في باب العقليات
|
وهنا لا أريد الإستفاضة وإنما الغرض هو عرض مذهب القوم من خلال كتبهم تأصيلاً و تطبيقاً
حتى يتبين لك أخي الحبيب حقيقة مذهب القوم
إن منهج الأشاعرة يقوم على اساس (القانون الكلي) الذي وُضِعَتْ مبادئه في كتابتات الباقلاني والجويني وأبي حامد الغزالي في كتابه : قانون التأويل ثم الرازي الذي وضع هذا القانون في صورة مقدمات موجزة وعليه عول من بعده .
يقول الرازي في أساس التقديس : (( الفصل الثاني و الثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟
اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شئ , ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك , فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
1- إما أن يصدِّق مقتضى العقل و النقل , فيلزم تصديق النقيضين وهو محال
2- وإما أن يبطل, فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.
3- وإما أن يصدق الظواهر النقلية , ويكذب الظواهر العقلية وذلك باطل, لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته, وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على محمد صلى الله عليه وسلم.
لو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهما غير مقبول القول. ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول, وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.
فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاَ, وأنه باطلٌ ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: إنها غير صحيحة أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل, وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى.
فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات . وبالله التوفيق.))
وسبق كلام الجويني في الإرشاد بما يغنى عن إعادته هنا
ويقول عبد القادر السنوسي في شرح الكبرى (( ما أخبر الشرع به وكان ظاهره مستحيلا عند العقل, فإنا نصرفه عن ظاهره المستحيل , لانا نعلم قطعاً أن الشرع لا يخبر بوقوع مالايمكن وقوعه ,ولو كذبنا العقل في هذا وعملنا بظاهر النقل المستحيل لأدى إلى انهدام النقل أيضا, لأن العقل أصل لثبوت النبوات التي يتفرع عنها صحة النقل, فلزم إذن من تكذيب العقل و تكذيب النقل))
ولسنا هنا في معرض الرد على هذا إنما القصد هو عرض مذهب القوم في عتمادهم على العقل في مسائل العقائد .
وعتمادهم على العقل سببه أنهم يعتقدون نصوص الوحي لا تفيد اليقين
وهذا مبني على قانون تحكيم العقل ومرجعه إلى قاعدتين عند الآشاعرة
1- عدم إفادة النصوص لليقين
2- التأويل
1- أما عدم إفادة النصوص لليقين
فإنه يرجع في الأصل إلى تحديد مجال الوحي واختصاصه حسب القسمة المنطقية للمطالب (أي موارد الأدلة)
و هي كما قال صاحب المواقف عضد الدين الإيجي – كتابه هذا هو المقرر في كلية الدين بالأزهر وغيرها - : (( ثلاثة:
أحدهما : ما يمكن, أي لا ما لا يمتنع عقلاً إثباته و لا نفيه, نحو جلوس غراب الآن على منارة الاسكندرية (وهي عبارة الرازي في الأساس:على جبل قاف) فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل, مثل وجود الصانع, ونبوة محمد, فهذا لا يثبت إلا بالعقل, إذ لو ثبت بالنقل لزم الدور.
الثالث: ما عداهما نحو الحدوث.))
فمجال الوحي هو القضايا المجردة كالغراب, بينما جعل وجود الله وصحة النبوة متوقفة على العقل وجوباً, و إلا لزم الدور, ولزوم الدور عند الحكماء كفر أكبر
فهل يقف الأشاعرة عند هذا الحد ؟ بل يتعدونه إلى البحث في مدى إفادة نصوص الوحي
هل نصوص الوحي توصل إلى اليقين في دائرة العقائد كما توصل الأدلة العقلية إليه في مجالها, أم أن غاية ماتفيده هو الظن؟
يقول صاحب الموافق نفسه بعد ذكر الأقسام السابقة: (( الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟
قيل: لا , لتوقفه على العلم بالوضع و الإرادة.
و الأول: (العلم بالوضع) إنما يثبت بنقل اللغة و النحو و الصرف, وأصولها تثبت برواية الآحاد, وفروعها بالأقيسة , وكلاهما ظنيان.
و الثاني: (الإرادة) يتوقف على عدم النقل و الإشتراك, والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم و التأخير, والكل لجوازه بانتفائه, بل غايته الظن.))
معنى كلامه أنه حتى إذا وصلنا إلى القطع في العلم بالوضع و الإرادة ,وهذا افتراضاً منا فهل تفيد النصوص اليقين؟
الجواب ظاهرٌ وهو :كلا .فإن الحاكم و الفاصل في المسألة هو العقل
ثم قال: (( ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي , إذ لو وُجِدَ لقدم على الدليل النقلي قطعاً. إذ لا يمكن العمل بهما و لا بنقيضهما, وتقديم النقل على العقل إبطالٌ للأصل بالفرع . وفيه إبطال للفرع, وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضاُ لنفسه , فكان باطلاً))
ثم قال: (( لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني , إذ الغاية عدم الوجدان , وهو لا يفيد القطع بعد الوجود.))
معنى هذا أنه حتى إن سَلمِ َالنص من المعارض العقلي فيبقى الإحتمال وارداً ربما قد يظهر بعد حين. لانه قال إذ الغاية عدم الوجدان , والعلم بعدم الوجود مستحيلٌ, والتعليق على المستحيل إبطالٌ للقضية من أصلها تماماً.
ثم يتابع قائلاُ: (( فقد تحقق أن دلالتها (أي نصوص الوحي) تتوقف على أمورظنية, فتكون ظنيةُ ,لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة.))
ولكن الرجل لم يستقر على هذا بل قال: (( و الحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات ,فإنا نعلم استعمال لفظ الأرض و السماء ونحوهما في زمن الرسول في معانيها التى تراد مهنا الأن ,التشكيك فيه سفسطة )).
فالحمد لله على ان القوم إذا وجدوا في كلام الله او كلام رسوله صلى الله عليه وسلم لفظ أرض أو سماء عرفوا أنها هي هذه الأرض والسماء !!!
وأتمثل بقول الشاعر(انظرابن حمدون في حاشيته على شرح ألفية ابن مالك الأندليسي:)
إذا ما الفتى في الناس بالعقل قد سما *** تيقن أن الأرض من فوقها السما
ثم لم تتم فرحتنا بهذا بل أستدرك قائلاً : (( نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر, لانه مبنيٌّ على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي ؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك ؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه ))
وهكذا يعود بنا إلى عدم وجود المعارض العقلي
ولنأت بمثال من كلامه تطبيقاً لما قرره وأصله:
يقول في الموقف الخامس –الإلهيات- : (( المرصد الثاني في تنزيهه : وهي الصفات السلبية , وفيه مقاصد :
المقصد الأول: أنه تعالى ليس في جهة , ولا في مكان .وخالف فيه المشبهة , وخصصوه بجهة الفوق ....))
ثم قال : (( واحتج الخصم بوجوه : (ذكر أربعة عقلية ثم قال) :
(( الخامس: الاستدلال بالظواهر الموهمة للتجسيم من الآيات و الأحاديث نحو : قوله تعالى : (الرحمن على العرش استوى) [سورة طه] (وجاء ربك و الملك صفا صفا)[سورة الفجر] (فإن استكبروا فالذين عند ربك )[سورة فصلت] (إليه يصعد الكلم الطيب)[سورة فاطر] (تعرج الملائكة و الروح إليه)[سورة المعارج] (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) [سورة البقرة] (ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) [سورة الملك] (ثم دنا فتدلى , فكان قاب قوسين أو أدنى) [سورة النجم]
وحديث النزول وقوله عليه السلام للجارية الخرساء : أين الله ؟ فاشارة إلى السماء فقرر ,فالسؤال و التقرير يشعران بالجهة .
والجواب: أن ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات.
ومهما تعارض دليلان وجب العمل بهما ما أمكن, فتؤول الظاهر إما إجمالا و يفوض تفصيلها إلى الله, كما هو رأي من يقف على -إلا الله- , وعليه أكثر السلف ,كما روي عن أحمد (كذا) : الاستواء معلوم والكيف مجهول , والبحث عنها بدعة (كذا)
وإما تفصيلا كما هو أي طائفة, فتقول : الاستواء : الاستيلاء, نحو : قد استوى عمرو (كذا ! والمعروف بشر في البيت الشعري ) على العراق, والعندية بمعنى الاصطفاء والإكرام ,كما يقال : فلان قريبُ من الملك , (وجاء ربك) : أتى أمره , و (إليه يصعد الكلم الطيب) أي: يرتضيه ,فإن الكلم عرَض يمتنع عليه الانتقال, و (من في السماء) أي حكمه , أو سلطاو انه مَلكٌ مُوَكَلٌ بالعذاب وعليه فقس ....))
لا نقف هنا لنرد على هذا الكلام وإنما المقصد هو ذكر محل الشاهد فقط وهو بيان منهج الأشاعرة في دلالة النصوص و إفادتها اليقين
فقد ساق عشرة أدلة نصية 8 آيات و حديثان
يوردها جميعاً ثم يطبق عليها القاعدة (( أنها ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات))
فهل هذا رأيٌّ فرديُّ إنفرد به صاحب المواقف كما يقال دائما وهو غير معصوم ,
فلقد صرح شارح المواقف الجرجاني في شرح الكلام : (( إن القول بأن الأدلة النقلية لا تفيد اليقين هو مذهب المعتزلة و جمهور الأشاعرة))
2- التأويل:
بناءاً على ما سبق من عدم إفادة النصوص الشرعية (الكتاب والسنة ) اليقين نعرف لماذا أنتهج الأشاعرة منهج التأويل حتى أصبح أصلاً من أصول المذهب , ليس في الصفات فحسب ,بل في نصوص الإيمان , والوعد والوعيد ,عصمة الأنبياء , والقدر وفي كل نص خالف ما قرروه من عقائدهم
إن إيمانهم بمسألة تعارض العقل والنقل مع أنهم التزموا بالتوفيقية بين السلف و المعتزلة
أي حاولوا أن يكون وسط بين المعتزلة والسلف
هذه التوفيقية أفضت بهم إلى البحث عن حل وسط بين القظيتين
1- التمسك بنصوص الوحي (وهذا يناقض أصولهم , وجعلهم جزءاً من الحشوية (كما يسمون أهل السنة) .وهذا عندهم بعيدٌ
2- وإما أن يحكِّموا العقل مطلقاً , ويعودوا إلى أصلهم الإعتزالي الفلسفي.
وهذا يعنى إلغاء أصل وجودهم , لآن الآشعرية ظهرت كفرقة منشقة من المعتزلة ,ثم هم يختلفون مع المعتزلة في أصول كثيرة المتعلقة بتحديد دائرتي العقل والنقل.
ويضاف إلى ذلك أن بعض كبارالأشاعرة له صلة بالحديث النبوي, فليس معقولا أن يردوا الأحاديث الصحيحة رداً مباشراً كفعلة المعتزلة فضلا عن نصوص القرآن
فما هو المخرج؟
ويحسن هنا ذكر كلمة لابن القيم ,وهو وجود خليفة عادل اختلفت الرعية فيه ثلاثة أقسام:
- فقال قومٌ : لا بُدَّ من عزله و الخروج عليه.
- وقال قوم: بل تجب طاعته ومناصرته.
-وجائت طائفة ثالثة أرادت التوفيق بين الفرقتين السابقتين فقالت:
بل الحل أن يبقى له اسم الخلافة و رمزها , وتسحب منه شؤون الحكم وصلاحياته.
وهذا مثال تقريبي لموقف الطوائف الثلاثة : ( المعتزلة ,السلف,الأشاعرة) من النصوص
ومقف الاشاعرة هو الثالث أي الإبقاء على النصوص و إثباتها, ولكن لا يستمد منها الحقائق . أي الاحتفاظ بالنص شكلاً مع إلغاء مفهومه حقيقة.
وهذه هي حقيقة التأويل
فالتأويل ماهو الإ مهربٌ عقليٌ من الالتزام بالنصوص, ووسيلةٌ ملتويةٌ للتخلص من معارضتها للعقل, ونتيجة طبيعية من نتائج التوفيق بين مذهب السلف و المعتزلة.
ولذلك يبررون لجوئهم للتأويل بالإضطرار , لا بالاختيار.
لانهم يرون أن الدفاع عن القرآن و الإسلام في وجه الملاحدة الذين يتهمونه بالتناقض لا يمكن أن يتم إلا بتأويل بعضه ليوافق البعض الآخر المتفق مع القواطع العقلية.
وهم من هذا المنطلق يجعلون التأويل واجباً شرعاً على كل مسلم.
يقول الدكتور البوطي في كتابه [كبرى اليقينيات]
((أما ترك هذه النصوص على ظاهرها دون أي تأويل لها – سواء كان إجمالياً أو تفصلياً – فهو غير جائز ,وهو شيءٌ لم يجنح إليه سلفٌ ولا خلفٌ
كيف ولو فعلت ذلك لحملت عقلك معانٍ متناقضة في شأن كثيرٍ من هذه الصفات,فقد أسند الله إلي نفسه العين بالإفراد في قوله تعالى : (ولتصنع على عيني) [سورة طه] وأسند مرةً اخرى إلى نفسه الأعين بالجمع فقال: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) [سورة الطور] فلو ذهبت تفسر كلا من الآيتين على ظاهرها دون أي تأويل لألزمت القرآن بتناقض هو منه بريء.
وتقرأ قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) [سورة طه]
وقوله : (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) [سورة ق]
فإن فسرت الآيتين على ظاهرهما دون أي تأويل إجمالي ألزمت كتاب الله تعالى بالتناقض الواضح .
إذ كيف يكون مستوياُ على عرشه وبدون أي تأويل, ويكون في الوقت نفسه أقرب إليَّ من حبل الوريد بدون أي تأويل
وتقرأ قوله تعالى: (ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور)[سورة الملك] وقوله : (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) [سورة الزخرف]. فلئن فسرتها على ظاهرهما أقحمت التناقض في كتاب الله جلا جلاله كما هو واضح.))
بالوقوف على كتاب ابن فورك نفسه يدهش المرء كثرة ما فيه من التأويلات ,
يقول في كتابه –مشكل الحديث - (( وأما ما كان من نوع الآحاد مما صحت الحجة به من طريق وثاقة النقلة, وعدالة الرواة, واتصال نقلهم, فإن ذلك لم يوجب العلم و القطع فإنه يقتضي غالب ظن و تجويز حكم حتى يصحَّ أن يحكم أنه من باب الجائز الممكن دون المستحيل الممتنع ..)) وهذه الفقرة كافية في إثبات موقف الرجل وهي أن الاحاديث الصحيحة لا تفيد اليقين. وأن غاية إفادتها في ميزان النظر العقلي هي الإمكان و التجويز ومن أجل سد هذ الباب استغل بتأويلها.
ثم يقول بعد هذا : (( وإذا كانت ثمرة ما جرى هذا المجرى من الأخبار ما ذكرناه. فقد حصلت فائدة عظيمة لا يمكن التوصل إليها إلا به, وهذا يقتضي أن يكون الاشتغال بتأويله وإيضاحة وجهة مرتبا على ما يصح ويجوز في أوصافه جل ذكره, محمولاً على الوجه الذي نبينه من غير اقتضاء تشبيه , أو إضافة مالا يليق بالله جل ذكره إليه))
وإيضاح هذا: أن معرفة الله عند الأشاعرة هي معرفة ما يجب له, ومايستحيل عليه,وما يجوز عليه, كل ذلك بطريق العقل. وهو من الأصول العقلية التى التفقت عليها معظم كتبهم إن لم تكن كلها ,وقد ترتبت على هذا القسمة الثلاثية اصول فاسدة, منها :نفي الحكمة عن أفعاله تعالى, واعتبارها جميعاً من قسم الجائز فقط.
وهذه الآحاديث الصحيحة في نظر ابن فورك مع عدم إفادتها اليقين –كما صرح في آخر فصل من الكتاب- تفيد أن مدلولها يقع ضمن الدائرة الثالثة, وهي دائرة التجويز و الإمكان العقلي, لكن يجب أن لا يتعارض مع ما يستحيل على الله وهو التشبيه – كما يتصورونه هم- فهذا وجب تأويلها
وبهذا يظهر أن موقف الأشاعرة من النصوص أصلٌ من أصول المنهج, وأنه يشترك فيه متكلموهم المتأخرون مع المنتسبين للحديث من المتقدمين.
بل إن أبا حامد الغزالي مع أنه رجح معيار الكشف والذوق على معيار العقل , فقد وافقهم على هذا فيقول في –كتابه المنخول- (( كل خبر مما يشير إلى إثبات صفةٍ للباري تعالى يشعر ظاهره بمستحيل في العقل نُظِرَ:
إن تطرق إليه التأويل قُبِلَ و أُوِّلَ
و إن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل ,فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسدد أرباب الألباب ومرشدهم ,فلا يظن به أن يأتي بما يستحيل في العقل ))
ثم ذكر أمثلة لذلك و أوَّلها جميعها وقال : (( والقول الوجيز أن كل مالا تأويل له فهو مردودٌ, وما صحَّ وتطرق إليه التأويل قبل))
أما في كتابه – الاحياء – فقد نصَّ على أن الأخذ من النصوص مدعاة للإضطراب فقال: (( فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع , فلا يستقر له فيها قدم , ولا يتعين له موقف )) وبعد هذا بين ان معيار التأويل هو الذوق ,والكشف كما في كتابه الإحياء.
وقال في المستصفى : (( القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه , وهي أربعة:
الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل , أو نظره , أو الحس و المشاهدة, أو أخبار التواتر, بالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة المذكورة : كمن أخبر عن الجمع بين الضدين , وإحياء الموتى في الحال , وأنا (لعله وأنه بدل وأنا) على جناح نسر, أو في لجة بحر, وما يحس خلافه))
ولذلك بين السنوسي سبب الجنوح إلى التأويل فقال شرح الكبرى: (( ما أخبر الشرع به وكان ظاهره مستحيلاً عند العقل, فإنا نصرفه عن ظاهره المستحيل ...))
وقد سبقهم إلى هذا عبد القادر البغدادي: (( إن روى الراوي ما يُحِيله العقل ولم يحتمل تأويلا صحيحاً فخبر مردودٌ , وإن كان ما رواه الثقة يروع ظاهره في العقول ,ولكن يحتمل تأويلا يوافق قضايا العقل قبلنا روايته و تأولناها على موافقته العقول ))
فاكل متفقون على تحكيم العقل , وأن النصوص لا تفيد اليقين, وأن التأويل مخرجٌ سائغٌ .
اقتباس:
|
ولا بد ههنا من تقرير حقيقة هامة: وهي أنك قد تختلف مع الإيجي في دلالة ظواهر ألفاظ النصوص ، وفي التأويل الإجمالي أو التفصيلي ، ولكنك لا تستطيع بحال من الأحوال أن تقول إنه يقدم العقل على النقل بالمعنى المتبادر إلى الذهن عند هذا الإطلاق ، كما لا تستطيع بحال من الأحوال أن تقول إن مصدر تلقي العقيدة عنده هو العقل بعيداً عن النقل ، بل مصدر العقيدة عنده هو العقل المؤيد بالنقل ، ومن زعم غير ذلك فليأت بالدليل
|
وهذا يظعنا تجت اعتاب مسألة ماهي قيمة النصوص الشرعية عند الأشاعرة؟
فإذا كانت النصوص عندهم لا تفيد اليقين ؟ فما هي الفائدة من البحث فيها؟
بعبارة أخرى ما جدوى الخوض في تلك الظواهر الظنية من حيث أن الأصول العقلية المنضبطة قائمةٌ مقررةٌ و دلالتها يقينية قاطعة
فإذا نظرنا إلى مصنافات القوم في العقيدة تجدك تتصفحه عمداً بحثاُ عن آية ,و تنقيبا عن حديث فلا تجد الإ النزر اليسير بعد تقليب المئتين من الصفحات
وغالب ما يوجد فإنما جاء به في:
- معرض سرد النصوص الظنية الواجبة التأويل
- أو ذكر ضمن أقوال خصومهم
- أو أُرِدَ على سبيل الاستئناس
وإن شئت الأمثلة فانظر:
الشامل و الإرشاد للجويني
وغاية المرام وأصله أبكار الأفهام للآمدي
وأساس التقديس و سائر مؤلفات الرازي الكلامية
والمواقف وشروحه وحواشيها
والمقاصد وحواشيها
والنسفية وشروحها وحواشيها
والعضدية وشؤوحها وحواشيها
والسنوسية وشروحها وحواشيها
.... إلخ
فهل هذا خطأ في التطبيق أم هو عين المنهج؟
يقول الرازي ضمن القانون الكلي الذي سبق إيراده : (( ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا به على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل ))
فالاشتغال بالنصوص أي بتأويلها وصرفها عن حقيقتها , لا بإثباتها و اعتقاد ما فيها ,مسألة تبرع وتنفل
التبرع معلقٌ بالقول بجواز التأويل ,والأصل عدم القول به لأن القواطع كافية في الردِّ
ويقول الجويني: (( إن ما يصح في الصحاح من الآحاد لا يلزم تأويله إلا أن نخوض فيه مسامحين , فإنه إنما يجب تأويل ما لو كان نصّاً لأوجب العلم .))
ويقول ابن فورك في الفصل الختامي من كتابه –مشكل الحديث- عنوانه:
((فصل في الكلام على من قال: إن ما روينا من هذه الأخبار, وذكرنا في أمثال هذه السنة و الأثار مما لا يجب الاشتغال بتأويله وتخريجه ...))
فالأصل هو: فالاشتغال بالنصوص خاص بالمتواتر فقط أما الآحاد فلا جدوى من الخوض فيها.
وتحت ستار التفريق بين الحديث المتواتر والآحاد طعنوا في السنة النبوية كلها
وهنا أجد نفسي مرغما من نقل كلام أئمة الاشاعرة ,وهذا مما يحزن ويتألم له الإنسان
فإنك إذا قرأت كلام الأقدمين منهم والمعاصرين تيقن أنك أمام مدرسة فكرية ومنهج مرسوم وليس شذوذاً من بعضهم كما قد يعتقد.
يقول صاحب –أساس التقديس- بعنوان –كلام كلي في أخبار الآحاد- :
(( الأول:
أن أخبار الآحاد مظنونة ,فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته.
وإنما قلنا : إنها مظنونة, وذلك لانا أجمعنا على أن الرواة ليسوا معصومين.
وكيف والروافض لما اتفقوا على عصمة على رضي الله عنه وحده , فهؤولاء المحدثون كفّروهم (؟؟؟) ,فإذا كان القول بعصمة علي –كرم الله وجهه- يوجب تكفير القائلين بعصمة علي , فكيف يمكنهم عصمة هؤولاء الرواة؟
وإذا لم يكونوا معصومين كان الخطأ عليهم جائزاً, فحينئذ لا يكون صدقهم معلوماً , بل مظنوناً, فثبت أن خبر الواحد مظنون, فوجب أن لا يجوز التمسك به , لقوله عالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاُ) [سورة يونس]
ولقوله تعالى في صفة الكفار (إن يتبعون إلا الظن)[سورة الأنعام]
ولقوله: (ولا تقف ما ليس لك به علم ) [سورة الإسراء]
ولقوله: (وأن تقلوا على الله مالا تعلمون) [سورة البقرة]
فتر العمل بهذه العمومات في فروع الشريعة , لأن المطلوب فيها الظن , فوجب أن يبقى في مسائل الأصول على هذا الأصل.
والعجب من الحشوية أنهم يقولون: الاشتغال بتأويل الآيات المتشابهة غير جائز ,لأن تعيين ذلك التأويل مظنون , والقول بالظن في القرآن لا يجوز, ثم إنهم يتكلمون في ذات الله تعالى وصفاته بأخبار الآحاد, مع أنها في غاية البعد من القطع و اليقين , وإذا لم يجوزوا تفسير ألفاظ القرآن بالطريق المظنون , فلأن يمتنعوا عن الكلام في ذات الحق تعالى و في صفاته بمجرد الروايات الضعيفة أولى
الثاني: أن أجل طبقات الرواة قدراً , وأعلاهم منصبا الصحابة رضي الله عنهم, ثم إنا نعلم أن روايتهم لا تفيد القطع اليقين, والدليل عليه أن هؤولاء المحدثين رووا عنهم أن كل واحد منهم طعن في الآخر , ونسبه إلى ما لا ينبغي (؟؟؟؟؟؟!!!!!!!)
أليس من المشهور أن عمر طعن عن في خالد بن الوليد
,وأن ابن مسعود و أبا ذرٍ كانا يبالغان في الطعن في عثمان ,
ونقل عن عائشة رضي الله عنها - أنها بالغت في الطعن في عثمان.
أليس أن عمر قال في عثمان: إنه يحلف بأقاربه (؟؟؟!!!!!) وقال في طلحة والزبير أشياء أخر تجري هذا المجرى (؟؟؟)
أليس أن عليا –كرم الله وجهه- سمع أبا هريرة يوما أنه كان يقول: أخبرني خليلي ابو القاسم . فقال له علي: متى كان خليلك؟
أليس أن ابن عباس طعن في خبر أبي سعيد في الهرق (كذا في الاصل ولعلها : الهرة ) , وطعن في خبر أبي هريرة في غسل اليدين وقال كيف يصنع طهرا منا.
أليس أن أبا هريرة لما روى : من أصبح جنباً فلا صوم له – طعنوا فيه .
أليس أن ابن عمر لما روى : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه – طعنت عائشة فيه بقوله تعالى : (( ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى) [سورة النعام ]
أليس أنهم طعنوا في خبر فاطمة بنت قيس وقالوا لا ندع كتاب ربنا و سنة نبينا بخبر امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت.
أليس أن عمر طالب أبا موسى الآشعري في خبر الاستئذان بالشاهد و غلظ الآمر عليه.
أليس عليا كان يستحلف الرواة.
أليس أن عليا قال لعمر في بعض المواقع : إن قاربوك فقد غشوك .
واعلم أنك إذا طلعت كتب الحديث وجدت من هذا الباب مالا يعد ولا يحصى (!!!!!)
وإذا ثبت هذا فنقول : الطاعن إن صدق فقد توجه الطعن على المطعون, وإن كذب فقد توجه على الطاعن, فكيف كان فتوجه الطعن لازم
إلا أنا قلنا: إن الله تعالى أثنى على الصحابة رضي الله عنهم في القرآن على سبيل العموم , وذلك يفيد ظن الصدق ,فلهذا الترجح قبلنا روايتهم في فروع الشريعة , أما الكلام في ذات الله تعالى وصفاته فكيف يمكن بناؤه على هذه الرواية الضعيفة (؟؟؟؟)
الثالث:
وهو أنه اشتهر فيما بين الأمة أن جماعة من الملاحدة وضعوا أخباراً منكرة, واحتالوا في ترويجها على المحدثين, والمحدثون لسلامة قلوبهم ما عرفوها, بل قبلوها (؟؟؟؟؟؟)
وأي منكر فوق وصف الله تعالى بما يقدح في الإلهية , ويبطل الربوبية,
فوجب القطع في أمثال هذه الأخبار بأنها موضوعة.
أما البخاري والقشيري (مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح) فهما ما كانا عالمين بالغيوب , بل اجتهدا و احتاطا بقدار طاقتهما , فأما اعتقاد أينهما علما جميع الأصول الواقعة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زماننا فذلك لا يقوله عاقل.
غاية ما في الباب أنا نحسن الظن بهما و بالذين رويا عنهم, إلا أنا إذا شاهدنا خبراً مشتملاً على منكر لا يمكن إسناده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ,قطعنا بأنه من أوضاع الملاحدة , ومن ترويجاتهم على أولئل المحدثين (!!!!!)
الرابع:
أن هؤولاء المحدثين يجرحون الرويات بأقل العلل : أنه كان مائلاً إلى حب عليّ فلا تقبل روايته) , و(كان معبد الجهني يقول بالقدر فلا تقبل روايته )
فما كان فيهم عاقل يقول: إنه وصف الله تعالى بما يبطل إلهيته وربوبيته فلا تقبل روايته (؟؟؟!!!!!) إن هذا من العجائب.
الخامس:
أن الرواة الذين سمعوا هذه الأخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم ما كتبوها عن لفظ الرسول, بل سمعوا شيئا في مجلس , ثم إنهم رووا تلك الأشياء بعد عشرين سنة أو أكثر , ومن سمع شيئا في مجلس مرة واحدةً , ثم رواه بعد العشرين والثلاثين لا يمكنه رواية تلك الألفاظ بأعبائها , وهذا كالمعلوم بالضرورة , وإذا كان الأمر كذلك كان القطع حاصلاً بأن شيئا من هذه الألفاظ ليس من ألفاظ الرسول عليه السلام, بل ليس ذلك إلا من ألفاظ الراوي .
وكيف يقطع أن هذا الراوي سمع مما جرى في ذلك المجلس ؟
فإن من سمع كلاماً في مجلس واحد , ثم إنه ما كتبه وما كرر عليه كل يوم , بل ذكره بعد عشرين سنة أو ثلاثين , فالظاهر أنه نسي منه شيئا كثيرا , أو تشوش عليه نظم الكلام و ترتيبه وتركيبه , ومع هذا الاحتمال فكيف يمكن التمسك به في معرفة ذات الله تعالى وصفاته
واعلم أن هذا الباب كبير الكلام , وأن القدر الذي أوردنا كافٍ في بيان أنه لا يجوز التمسك في أصل الدين بخبر الآحاد . والله أعلم ))
ولست هنا بصدد الرد على هذه الاقوال كما اسلفت إنما الغرض هو بيان مذهب القوم , وإلا فكلام الرازي رحمه الله قد أشتمل على مغالطات واضحة لا تخفى على من درس مبادئ علم المصطلح ,كلامه أشبه بهذيان الرافضة والمستشرقين فلذلك وجب التنبيه على بعض النقاط:
1- لم يفرق بين كلمتي -ظن – و – كذب – والفرق بينهما وبين استعمالهما اللغوي
2- لم يدرك الفرق بين عصمة الأمة في مجمولها أن تكذب على نبيها , وكون أحد بمفرده معصوم.
3- لم يفرق بين تخطئة شخص أو نقده على فعل فعله وبين نسبته إلى الكذب وما هذا الصنيع إلا تدليسا علميا فإن ما نقله من طعن بعض الصحابة في بعض إن صح ليس هو في مقام التصديق و التكذيب في الرواية .
4- لم يفرق بين زيادة الثقة وبين تكذيبه.
فإن هذا الكلام من الرازي رحمه الله وجرأته على الصحابة فهو من المعتدلين في المسألة , ولهذا تجد أكثر الأشاعرة المعاصرين يقولون بنحو كلامه لما فيه من الاعتدال (حرصا منهم على جمع الصف ووحدة الكلمة )
وليت وقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه
قال السنوسي في شرح الكبرى : (( وأما من زعم أن الطريق بدءاً إلى معرفة الحق الكتاب و السنة , ويحرم ما سواهما , فالرد عليه أن حجتيهما لا تعرف إلا بالنظر العقلي , وأيضاً وقعت فيهما ظواهر من اعتقدها على ظاهرها كفر عند جماعة وابتدع ))
وقد أحسن شيخ الإسلام رحمه الله وشفى في الإلزام القاطع الذي ألزم به الشاعرة في – الفتوى الحموية – وتعرض بسبب ذلك للبلاء العظيم منهم على ما هو معروف في سيرته.
قال رحمه الله : (( لئن كان ما يقوله هؤولاء المتكلمون المتكلفون في الاعتقاد الواجب.
وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم , وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دلَّ عليه الكتاب و السنة نصّاً ظاهراً , لقد كان ترك الناس بلا كتاب و لاسنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقرير . بل وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصل الدين .
فإن حقيقة الأمر – على ما يقوله هؤلاء – إنكم يا معشر العباد , لا تطلبوا معرفة الله عزوجل , وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً , لا من لكتاب , ولا من السنة , ولا من طريق سلف الأمة , ولكن انظروا أنتم , فما وجدتموه ستحقا له من الصفات فصفوه به , سواء كان موجودا في الكتاب والسنة , أو لم يكن , وما لم تجده مستحقا له في عقولكم فلا تصفوه به ........
وما نفاه قياس عقولكم فانفوه , وإليه عند التنازع فارجعوا , فإنه الحق الذي تعبدتكم به.
وما كان مذكورا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا , ويثبت ما لم تدركه عقولكم , فأعلموا أني أمتحنكم , لا لتعلموا بتنزيله , ولا لتأخذوا الهدى منه , ولكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة , ووحشي الألفاظ , وغرائب الكلام , أو تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله , مع نفي دلالته على شيء من الصفات))
ولهذا فلا عجب أن ننقل عن معاصر صاحب كبرى اليقينيات سيما وقد اقتبس من كلامه بعض المعاصرين له من بلده مثل وهب غاوجي , وسعيد حوى , ومحمد على الصابوني ,
يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: في إهدائه هذا الكتاب
(( إلى كل حرٍّ يضع عقيدته من وراء عقله.
ويطلق عقله من أسر أرادته..
ويفكر ليختار الذي يريد ..
و لا يريد ليفرض على عقله كيف يفكر ..
أهدى هذا الكتاب ...))
ويقول في مقدمة الطبعة الأولى : (( الحمد لله فاطر السماوات و الأرض , خلق الإنسان و شرفه بحمل أمانة العقل ... أرسل الرسل و الأنبياء يتوالون مع الزمن في كل أمة و بقعة و محيط : أن ذكّروا الناس بما أوليته من أمانة العقل, وما رفعته إليه من شرف السيادة و الرياسة في الكون ....
سبحانه جعل العلم بمكنونات خلقه هو السبيل إلى الإيمان بوجوده , وجعل مقاليد العلم بذلك إلى سلطان العقل وحده ..))
وتستمر المقدمة في تمجيد العقل إلى أن قال:
(( وإنه لجديرٌ بمن كانت حياته قطاراً يمر به دون هدوءٍ إلى الموت , أن يبحث في تلك النهاية الغامضة و ما وراءها , وما يتعلق بها بحثا متجرداً , لا يقوم إلا على هدى العقل حده ...))
ولا أريد أن أنقل جميع الكتاب بل أكتفي بما هو بيت القصيد في مسألة الأخذ بخبر الآحاد في العقائد
فيقول: (( فأما الظني من الخبر الصحيح , فلا يعتدُ به في الحكم الإسلامي في بناء العقيدة , لأنه إنما يفيد الظن , ولقد نهى القرآن الكريم في مجال البحث عن العقيدة عن اتباع الظن كما رأيت ,ولكن تعتد به في نطاق الأحكام العملية ...
غير أن اليقين من الخبر الصحيح – وهوما يسمى بالخبر المتواتر - هو وحده الذي يعتد به في بناء العقيدة والمدركات اليقينية , بمعنى أن الإنسان لا يجبر على الاعتقاد بشيء خبري إلا إذا كان قائما على برهان التواتر , فإن كان دليله خبر آحاد كان اليقين به عائدا إلى القناعة الشخصية التى يراها من نفسه ))
فسبحان الله , من تحكيم العقل إلى تحكيم الذوق والكشف إلى تحكيم القناعة الشخصية
مقتضى هذا الكلام أننا إذا أتينا لأحد بحديث مروي بالسلسلة الذهبية في الصحيحين , فقال لنا : إن قناعتعي الشخصية ترفض الإيمان به , فإني رجل مفكر حرٌ , اضع عقيدتي من وراء عقلي ,
فعلى هذا كل الأحاديث الأحاد الموجود في الصحيحين تردها القناعات الشخصية عند فحول المفكرين في هذا العصر
اللهم إننا نضع عقولنا وراء وحيك , ولا نقدم بين يديك ويدي رسولك
وختاماً أخي الحبيب , هذه كتب القوم منثورة و متوفرة وتقرر أن العقل وحده هو العمدة في العقائد ,العقليات والسمعيات على حد السواء
والسمعيات المثبتة مقيدة ومشروطة بعدم وجود المعارض العقلي
كما تقرر من كتب القوم فقولك :
اقتباس:
|
كما لا تستطيع بحال من الأحوال أن تقول إن مصدر تلقي العقيدة عنده هو العقل بعيداً عن النقل ، بل مصدر العقيدة عنده هو العقل المؤيد بالنقل ، ومن زعم غير ذلك فليأت بالدليل
|
كلامٌ لا يوافق ما في كتب الأشاعرة فالرجاء مطالعة الكتب , فهي متوفرة حتى تقف على حقيقة أقوالهم , ومعي نسخ إلكترونية منها
إن كثيراً من الناس يظن أن الآشاعرة يحكمون العقل فقط في المسائل العقليات, أما في السمعيات فالكثير يظن أنهم سلموا فيها النصوص,
ولكن عبارتهن تبين بوضح أنهم أثبتوا ما أثبتوا بشرطين
1- أن الصادق أخبر بها
1- أن العقل لم يحكم باستحالتها
فهو تصدق النص مشروطاً بعدم جنس لا ضابط له (لان العقول تختلف ), و ما كان مشروطاً بما لا ينضبط لم ينضبط , فلا يبقى مع هذا أصل أيمان.
وأظن أن في هذا القدر كفاية في هذه المرحلة من النقاش
والله المستعان
التعديل الأخير تم بواسطة netmaster ; 21-02-2009 الساعة 11:25 PM