الترحيب بالنظام الدستوري والنيابي
19-12-2008, 06:11 PM
الترحيب بالنظام الدستوري والنيابي

من الدعائم أو المعالم التي قامت عليها التربية السياسية عند حسن البنا: هي توعية الإخوان بتحديد الموقف من النظام الدستوري أو النيابي بصفة عامة، ومن الدستور المصري بصفة خاصة.

فقد يقع في وهم بعض الناس، وبعض الإخوان: أنهم -حين يعلنون ويهتفون: القرآن دستورنا- يرفضون أي دستور وضعي أو بشري، يضعه الناس لأنفسهم ويتفقون عليه.

ولكن الواقع أن المقصود المفهوم من شعار (القرآن دستورنا): أنه هو المرجع الأعلى، الذي نردُّ إليه كل أمورنا، فلا يُقبل أي شيء منها إذا عارض القرآن. فهو الذي يعلو ولا يعلى عليه، ويَحكم ولا يُحكم عليه.

أما أن يضع المسلمون لأنفسهم نظاما أو دستورا ينظم العلاقات الأساسية بين الأمة والدولة، أو بين الحاكم والمحكوم، ويبين الحقوق، ويفصِّل الحريات، ويحدِّد الواجبات، ويوزِّع السلطات، ويضع النقاط على الحروف بالنسبة لنظام الحكم وعلاقاته الداخلية والخارجية، فلا يمنع الإسلام من ذلك، بشرط واحد، وهو: ألا يتعارض مع عقائد الإسلام البيِّنة، وشرائعه المُحكمة، وقِيَمه الموجِّهَة، وأن يسير في ضوء تعاليمه. ولا مانع أن يقتبس من الأمم الأخرى في إطار هذا التوجُّه، فـ"الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها"[1].

ولهذا لم يعترض علماء الإسلام في أي بلد مسلم على فكرة الدستور في حدِّ ذاتها، ولكن قد يعترضون على بعض ما يشتمل عليه الدستور من مواد مخالفة للنصوص والقواعد الإسلامية الثابتة، أو لقصوره أو تقصيره عن النص على أشياء لا بد منها، مثل أن يكون الإسلام هو مصدر التشريع أو المصدر الأساسي للتشريع.

أو غموض بعض المواد في الدستور، بحيث يفسرها كل فريق بما يخدم أغراضه، ويتفق مع هواه.

كل ما يعترض عليه الأستاذ والإخوان: أن يعتبر بعض الناس الدستور -وهو عمل بشري أولا وأخيرا- نصًّا مقدسًا لا يقبل التغيير ولا التعديل، حتى إن بعض المتعصبين للدستور -ردًّا على مقولة الإخوان: القرآن دستورنا- قال: بل الدستور قرآننا!!

ولا ينبغي الوصول بنصٍّ بشري مهما بلغت قيمته ودقته إلى هذه الرتبة من التقديس، كما لا يجوز العبث بالدساتير المحترمة، وتغييرها بسهولة، اتباعًا للأهواء، أو تحقيقًا لغرض معين، مثل: تغيير سِنِّ رئيس الدولة، أو مُدد رئاسة الجمهورية، ونحو ذلك، وبهذا يصبح الدستور مَلْعَبة للحكام المستبدين، وليس ضابطًا لهم.

حسن البنا يؤيد النظام الدستوري وينوِّه بالدستور المصري:

ولكن المهم هنا: أن الإمام البنا رحمه الله، كان يؤيد النظام الدستوري والنيابي بصراحة، ويرحِّب به، ويراه أقرب الأنظمة إلى الإسلام، ومن المعلوم أن النظام النيابي الدستوري يأخذ برأي الأغلبية. ويتحدث عن الدستور حديث الأنصار لا الخصوم، قال ذلك في رسالة (المؤتمر الخامس) سنة 1936م، وفي رسالة (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي) سنة 1948م.

ففي رسالة (المؤتمر الخامس) التي حدَّد فيها بجلاء موقف جماعة الإخوان من كثير من القضايا الحساسة، الفكرية والسياسية وغيرها، حدَّد موقف الإخوان من (الدستور) ومن (القانون)، مفرقًا بينهما بوضوح، وهو أن (الدستور): هو نظام الحكم العام الذي ينظم حدود السلطات، وواجبات الحاكمين، ومدى صلتهم بالمحكومين. أما (القانون) فهو الذي ينظم صلة الأفراد بعضهم ببعض، ويحمى حقوقهم الأدبية والمادية، ويحاسبهم على ما يأتون من أعمال.

ثم بيَّن الموقف من كل منهما قائلا:

(الواقع أيها الإخوان: أن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم.

ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون: أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر.

بقي بعد ذلك أمران:

أولهما: النصوص التي تصاغ في قالبها هذه المبادئ.

وثانيهما: طريقة التطبيق التي تفسر بها عمليًا هذه النصوص. إن المبدأ السليم القويم قد يوضع في نص مبهم غامض، فيَدَع مجالا للعبث بسلامة المبدأ في ذاته. وإن النص الظاهر الواضح للمبدأ السليم القويم، قد يطبق وينفذ بطريقة يمليها الهوى، وتوحيها الشهوات، فيذهب هذا التطبيق بكل ما يرجى من فائدة.

وإذا تقرَّر هذا فإن من نصوص الدستور المصري ما يراه الإخوان المسلمون غامضًا، مبهمًا يَدَع مجالاً واسعًا للتأويل والتفسير الذي تمليه الغايات والأهواء، فهي في حاجة إلى وضوح وإلى تحديد وبيان. هذه واحدة، والثانية: هي أن طريقة التنفيذ التي يطبق بها الدستور، ويتوصل بها إلى جَني ثمرات الحكم الدستوري في مصر، طريقة أثبتت التجارب فشلها، وجنت الأمة منها الأضرار لا المنافع، فهي في حاجة شديدة إلى تحوير وإلى تعديل يحقق المقصود ويفي بالغاية ...)

وضرب مثلا لذلك بـ(قانون الانتخاب) وما فيه من ثغرات يجب سدُّها، وما يعتريه من سوء التطبيق.

ثم قال:

(لهذا يعمل الإخوان المسلمون جهدهم حتى تحدد النصوص المُبهمة في الدستور المصري، وتُعدل الطريقة التي ينفذ بها هذا الدستور في البلاد. وأظن أن موقف الإخوان قد وضح بهذا البيان، ورُدت الأمور إلى نصابها الصحيح).

حسن البنا يبين موقف الإخوان من القانون:

ثم قال حسن البنا:

(قدمت أن الدستور شيء والقانون شيء آخر، وقد أَبَنْتُ موقف الإخوان من الدستور، وأبين لحضراتكم الآن موقفهم من القانون.

إن الإسلام لم يجئ خلوًا من القوانين، بل هو قد أوضح كثيرًا من أصول التشريع وجزئيات الأحكام، سواء أكانت مادية أم جنائية، تجارية أم دولية، والقرآن والأحاديث فيَّاضة بهذه المعاني، وكتب الفقهاء غنية كل الغنى بكل هذه النواحي، وقد اعترف الأجانب أنفسهم بهذه الحقيقة، وأقرها مؤتمر لاهاي الدولي أمام ممثلي الأمم من رجال القانون في العالم كله.

فمن غير المفهوم ولا المعقول أن يكون القانون في أمة إسلامية متناقضًا مع تعاليم دينها وأحكام قرآنها وسنة نبيها، مصطدمًا كل الاصطدام بما جاء عن الله ورسوله، وقد حذَّر الله نبيه من ذلك من قبل، فقال تبارك وتعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:49،50]، ذلك بعد قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ... الظَّالِمُونَ ... الْفَاسِقُونَ [المائدة:44،45،47]، فكيف يكون موقف المسلم الذي يؤمن بالله وكلماته إذا سمع هذه الآيات البينات وغيرها من الأحاديث والأحكام، ثم رأى نفسه محكومًا بقانون يصطدم معها؟ فإذا طالب بالتعديل قيل له: إن الأجانب لا يرضون بهذا، ولا يوافقون عليه، ثم يقال بعد هذا الحَجْر والتضييق: إن المصريين مستقلون، وهم لم يملكوا بعد أن يتمتعوا بحرية الدِّين، وهي أقدس الحريات!!

على أن هذه القوانين الوضعية كما تصطدم بالدِّين ونصوصه تصطدم بالدستور الوضعي نفسه، الذي يقرر: أن دين الدولة هو الإسلام، فكيف نوفِّق بين هذين يا أولى الألباب؟

وإذا كان الله ورسوله قد حرم الزنى، وحَظَر الربا، ومنع الخمور، وحارب الميسر، وجاء القانون يحمى الزانية والزاني، ويلزم بالربا، ويبيح الخمر، وينظم القمار، فكيف يكون موقف المسلم بينهما؟ أيطيع الله ورسوله ويعصى الحكومة وقانونها، والله خير وأبقى؟ أم يعصى الله ورسوله ويطيع الحكومة، فيشقى في الآخرة والأولى؟ نريد الجواب على هذا من رفعة رئيس الحكومة ومعالي وزير العدل ومن علمائنا الفضلاء الأجلاء.

أما الإخوان المسلمون فهم لا يوافقون على هذا القانون أبدًا، ولا يرضونه بحال، وسيعملون بكل سبيل على أن يحلَّ مكانه التشريع الإسلامي العادل الفاضل في نواحي القانون)[2].

تأكيد ما قاله في سنة 1936م بما قاله سنة 1948م:

ثم عاد الإمام البنا رحمه الله إلى الموضوع مرة أخرى حين كتب سلسلة من المقالات في جريدة الإخوان اليومية، وجَّهها إلى رئيس الحكومة باعتباره المسؤول الأول ... وإلى أعضاء الهيئات النيابية -على اختلافها- باعتبارهم الرعاة الرسميين لنظام الإسلام ... وإلى رؤساء الهيئات الشعبية: السياسية والوطنية والاجتماعية، باعتبارهم قادة الفكر، وموجِّهي الجماهير ... وإلى رجال الأزهر الشريف، وإلى كل محب لخير العالم، وسيادة بني الإنسان. وقد جمعت هذه المقالات بعد ذلك ونشرت تحت عنوان (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي).

وهنا تحدث البنا عن (موقف الإسلام من النظام النيابي والدستور المصري) في إطار حديثه عن (نظام الحكم في الإسلام) فكان مما قاله هنا:

(يقول علماء الفقه الدستوري: إن النظام النيابي يقوم على مسؤولية الحاكم، وسلطة الأمة، واحترام إرادتها، وإنه لا مانع فيه يمنع من وحدة الأمة واجتماع كلمتها، وليست الفُرقة والخلاف شرطًا فيه، وإن كان بعضهم يقول: إن من دعائم النظام النيابي البرلماني: الحزبية, ولكن هذا إذا كان عرفًا فليس أصلاً في قيام هذا النظام، لأنه يمكن تطبيقه بدون هذه الحزبية، وبدون إخلال بقواعده الأصلية.

وعلى هذا، فليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيدًا عن النظام الإسلامي ولا غريبًا عنه.

وبهذا الاعتبار يمكن أيضًا أن نقول في اطمئنان: إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة من النظام الإسلامي ولا غريبة عنه، بل إن واضعي الدستور المصري -رغم أنهم وضعوه على أحدث المبادئ والآراء الدستورية وأرقاها- فقد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معها صراحة، كالنص الذي يقول: (دين الدولة الإسلام) أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى معها كالنص الذي يقول: (حرية الاعتقاد مكفولة)).

وأكدَّ ما ذكره من قبل:

(أن النظام النيابي والدستور المصري في قواعدهما الأساسية لا يتنافيان مع ما وضعه الإسلام في نظام الحكم، ولكنه صرَّح بأن هناك قصورًا في عبارات الدستور، وسوءا في التطبيق، وتقصيرًا في حماية القواعد الأساسية التي جاء بها الإسلام وقام عليها الدستور، أدَّت جميعاً إلى ما نشكو منه، وما وقعنا فيه من اضطراب في كل هذه الحياة النيابية)[3].

وقد فصَّل بعض التفصيل في بيان ذلك وعلاجه، بما لا حاجة لنا إليه في هذا المقام[4]، إنما نريد بيان موقفه من النظام الدستوري والنيابي، وهما من مقومات الديمقراطية، وإن لم يذكر الديمقراطية بصراحة في حديثه.

التباس موضوع الديمقراطية على بعض الإخوان:

ومع وضوح موقف الإمام البنا من الدستور والنظام النيابي المنبثق عن الديمقراطية: ظلَّ موضوع الديمقراطية مُلتبسا على كثير من الإخوان؛ لأنَّ الأستاذ لم يذكر الديمقراطية صراحة. ولكنه نوَّه بأمور هي من لوازمها، بل من مكوناتها، مثل (الدستور) و(النظام النيابي).

بل نقلوا عنه: أنه كان يرى أن الشورى مُعلمة، وليست مُلزمة، وهذا ضد الديمقراطية: فعلى الحاكم أن يستشير أهل الحل والعقد، ولكن ليس عليه أن يلتزم برأيهم، أو برأي أكثريتهم.

وقد قال في الأصل الخامس من الأصول العشرين: (ورأي الإمام -أو نائبه- فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوهًا عدة، وفي المصالح المرسلة: معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات، والأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وفي العاديات الالتفات إلى الأسرار والحكم والمقاصد)[5].

وقد شرحت هذا الأصل بتفصيل وتوسع في الجزء الرابع من سلسلة (نحو وحدة فكرية للعاملين للإسلام)[6].

وكلام الأستاذ البنا هنا يوحي بأن الأصل العمل برأي الإمام أو الحاكم، وإن كان مخالفا لرأي أهل الشورى أو أهل الحلِّ والعقد، وإن لم يصرِّح الأستاذ بذلك، وإنما هو مستنبط من كلامه.

وهذا -للأسف- رأي كثير من كبار الدعاة مثل: الإمام أبي الأعلى المودودي في باكستان، والإمام محمد متولي الشعراوي في مصر.

وقد رددنا على هذا الرأي في كثير من كتبنا[7].



--------------------------------------------------------------------------------

[1]- رواه الترمذي في العلم (2687) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن ماجه في الزهد (4169) عن أبي هريرة، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (506). ولكن معناه صحيح بالإجماع.

[2]- من رسالة (المؤتمر الخامس) صـ 138 – 140 من مجموع رسائل الإمام الشهيد.

[3]- انظر: رسالة (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي) صـ 321 وما بعدها، من مجموع رسائل الإمام الشهيد.

[4]- بيَّن الأستاذ هنا مدى مسؤولية رئيس الدولة ومسؤولية الحكومة أو الوزارة، على ما عُرف في النظام البرلماني، أو الملكي الدستوري الذي يجعل المسؤول الأول هو الحكومة، ولا يحاسب الملك أو الرئيس على شيء مما يجري في السلطة، أو النظام الرئاسي الذي يكون الرئيس هو المسؤول الأول عن سياسة الحكم، والوزراء إنما هم معاونون له (كما هو المعمول به في الولايات المتحدة). وأشار الأستاذ إلى أن الفقه الإسلامي قد تضمن ذلك فيما ذكره الماوردي في (الأحكام السلطانية) من وزارة التفويض، ووزارة التنفيذ. إلخ.

[5]- رسالة (التعاليم) صـ357 من مجموعة رسائل الإمام.

[6]- انظر: كتابنا (السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها) نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، ومؤسسة الرسالة بيروت.

[7]- مثل كتابنا (الحل الإسلامي فريضة وضرورة) صـ196- 198، وكتابنا (الإسلام والعلمانية) صـ120 - 123 وكتابنا (من فقه الدولة في الإسلام) صـ146.

****** ***** ******
اللهم احفظ شباب المسلمين من الفتنة والفرقة


******* ******* *******