من أم درمان إلى أم دربان.. بقلم عزالدين ميهوبي
10-06-2010, 10:56 PM
أقولها.. ولا أمشي
من أم درمان إلى أم دربان
من أم درمان إلى أم دربان
عز الدين ميهوبي
لا يختلف اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو مائة أو ألف أو أكثر أن تأهل محاربي الصحراء في أم درمان إلى نهائيات كأس العالم جاء بفعل الحماس الكبير، والرغبة الجامحة لدى اللاعبين للذهاب إلى جنوب إفريقيا، وبالتالي فإن الروح نفسها هي التي يمكن أن تكون حافزا لضمان الفوز أمام سلوفينيا.هذه قناعة كل الجزائريين والجزائريات، وكذا كل مشجعي ومناصري رفاق زياني في مغامرتهم المونديالية.
صديقي الذي تعد علاقته بكرة القدم كعلاقتي ببقعة النفط في خليج المكسيك؛ همس في أذني أثناء جلسة تشعب الحديث فيها حول الخطة التي سيلعب بها سعدان مبارياته ضد سلوفينيا، وانجلترا، والولايات المتحدة، قائلا: "لا أفهم لماذا ترهقون أنفسكم منذ ساعتين في فك شفرة الخطة التي سيلعب بها الناخب الوطني رابح سعدان، فبعضكم يرجح خطة 2-5-3 لأنها تتيح للهجوم اللعب بفعالية أكثر بدعم من الدفاع، وبعضكم يرى أن الأفضل هو خطة 2-4-4 لأنها تضمن التوازن بين خطي الدفاع والوسط وتؤمن للهجوم قدرا من الحيوية، بينما يرى آخرون أن خطة 1-2-3-4 هي أفضل أسلوب لضمان إقامة حواجز تمنع الخصوم من الوصول إلى مرمى شاوشي، والمبادرة بالهجمات العكسية.
إنني لا أسمع سوى أرقام متبادلة المواقع، بينما -نحن الجزائريين- لا نحسن اللعب بالحساب الفلكي، ولا بالخطط التي وضعها خبراء الكرة في العالم، وهي لا تختلف عن خبراء الأرصاد الجوية، أو حتى علماء الاقتصاد في البلدان العربية، كل حساباتهم تسقط في الماء، لأنها لا تراعي نفسية ومزاج العربي في أي موقع كان.
والخطة الأفضل في رأيي أن يعتمد سعدان ومحاربوه الخطة التي لم يعتمدها كوفاكس صاحب الكرة الشاملة، ولا مورينيو صاحب الحواجز المتحركة، ولا جارديولا صاحب خطة الأخطبوط. لا بديل عن خطة "مت واقفا" التي اشتهر بها الجزائريون أيام الثورة التحريرية، وعدم التراجع أو الخوف، واللعب باستماتة عالية؛ لأن الأمر يتعلق بتسعين دقيقة وليس بتسعين سنة، رغم أن الجزائريين قاوموا أكثر من مائة وثلاثين سنة لينتصروا في النهاية.
فالسلوفينيون يحتفظون بالغموض الذي يميز مشاركتهم باعتبارهم غير معروفين، وبالتالي هم بمثابة الحصان الأسود للمجموعة، ويمكنهم أن يحدثوا مفاجأة كالتي فعلها الجزائريون في عام 1982 حين هزموا الألمان والشيليين لتقصيهم مؤامرة الأخوين الجرمانيين في وضح النهار.
أما الأمريكان فيأتون لتأكيد تفوق كرتهم في السنوات الأخيرة، وإقناع العالم بأنهم ليسوا أمة البيسبول، بل إنهم تعلموا في نهاية السبعينيات أبجديات الكرة من بيليه وبيكنباور، ووصلوا اليوم إلى الحد الذي يجعل بيكام يفشل في جالاكسي ويغادر إلى إيطاليا.
وأما الإنجليز فلا يرون أنفسهم أقل من أبطال العالم، ممتلئين غرورا، وكل المأساة إذا انهار المعبد بمن فيه، ماذا يفعل كابيللو؟ وأين يهرب روني؟ وخاصة إذا حدث للإنجليز ما حدث للألمان قبل 28 عاما.
من يلعب بخطة "مت واقفا" لا أعتقد أنه سيضع في الحسبان منافسه، لأن حسابه الأول هو عدم الخسارة، ورهانه الثاني تحقيق الفوز، وليقل محللو الاستديوهات ما أرادوا بعد ذلك، فهذه الخطة، وضعها أناس شعارهم "ممنوع الفشل" وهي الوصفة التي استخدمها محاربو الصحراء في أم دربان، وسيستخدمونها في أم دربان.
وكنت تحدثت إلى الحاج محمد روراوة بعد استقباله المنتخبَ في مدينة دربان التي يمكنها أن تكون فأل خير على سعدان ومحاربيه، باعتبار أن المدينة تقطنها غالبية مسلمة، والجزائر هي البلد الوحيد الممثل للعرب والمسلمين في هذا المونديال، وهذا يعني أنها ستستفيد من دعم معنوي كبير، وقال لي روراوة إنه لم يطلب من اللاعبين أكثر من أن يكونوا في مستوى تمثيلهم لوطنهم ولأمتهم العربية والإسلامية، وكذا تشريفهم للكرة الإفريقية في المونديال الإفريقي الأول، وقال لهم "أمتعوا واستمتعوا" وفي ذلك رسالة قوية، هي أن يمتعوا الجماهير بما يمتلكون من مهارات وهم من الموهوبين، وهذا لا يكون على حساب نتيجة المباريات، أي أن المقاومة والبحث عن الفوز هو الكفيل بتحقيقه المتعة الذاتية والجماعية، وإسعاد الملايين من عشاق المحاربين، وأن يستمتعوا بأن يشعروا أنهم يوقعون أسماءهم في سجل تاريخ كأس العالم، وهذه مسؤولية أخرى يترتب عليها اللعب بخطة "مت واقفا" وكفى.
هذا ما كان من أمر خطة "مت واقفا" التي لم تبتدع في مخابر الإنجليز أو الطليان أو الألمان، لكنها طلعت من مخابر الثورة التي لم تؤمن بغير النصر، وأما ما كان من أمر بعض المدربين والمحللين الجزائريين خاصة لمجموعة الجزائر، فإنني لم أقرأ تحاليل مبنية على معطيات ما هو متاح من قدرات بشرية، أي للاعبين الموجودين حاليا في منتخب الجزائر، وإنما بإعادة فتح سجل اللاعبين الذين كان على سعدان توجيه الدعوة إليهم وهم من المحليين، أرى أن الأمر لم يكن متعلقا بقراءة واقع المجموعة، ولكن توجيه نقد صريح لاختيارات المدرب، وهي في النهاية لا تقبل القسمة على اثنين.
وخشية هؤلاء المدربين كبيرة في أن نخرج من الدور الأول بيد فارغة، وأخرى لا شيء فيها، وكذا الخوف من أن يتكرر سيناريو مكسيكو 1986 حين واجه سعدان كثيرا من المشاكل الداخلية، والسؤال هو كيف يكون موقف هؤلاء المدربين الذين أثبت كثير منهم محدوديته على مستوى الدوري المحلي فكيف بالدولي، إذا ما نجحت خطة سعدان وحقق ما لم يكن في الحسبان، ويكون منصوري وصايفي وغزال أبطال تلك الإنجازات؟.
أنا أود أن أهمس في آذان هؤلاء الخبراء، ولست خبيرا في المجال لأنني من جماعة مت واقفا "هل يمكن أن نبني قراءاتنا على المباريات البيضاء.. فلننتظر المواجهات السوداء لتكتمل الصورة". وفي أم دربان يكرم المرء أو يهان.
اللهمَّ لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، لك الحمد عدد الكائنات، وملء الأرض والسموات.










.gif)

