الاموال العربية في الغرب
05-02-2012, 10:54 PM
في وقت تسعى فيه الدول العربية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية من الخارج لتدعيم اقتصادياتها ومحاولة الصمود أمام تحديات العولمة التي تعصف بالدول النامية، وفي الوقت الذي بلغت فيه ديون الدول العربية إلى (560) مليار دولار ما بين خارجية وداخلية نجد أن الاستثمارات العربية في الخارج تتراوح ما بين (800 و2400) مليار دولار، الأمر الذي يثير أكثر من علامة استفهام: لماذا هاجرت هذه الأموال؟ وكيف يمكن استعادتها؟ وما مستقبلها؟ وما حجم هذه الأموال؟ وهل ستعود هذه الأموال مرة أخرى إلى موطنها الأصلي أم ستظل حبيسة في بلاد الغربة؟
وقد فتحت أزمة 11 سبتمبر وما أعقبها من حرب الإرهاب الأمريكية، وتدهور الاقتصاد العالمي الباب أمام التفكير في عودة الأموال العربية المهاجرة، خصوصاً في أعقاب التضييق على الاستثمارات العربية في الدول الغربية والمخاوف من تجميد أرصدة بدعوى مساندة أصحابها للإرهاب، ولكن ما يثير الاستغراب هو عدم انسحاب رؤوس الأموال العربية من الولايات المتحدة والدول الغربية، مما يؤشر إلى عمق أزمة الثقة التي يعيشها الأثرياء العرب من جدوى الاستثمار في الوطن العربي أو من جدوى الاصلاحات الاقتصادية التي يشهدها، أو إلى عدم معرفتهم حقيقة بفرص الاستثمار الكبيرة المتاحة في مختلف المجالات، والتي لا تلاقي الترويج اللازم لها، كما يجيد الأمريكيون الترويج لمشاريعهم لاستقطاب رؤوس الأموال من مختلف دول العالم.
وعلى الرغم من أنه طوال العقود الماضية ومع كل ضربة كانت تتعرض لها الاستثمارات العربية في البورصات العالمية كان الحديث يكثر حول ضرورة عودة (الأموال الهائمة) في الخارج (أزمات داو جونز، وناسداك، وأزمة الاقتصاديات الآسيوية عام 1998، وأخيراً أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعها من تفجيرات إرهابية في بعض الدول الغربية)، فإنه سرعان ما كانت تخفت أصوات المنادين بعودة الأموال العربية ما إن تتلاشى هذه الأزمات، وتعود الأمور إلى طبيعتها.
قدر مجلس الغرف التجارية الصناعية السعودية في تقرير له حجم الأموال الخليجية المهاجرة في الخارج بنحو (1.4) تريليون دولار، فقدرت إجمالي الأموال السعودية المهاجرة بنحو (750) مليار دولار، منها حوالي (450) مليار دولار تستثمر في الولايات المتحدة، و(255) مليار دولار في أوروبا، فيما لم تحصل بقية دول العالم إلاّ (75) مليار فقط من بينها (16) مليار دولار في إمارة دبي، وكانت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار في الكويت قد ذكرت في تقرير لها أواخر العام 2004 أن حجم الثروات العربية في الخارج بلغ نحو (1.4) تريليون دولار، كان نصيب دول مجلس التعاون الخليجي من هذه الثروات يتراوح بين (800) مليار وتريليون دولار، بينما قدر الدكتور (أحمد جويلى) الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية حجم الأموال العربية في الخارج بنحو(2400) مليار دولار في لقاء له مع لجنة الشؤون العربية في البرلمان المصري.
وفي محاولة من دول الخليج لجذب الاستثمار إلى منطقتها خاصة بعد أن أكدت البيانات أن نحو مليار دولار قد حُوّلت من الدول الخليجية إلى الخارج في الفترة بين 1975 إلى 2002، بدأت بعض هذه الدول مثل البحرين والكويت بمنح الإقامة الدائمة للوافدين المستثمرين، في حين فتحت الإمارات باب الاستثمار للأجانب في مجال العقارات والمصانع.
هناك العديد من الصعوبات والمعوقات التي تواجه المستثمرين في الدول العربية، مما يدفعهم إلى الاستثمار في الدول الغربية أهمها:
- الإجراءات القانونية والإدارية في الدول العربية: والتي تتمثل في كثرة القوانين وتضاربها، وعدم وجود تشريعات لحماية رأس المال المستثمر، وعدم الالتزام بالاتفاقيات المعقودة مع المستثمر، وعدم استقرار قوانين الاستثمار، بالإضافة إلى الإجراءات الإدارية المعقدة مثل البيروقراطية، والروتين، ونقص الخبرات، والكوادر الفنية المتخصصة، وعدم وجود أنظمة معلومات متطورة، وعدم الدقة في البيانات والمعلومات.
- افتقاد البنية التحتية : تفتقد العديد من الدول العربية البنية التحتية اللازمة للاستثمار من كهرباء ومياه وطرق مرصوفة وجسور وأسطول للنقل البحري والجوي..، ففي مجال المياه والكهرباء تحتاج الدول العربية إلى (50) مليار دولار بنية تحتية، وفي مجال الاتصالات تحتاج إلى (90) مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة حتى تكون قادرة على جذب الاستثمارات الخارجية.
وتمثل عملية النقل واحدة من أهم معوقات الاستثمار، فإلى الآن لا توجد لدى الدول العربية أساطيل من طائرات النقل والشحن الجوي، مما يضطر المستثمر إلى تصدير منتجاته إما في طائرات مدنية أو عن طريق التنسيق الفردي فيما بينهم لحجز مساحات في إحدى الطائرات الكبيرة لنقل منتجاتهم إلى الأسواق الخارجية لتقليل النفقات.
- الاستقرار الاقتصادي والسياسي: إن المؤشرات الاقتصادية لمناخ الاستثمار في الدول العربية قد فشلت في أن تكون إيجابيه بصورة شاملة، ويرجع هذا الخلل إلى العديد من الأسباب منها ضعف التقدم التكنولوجي، وضعف أدوات ومجالات الاستثمار فيها، إضافة إلى عدم توافر الخدمات الأساسية من طرق، ونقل، ومواصلات، واتصالات، وموانئ ... هذا إلى جانب محدودية السوق المحلي وتدهور سعر صرف العملة الوطنية.
- افتقاد الشفافية: يشعر المستثمرون العرب بحاجتهم إلى الشفافية ووضوح الرؤية لدى الحكومات العربية، خاصة فيما يتعلق بالسياسيات الاجتماعية والاقتصادية وقوانين العمل.
والمقصود بالشفافية هنا هو الشعور بأن التنافس الشريف ونظافة الإجراءات وعدم اللجوء إلى التحايل والرشوة واستغلال النفوذ هي السبيل لخروج المشروع الاستثماري إلى الوجود وظهور نتائجه الاقتصادية.
- افتقاد السياسات النقدية: ومن المعوقات الأخرى التي تقف حائلاً أمام عودة الاستثمارات العربية في الخارج السياسات النقدية في العديد من الدول العربية والتي تحتاج إلى إعادة نظر، خاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ إن ارتفاع أسعار الفائدة يتسبب في ارتفاع تكلفة التشغيل، والحد من التوسعات المستقبلية.
- العوائد المتوقعة على الاستثمار: فقد أكدت إحدى الدراسات العربية على أن العائد المتوقع في الدول الأجنبية يعادل ثلاثة أضعاف ونصف العائد في الدول العربية، مما يؤدي إلى تحفيز هجرة الاستثمارات العربية خارج المنطقة العربية، أما بالنسبة لدرجة المخاطرة المتوقعة في كل الدول العربية والدول الأجنبية فيظهر أن درجة المخاطرة في الدول الأجنبية تساوي (1.7) مرة عما هي عليه في الدول العربية، ويرجع ذلك لتزايد نسبة الاستثمارات العربية في الأوراق المالية المتداولة في أسواق رأس المال في الدول الأوروبية والأمريكية.
لكن على الرغم من ذلك كله لا تزال الفجوة واسعة في معظم البلاد العربية بين توفير البيئة الناجحة للاستثمار وبين الواقع القائم الذي لم يشجع حتى الآن رؤوس الأموال العربية على العودة، فكيف باستقطاب الأموال الاجنبية، وربما كان الافتقاد إلى تشريعات تضمن حرية انتقال رؤوس الأموال بين البلاد العربية وتسوية النزاعات في حال نشوبها بين المستثمرين والدول المضيفة للاستثمار يعتبر عنصراً حاسماً في هذا المجال.
إذ إن اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية التي وافق عليها مجلس الوحدة الاقتصادية العربية عام 2000 لم يصدق عليها حتى عام 2002 سوى ثلاث دول عربية هي الأردن ومصر السودان، أما اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار في الدول العربية فلم يكن قد وافق عليها حتى نفس التاريخ سوى الأردن.
وتُعدّ السعودية في طليعة الدول العربية التي تصدر الاستثمارات للعالم العربي، وفي نفس الوقت في طليعة الدول العربية التي تستضيف استثمارات عربية؛ إذ صدرت للعالم العربي عام 2002 استثمارات بقيمة (882) مليون دولار، واستضافت استثمارات عربية بقيمة (717) مليون دولار.
ويأتي لبنان في المرتبة الثانية من حيث استقطاب الاستثمارات العربية بقيمة (650) مليون دولار، فيما احتلت الكويت المرتبة الثانية في تصديرها بقيمة (444) مليون دولار.
أما الاستثمارات الأجنبية في الوطن العربي فقد تراجعت من (4,3) مليار دولار عام 1999 إلى (2,5) مليار دولار عام 2000، ثم ارتفعت إلى (6) مليار دولار عام 2001 استحوذ على معظمها دول المغرب العربي.
ولذلك فإن الدول العربية مطالبة باتخاذ بعض الإجراءات لاستعادة ثقة أصحاب الأموال المهاجرة في مناخ الاستثمار داخل أسواق الدول العربية، ومن أهمها:
- اتخاذ إجراءات عاجلة للإبقاء على الاستثمارات العربية الراهنة عند مستواها الحالي، ومنع تدهورها تحت تأثير الخسائر التي أصابتها؛ بسبب تراجع النشاط في الاقتصادات العربية .
- القيام بحملات ترويج واسعة النطاق في الأسواق الخارجية؛ من أجل تعزيز ثقة أصحاب الأموال العربية في مناخ الاستثمار الراهن في الدول العربية، وتقديم جميع الحوافز اللازمة؛ لحثِّهم على نقل أموالهم إلى الأسواق العربية، ويمكن أن تشارك في هذه الحملات المصارف العربية ومؤسسات الاستثمار للتعريف بفرص الاستثمار المتاحة بالدول العربية.
- التعجيل باتخاذ الخطوات المحددة والمتفق عليها بين الدول العربية لإقامة منطقة استثمار عربية؛ تجنبًا لدخول الدول العربية في تنافس على هذه الأموال العائدة.
- تكوين قاعدة معلومات عربية للاستثمار، وإتاحتها على شبكة الإنترنت الدولية؛ لتسهيل التواصل الدائم مع أصحاب الأموال العربية بالخارج، وإطلاعهم على آخر المستجدات العربية في مجال تشريعات الاستثمار والبيئة الاقتصادية العربية عمومًا.
- أن يتم التنسيق بين الأجهزة الوطنية العربية العاملة في مجال الاستثمار وصندوق النقد العربي ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية؛ للترويج الجماعي المنسق للاستثمار في الدول العربية.
- أن يتم تقليل كافة القيود التي يعاني منها الاستثمار الأجنبي في الدول العربية، وخاصة في مجال الجمارك، والرقابة، والضرائب.
ولكن لابد أن نعي أن عودة الأموال العربية إلى موطنها الأصلي لن تكون سهلة ولن تعود بين يوم وليلة؛ لأنها هاجرت على مدى سنوات عديدة نتيجة تراكمات في الثروات منذ أيام الطفرة النفطية؛ لذلك يمكن اجتذاب هذه الثروات الهائلة تدريجياً من خلال تفعيل أسواق المال العربية وإنعاشها وإدراج أوراق مالية أجنبية؛ إذ إن قوة العالم العربي الاقتصادية ستكون بلا شك عاملاً من عوامل قوته السياسية؛ لأن الاقتصادات الكبرى هي التي تفرض نفسها على العالم، وتضغط على مجرياته السياسية، فهل يكون المال العربي وسيلة من وسائل نهضتنا واستعادة دورنا الحضاري المغيَّب على الساحة العالمية؟
وقد فتحت أزمة 11 سبتمبر وما أعقبها من حرب الإرهاب الأمريكية، وتدهور الاقتصاد العالمي الباب أمام التفكير في عودة الأموال العربية المهاجرة، خصوصاً في أعقاب التضييق على الاستثمارات العربية في الدول الغربية والمخاوف من تجميد أرصدة بدعوى مساندة أصحابها للإرهاب، ولكن ما يثير الاستغراب هو عدم انسحاب رؤوس الأموال العربية من الولايات المتحدة والدول الغربية، مما يؤشر إلى عمق أزمة الثقة التي يعيشها الأثرياء العرب من جدوى الاستثمار في الوطن العربي أو من جدوى الاصلاحات الاقتصادية التي يشهدها، أو إلى عدم معرفتهم حقيقة بفرص الاستثمار الكبيرة المتاحة في مختلف المجالات، والتي لا تلاقي الترويج اللازم لها، كما يجيد الأمريكيون الترويج لمشاريعهم لاستقطاب رؤوس الأموال من مختلف دول العالم.
بداية الهروب
وكانت الأموال العربية قد عرفت طريقها للاستثمار في الخارج في السبعينيات مع تعاظم الطفرة النفطية في الخليج وزيادة ثروات العائلات الحاكمة ورجال الأعمال الباحثين عن فرص لزيادة الثراء في الخارج، في وقت كانت الاقتصاديات العربية طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات تمر بأزمات حادة؛ حيث كانت معظمها مرتبطة بالفكر الاشتراكي، والحكومات مهيمنة على كافة الأنشطة الاقتصادية، ناهيك عن تعقيدات الجهاز الحكومي من روتين وبيروقراطية وفساد خانق؛ وهو ما أوجد بيئة عربية طاردة للاستثمار، وشجعت الأموال العربية المهاجرة على البقاء خارج الوطن.وعلى الرغم من أنه طوال العقود الماضية ومع كل ضربة كانت تتعرض لها الاستثمارات العربية في البورصات العالمية كان الحديث يكثر حول ضرورة عودة (الأموال الهائمة) في الخارج (أزمات داو جونز، وناسداك، وأزمة الاقتصاديات الآسيوية عام 1998، وأخيراً أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعها من تفجيرات إرهابية في بعض الدول الغربية)، فإنه سرعان ما كانت تخفت أصوات المنادين بعودة الأموال العربية ما إن تتلاشى هذه الأزمات، وتعود الأمور إلى طبيعتها.
حجم الأموال
ليس هناك أرقام أو إحصائيات دقيقة حول الأموال العربية المهاجرة؛ ولكن هناك دراسة اقتصادية نشرتها مجلة بحوث اقتصادية عربية أكدت على أن حجم الأموال العربية المتراكمة في الخارج في المدة(1974-1995) بلغت نحو (670) مليار دولار فقط ، فيما قدر مجلس الغرف التجارية الصناعية السعودية في تقرير له حجم الأموال الخليجية المهاجرة في الخارج بنحو (1.4) تريليون دولار، فقدرت إجمالي الأموال السعودية المهاجرة بنحو (750) مليار دولار، منها حوالي (450) مليار دولار تستثمر في الولايات المتحدة، و(255) مليار دولار في أوروبا، فيما لم تحصل بقية دول العالم إلاّ (75) مليار فقط من بينها (16) مليار دولار في إمارة دبي، وكانت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار في الكويت قد ذكرت في تقرير لها أواخر العام 2004 أن حجم الثروات العربية في الخارج بلغ نحو (1.4) تريليون دولار، كان نصيب دول مجلس التعاون الخليجي من هذه الثروات يتراوح بين (800) مليار وتريليون دولار، بينما قدر الدكتور (أحمد جويلى) الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية حجم الأموال العربية في الخارج بنحو(2400) مليار دولار في لقاء له مع لجنة الشؤون العربية في البرلمان المصري.
وفي محاولة من دول الخليج لجذب الاستثمار إلى منطقتها خاصة بعد أن أكدت البيانات أن نحو مليار دولار قد حُوّلت من الدول الخليجية إلى الخارج في الفترة بين 1975 إلى 2002، بدأت بعض هذه الدول مثل البحرين والكويت بمنح الإقامة الدائمة للوافدين المستثمرين، في حين فتحت الإمارات باب الاستثمار للأجانب في مجال العقارات والمصانع.
أسباب الهجرة
ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أعقبها من إجراءات تعسفية ضد شخصيات ورجال أعمال ومؤسسات وشركات عربية والأموال التابعة لهم، انتشرت التوقعات بعودة الأموال العربية المهاجرة وتدفقها على البلاد العربية، وتداولت أوساط إعلامية أمريكية معلومات عن سحب العرب لمليارات الدولارات من الأسواق الأمريكية، وما مدى تأثير ذلك على الاقتصاد الأمريكي، إلاّ أن التوقعات أخطأت، وأصبح هناك إصرار على الاستمرار وعدم العودة للدول العربية، ولذلك يظل التساؤل: ما الذي يدفع أصحاب الثروات العربية للمخاطرة بأموالهم في الخارج؟ وما هي الأسباب التي تدفع الأموال العربية لمواصلة الهجرة على الرغم من الإصلاحات الاقتصادية التي بدأتها العديد من الدول العربية منذ الثمانينيات وطوال عقد التسعينيات، التي بموجبها هيأت المناخ الاستثماري لجذب الأموال العربية المهاجرة و الاستثمارات الأجنبية؟هناك العديد من الصعوبات والمعوقات التي تواجه المستثمرين في الدول العربية، مما يدفعهم إلى الاستثمار في الدول الغربية أهمها:
- الإجراءات القانونية والإدارية في الدول العربية: والتي تتمثل في كثرة القوانين وتضاربها، وعدم وجود تشريعات لحماية رأس المال المستثمر، وعدم الالتزام بالاتفاقيات المعقودة مع المستثمر، وعدم استقرار قوانين الاستثمار، بالإضافة إلى الإجراءات الإدارية المعقدة مثل البيروقراطية، والروتين، ونقص الخبرات، والكوادر الفنية المتخصصة، وعدم وجود أنظمة معلومات متطورة، وعدم الدقة في البيانات والمعلومات.
- افتقاد البنية التحتية : تفتقد العديد من الدول العربية البنية التحتية اللازمة للاستثمار من كهرباء ومياه وطرق مرصوفة وجسور وأسطول للنقل البحري والجوي..، ففي مجال المياه والكهرباء تحتاج الدول العربية إلى (50) مليار دولار بنية تحتية، وفي مجال الاتصالات تحتاج إلى (90) مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة حتى تكون قادرة على جذب الاستثمارات الخارجية.
وتمثل عملية النقل واحدة من أهم معوقات الاستثمار، فإلى الآن لا توجد لدى الدول العربية أساطيل من طائرات النقل والشحن الجوي، مما يضطر المستثمر إلى تصدير منتجاته إما في طائرات مدنية أو عن طريق التنسيق الفردي فيما بينهم لحجز مساحات في إحدى الطائرات الكبيرة لنقل منتجاتهم إلى الأسواق الخارجية لتقليل النفقات.
- الاستقرار الاقتصادي والسياسي: إن المؤشرات الاقتصادية لمناخ الاستثمار في الدول العربية قد فشلت في أن تكون إيجابيه بصورة شاملة، ويرجع هذا الخلل إلى العديد من الأسباب منها ضعف التقدم التكنولوجي، وضعف أدوات ومجالات الاستثمار فيها، إضافة إلى عدم توافر الخدمات الأساسية من طرق، ونقل، ومواصلات، واتصالات، وموانئ ... هذا إلى جانب محدودية السوق المحلي وتدهور سعر صرف العملة الوطنية.
- افتقاد الشفافية: يشعر المستثمرون العرب بحاجتهم إلى الشفافية ووضوح الرؤية لدى الحكومات العربية، خاصة فيما يتعلق بالسياسيات الاجتماعية والاقتصادية وقوانين العمل.
والمقصود بالشفافية هنا هو الشعور بأن التنافس الشريف ونظافة الإجراءات وعدم اللجوء إلى التحايل والرشوة واستغلال النفوذ هي السبيل لخروج المشروع الاستثماري إلى الوجود وظهور نتائجه الاقتصادية.
- افتقاد السياسات النقدية: ومن المعوقات الأخرى التي تقف حائلاً أمام عودة الاستثمارات العربية في الخارج السياسات النقدية في العديد من الدول العربية والتي تحتاج إلى إعادة نظر، خاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ إن ارتفاع أسعار الفائدة يتسبب في ارتفاع تكلفة التشغيل، والحد من التوسعات المستقبلية.
- العوائد المتوقعة على الاستثمار: فقد أكدت إحدى الدراسات العربية على أن العائد المتوقع في الدول الأجنبية يعادل ثلاثة أضعاف ونصف العائد في الدول العربية، مما يؤدي إلى تحفيز هجرة الاستثمارات العربية خارج المنطقة العربية، أما بالنسبة لدرجة المخاطرة المتوقعة في كل الدول العربية والدول الأجنبية فيظهر أن درجة المخاطرة في الدول الأجنبية تساوي (1.7) مرة عما هي عليه في الدول العربية، ويرجع ذلك لتزايد نسبة الاستثمارات العربية في الأوراق المالية المتداولة في أسواق رأس المال في الدول الأوروبية والأمريكية.
استثمارات أجنبية
وقد تدفقت إلى الوطن العربي في العقد الأخير استثمارات أجنبية أكثر مما استثمر العرب أنفسهم داخل الوطن العربي؛ إذ وصل مجموع قيمة الاستثمارات الأجنبية على ضآلتها نسبة إلى الاستثمارات العالمية، إلى (30) مليار دولار فيما لم تتجاوز الاستثمارات العربية البينية مبلغ (20) مليار دولار مقارنة بأكثر من (1,3) تريليون دولار يستثمرها العرب في أسواق أمريكا وأوروبا، ويشهد الوطن العربي محاولات حثيثة لاستقطاب جزء أكبر من الاستثمارات الأجنبية التي لا تتعدى حصته منها الواحد في المئة، ولهذه الغاية أصدرت دول مثل اليمن وموريتانيا والعراق عام 2002 قوانين جديدة خاصة بالاستثمار الأجنبي، وأدخلت دول أخرى هي مصر ولبنان والسعودية وعُمان تعديلات على قوانين الاستثمار تزيد من عناصر الجذب والاستقطاب، هذا بالاضافة الى وجود قوانين معمول بها في كل من تونس والمغرب والسودان ومعظم دول الخليج العربية. لكن على الرغم من ذلك كله لا تزال الفجوة واسعة في معظم البلاد العربية بين توفير البيئة الناجحة للاستثمار وبين الواقع القائم الذي لم يشجع حتى الآن رؤوس الأموال العربية على العودة، فكيف باستقطاب الأموال الاجنبية، وربما كان الافتقاد إلى تشريعات تضمن حرية انتقال رؤوس الأموال بين البلاد العربية وتسوية النزاعات في حال نشوبها بين المستثمرين والدول المضيفة للاستثمار يعتبر عنصراً حاسماً في هذا المجال.
إذ إن اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية التي وافق عليها مجلس الوحدة الاقتصادية العربية عام 2000 لم يصدق عليها حتى عام 2002 سوى ثلاث دول عربية هي الأردن ومصر السودان، أما اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار في الدول العربية فلم يكن قد وافق عليها حتى نفس التاريخ سوى الأردن.
وتُعدّ السعودية في طليعة الدول العربية التي تصدر الاستثمارات للعالم العربي، وفي نفس الوقت في طليعة الدول العربية التي تستضيف استثمارات عربية؛ إذ صدرت للعالم العربي عام 2002 استثمارات بقيمة (882) مليون دولار، واستضافت استثمارات عربية بقيمة (717) مليون دولار.
ويأتي لبنان في المرتبة الثانية من حيث استقطاب الاستثمارات العربية بقيمة (650) مليون دولار، فيما احتلت الكويت المرتبة الثانية في تصديرها بقيمة (444) مليون دولار.
أما الاستثمارات الأجنبية في الوطن العربي فقد تراجعت من (4,3) مليار دولار عام 1999 إلى (2,5) مليار دولار عام 2000، ثم ارتفعت إلى (6) مليار دولار عام 2001 استحوذ على معظمها دول المغرب العربي.
دعوة للعودة
وفي ظل الأزمة الإقتصادية التي تعاني منها معظم الدول العربية فإن الاقتصاد العربي في حاجة إلى الأموال العربية المهاجرة بشدة أو على أقل تقدير إلى بعضها، فالدول العربية تدخل ضمن أقل دول العالم جذباً للاستثمارات، وتدخل أيضاً ضمن أكثر الدول طرداً لها.ولذلك فإن الدول العربية مطالبة باتخاذ بعض الإجراءات لاستعادة ثقة أصحاب الأموال المهاجرة في مناخ الاستثمار داخل أسواق الدول العربية، ومن أهمها:
- اتخاذ إجراءات عاجلة للإبقاء على الاستثمارات العربية الراهنة عند مستواها الحالي، ومنع تدهورها تحت تأثير الخسائر التي أصابتها؛ بسبب تراجع النشاط في الاقتصادات العربية .
- القيام بحملات ترويج واسعة النطاق في الأسواق الخارجية؛ من أجل تعزيز ثقة أصحاب الأموال العربية في مناخ الاستثمار الراهن في الدول العربية، وتقديم جميع الحوافز اللازمة؛ لحثِّهم على نقل أموالهم إلى الأسواق العربية، ويمكن أن تشارك في هذه الحملات المصارف العربية ومؤسسات الاستثمار للتعريف بفرص الاستثمار المتاحة بالدول العربية.
- التعجيل باتخاذ الخطوات المحددة والمتفق عليها بين الدول العربية لإقامة منطقة استثمار عربية؛ تجنبًا لدخول الدول العربية في تنافس على هذه الأموال العائدة.
- تكوين قاعدة معلومات عربية للاستثمار، وإتاحتها على شبكة الإنترنت الدولية؛ لتسهيل التواصل الدائم مع أصحاب الأموال العربية بالخارج، وإطلاعهم على آخر المستجدات العربية في مجال تشريعات الاستثمار والبيئة الاقتصادية العربية عمومًا.
- أن يتم التنسيق بين الأجهزة الوطنية العربية العاملة في مجال الاستثمار وصندوق النقد العربي ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية؛ للترويج الجماعي المنسق للاستثمار في الدول العربية.
- أن يتم تقليل كافة القيود التي يعاني منها الاستثمار الأجنبي في الدول العربية، وخاصة في مجال الجمارك، والرقابة، والضرائب.
نظرة مستقبلية
إن الدول العربية مطالبة الآن بالبحث عن الأسباب التي دفعت الأموال العربية للهجرة طوال السنوات الماضية، وأن تعمل على حلها على وجه السرعة لجذب هذه الأموال التي بدأ جزء منها بالعودة بالفعل، لكن من الممكن أن تعود هذه الأموال بعد عام أو عامين للدول التي قدمت منها إذا ما تحسن الوضع الاقتصادي، وأصبح المناخ الاستثماري أفضل مما هو عليه الآن .ولكن لابد أن نعي أن عودة الأموال العربية إلى موطنها الأصلي لن تكون سهلة ولن تعود بين يوم وليلة؛ لأنها هاجرت على مدى سنوات عديدة نتيجة تراكمات في الثروات منذ أيام الطفرة النفطية؛ لذلك يمكن اجتذاب هذه الثروات الهائلة تدريجياً من خلال تفعيل أسواق المال العربية وإنعاشها وإدراج أوراق مالية أجنبية؛ إذ إن قوة العالم العربي الاقتصادية ستكون بلا شك عاملاً من عوامل قوته السياسية؛ لأن الاقتصادات الكبرى هي التي تفرض نفسها على العالم، وتضغط على مجرياته السياسية، فهل يكون المال العربي وسيلة من وسائل نهضتنا واستعادة دورنا الحضاري المغيَّب على الساحة العالمية؟









