تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد ايوب
محمد ايوب
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 12-05-2007
  • المشاركات : 4,202
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • محمد ايوب is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد ايوب
محمد ايوب
شروقي
سر اتباع الناس للمرجئة
16-03-2008, 03:02 PM
وقد فتن النّاس بقول هذه الفِرقة، وجرّوا من ورائها يضحكون ويبكون في آنٍ معاً، فهي تقول بنجاة هذه الفرق، وتسارع فيها وتنادي في الحاضر كما نادت شبيهاتها في الماضي: إنّ النّار لم تُخلق للعصاة وحدهم، ولو قيل: إنّ من الطائعين مَن قد يلجُها قبلَهم، وإنّ من العاصين من ينجو منها؛ لما جاوزنا بقولنا هذا الحقّ والصواب، وما ينبغي أن يُستبشع قولنا هذا، إذ نحن لا نقول بحرف وبألسنتنا، بل نقوله بلسان الحال، والإغضاء عن أهل المعاصي، والسّكوت الفعلي عنهم•

ما يجرُّه قولهم من ويلات
إذاً:
فما أحسنه من قول يفرح به العُصاة، ويزهد به أهلُ الطاعة في الطاعة، وحينئذٍ، فإنّ أهل الطاعة يجدون مندوحةً سائغةً في أنفسهم بالتحوّل عن الطاعة إلى المعصية، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً من ذلك، فقد استبرأت الطاعة من أهلها، واستبرأ أهلها منها، وتساوت هذه بتلك، وتلك بهذه، وغدَتْ كلٌّ منهما تُنافس الأخرى، والسابقة منهما تأتي على قليل الأُخرى، ثمّ لا يكون بينهما إلا شيءٌ من النَّجوى الخافتة ـ إن كان ـ على توادٍّ ومصالحةٍ، فلا النّار من بعد ذلك نارٌ، ولا الجنَّةُ من بعدها جنَّة، ويخفى على النّاس الأغيارِ الأحقَّاء بالفقه والعدل، وسدادِ النَّظَر، معنى قوله تعالى: ((والعاقبة للمتقين)) ((ولا عدوان إلا على الظالمين))• وتغلقُ أبواب جهنم أمام الفرَق الثنتين والسبعين، لتتحول مسيرتهم إلى الجنّة، ويأتونها وقد فتِّحت أبوابها، ولربّما كان منهم حِجاجٌ لربّهم سبحانه، أن قدَّم عليهم الفرقة التي أخبر عليه الصلاة والسلام أنّها النّاجية• ونوردُ هنا قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنّة، وسبعون في النّار، وافترقت النّصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النّار، وواحدة في الجنّة، والذي نفسُ محمدٍ بيده، لتفترقنَّ على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنّة واثنتان وسبعون في النّار)، وفي رواية: (تفرَّقت) بدلاً من (لتفترقنّ)؛ إخباراً عن وقوع الأمر في الماضي، كما هو الحال مع اليهود والنّصارى•
إنّ هؤلاء الذين جابوا البوادي، وتوترت قاماتهم فوق السّحاب، وحسروا عن سوقهم فوق الرمضاء، وأسرعت بهم ركائبهم على مهاد وشعاب، ثم خربت بهم على كأْداءَ صعبة، أذهبوا على سنامها جهدهم، ثم لم يصيبوا إلا مجدَّعات الآمال، وغدوا من بعدُ على ظنونٍ كالحةٍ تصدُّ عنها العيون، وتنفر منها الآناف، ورأوا في سراب الباطل ما يغنيهم عن قيعة الربيع الفارهة•
فماذا قال هؤلاء في أولئك الذين قضى عليهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنّهم في النار؟ نتيجة التأويل السيئ: ردُّ الوحي
ولكأنّما علموا أنّ النّار بوحيٍ خاصٍّ بهم، أو بإلهامٍ جرى به قلمُ الحكمِ الإلهي، أنّ منهم ومنهم، فقالوا: فريق في الجنّة وهم السّواد الأعظم، والفريق الآخر في النّار، وهذا يعني من غير مراءٍ ردَّ ما قضى به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو من بعد ردٌّ للوحي الذي أنزله بهذا القضاء عليه، وهل له تأويل غير هذا التأويل الفاسد المتهافت؟
وأنا لا أدري لِمَ يكون مثل هذا التأويل السَّيِّئ، الذي نسيه الوحي بظنّهم حين نزل بما قضى به عليه الصلاة والسلام، وأراده أولئك النَّفَر، المطرَّقة وجوههم، الصاخبة بالجهل والفساد قلوبهم، الواغلة في الشرّ والحسد نفوسهم، ولعلّهم إن ذكروا شيئاً من الصواب يوماً، وعقلوا أنّ في الحقّ خيراً لهم لو كانوا يعلمون، نأَوْا بجانبهم عن الباطل الظّانيه حقّاً، وأعرضوا عنه، وسألوا أهل الذكر، الذين علموا أنّ الحقّ للَّه ولم تصدّهم عنه الظّنون الحائدة، والأوهام الكاسدة، والأخلاط الراكدة• فأقول:

بدهيّات لغويّة
1 ـ مِن بَدَهِ الأمر في لُغَتنا، أنّ الحرف العربي إذا نطق به اللّسان ابتدره أكثرُ من معنى، غير أنّ واحداً منها يقع في الصدارة، ليكون هو الحائز لفظ الحرف المنطوق فور النّطق به، وهو أظهر ما يكون من سائر المعاني التي تظهر أمامه، ذلكم هو الأول الذي لا ينازَع في موضعه المعهود في نظام لغة العرب، ولا ينازَع إلا إن كان المتكلّم يريد أن يؤخِّره ليَحِلَّ محلَّه معنى غيره، لا يعرفه السّامع منه إلا بعلامةٍ من خارجه، تهدي إلى المعنى الذي يريده المتكلّم نفسه، تصرفه إليه تلك العلامة التي جعلها المتكلم دالةً عليه، وضمَّنها كلامه، فإن لم تكن علامة صارفة، فالحرف على لسان الناطق لا يدلّ إلا على المعنى الذي وُضع له في أصل وَضعه• القرآن والسُُنَّة أثريا اللُّغة العربية، ولم يغيّرا في معانيها .
2 ـ وليس يخفى على ذي لبٍّ على أنّ لغة العرب لم تتحوّل عن معانيها ـ سواءٌ في مفرداتها المتباعدة، أم في تراكيبها المتآلفة ـ بعد نزول القرآن والسُّنة، بل إنّهما زادا من ثروة اللُّغة في مفرداتها، وتراكيبها، وما أحدثا من مصطلحات كثيرة، ومعانٍ جديدة• إذاً فليس لنا أن نحوِّل هذه الكلمة النبويّة، من فُلكِ هذه القاعدة إلى فلك قاعدةٍ أخرى، بدعوى أنّ خلافاً كائنٌ في هذه المسألة، يقضي التحوّل خشيةً من زيادة الخلاف بين الأُمّة، وإهاجة العواطف، وتأجيج نار الخصومات، ولربّما كان هذا التحوّل يقضي علينا إحداثاً لقاعدة جديدة جوفاءَ، تزيد من إفساد المعنى، وبعده عن سواء الصّواب، وليس يحسن الأمر على وجهه إلا باستسهاله بالقاعدة المتبادرة المعروفة•

الدّاخلون النّار على ضربين
3 ـ وكلمة النّار المحلاة بأل التعريفية تقضي أن يكون المراد بها، النّار المعهودة التي أعدَّها اللَّه لأهلها الذين تؤَهِّلهم أعمالهم ومعاصيهم، وخروجهم عن طاعة اللَّه ومراده من خطاباته التكليفية، ومشاقتهم رسوله والوحي المنزَّل عليه، وإيثارهم أهواءَهم وشهواتِ نفوسهم عليه، وأخذهم أنفسهم بكلّ ما يوجب العذابَ إلا القليل من الصّالحات، التي لا تصيب شيئاً من الإخلاص والصّدق، وإن أصابته فلا تلبث أن يخالطها الرياءُ، ويحوطها الشَّكُّ، وهؤُلاء هم الذين أُعدَّت النّار لهم، أول ما أُعدَّت• أمّا العُصاة من أهل الذنوب، ممَّن تمسُّهم النّار ثم يخرجون منها؛ فهم طارئون عليها، كلٌّ منهم بذنبه، ثمّ تكون له منها النّجاة، فهم أشبه ما يكونون بالأضياف الراحلين عنها، أمّا اللابثون المقيمون على ديمةٍ، بلا تحوُّلٍ عنها، فهم مَن وصَفْنا، وحين يكون حكمٌ على عبدٍ، أو عبيدٍ أنّه من أهل النار، فإنّ المراد به المستوجبُ البقاءَ والدَّوام، وهو الموصوف بمثل قوله سبحانه: ((وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون)) والآيات في هذا كثيرة•
وأمّا الطارئون بذنوبهم، فلا يحكم عليهم بمثل هذا الحكم، لأنَّ الصاحب، هو الذي يملك الشيءَ، أو يديم وصلهُ، أو المكث الطويل فيه، الذي يشبه أن يكون صاحباً مالكاً له، هذا ما يعرفه أهل العربية من عربيّتهم، التي خاطبهم اللَّه بكتابهم بها، فقوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (كلُّها في النّار) أي النار المعهودة التي لا يقبل الذّهن التحوُّل عنها بلا صارفٍ من الصوارف، التي ترتضيها اللّغة لمفرداتها وتراكيبها، وإلا كانت لغة القرآن في حاجةٍ إلى غير القواعد التي عرفها العرب للغتهم في غير تكلُّفٍ للموجود المعروف المتبادر بالفطرة والسليقة منها، ولا تلمُّسٍ لغيره مما يتوهَّم أنَّه يصلح قاعدةً ولا تكون، فالنّار هنا هي النّار المعروفة، المعهودة التي أُعدَّت لأهلها الأحِقّاءِ بها ولا كرامة، فلماذا التَّورُّع أن لا يكون للنّار أهلها، وهي لا تريد لنفسها إلا أهلها، ما بلغوا من كثرة العدد ولو قالت: هل من مزيد، وأهلها هم أهلها•

الفِرقة الناجية واحدة لا ثاني لها
4 ـ ثمّ إنّه لو كان من هؤلاء الفرَق مَن يُستثنى مِن النّار، لأنقص عليه الصلاة والسلام منها، فبدلاً من أن يكون عددها اثنتين وسبعين فرقة، لأنقص منها العدد الذي يستحقّ الاثنتان، فزادت الفرقة الناجية وصارت اثنتين أو ثلاثاً أو أكثر، ولكان قال عليه الصلاة والسلام: (كلّها في النّار إلا ثلاثاً منها)، لكنّه إذ لم يقل ذلك، فإنّه قد علمَ أنّ النجاة لا تكون إلا لواحدة، وأنّها بما أنعم اللَّه عليها، هي التي وصفها بقوله: (هي مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهذا الوصف في مجمله يغني عن كلِّ وصفٍ سواه•

الاستثناء حصرٌ بالعدد هنا
5 ـ ثمّ إنّ هذا الاستثناء، هو بمثابة الحصر، ولو كان يراد الحصر بأكثر من هذه الطائفة، لكفى أن يكون بشمولية الوصف: (مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، ولأنقص من الفرق الهالكة أو لزاد عليها، لكنّه إذ لم يفعل شيئاً من ذلك، فيبقى الحصر بالخبر نفسه على نحو ما قال عليه الصلاة والسلام، والعدد هو من ألوان الحصر في لغة العرب، وهذه النجاة التي لا تتعدّى الواحدة التي وصف، لو كان نجاة لغيرها لكانت من الثنتين والسبعين بوصفٍ غير الوصف الذي ذكره عليه السلام، وهذا ولا ريب يكون من الإخلال بالفصاحة النبويّة بعيدة المنال، وهذا من سوءِ القول ـ ولا بدَّ ـ والمسلم يبرأُ من مثل هذا السوءِ، فلا محيدَ حينئذٍ عن الوقوف عند مثل هذه الكلمات على عددها وترتيبها ونسَقها، الذي إن أُخذ على غير ذلك؛ كان إخلالاً ظاهراً يجب العود عنه•

الجنّة والنّار هما المعهودتان
6 ـ ثمّ لماذا لا تكون جَنَّةٌ غير الجنة المعهودة المعروفة التي لا يكون تحوُّلٌ للذّهن عنها عند وقوعها في السّمع فيقال: إنّ جزاءَ الجنَّة يمكن أن يُجزَّأَ على نحو ما يجزَّأُ عذاب النّار، إن كنا نريد أن نقارب بين فهمنا لهذا وذاك، وليس هذا يُراد، إذاً؛ فيبقى ثواب الجنّة على وفق ما أراد لأهلها، ويبقى جزاء النّار على وفق ما أراد لأهلها اللابثين فيها، أو الذائقين مسَّها وتكون لهم نجاة• افتراضٌ وقياسٌ عكسي تقريباً وتوضيحاً
7 ـ ولو كان استثناءٌ ينتهي فيه نفرٌ من الجنَّة إلى النّار، لكان يمكن أن يكون لنفرٍ قليلين جدّاً، استأثر اللَّه نفسَه بهم استئثار حَصرٍ على وجهٍ يعزُّ إلا على اللَّه وحده دون سواه، حتى وإن كان لهم شفاعة مخصوصة، كصاحب البطاقة، أو الذي طلبَ من أهله أن يحرقوه بعد موته خشيةً من أن يدركه اللَّه بعذابه، فمثل هذين لو كان من قضاءٍ حتم يكون فيهما على وجه النّظر العقليّ المجرَّد، بالقياس المحض، لكانت النّار أولى بهما، لكن للَّه شأنٌ يكون لإرادته فيه على غير قياس عقليّ يخضع لمثل ما يكون عليه شأْن البشر، فقد اختصّ اللَّه سبحانه نفسه ببعض الأمر الذي لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون فيه للبشر إلا التسليم المحض، الذي لو كان لهم فيه شأن، لما كان منهم إلا زيادة في التَّحيُّرِ، ثم الانتهاء إلى زيادة وزيادة فيه، لأنّ مثل هاتين الصورتين منسلختان بالكلية عن الإدراكات البشرية، وقدراتهم العقلية والحسِّية، ولو جعل اللَّه لهم أن يختاروا، لأدخلهم اللَّه سبحانه في إرادته ـ وحاشاه ـ، لذا فما لهم إلا التّسليم، وأن يقولوا في أنفسهم: حسبنا أنّ اللَّه لم يجعل لنا إلا التّسليم والرّضا بما علمنا منه سبحانه، واختص به نفسه: ((ما كان لهم الخيرة من أمرهم))، وإلا كان الخروج والإباءُ عما قضى وأراد، واختصّ نفسه به سبحانه ((ألا له الخلقُ والأمر تباركَ اللَّهُ ربُّ العالمين))، وليس للعالمين إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا وسلَّمنا، وفوَّضنا الأمرَ كلَّه من قبلُ ومن بعدُ إليه• وحسب المؤمن من الحقّ هذا، واللَّه لا يقضي بين عباده إلا بالحق• النسبة للمصطفى شرفٌ لا يناله إلا الفرقة الناجية .
8 ـ ويبقى سُؤال، لا بُدَّ وأن يُجاب عليه جواباً سويّاً، وهو: كيف يصحّ أن ينسب محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لنفسه أُناساً ليكونوا من أصحاب النّار: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النّار إلا واحدة)، وهم السواد الأعظم، أليس هذا عجيباً غريباً•
فأقول: أعجب من مثل هذا السّوال، وأشدّ غرابة: أن يكون مثل هذا السؤال، إذ أنّ هذه النّسبة قد قُطعت يقيناً، وكان حريّاً بهؤلاء أن يُبقوا على هذه النّسبة، ليُبعثوا يوم القيامة بها، لكنّهم ـ وقد أصابوا من سوءِ المعتقد ما أودى بهذه النسبة الشريفة، فما يكون لهم أن يدَّعوا بقاءَها، بعد أن عمَدوا إلى قطعها بسوءِ صنيعٍ منهم، ولنا في كتاب اللَّه ما يؤكِّد ذلك، ((وقال نوحٌ ربِّ إنّ ابني من أهلي))، ((قال يا نوح إنّه ليس من أهلك إنّه عملٌ غير صالح))• فأيَّة نسبة هذه التي تبقى بعد أن صارت سراباً أو يباباً، بصنيع السوء من هذه الفرَق مجتمعة، وهي الكثرة الكاثرة في التفرُّق والشّتات، وإن كانت الفرقة الناجية التي ظلَّت نسبتها قائمةً، ووشيجتها موصولةً برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى يوم القيامة، يستحقّ بها العصاة منها شفاعته عند ربّه سبحانه؛ هي الأكثر عدداً؟! كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (فإنّي مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)؟!
الفرَق الهالكة: أصولٌ - مجمَعٌ عليها - وفروع - مجتهَدٌ فيها - لها حكم الأصل ما دامت موصولة بها، وإلا فلا 9 ـ ولعلَّ هذه الفرَق على شتاتها وتفرُّقها بسوء اعتقادها لم تُعْرَف أسماءُها بإجماعٍ عليها، لأنّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يخبر بها، فكان من أهل العلم أن صاروا يلتمسونها التماساً بأوصافٍ يقدِّرونها قياساً على أوصافٍ قليلةٍ ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام لبعضها، جعلوها أصلاً في قياساتهم عليها، فأصابوا منها وأخطأوا، إلا أنّهم قد أجمعوا على عددِ الفرَق الأُصول التي نجمت عنها الفروع التي لم يجمعوا على أسمائها، لإخباره عليه الصلاة والسلام بعددها فقط لا بأسمائها، وهذه الأربع هي: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، وليس يخفى أنّ الحكم على هذه الأصول بأنها من أهل النار هو حكم عليها لا يتخلَّف أولاً، ولا نجاةَ لواحدةٍ منها باستثناءٍ ثانياً، وأنّ الحكم على الأصل منها يقضي بالحكم على الفرع ولا بدَّ ثالثاً، وأنّه إن كان من نجاةٍ لفرعٍ من فروع هذه الأُصول فهو من بعد عذابٍ يطول أمدُه أو يقصُر رابعاً• بما كان من مفارقةٍ لسوءِ المعتقد الذي خرجت به تلك الفرقة الأصل، وفارقت النسبة التي كانت موثوقة بها إلى أمة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، وخلعت نفسها منها، وصارت إلى غيرها بكفرٍ منها وسوءِ معتقدٍ صارت إليه، اختياراً منها وطواعية• ومعلومٌ بداهةً حكم القاعدة السَّارية في الناس: (الفرع يأخذ حكم الأصل ما دام موصولاً به)، وما دام أنّ أسماءَ هذه الفرَق لم تُعرف ولم تُحدَّد إلا باجتهادٍ وقياسِ نظرٍ، فلنا أن نُلحق الحكم الذي قضى به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عليها، وهي دعوى لا تنفكّ عن موطنها إلا بدليل يقضي بانفكاكها، ولا دليل واللَّه أعلم، وهذا الحكم هو أنّ هذه الفرق كلّها في النار إلا واحدة، وهذه الفرق أصولها الأربعة مجمعٌ عليها، أما الفروع الناشئة منها فهي اثنان وسبعون فرعاً، لكنّ الإجماع لم يلتقِ على أسمائها باتفاق، وإن كان ثمَّة اتفاقٌ على جُلِّها، وذلك للتشابه الموجود بينها في صفاتها وأحوالها• الفرَق الهالكة خسرت شرف الانتساب للمصطفى .
10 ـ وهل يغيب عن واحدٍ بل أن يكون عن جماعةٍ، أنّ الوصف الذي يحكم به على واحدٍ أنه من أهل السنّة والجماعة، فيُكتب له النجاة من العذاب، بل ولا يمسّه منه شيءٌ، ثم ينفكّ من وصفه هذا، إما بانخلاعٍ منه البتَّة، وإما من بعضه، فيصيب نصيباً من العذاب، يطول أو يقصر بقدر الانخلاع الذي كان منه، وقد يكون الانخلاع يصيبه بهلكةٍ تذهب بدينه كلِّه، كتارك الصلاة مثلاً، أو كالمستبيح فاحشة من الفواحش، فماذا يُقال في مثل هذا؟ هل يبقى على ما كان منه من أُمة تكون له بها نسبة إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، إذاً: فقوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (وتفترق أمتي) أي من قبل أن تكون على غير النسبة، فإن كان غيرها، فلا نسبة، إذ النسبة كانت بكينونة ما تكون بها النسبة، أما وقد آلت إلى يبابٍ أو سراب، فتكون للنسبة وجهة هي تولِّيها، إن أبقتها، فعلى ما كانت عليه من قبل، وإن صَرَمَتْها، فعلى ما صارت إليه• دليلُ ما تقدَّم .
11 ـ ولنا من كتاب اللَّه في هذا نظير، نقرأُ فيما نقرأ من القرآن قوله سبحانه من سورة المائدة: ((لتجدنَّ أشدَّ النّاس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودَّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً وأنَّهم لا يستكبرون))• ففي هذه الآية قسَّم اللَّه الناس قسمين اثنين: أعداء مستكبرين، وأولياء متواضعين، فالأولون هم: اليهود والمشركون، والآخرون: هم النصارى، والسياق القرآني لا يخرج اليهود والمشركين عن مسارهم الكفري الذي هم عليه، فلا إشكال، وأما النّصارى فليس من شكٍّ أنهم لم يبقوا على نصرانيتهم التي كانوا عليها، فقد أثنى اللَّه عليهم باسم النصرانية ((ولتجدنَّ أقربهم مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى))، وذكر من صفاتهم وأخلاقهم، ما يدعو إلى الثناء عليهم، وقد تحوّلوا إلى الإيمان، وأبقى لهم الاسم الذي كانوا عليه من قبل إيمانهم، ولو جرينا على ما ذهب إليه بعضهم من جعل بقاء الاسم الأول دليلاً على المراد منه أوّلاً، لكان اسم النصارى في هذه الآية، لا يصلح دليلاً على مودَّتهم أصحابَ الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، لأنَّ اسمهم (النصارى) لا يصلح إلا دليلاً على الوصف الذي كانوا عليه أولاً من قَبْل إسلامهم، وليس الأمر كذلك، فإنّ لغة العرب قادرة على استيعاب المسمَّيات بأسمائها جميعاً، من قبل أن تتخذ لها ثوباً جديداً، ومن بعد، فهي لا تضيق أن تُبقي على الأسماء على ما كانت عليه، لأنّ حقائق الأشياء لا تتحوّل عمّا كانت عليه، ولا على ما صارت إليه، وبخاصَّةٍ وأنّ الأجناس هي الأجناس، والأنواع التي تتفرّع عنها هي الأنواع، وقد ترسَّخت وثبتت في مسيرة الزمن، وعرفت على شهادة التاريخ، فهل يكون لأُمة أن تُعرف على غير ما عُرفت والمعرِّفها هو نبيُّها المبعوث فيها ومنها رحمة وهدى؟ إذاً؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: (وستفترق أمتي) أي: الأُمة التي بُعث فيها، وهي بما هي عليه من وِصْلَةِ النَّسب، ووشيجة الانتماءِ، تبقى على الحال التي وجدت عليه، وإن أصابها ما أصابها من قطعٍ أو وهنٍ في حالٍ، أو ثقافةٍ، أو مذهب•

للشيخ محمد ابراهيم شقرة ابو مالك
منقول
ربي لا تجعلنا من الذين ضل سعيهم في الحياة الدُنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا."
  • ملف العضو
  • معلومات
ابو ايمن
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 16-12-2007
  • المشاركات : 361
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابو ايمن is on a distinguished road
ابو ايمن
عضو فعال
رد: سر اتباع الناس للمرجئة
16-03-2008, 07:07 PM
بارك الله في الشيخ ابو مالك و في الناقل
--------------------------

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقاً وإن لم يكونوا أبراراً )) [ مجموع الفتاوى : 28/508 ]
  • ملف العضو
  • معلومات
اسد السنة
زائر
  • المشاركات : n/a
اسد السنة
زائر
 
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


المواضيع المتشابهه
الموضوع
ان كان عندك شخص غالي على قلبك ادخل
( التعريف بابن تيمية الحراني وانحرافه عن منهج السلف )
الإمام أبو حامد الغزالي
الساعة الآن 08:26 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى