من سوريا البَعث إلى سوريا العبَث
22-03-2013, 09:07 PM
قبل الثورة السورية كان الشعب السوري يعيش بأمنٍ عسكري ومن دون حريةٍ سياسية. بعدها صار يعيش من دون أيِّ أمن ومن دون أيِّ حرية. هذا لا يعني أن انتفاضة السوريين ما كانت ضرورية، بل أن كل ثورة لا تنتهي بخلال أسابيعَ أو أشهرٍ قليلة تَزحَل وتُستَنزف، تفقد اسمها الجميل وأهدافها النبيلة وأهلها الأوائل وتصبح اقتتالاً. تَغيّر مفهومُ الثورة. العصرُ الحالي لا يقبل ثورات العصور الغابرة، وإنسانُ القرن الواحد العشرين لا يتحمّل ثورات المئة سنة.
إن الحرية التي لا تجلبُ الأمنَ والاستقرار، وفرصَ العمل والازدهار، والنهضة والثقافة والحضارة، ليست حريةَ المواطن المعاصر. والأمن الذي لا يوائم الحرية وكرامة الإنسان ليس أمناً بل استعباد. إسرائيل فهمت منطقَ الوقت في الحروب؛ فكل حرب عَجَزت عن حسمها سريعاً أوقفتها حرصاً على وحدة شعبها ومجتمعها وكيانها. نحن في زمن الحروب السريعة (fast war).
المؤسف أن الحوار الإصلاحي (فالتغييري) الذي لم يبدأ جدّياً بين النظام والمعارضة قبل دمار سوريا، وقبل سقوط أكثر من مئة ألف قتيل، وقبل نزوح نحو ثلاثة ملايين سوري، أصبح اليوم حاجة الطرفين. ومن غرائب الدنيا أن النظام السوري صار يشترط الحوار مع معارضين لم تتلوّث أيديهم بالدماء بعدما كان المعارضون يشترطون الحوار مع شخصيات من النظام لم تتلوث أيديهم بالدم.
هذا يعني أن لا حوار في المدى المنظور لأن الدماء لوّثت أيدي الجميع. إن المعارضة تتصرّف وكأنها لا تزال ثورة، والنظام يتصرّف وكأنه لا يزال دولة في حين أن الحالتين سقطتا في دورة العنف الواعي جداً.
كل ما فعله العالم حتى اليوم هو أنْ حوّل الثورةَ إلى حربٍ أهلية ومشروعَ إسقاط النظام إلى مشروعِ تغييرِ الكيان. وآخِر القرارات العربية والدولية (شرعنة تسليح المعارضين) عقّدت الوضع عِوض أن تعالجه، إذ من شأنها أن تزيد القتال والدمار والضحايا.
السلاح هو أداة حربٍ لا آلية حل. واللافتُ، هو أن السلاح يُعطى لتقوية تنظيم "جيش سوريا الحر" على منظمة "جُبهة النصرة" لا لتقوية المعارضة ضد جيش النظام، ويُعطى أيضاً لمنع سقوط الثورة لا لإسقاط النظام.
إن المطلوبَ هو ضَرب سلاح الجيش السوري لا تسليح المعارضة السورية. القرار الأول يُسقِط النظام ويَحفظ وحدة سوريا، القرار الثاني يُطيل عمر النظام ويُفتِّت سوريا. نحن أمام تغييرِ سوريا لا أمام َتغييرٍ في سوريا. الثورة وراءنا والنظام وراءنا وسايكس بيكو وراءنا. إنها عودة سوريا إلى الحالة العثمانية من دون سلطنة عثمانية وإلى الخلافة الإسلامية من دون خليفة واحد.
مع سقوطها في مسارٍ تدميري، باتت الثورات العربية وكأنها "حربٌ سادسة" تشنّها إسرائيل على العرب. الحروب السابقة (1948، 1956، 1967، 1973، و1982) كانت بين الجيوش العربية وإسرائيل، وأدت إلى تحييد الدول العربية وإطلاق عملية السلام. الحرب الجديدة هي بين الأنظمة العربية وشعوبها وتؤدي إلى تدمير الدول العربية وتصفية عملية السلام.
كادت الثوراتُ العربية أن تكون أول حربٍ عربية هجومية جِديّة على إسرائيل لو التزمت مبادئها الأولى والشعارات، ونقلت دولَها من مفهوم السلطة إلى مفهوم الدولة، واحترمت تطلعات الشعوب.
لكن الحلمَ ضاع في اللِحى، والماضي سَرق المستقبل. أنذكر ما نقله موقع "فيلكا" الإسرائيلي في 03 نيسان 2011 عن وزير الأمن الإسرائيلي بأن "سوريا ستعود إلى العهد الحجري"؟
لدى بدء الثورة السورية قبل عامين، كان بشار الأسد يحلم بأن يغتسل بمياه بحيرة طبريّة، فإذ به اليوم يغتسل بدماء شعبه بعدما اغتسل هو ووالدُه بدماء اللبنانيين والفلسطينيين. عرّابو الاغتسال الأول هم أنفسهم عرّابو الاغتسال الثاني (العرب والغرب وروسيا).
على أهمية اتفاقات السلام والهدنة والتطبيع التي عقدتها مع دول عربية، ترى إسرائيل في تفتيت العالم العربي الضمانَ الاستراتيجي لأمن كيانها المهدد. ما هَمَّ إسرائيل اليوم من معاهدة "كامب دايفيد" بعدما انتقل "خطُّ بارليف" من سيناء إلى ميدان التحرير في القاهرة. وما هَمَّ إسرائيل اليوم من اتفاق "فك الاشتباك" في الجولان ما دام الاشتباك دائراً في دمشق بين النظام والمعارضة.
وما هَمَّ إسرائيل اليوم من القرار 1701 ما دام "حزب الله" يهادنها في الجنوب اللبناني ويقاتل في الجنوب السوري. وما هَمَّ إسرائيل اليوم من لبنان ما دام الانفجار العسكري يلوح على الحدود اللبنانية - السورية لا على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية.
منذ سنة 1948 ونحن نحذّر العالم من أن إسرائيل تسعى إلى تفتيت المنطقة العربية كياناتٍ طائفيةً وإتنية ومذهبية، ولما بدأت عمليات التفتيت دُهشنا وكذَّبنا أنفسَنا. قامت دولةُ جنوبِ السودان فلم نصدّق. استقلّت كردستان فلم نصدّق. انفصل جنوب اليمن فلم نصدّق. نشأت دولة الشيعة في العراق فلم نُصدِّق. طالب سُنَّةُ العراق بالحكم الذاتي فلم نصدّق.
عَقد دروزُ لبنان والعرب وإسرائيل مؤتمرَين تأسيسيَّين في الأردن وقبرص فلم نصدّق. ترعرعت دولة "حزب الله" ـ وغيرِه ـ في لبنان فلم نصدّق. تشكَّل المجلس الوطني للثورة السورية على أساس إتني ومذهبي فلم نصدّق. حصل فرزٌ قبائلي في ليبيا بعد الثورة فلم نُصدِّق. وسيُصلّى على الجثمان ولن نُصدِّق؛ أنا أصدِّق.
هناك بعدُ حالمون ـ ومِن الحلمِ ما قَتل ـ يظنّون أن الديموقراطية والوحدة والحرية على الأبواب، وأن ما يجري في سوريا ثورة شعب ضد نظام. كان بودي أن أصدِّق ذلك، أنا الذي ينتظر سقوطَ نظامِ البعث منذ استشهاد بشير الجميّل. لم يعد جوهر المواجهة في سوريا بين الديموقراطية والديكتاتورية، ولا بين الشعب والنظام.
الشعب السوري أصبح فريقاً ثالثاً في صراع عربي وفارسي وإسرائيلي ودولي. وبالتالي ليست موازينُ القوى العسكرية داخلَ سوريا ما سيحسم الحرب، بل موازين القوى السياسية الخارجية ما سيحسمها. بدايةُ الأحداث كانت سوريةَ الهويّة، أما نهايتها فرهنُ ألفِ طرفِ وألف عامل. وتبدو سوريا في هذه اللحظات مزيجاً من أفغانستان والجزائر والعراق وليبيا.
ما يحصل في سوريا هو فرز سكاني يؤشِّر إلى انفصال سوريا عن الدولة العلوية أكثر من انفصال الدولة العلوية عن سوريا، والبقية تأتي، إذ لا ننسى أن بلاد الشام هي تاريخياً "بلقان" الشرق الأوسط.
إن الحرية التي لا تجلبُ الأمنَ والاستقرار، وفرصَ العمل والازدهار، والنهضة والثقافة والحضارة، ليست حريةَ المواطن المعاصر. والأمن الذي لا يوائم الحرية وكرامة الإنسان ليس أمناً بل استعباد. إسرائيل فهمت منطقَ الوقت في الحروب؛ فكل حرب عَجَزت عن حسمها سريعاً أوقفتها حرصاً على وحدة شعبها ومجتمعها وكيانها. نحن في زمن الحروب السريعة (fast war).
المؤسف أن الحوار الإصلاحي (فالتغييري) الذي لم يبدأ جدّياً بين النظام والمعارضة قبل دمار سوريا، وقبل سقوط أكثر من مئة ألف قتيل، وقبل نزوح نحو ثلاثة ملايين سوري، أصبح اليوم حاجة الطرفين. ومن غرائب الدنيا أن النظام السوري صار يشترط الحوار مع معارضين لم تتلوّث أيديهم بالدماء بعدما كان المعارضون يشترطون الحوار مع شخصيات من النظام لم تتلوث أيديهم بالدم.
هذا يعني أن لا حوار في المدى المنظور لأن الدماء لوّثت أيدي الجميع. إن المعارضة تتصرّف وكأنها لا تزال ثورة، والنظام يتصرّف وكأنه لا يزال دولة في حين أن الحالتين سقطتا في دورة العنف الواعي جداً.
كل ما فعله العالم حتى اليوم هو أنْ حوّل الثورةَ إلى حربٍ أهلية ومشروعَ إسقاط النظام إلى مشروعِ تغييرِ الكيان. وآخِر القرارات العربية والدولية (شرعنة تسليح المعارضين) عقّدت الوضع عِوض أن تعالجه، إذ من شأنها أن تزيد القتال والدمار والضحايا.
السلاح هو أداة حربٍ لا آلية حل. واللافتُ، هو أن السلاح يُعطى لتقوية تنظيم "جيش سوريا الحر" على منظمة "جُبهة النصرة" لا لتقوية المعارضة ضد جيش النظام، ويُعطى أيضاً لمنع سقوط الثورة لا لإسقاط النظام.
إن المطلوبَ هو ضَرب سلاح الجيش السوري لا تسليح المعارضة السورية. القرار الأول يُسقِط النظام ويَحفظ وحدة سوريا، القرار الثاني يُطيل عمر النظام ويُفتِّت سوريا. نحن أمام تغييرِ سوريا لا أمام َتغييرٍ في سوريا. الثورة وراءنا والنظام وراءنا وسايكس بيكو وراءنا. إنها عودة سوريا إلى الحالة العثمانية من دون سلطنة عثمانية وإلى الخلافة الإسلامية من دون خليفة واحد.
مع سقوطها في مسارٍ تدميري، باتت الثورات العربية وكأنها "حربٌ سادسة" تشنّها إسرائيل على العرب. الحروب السابقة (1948، 1956، 1967، 1973، و1982) كانت بين الجيوش العربية وإسرائيل، وأدت إلى تحييد الدول العربية وإطلاق عملية السلام. الحرب الجديدة هي بين الأنظمة العربية وشعوبها وتؤدي إلى تدمير الدول العربية وتصفية عملية السلام.
كادت الثوراتُ العربية أن تكون أول حربٍ عربية هجومية جِديّة على إسرائيل لو التزمت مبادئها الأولى والشعارات، ونقلت دولَها من مفهوم السلطة إلى مفهوم الدولة، واحترمت تطلعات الشعوب.
لكن الحلمَ ضاع في اللِحى، والماضي سَرق المستقبل. أنذكر ما نقله موقع "فيلكا" الإسرائيلي في 03 نيسان 2011 عن وزير الأمن الإسرائيلي بأن "سوريا ستعود إلى العهد الحجري"؟
لدى بدء الثورة السورية قبل عامين، كان بشار الأسد يحلم بأن يغتسل بمياه بحيرة طبريّة، فإذ به اليوم يغتسل بدماء شعبه بعدما اغتسل هو ووالدُه بدماء اللبنانيين والفلسطينيين. عرّابو الاغتسال الأول هم أنفسهم عرّابو الاغتسال الثاني (العرب والغرب وروسيا).
على أهمية اتفاقات السلام والهدنة والتطبيع التي عقدتها مع دول عربية، ترى إسرائيل في تفتيت العالم العربي الضمانَ الاستراتيجي لأمن كيانها المهدد. ما هَمَّ إسرائيل اليوم من معاهدة "كامب دايفيد" بعدما انتقل "خطُّ بارليف" من سيناء إلى ميدان التحرير في القاهرة. وما هَمَّ إسرائيل اليوم من اتفاق "فك الاشتباك" في الجولان ما دام الاشتباك دائراً في دمشق بين النظام والمعارضة.
وما هَمَّ إسرائيل اليوم من القرار 1701 ما دام "حزب الله" يهادنها في الجنوب اللبناني ويقاتل في الجنوب السوري. وما هَمَّ إسرائيل اليوم من لبنان ما دام الانفجار العسكري يلوح على الحدود اللبنانية - السورية لا على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية.
منذ سنة 1948 ونحن نحذّر العالم من أن إسرائيل تسعى إلى تفتيت المنطقة العربية كياناتٍ طائفيةً وإتنية ومذهبية، ولما بدأت عمليات التفتيت دُهشنا وكذَّبنا أنفسَنا. قامت دولةُ جنوبِ السودان فلم نصدّق. استقلّت كردستان فلم نصدّق. انفصل جنوب اليمن فلم نصدّق. نشأت دولة الشيعة في العراق فلم نُصدِّق. طالب سُنَّةُ العراق بالحكم الذاتي فلم نصدّق.
عَقد دروزُ لبنان والعرب وإسرائيل مؤتمرَين تأسيسيَّين في الأردن وقبرص فلم نصدّق. ترعرعت دولة "حزب الله" ـ وغيرِه ـ في لبنان فلم نصدّق. تشكَّل المجلس الوطني للثورة السورية على أساس إتني ومذهبي فلم نصدّق. حصل فرزٌ قبائلي في ليبيا بعد الثورة فلم نُصدِّق. وسيُصلّى على الجثمان ولن نُصدِّق؛ أنا أصدِّق.
هناك بعدُ حالمون ـ ومِن الحلمِ ما قَتل ـ يظنّون أن الديموقراطية والوحدة والحرية على الأبواب، وأن ما يجري في سوريا ثورة شعب ضد نظام. كان بودي أن أصدِّق ذلك، أنا الذي ينتظر سقوطَ نظامِ البعث منذ استشهاد بشير الجميّل. لم يعد جوهر المواجهة في سوريا بين الديموقراطية والديكتاتورية، ولا بين الشعب والنظام.
الشعب السوري أصبح فريقاً ثالثاً في صراع عربي وفارسي وإسرائيلي ودولي. وبالتالي ليست موازينُ القوى العسكرية داخلَ سوريا ما سيحسم الحرب، بل موازين القوى السياسية الخارجية ما سيحسمها. بدايةُ الأحداث كانت سوريةَ الهويّة، أما نهايتها فرهنُ ألفِ طرفِ وألف عامل. وتبدو سوريا في هذه اللحظات مزيجاً من أفغانستان والجزائر والعراق وليبيا.
ما يحصل في سوريا هو فرز سكاني يؤشِّر إلى انفصال سوريا عن الدولة العلوية أكثر من انفصال الدولة العلوية عن سوريا، والبقية تأتي، إذ لا ننسى أن بلاد الشام هي تاريخياً "بلقان" الشرق الأوسط.
الديمقراطيه الأمريكيه أشبه بحصان طرواده الحريه من الخارج ومليشيات الموت في الداخل... ولا يثق بأمريكا إلا مغفل ولا تمدح أمريكا إلا خادم لها !










.gif)


