الجهل البسيط والجهل المركب*
20-05-2015, 03:41 AM
-
حمزة* يدوغي
الجهل البسيط والجهل المركب*
إن مما* يؤثر عن صاحب نظرية النسبية* "أنشطاين*" أنه قال*:"ليس هناك ما هو أخطر من الجهل المركب*" نعم لأن الجهل* "البسيط*" قد تشفع له الفطرة السليمة والاستعداد لقبول الحق متى* قدم له،* فصاحب الجهل البسيط والفطرة السليمة إذا علم حقا وبدون عقدة بأنه* "لا* يعلم*" فقد أخذ نصف العلم كما قال الإمام مالك رضي* الله عنه،* وهو في* هذه الحال* يكون* "مشروع عالم*". - أما الجهل المركب فلا دواء* له،* لأن صاحبه ليس جاهلا فيداوي* جهله بالعلم،* فهو في* نظر نفسه عالم مثقف واع ومفكر مبدع،* وخطورة هذا"العلم الجاهل*" يكمن في* ذهنية صاحبه التي* شكلت وفق منهج في* التفكير* غريب عن ذاته وبيئته الحضارية،* منهج نشأ في* مناخ حضاري* خاص،* يقوم على* فلسفة متميزة في* النظر إلى* الكون والإنسان والحياة،* هذا الجهل المركب نجد له بسهولة تامة من* يمثله في* واقعنا الفكري* والثقافي* عموما،* والتأثير السلبي* الذي* يحدثه هؤلاء* في* المحيط الذي* ينشطون فيه أنهم عندما* يكتبون أو* يتحدثون في* مسائل جوهرية حساسة كالدين والسياسة وفلسفة الحكم،* وما إلى ذلك فإنهم* يفعلون ذلك وفق منطق محكم ونسق فكري* منسجم،* لكن الخلل* يكمن أصلا في* الفلسفة التي* يقوم عليها هذا المنطق المحكم،* وهذا النسق الفكري* المنسجم*. ولنأخذ لذلك مثلا،* إن الواحد من هؤلاء عندما* يتحدث عن المعضلات الكبرى التي* يعانيها المجتمع* يقول بثقة مطلقة وقناعة لا* يرقى إليها الشك في* نظره*: إن كل من استنار بالفكر الحديث وأدرك بوعي* منطق العصر ومقتضيات التطور وشروط النهوض الحضاري* يعلم علم اليقين أن خلاص المجتمعات الإسلامية اليوم كلها من أكبر المعضلات التي* تواجهها ـ التي* هي* نظام الحكم ـ* يتمثل في* تبني* الفلسفة الغربية في* العلمانية،* وما تقتضيه في* مجال سياسة الحكم من انتهاج النظام الديموقراطي* بالمفهوم اللائكي* الوضعي* الذي* ينفي* أية مرجعية أخرى للمبادئ* والقيم* غير الفكر الوضعي* للإنسان،* ورأي* الأغلبية مهما* يكن هذا الرأي* سواء في* العقيدة أو الأخلاق*.
- وعندما تناقشه وتقول له*: إن العلمانية وليدة واقع تاريخي* متميز ومناخ حضاري* خاص هو المناخ الحضاري* الغربي،* فلا* يمكن إسقاطها على* واقع تاريخي* آخر كالواقع التاريخي* للمجتمعات الإسلامية أو على وضعها الحضاري* القائم،* إذ ليس هناك* "مماثلة*" تسوغ* المقارنة أو الموازنة بينهما،* فالإنسان الغربي* عندما* يتحدث عن العلمانية كعلامة نضج حضاري* ورقي* فكري* ينطلق من نسق عام* ينسجم مع المنطق ومع التاريخ لأنه* يتبنى قناعات خاصة به،* ومسلمات عقلية لا* يقبل فيها مراجعة أو جدالا*.
عندما تقول له ذلك،* تجيبك بأن هناك* "مسلمات وحقائق وكليات*: ليست خاصة بالفكر العربي* وحده،* بل هي* مما* يسلم به كل ذي* عقل سليم وفكر مستنير،* ومن هذه المسلمات أن الدين رباني* المصدر،* فهو مقدس،* خالد وكامل،* وأما واقع الناس فإنه على* عكس ذلك،* فهو ناقص ومتغير،* غير مقدس وفان*!. ثم إن الدين روحي* والواقع زمني،* فهناك إذن تناقض قائم أبدا بين الطرفين* يجعل* "زواجهما*" أمرا مستحيلا*.
فإذا توّحد الدين مع الواقع لا بد من أن* يشوّه أحدهما الآخر*: فإما أن* يطبع الحكم الديني* بقداسته واقع الحياة المتغير والمتلون،* وإما أن* يطغى هذا الواقع الدنيوي* على* الدين فيدنسه ويجرده من سموه وقداسته وروحانيته*.
عندما* يستمع الإنسان الواعي* إلى* مثل هذا"المنطق*" أو إلى هذا النسق الفكري* يدرك من دون شك مدى خطورة* "الجهل المركب*" وصعوبة مناقشته،* ناهيكم من إقناعه*. فلو كان النقاش في* هذه المسألة مع* "الجهل البسيط*" لكان الأمر هينا* يسيرا،* ولكان* يكفي* أن توضح لصاحبه أن الإنسان الغربي* منسجم مع نفسه وتاريخه ومناخه الحضاري* لأن تاريخ المسيحية* "المحرفة*" أكد ضرورة ذلك الفصل الحاسم بين الدين والواقع،* بين الدين والقانون،* بين الدين والدولة*! فالعلمانية هي* التي* صححت مسار الكنيسة في* الغرب،* بعد أن انحرفت انحرافا* يأباه العقل وتعارضه الفطرة ويناقضه التطور السليم للحياة،* وليس في* هذا كله أدنى* غرابة أو لبس أو* غموض،* لكن الغريب أن* يتبنى"مثقفون مسلمون*" هذه النظرة ذاتها ويرونها صالحة للمجتمعات الإسلامية اليوم مثلما صلحت للمجتمعات الغربية بالأمس،* ويلحون في* الدعوة إليها في* ثقة تؤكد اغترابهم عن الذات الذي* أورثهم هذا الجهل المركب،* وحجب عنهم* "الحقائق الكلية الإسلامية*"،* أولها أن الإسلام عقيدة وشريعة،* بمعنى أن هناك واجبا دينيامقدسا لا بد له من* "إطار مدني*" لكي* يتحقق،* ثم إن الإسلام مبادئ وقيم ومثل لا بد لها من أن تحيا وتثمر،* ولا* يمكن لها أن تحيا وتثمر إذا لم تسر في* مجالات حساسة كمجالات التربية والتعليم والقانون والقضاء* والسياسة والإعلام،* ومن* يضمن لها هذا الحضور الحي* غير* "جهاز مدني*" منظم* يؤمن بهذه الأحكام والمبادئ والقيم*.. أي* الدولة المدنية*. لا هي* علمانية لائكية ولا هي* كهنوتية*.







