الزجاجــــــــــــــــــــــتان
09-05-2016, 04:03 PM
الزجاجــــــــــــــــــــــتان
خيوط الفجر الأولى بدأت تعانق أروقة السوق و سقوفه و حيطانه و بعض الشجيرات المبثوثة هنا و هناك...
الحياة بدأت تدب في شرايينه التي ابتلعها صمت الليل الطويل. و جلبة الباعة بدأت تفرض سلطانها على المكان مرة أخرى...
الدكاكين الموصدة أخذت تشرع أبوابها واحدة تلو الأخرى كما تتفتح الورود عندما يصافحها رذاذ السماء...
بيديه الكبيرتين و المرصعتين بعروق زرقاء نافرة .فتح العم أكرم مصراع الحانوت و هو يلهج بشتى ألوان الأدعية...الشيخ كتاب حافل من العزم و النشاط و الثقة رغم هذا البرد الأرعن الذي يقتحم المنطقة في هذا الصباح. بحركات روتينية مألوفة جعل يرتب الدكان و يعيد إليه رونقه و بهاءه ...و بيد خبيرة بالصنعة أضاء الثلاجة و مسح زجاجها الصقيل و صفف كتل اللحم في وسطها.
علق رؤوس الكباش على مسامير غليظة. ثم حمل رأس ثور بصعوبة و ثبته فوق وتد أمام المحل.
وضع على الطاولة الكبيرة أحشاء شاة تم ذبحها للتو. وقام بتقطيع الكبد ووضعه في واجهة الحانوت. البضاعة أصبحت جاهزة و تسيل لعاب المتسوقين . الجميع يشهد لبضاعة العم أكرم بالجودة و النقاء...
و سرعان ما يتقاطر الزبائن من كل حدب وصوب على الدكان كأنه قبلة مقدسة يغشاها جميع الناس. الفقير و الموسر.الشيوخ و الشباب. النساء و الرجال.الجميع يجد ضالته هنا دون جهد أو تعب و بأثمان تريح الجميع...
هش الشيخ لهذا الحشد الصاخب من الزبائن. الجميع يسعى للظفر بشيء من تلك البضاعة التي تسبي الأبصار...
يقطع لهذا الكتف و يزن للآخر شيئا من الكبد و ينصح ذلك الزبون بصنف من اللحم للمأدبة ...في هذا الحانوت فقط يلمس الجميع صدق النصيحة و كرم الوفادة و جودة اللحوم.
الجلبة كانت مرتفعة في هذه الأثناء لكن صوتا أجش يبتلع كل تلك الجلبة مثلما تزدرد الحيتان صغار السمك في جوف المحيط :
– طاب يومك يا أخ أكرم. أين نصيبي من الكبد و اللحم ؟؟؟-
تطلع الزبائن إلى مصدر الصوت...كهل قد تخطى العقد السادس بقليل. الشمس و الحياة و أصابع الزمن بدلت خريطة وجهه العريض.
رث الملبس و قبيح الملامح. تتسلل منه رائحة تثير السأم. كأن المياه قد خاصمت جلده منذ أن شيد الفراعنة الأهرام.

لا أحد يدري كيف اقتحم هذا المكان عنوة و دون أن يعير اهتمام للزبائن الجاثمين أمامه. و سرعان ما استنتج الجميع بأنه طفيلي تعود أن يرتاد هذا الحانوت للظفر بشيء من اللحم يؤنس به وحشة بطنه...
كان الرجلان في أول الشباب لا يفترقان إلا إذا جن الليل. كانا يعاقران الخمر و كل ألوان الشراب و الرذيلة...
كانا من الرواد الأوفياء لحانة *النجمة* التي كانت تتوسط خاصرة البلدة...صديقان حميمان في السراء و الضراء و كثيرا ما اقتسما قدح النبيذ معا أيام العوز و الجوع و الفاقة..
لكن وفاة أم أكرم أرغمته حينها على الإقلاع عن معاقرة الخمر و اجتناب تلك الرذيلة...في أيام قليلة أمسى الشاب جزار البلدة بلا منازع و ما لبث أن أصبح مستقيما لا يكاد صوت عبد الباسط عبد الصمد يفارق حانوته
– هل بك صمم يا أكرم أم أنك لا تحفل بسؤالي . هيا امنحني شيئا من اللحم - صاح الرجل ذو الرائحة المقززة ...تبرم الجزار من إلحاح صديقه القديم و استشاط غضبا. ثم لوح بالموسى في الهواء أمام ذهول الزبائن و قال :
– ليس لك عندي شيء .ارحل إلى الجحيم أيها السكير العربيد. حذار أن تطأ أرض هذا المحل مجددا-
حدق الصديق القديم مليا في وجه أكرم كأنه يقرأ كتابا مقدسا.و مسح العرق الذي بدأ يرشح من جبينه العريض... ثم هتف بين أسنانه و هو يغادر المكان :
– سوف تندم أشد الندم يا أكرم -
انسلخ شهر في بطء يفوق بطء السلاحف. اليوم هو أجازة الأسبوع .والجو غائم على غير العادة و الزحام شديد في الحانوت .
لكن صوتا يعرفه أكرم يبدد ذلك الصخب و يحيله إلى صمت أشد من صمت المعابد...قال الرجل ذو الرائحة المنتنة مبتسما و هو يضع زجاجتين فارغتين من صنف الويسكي على الطاولة:
- أكرم إن الرفاق يتوسلون إليك أن ترسل إليهم زجاجتين جديدتين من الوسيكي و بنفس الجودة مع كل الشكر و الامتنان –
و غادر الرجل و هو يخفي ابتسامة انتصار تاركا خلفه الزبائن وأفواههم فاغرة....