هل السلفيين سبب في تفرقة كلمة المسلمين ؟
29-01-2009, 05:27 PM
فضيلة الشيخ أحمد بن يحي النجمي رحمه الله
س2- فضيلة الشيخ نرجو بيان كلمة مختصرةٍ جدًّا حول ما يشيعه بعض الحزبيين عن أهل المنهج السلفي، وافترائهم عليهم, وأنَّ السلفيين جاءوا بالتفريق لكلمة المسلمين، وذلك عندما بينوا حال بعض الجماعات الإسلامية ومنظريها، والَّتِي خالفت نَهج الأنبياء والمرسلين، وما كان عليه سلفنا الصالح من العقيدة الحقة، والدعوة السليمة الموافقة لِمَا فِي كتاب الله، وسنة رسوله ج نرجو منكم يا شيخنا الرد على شبهة هؤلاء الضلال -كفانا الله شر الأفاكين- وجزاكم الله خيرًا؟
ج2- إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لاشريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله أمَّا بعد: فإن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ج وشر الأمور محدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة؛
أما بعد:
طلب منِّي بعض الإخوة أن أقدم كلمات بِها نصيحة توجيهية، والذي أراه أنه ينبغي الكلام فيه هو منهج السلف -رحمهم الله-، فهذا كلام باختصار أقول فيه:
منهج السلف الصالح هو منهج واضح لا غبار عليه، ولا قصورفيه ولا لبس؛ بل هو واضح لكل أحد؛ منهج السلف الصالح هو الدعوة إلى كتاب الله، وسنة رسول الله ج وعلى فهم السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث أهل السنة والجماعة؛ الذين ورثوا هذا الدين عن نبيهم، وعن صحابة نبيهم -صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم-؛ هذا هو المنهج الذي يدعو إليه السلفيون.
ومن زعم بأن السلفيين هم الذين جاءوا بالتفريق، وهم الذين جاءوا باختلاف الكلمة، فقد كذب، وافترى فرية يسأله الله عز وجل عنها, فوالله ما جاء بتفريق الكلمة إلاَّ أصحاب الحزبيات؛ الذين جاءوا ببدع، وهم الذين جاءوا بِهذا، وهم الذين سببوا التفرقة، ولكن عندما يتكلم متكلمهم أو يكتب كاتبهم، فيرمي السلفيين بأنَّهم هم الذين فرقوا، فإنه قد وقع فيما قيل: رمتني بدائها وانسلت، وهذا قلب للحقائق، وسيسأل الله عن هذا الكلام من قاله، ويعلم الله عالم الغيب والشهادة الذي يعلم السر وأخفى من السر، فهو يعلم من الذي جاء بالتفرقة ومن الذي جاء باختلاف الكلمة، ومن الذي سبب هذا، وما يقوله، وينتحله بعض الناس في السلفيين، فما هذا إلاَّ صدٌ عن سبيل الله، ورميٌ للسلفيين بما ليس فيهم، والخصومة بيننا وبين الحزبين بين يدي الله؛ لابد أن نجتمع في الخصومة نحن وإياهم، والله عز وجل يقول: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: من الآية19]. نسأل الله أن يوفق المسلمين لما يحب ويرضى, وأن يكفيهم شر هؤلاء الحزبيين؛ الذين يَضلون، ويُضِلون، ونسأل الله أن يعين أهل المنهج السلفي على الصبر، وعلى التمسك بدينهم، الدين الحق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
***********************************
س3- فضيلة الشيخ ما رأيكم فيمن يقول لا ينبغي للعلماء أن يرُدَّ بعضهم على بعض في هذا الوقت؛ لأنَّ هذا يقوِّي شوكة الأعداء، ويشقُّ الصف، ولاسيما ونحن المسلمين نعيش في انْهزامية وتسلطٍ من الكفار على كثيرٍ من بلدان المسلمين، ولابدَّ فيه من الاجتماع، والألفة، والْمَحبة لننتصر فيه على أعداء الإسلام أولاً من اليهود، والنصارى، وغيرهم من أهل الملل الباطلة، ثُمَّ بعد ذلك نناقش القضايا، والمفاهيم الَّتِي اختلفت فيها وجهات النظر بكونِها صحيحةً أو خاطئة, نرجو بيان الحق في هذه المسألة الَّتِي وقع فيها كثيرٌ من الشباب، وهل يا شيخ يصح أن نطلق على كل من خالف الكتاب والسنة من المسلمين بأنَّه منافق، وأنَّه عدو للإسلام من الداخل, وجزاكم الله خيرًا؟
ج3- الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد: الردود واجبةٌ بوجوب الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فكما أنَّه لايجوز لنا أن نقرَّ الباطل مهما كان نوعه؛ سواءً كان في الأخلاق أو في المعاملات أو في العبادات أو في العقائد وهو الأهم, والله عز وجل قد مدح أمَّة محمدٍ ج بثلاث خصال: وهي الإيْمان بالله أولاً، والأمر بالمعروف ثانيًا، والنَّهي عن المنكر ثالثًا؛ فقال جلَّ من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: من الآية110]. وكما مدح الله أمَّة محمدٍ ج بِهذه الخصال، فقد ذمَّ أهل الكتاب بتركها، فقال عن أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ -78, كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:78-79].
وقد ذمَّ الله عز وجل الكاتمين ولعنهم في قوله -جلَّ من قائل-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ -159, إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:159-160].
ومن هذه الأدلة نعلم أنَّ الردود الَّتِي تقع إنَّما تقع على أقوامٍ أخطأوا في العقيدة أو في غيرها, فأدخلوا في الإسلام ما ليس منه؛ أحلوا حرامًا أو حرموا حلالاً أو أباحوا ممنوعًا أو سكتوا عن الشرك، وغضوا الطرف عن أهله, أو ابتدعوا بدعةً في الدين حتى يظنُّ الظان أنَّ تلك البدع من الدين.
فمن أجل ذلك ردَّ أقوامٌ من السلفيين على أقوامٍ من المبتدعة، وبينوا الأخطاء الَّتِي وقعوا فيها, سواءً كانت في العقيدة أو في المعاملات أو في العبادات، وإنَّ هؤلاء الذين فعلوا ذلك، وكلفوا أنفسهم بالرد إنَّما فعلوا ذلك بيانًا للحق، ودفعًا للباطل، وذودًا عن الدين، وحمايةً له من أن يدخل فيه ما ليس منه، فهؤلاء قد فعلوا ما أمر الله به، ولَم يكن منهم اعتداء على أحد ولا خروجٌ عن الحق، وإنَّما أرادوا أن يفهم الناس الحق، ويبتعدوا عن الباطل، فمن يخطئهم فهو المخطئ، ومن يضلِّلهم فهو الضال.
أمَّا قول القائل: بأنَّه يجب علينا أن نجتمع، وأن نتآخى، فنقول لهم: على أي شيءٍ نجتمع؟!! فالله عز وجل أمرنا أن نجتمع على الحق، ولَم يأمرنا أن نجتمع على الباطل، والله عز وجل أمرنا أن نكون أمَّةً واحدة كما كان أصحاب رسول الله ج أمَّةً واحدة؛ علمًا بأنَّ أصحابه كان فيهم المنافق، وكان يعاديهم اليهود، والنصارى، والصابئون، والمشركون الوثنيون، وقد قال عز وجل : ﴿يَأَيُّهَا النَّبِي جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم:9].
وما هذه إلاَّ خدعةٌ، وما هذا إلاَّ تضليل حينما يقال إنَّه لاينبغي أن يرد بعضنا على بعض؛ لأنَّ في ذلك شقٌّ للصف، وإظهارٌ للعداوة فيما بين المؤمنين. وهؤلاء منهم من يقول: هذا خداعًا، وهو يعلم أنَّ الحق في غيره، ومنهم من يقول هذا تقليدًا لغيره، ومحاكاةً لمن يقول هذا القول؛ لأنَّ هذا القول ربما انطلى على من لا يعلم، فظنَّ أنَّه حق وهو باطل، وظنَّ أنَّ من قاله ناصحًا، وهو إنَّما قاله ليكيد به الإسلام، ويضر به الدين، فلو سكت أهل الحق والمعرفة حتى يستفحل أمر المبتدعة لكان في ذلك ضرر عظيم.
وما نصر الله نبيه، وأصحاب نبيه إلاَّ لأنَّهم نصروا الحق على أنفسهم أولاً، وعلى غيرهم ثانيًا والله تعالى قد قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:7].
فإذا نصرنا الله على أنفسنا، وعلى من سوانا نصرنا الله، وإذا خذلنا الحق، وكتمنا ما أمرنا الله بأن نبلغه للناس فإنَّا نكون حينئذٍ قد تعرضنا لغضب الله، وقد قال النَّبِي ج: (إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)([8]) رواه الإمام الترمذي؛ قال أبو عيسى الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وأم سلمة، والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمر، وحذيفة وهذا حديث صحيح.
فلا يستقيم الدين إلاَّ بالتناصح، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقد قال الله عز وجل : ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:116].
وبِهذا نعلم أنَّ الردود الَّتِي تكون في محلها حقٌّ، وبِها تكون إقامة الدين، ومن قال خلاف ذلك حكم عليه بالضلال؛ لأنَّه بكتمان الحق أراد أن يستفحل الباطل؛ نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، والسداد.
ما يحسن أن يستدل به في هذا المقام أنَّ الله عز وجل عاقب أصحاب نبيه في غزوة أحد حين تركوا الجبل الذي أمرهم رسول الله ج بالبقاء فيه بقوله ج: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم، وأوطأناهم، فلاتبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم)([9]) رواه البخاري. وقد كانوا لمَّا رأوا النَّصر، فحصل فيهم الاختلاف والانْهزام فعاتبهم الله في ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ -152, إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:152-153]. وما حصل لأصحاب النَّبِي ج أيضًا يوم حنين من الانْهزام بسبب كلمةٍ قالوها: لن نغلب اليوم من قلة، وقد عاتبهم الله عز وجل في ذلك أيضًا بقوله جلَّ من قائل: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ -25, ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: من الآية25-26].
والمهم أنَّه ما استنْزل النَّصر بمثل طاعة الله، وإنَّ الردود على أصحاب الباطل، ورد الحقِّ إلى نصابه، وبيانه لمن يجهله لهو الحق والطاعة الَّتِي يستنْزل بِها النصر.
أمَّا الكثرة مع وجود المعاصي، والبدع، فإنَّها داءٌ وبيل، وموجبةٌ لغضب الله عز وجل وذلك حرمانٌ من خير الدنيا، ومن ذلك النصر على الأعداء، وعزة أهل الحق بالحق الذي يحملونه، وحرمان أيضًا من الظفر، والفلاح في الآخرة، والفوز فيها بتثقيل الموازين، والمرور على الصراط، والنجاة من النار، ودخول الجنة.
وأقول: المخالفون للكتاب والسنة أنواع, منهم: من يقصد المخالفة، ويدعو إلى الباطل، وإذا دعي إلى الحق أبى، وأعرض، ونفر، فهو يعيب دعاة الحق، ويتهمهم بالضلال، والغواية, مع أنَّه هو الضال، وهو الغاوي، فهذا لا شك أنَّه منافق.
وقول من قال: أنَّ من يكون هكذا هو عدوٌّ للدين من داخله, قولٌ صحيح.
أمَّا من وقع في الخطأ جهلاً منه، وإذا روجع رجع، وإذا تبيَّن له الحق قبله، فهذا لاينبغي أن يوصف بأنَّه منافق؛ وإنَّ المشايخ الذين يقولون هذا القول أنَّ للدين عدوًَّا من الداخل لايقولونه إلاَّ عن علم, ولايقصدون به إلاَّ أعداء الدين الحق من دعاة البدع والضلال؛ الذين يصرون على الباطل وهم يعلمون أنَّه باطل؛ يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف؛ فمن أمر بالتحزب، فقد أمر بمنكر، ومن أمر بمتابعة أهل البدع، فقد أمر بمنكر، وهو جديرٌ بأن يقال فيه بأنَّه منافق، وأنَّه عدوٌّ للدين الحق.
أمَّا قول القائل بأنَّهم يطلقون على كل من خالف بأنَّه منافق، فهذا القول ليس بصحيح، وإنَّما يطلقون النفاق على من مضى وصفهم، فتجدهم لو أراد أحدٌ أن يرجع عن الباطل، وعن التحزب، وعن البدع لاموه، وذموه وعصَّبوه، وحزَّبوه ليصر على ذلك الباطل الذي هو فيه، فهؤلاء دعاة ضلالة، وهم في الحقيقة أعداء للدين؛ أعداء للتوحيد؛ أعداء للسنة؛ أعداء للمنهج السلفي شاءوا أم أبوا.
هذا ما نعلمه، وندين الله به بعد تجربة، وبعد سبر للأمور؛ عرفنا من خلال ذلك السبر وتلك التجربة؛ أنَّ أولئك الأعداء من الداخل يهدمون أكثر مما يصلحون، ويضرون أكثر مما ينفعون، ويفسدون وهم يحسبون أنَّهم يحسنون، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
***********************************
س4: فضيلة الشيخ؛ يسأل سائلٌ ويقول: إنِّي شابٌّ ملتزمٌ، ولله الحمد والمنة، وأرغب في صحبة الملتزمين، ولكن في الآونة الأخيرة سمعت عن وجود شبابٍ ملتزمين حادوا عن الصراط المستقيم, وأخذتْهم الأحزاب المتناحرة من إخوانيةٍ، وتبليغيةٍ، وقطبيةٍ وغيرها من تلك المناهج والأحزاب الَّتِي أسمع بأنَّها موجودة، فالآن يا فضيلة الشيخ، وضِّح لي في هذا المقام باختصار من هو الذي أصاحبه، وأرى أنَّه على الحق، وما العلامات الَّتِي أعرف بِها أنَّ هذا الشاب الملتزم على غير سنةٍ؛ بل على بدعةٍ وضلالة، وفقكم الله وسدد خطاكم لكل خيرٍ وفضيلة ؟
ج4- الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد: يجب عليك أن تجتنب تلك الأحزاب جميعًا، وأن تكون مع السلفيين الذين لايتحزبون لأحد ولايدخلون في شيءٍ من الحزبيات؛ بل أنَّهم يأخذون بالكتاب والسنة وعمل السلف ويشتغلون بدراسة العلم؛ من قرآنٍ وتفسيرٍ كالتفسير بالرواية، ويشتغلون بالحديث النبوي والآثار المروية عن السلف؛ في العقيدة، وفي شروح الحديث، ويتفقهون على ضوء ذلك ولايتعصبون لأحد من العلماء؛ بل يقولون بالحق، ويتبعون الدليل.
أمَّا من رأيته يتحزب لحزبٍ معروف؛ يوالي عليه، ويعادي من أجله، ويأتمر بأوامر كِبَارِه ولوكانت معصيةً لله، وينتهي عما نَهوه عنه، وإن كان طاعةً لله، ويتكلمون في ولاة الأمر فهؤلاء يجب عليك أن تجتنبهم، وتبتعد عنهم، وتفصيل ذلك مبسوطٌ في مواضعه، فاشتغل بطلب العلم على الشيوخ السلفيين، وابتعد عن هؤلاء الحزبيين المتعصبين، وفقنا الله وإيِّاك لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المصدر:
الفتاوى الجلية عن المناهج الدعوية
فضيلة الشيخ أحمد بن يحي النجمي رحمه الله
س2- فضيلة الشيخ نرجو بيان كلمة مختصرةٍ جدًّا حول ما يشيعه بعض الحزبيين عن أهل المنهج السلفي، وافترائهم عليهم, وأنَّ السلفيين جاءوا بالتفريق لكلمة المسلمين، وذلك عندما بينوا حال بعض الجماعات الإسلامية ومنظريها، والَّتِي خالفت نَهج الأنبياء والمرسلين، وما كان عليه سلفنا الصالح من العقيدة الحقة، والدعوة السليمة الموافقة لِمَا فِي كتاب الله، وسنة رسوله ج نرجو منكم يا شيخنا الرد على شبهة هؤلاء الضلال -كفانا الله شر الأفاكين- وجزاكم الله خيرًا؟
ج2- إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لاشريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله أمَّا بعد: فإن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ج وشر الأمور محدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة؛
أما بعد:
طلب منِّي بعض الإخوة أن أقدم كلمات بِها نصيحة توجيهية، والذي أراه أنه ينبغي الكلام فيه هو منهج السلف -رحمهم الله-، فهذا كلام باختصار أقول فيه:
منهج السلف الصالح هو منهج واضح لا غبار عليه، ولا قصورفيه ولا لبس؛ بل هو واضح لكل أحد؛ منهج السلف الصالح هو الدعوة إلى كتاب الله، وسنة رسول الله ج وعلى فهم السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث أهل السنة والجماعة؛ الذين ورثوا هذا الدين عن نبيهم، وعن صحابة نبيهم -صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم-؛ هذا هو المنهج الذي يدعو إليه السلفيون.
ومن زعم بأن السلفيين هم الذين جاءوا بالتفريق، وهم الذين جاءوا باختلاف الكلمة، فقد كذب، وافترى فرية يسأله الله عز وجل عنها, فوالله ما جاء بتفريق الكلمة إلاَّ أصحاب الحزبيات؛ الذين جاءوا ببدع، وهم الذين جاءوا بِهذا، وهم الذين سببوا التفرقة، ولكن عندما يتكلم متكلمهم أو يكتب كاتبهم، فيرمي السلفيين بأنَّهم هم الذين فرقوا، فإنه قد وقع فيما قيل: رمتني بدائها وانسلت، وهذا قلب للحقائق، وسيسأل الله عن هذا الكلام من قاله، ويعلم الله عالم الغيب والشهادة الذي يعلم السر وأخفى من السر، فهو يعلم من الذي جاء بالتفرقة ومن الذي جاء باختلاف الكلمة، ومن الذي سبب هذا، وما يقوله، وينتحله بعض الناس في السلفيين، فما هذا إلاَّ صدٌ عن سبيل الله، ورميٌ للسلفيين بما ليس فيهم، والخصومة بيننا وبين الحزبين بين يدي الله؛ لابد أن نجتمع في الخصومة نحن وإياهم، والله عز وجل يقول: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: من الآية19]. نسأل الله أن يوفق المسلمين لما يحب ويرضى, وأن يكفيهم شر هؤلاء الحزبيين؛ الذين يَضلون، ويُضِلون، ونسأل الله أن يعين أهل المنهج السلفي على الصبر، وعلى التمسك بدينهم، الدين الحق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
***********************************
س3- فضيلة الشيخ ما رأيكم فيمن يقول لا ينبغي للعلماء أن يرُدَّ بعضهم على بعض في هذا الوقت؛ لأنَّ هذا يقوِّي شوكة الأعداء، ويشقُّ الصف، ولاسيما ونحن المسلمين نعيش في انْهزامية وتسلطٍ من الكفار على كثيرٍ من بلدان المسلمين، ولابدَّ فيه من الاجتماع، والألفة، والْمَحبة لننتصر فيه على أعداء الإسلام أولاً من اليهود، والنصارى، وغيرهم من أهل الملل الباطلة، ثُمَّ بعد ذلك نناقش القضايا، والمفاهيم الَّتِي اختلفت فيها وجهات النظر بكونِها صحيحةً أو خاطئة, نرجو بيان الحق في هذه المسألة الَّتِي وقع فيها كثيرٌ من الشباب، وهل يا شيخ يصح أن نطلق على كل من خالف الكتاب والسنة من المسلمين بأنَّه منافق، وأنَّه عدو للإسلام من الداخل, وجزاكم الله خيرًا؟
ج3- الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد: الردود واجبةٌ بوجوب الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فكما أنَّه لايجوز لنا أن نقرَّ الباطل مهما كان نوعه؛ سواءً كان في الأخلاق أو في المعاملات أو في العبادات أو في العقائد وهو الأهم, والله عز وجل قد مدح أمَّة محمدٍ ج بثلاث خصال: وهي الإيْمان بالله أولاً، والأمر بالمعروف ثانيًا، والنَّهي عن المنكر ثالثًا؛ فقال جلَّ من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: من الآية110]. وكما مدح الله أمَّة محمدٍ ج بِهذه الخصال، فقد ذمَّ أهل الكتاب بتركها، فقال عن أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ -78, كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:78-79].
وقد ذمَّ الله عز وجل الكاتمين ولعنهم في قوله -جلَّ من قائل-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ -159, إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:159-160].
ومن هذه الأدلة نعلم أنَّ الردود الَّتِي تقع إنَّما تقع على أقوامٍ أخطأوا في العقيدة أو في غيرها, فأدخلوا في الإسلام ما ليس منه؛ أحلوا حرامًا أو حرموا حلالاً أو أباحوا ممنوعًا أو سكتوا عن الشرك، وغضوا الطرف عن أهله, أو ابتدعوا بدعةً في الدين حتى يظنُّ الظان أنَّ تلك البدع من الدين.
فمن أجل ذلك ردَّ أقوامٌ من السلفيين على أقوامٍ من المبتدعة، وبينوا الأخطاء الَّتِي وقعوا فيها, سواءً كانت في العقيدة أو في المعاملات أو في العبادات، وإنَّ هؤلاء الذين فعلوا ذلك، وكلفوا أنفسهم بالرد إنَّما فعلوا ذلك بيانًا للحق، ودفعًا للباطل، وذودًا عن الدين، وحمايةً له من أن يدخل فيه ما ليس منه، فهؤلاء قد فعلوا ما أمر الله به، ولَم يكن منهم اعتداء على أحد ولا خروجٌ عن الحق، وإنَّما أرادوا أن يفهم الناس الحق، ويبتعدوا عن الباطل، فمن يخطئهم فهو المخطئ، ومن يضلِّلهم فهو الضال.
أمَّا قول القائل: بأنَّه يجب علينا أن نجتمع، وأن نتآخى، فنقول لهم: على أي شيءٍ نجتمع؟!! فالله عز وجل أمرنا أن نجتمع على الحق، ولَم يأمرنا أن نجتمع على الباطل، والله عز وجل أمرنا أن نكون أمَّةً واحدة كما كان أصحاب رسول الله ج أمَّةً واحدة؛ علمًا بأنَّ أصحابه كان فيهم المنافق، وكان يعاديهم اليهود، والنصارى، والصابئون، والمشركون الوثنيون، وقد قال عز وجل : ﴿يَأَيُّهَا النَّبِي جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم:9].
وما هذه إلاَّ خدعةٌ، وما هذا إلاَّ تضليل حينما يقال إنَّه لاينبغي أن يرد بعضنا على بعض؛ لأنَّ في ذلك شقٌّ للصف، وإظهارٌ للعداوة فيما بين المؤمنين. وهؤلاء منهم من يقول: هذا خداعًا، وهو يعلم أنَّ الحق في غيره، ومنهم من يقول هذا تقليدًا لغيره، ومحاكاةً لمن يقول هذا القول؛ لأنَّ هذا القول ربما انطلى على من لا يعلم، فظنَّ أنَّه حق وهو باطل، وظنَّ أنَّ من قاله ناصحًا، وهو إنَّما قاله ليكيد به الإسلام، ويضر به الدين، فلو سكت أهل الحق والمعرفة حتى يستفحل أمر المبتدعة لكان في ذلك ضرر عظيم.
وما نصر الله نبيه، وأصحاب نبيه إلاَّ لأنَّهم نصروا الحق على أنفسهم أولاً، وعلى غيرهم ثانيًا والله تعالى قد قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:7].
فإذا نصرنا الله على أنفسنا، وعلى من سوانا نصرنا الله، وإذا خذلنا الحق، وكتمنا ما أمرنا الله بأن نبلغه للناس فإنَّا نكون حينئذٍ قد تعرضنا لغضب الله، وقد قال النَّبِي ج: (إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)([8]) رواه الإمام الترمذي؛ قال أبو عيسى الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وأم سلمة، والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمر، وحذيفة وهذا حديث صحيح.
فلا يستقيم الدين إلاَّ بالتناصح، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقد قال الله عز وجل : ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:116].
وبِهذا نعلم أنَّ الردود الَّتِي تكون في محلها حقٌّ، وبِها تكون إقامة الدين، ومن قال خلاف ذلك حكم عليه بالضلال؛ لأنَّه بكتمان الحق أراد أن يستفحل الباطل؛ نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، والسداد.
ما يحسن أن يستدل به في هذا المقام أنَّ الله عز وجل عاقب أصحاب نبيه في غزوة أحد حين تركوا الجبل الذي أمرهم رسول الله ج بالبقاء فيه بقوله ج: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم، وأوطأناهم، فلاتبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم)([9]) رواه البخاري. وقد كانوا لمَّا رأوا النَّصر، فحصل فيهم الاختلاف والانْهزام فعاتبهم الله في ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ -152, إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:152-153]. وما حصل لأصحاب النَّبِي ج أيضًا يوم حنين من الانْهزام بسبب كلمةٍ قالوها: لن نغلب اليوم من قلة، وقد عاتبهم الله عز وجل في ذلك أيضًا بقوله جلَّ من قائل: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ -25, ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: من الآية25-26].
والمهم أنَّه ما استنْزل النَّصر بمثل طاعة الله، وإنَّ الردود على أصحاب الباطل، ورد الحقِّ إلى نصابه، وبيانه لمن يجهله لهو الحق والطاعة الَّتِي يستنْزل بِها النصر.
أمَّا الكثرة مع وجود المعاصي، والبدع، فإنَّها داءٌ وبيل، وموجبةٌ لغضب الله عز وجل وذلك حرمانٌ من خير الدنيا، ومن ذلك النصر على الأعداء، وعزة أهل الحق بالحق الذي يحملونه، وحرمان أيضًا من الظفر، والفلاح في الآخرة، والفوز فيها بتثقيل الموازين، والمرور على الصراط، والنجاة من النار، ودخول الجنة.
وأقول: المخالفون للكتاب والسنة أنواع, منهم: من يقصد المخالفة، ويدعو إلى الباطل، وإذا دعي إلى الحق أبى، وأعرض، ونفر، فهو يعيب دعاة الحق، ويتهمهم بالضلال، والغواية, مع أنَّه هو الضال، وهو الغاوي، فهذا لا شك أنَّه منافق.
وقول من قال: أنَّ من يكون هكذا هو عدوٌّ للدين من داخله, قولٌ صحيح.
أمَّا من وقع في الخطأ جهلاً منه، وإذا روجع رجع، وإذا تبيَّن له الحق قبله، فهذا لاينبغي أن يوصف بأنَّه منافق؛ وإنَّ المشايخ الذين يقولون هذا القول أنَّ للدين عدوًَّا من الداخل لايقولونه إلاَّ عن علم, ولايقصدون به إلاَّ أعداء الدين الحق من دعاة البدع والضلال؛ الذين يصرون على الباطل وهم يعلمون أنَّه باطل؛ يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف؛ فمن أمر بالتحزب، فقد أمر بمنكر، ومن أمر بمتابعة أهل البدع، فقد أمر بمنكر، وهو جديرٌ بأن يقال فيه بأنَّه منافق، وأنَّه عدوٌّ للدين الحق.
أمَّا قول القائل بأنَّهم يطلقون على كل من خالف بأنَّه منافق، فهذا القول ليس بصحيح، وإنَّما يطلقون النفاق على من مضى وصفهم، فتجدهم لو أراد أحدٌ أن يرجع عن الباطل، وعن التحزب، وعن البدع لاموه، وذموه وعصَّبوه، وحزَّبوه ليصر على ذلك الباطل الذي هو فيه، فهؤلاء دعاة ضلالة، وهم في الحقيقة أعداء للدين؛ أعداء للتوحيد؛ أعداء للسنة؛ أعداء للمنهج السلفي شاءوا أم أبوا.
هذا ما نعلمه، وندين الله به بعد تجربة، وبعد سبر للأمور؛ عرفنا من خلال ذلك السبر وتلك التجربة؛ أنَّ أولئك الأعداء من الداخل يهدمون أكثر مما يصلحون، ويضرون أكثر مما ينفعون، ويفسدون وهم يحسبون أنَّهم يحسنون، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
***********************************
س4: فضيلة الشيخ؛ يسأل سائلٌ ويقول: إنِّي شابٌّ ملتزمٌ، ولله الحمد والمنة، وأرغب في صحبة الملتزمين، ولكن في الآونة الأخيرة سمعت عن وجود شبابٍ ملتزمين حادوا عن الصراط المستقيم, وأخذتْهم الأحزاب المتناحرة من إخوانيةٍ، وتبليغيةٍ، وقطبيةٍ وغيرها من تلك المناهج والأحزاب الَّتِي أسمع بأنَّها موجودة، فالآن يا فضيلة الشيخ، وضِّح لي في هذا المقام باختصار من هو الذي أصاحبه، وأرى أنَّه على الحق، وما العلامات الَّتِي أعرف بِها أنَّ هذا الشاب الملتزم على غير سنةٍ؛ بل على بدعةٍ وضلالة، وفقكم الله وسدد خطاكم لكل خيرٍ وفضيلة ؟
ج4- الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد: يجب عليك أن تجتنب تلك الأحزاب جميعًا، وأن تكون مع السلفيين الذين لايتحزبون لأحد ولايدخلون في شيءٍ من الحزبيات؛ بل أنَّهم يأخذون بالكتاب والسنة وعمل السلف ويشتغلون بدراسة العلم؛ من قرآنٍ وتفسيرٍ كالتفسير بالرواية، ويشتغلون بالحديث النبوي والآثار المروية عن السلف؛ في العقيدة، وفي شروح الحديث، ويتفقهون على ضوء ذلك ولايتعصبون لأحد من العلماء؛ بل يقولون بالحق، ويتبعون الدليل.
أمَّا من رأيته يتحزب لحزبٍ معروف؛ يوالي عليه، ويعادي من أجله، ويأتمر بأوامر كِبَارِه ولوكانت معصيةً لله، وينتهي عما نَهوه عنه، وإن كان طاعةً لله، ويتكلمون في ولاة الأمر فهؤلاء يجب عليك أن تجتنبهم، وتبتعد عنهم، وتفصيل ذلك مبسوطٌ في مواضعه، فاشتغل بطلب العلم على الشيوخ السلفيين، وابتعد عن هؤلاء الحزبيين المتعصبين، وفقنا الله وإيِّاك لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المصدر:
الفتاوى الجلية عن المناهج الدعوية
فضيلة الشيخ أحمد بن يحي النجمي رحمه الله
قال الله عزوجل :وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .الآية رقم [126] من سورة [البقرة]
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "منْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". أخرجه البخاري
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "منْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". أخرجه البخاري
فائدة من الاية والحديث أن إبراهيم عليه السلام أول مادعا الامن قبل الرزق والرسول صلى الله عليه وسلم بدا بالامن قبل الرزق ولو كان الرزق قليل يكفي يوم فكأنما حزيت له الدنيا
فهل من معتبر ؟
من مواضيعي
0 السلام عليكم
0 نصيحة إلى أبناء الجزائر: بيان من مشايخ الإصلاح
0 قصة حقيقة مؤثرة/قصة الأخ سليم مع أمه .
0 منبر خاص بالبطاقات الدعوية وصنع التواقيع
0 حتى لا نخرّب أوطاننا بأيدينا/ خطبة جمعة للأخينا الفاضل خالد حمودة -حفظه الله-
0 العِزّة فى الانتساب إلى السلف الصالح
0 نصيحة إلى أبناء الجزائر: بيان من مشايخ الإصلاح
0 قصة حقيقة مؤثرة/قصة الأخ سليم مع أمه .
0 منبر خاص بالبطاقات الدعوية وصنع التواقيع
0 حتى لا نخرّب أوطاننا بأيدينا/ خطبة جمعة للأخينا الفاضل خالد حمودة -حفظه الله-
0 العِزّة فى الانتساب إلى السلف الصالح












