من فتح الباري شرح صحيح البخاري
قَوْله
( سَيَخْرُجُ قَوْم فِي آخِر الزَّمَان )
كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَفِي حَدِيث أَبِي بَرْزَة عِنْد النَّسَائِيِّ " يَخْرُج فِي آخِر الزَّمَان قَوْم " وَهَذَا قَدْ يُخَالِف حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور فِي الْبَاب بَعْده ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي خِلَافَة عَلِيّ ، وَكَذَا أَكْثَرُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي أَمْرهمْ ، وَأَجَابَ اِبْن التِّين بِأَنَّ الْمُرَاد زَمَان الصَّحَابَة وَفِيهِ نَظَر ، لِأَنَّ آخِر زَمَان الصَّحَابَة كَانَ عَلَى رَأْس الْمِائَة وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا قَبْل ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ سَنَة ، وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد بِآخِرِ الزَّمَان زَمَان خِلَافَة النُّبُوَّة ، فَإِنَّ فِي حَدِيث سَفِينَة الْمُخَرَّج فِي السُّنَن وَصَحِيح اِبْن حِبَّان وَغَيْره مَرْفُوعًا " الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَة ثُمَّ تَصِير مُلْكًا " وَكَانَتْ قِصَّة الْخَوَارِج وَقَتْلهمْ بِالنَّهْرَوَانِ فِي أَوَاخِر خِلَافَة عَلِيّ سَنَة ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُونِ الثَّلَاثِينَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ .
قَوْله
( أَحْدَاث )
بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَة جَمْع حَدَث بِفَتْحَتَيْنِ وَالْحَدَث هُوَ الصَّغِير السِّنّ هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَات ، وَوَقَعَ هُنَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ حُدَّاث بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الدَّال ، قَالَ فِي " الْمَطَالِع " مَعْنَاهُ شَبَاب جَمْع حَدِيث السِّنّ أَوْ جَمْع حَدَث ، قَالَ اِبْن التِّين حِدَاث جَمْع حَدِيث مِثْل كِرَام جَمْع كَرِيم وَكِبَار جَمْع كَبِير ، وَالْحَدِيث الْجَدِيد مِنْ كُلّ شَيْء وَيُطْلَق عَلَى الصَّغِير بِهَذَا الِاعْتِبَار ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير حِدَاث مِثْل هَذَا اللَّفْظ لَكِنَّهُ هُنَاكَ جُمِعَ عَلَى غَيْر قِيَاس ، وَالْمُرَاد سُمَّار يَتَحَدَّثُونَ قَالَهُ فِي النِّهَايَة ، وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِلَفْظِ حُدَثَاء بِوَزْنِ سُفَهَاء وَهُوَ جَمْع حَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره ، وَالْأَسْنَان جَمْع سِنّ وَالْمُرَاد بِهِ الْعُمْر ، وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ شَبَاب .
قَوْله
( سُفَهَاء الْأَحْلَام )
جَمْع حِلْم بِكَسْرِ أَوَّله وَالْمُرَاد بِهِ الْعَقْل ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عُقُولهمْ رَدِيئَة . وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ التَّثَبُّت وَقُوَّة الْبَصِيرَة تَكُون عِنْد كَمَال السِّنّ وَكَثْرَة التَّجَارِب وَقُوَّة الْعَقْل . قُلْت : وَلَمْ يَظْهَر لِي وَجْه الْأَخْذ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا مَعْلُوم بِالْعَادَةِ لَا مِنْ خُصُوص كَوْن هَؤُلَاءِ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَة .
قَوْله
( يَقُولُونَ مِنْ خَيْر قَوْل الْبَرِيَّة )
تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِي آخِر فَضَائِل الْقُرْآن قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَقْلُوب وَأَنَّ الْمُرَاد مِنْ قَوْل خَيْر الْبَرِيَّة وَهُوَ الْقُرْآن . قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَالْمُرَاد الْقَوْل الْحَسَن فِي الظَّاهِر وَبَاطِنه عَلَى خِلَاف ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ " لَا حُكْم إِلَّا لِلَّهِ " فِي جَوَاب عَلِيّ كَمَا سَيَأْتِي . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة طَارِق بْن زِيَاد عِنْد الطَّبَرِيّ قَالَ " خَرَجْنَا مَعَ عَلِيّ - فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ يَخْرُج قَوْم يَتَكَلَّمُونَ كَلِمَة الْحَقّ لَا تُجَاوِز حُلُوقهمْ " وَفِي حَدِيث أَنَس عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيِّ " يُحْسِنُونَ الْقَوْل وَيُسِيئُونَ الْفِعْل " وَنَحْوه فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَعِنْد أَحْمَدَ وَفِي حَدِيث مُسْلِم عَنْ عَلِيّ يَقُولُونَ الْحَقّ لَا يُجَاوِز هَذَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ .
قَوْله
( لَا يُجَاوِز إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ )
فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " لَا يَجُوز " وَالْحَنَاجِر بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون ثُمَّ الْجِيم جَمْع حَنْجَرَة بِوَزْنِ قَسْوَرَة وَهِيَ الْحُلْقُوم وَالْبُلْعُوم وَكُلّه يُطْلَق عَلَى مَجْرَى النَّفَس وَهُوَ طَرَف الْمَرِيء مِمَّا يَلِي الْفَم ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب عَنْ عَلِيّ " لَا تُجَاوِز صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ " فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِيمَان عَلَى الصَّلَاة وَلَهُ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ " لَا يُجَاوِز إِيمَانهمْ حَلَاقِيمهمْ " وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنُّطْقِ لَا بِالْقَلْبِ ، وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع عَنْ عَلِيّ عِنْد مُسْلِم " يَقُولُونَ الْحَقّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يُجَاوِز هَذَا مِنْهُمْ وَأَشَارَ إِلَى حَلْقه " وَهَذِهِ الْمُجَاوَزَة غَيْر الْمُجَاوَزَة الْآتِيَة فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد .
قَوْله
( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين )
فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ سُوَيْد بْن غَفَلَة عِنْد النَّسَائِيِّ وَالطَّبَرِيّ " يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَام " وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب ، وَفِي رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب الْمُشَار إِلَيْهَا ، وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي الطَّبَرِيّ وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة طَارِق بْن زِيَاد عَنْ عَلِيّ " يَمْرُقُونَ مِنْ الْحَقّ " وَفِيهِ تَعَقَّبَ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الدِّين هُنَا بِالطَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة .
قَوْله
( كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة )
بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْمِيم وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة أَيْ الشَّيْء الَّذِي يُرْمَى بِهِ وَيُطْلَق عَلَى الطَّرِيدَة مِنْ الْوَحْش إِذَا رَمَاهَا الرَّامِي ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده .
قَوْله
( فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلهمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة )
فِي رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب " لَوْ يَعْلَم الْجَيْش الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَان نَبِيّهمْ لَنَكَلُوا عَنْ الْعَمَل " وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة عُبَيْدَة بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ " لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَان مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ عُبَيْدَة قُلْت لِعَلِيٍّ : أَنْتَ سَمِعْته ؟ قَالَ : إِي وَرَبّ الْكَعْبَة ثَلَاثًا . وَلَهُ فِي رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب فِي قِصَّة قَتْل الْخَوَارِج " أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا قَتَلَهُمْ قَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُبَيْدَة فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَقَدْ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : إِي وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ حَتَّى اِسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا " قَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّمَا اِسْتَحْلَفَهُ لِيُؤَكِّد الْأَمْر عِنْد السَّامِعِينَ وَلِتَظْهَر مُعْجِزَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْحَقّ . قُلْت : وَلِيَطْمَئِنَّ قَلْبُ الْمُسْتَحْلِف لِإِزَالَةِ تَوَهُّم مَا أَشَارَ إِلَيْهِ عَلِيّ أَنَّ الْحَرْب خَدْعَة فَخَشِيَ أَنْ يَكُون لَمْ يَسْمَع فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَنْصُوصًا ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِير قَوْل عَائِشَة لِعَبْدِ اللَّه بْن شَدَّاد فِي رِوَايَته الْمُشَار إِلَيْهَا حَيْثُ قَالَتْ لَهُ " مَا قَالَ عَلِيّ حِينَئِذٍ ؟ قَالَ سَمِعْته يَقُول : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَتْ : رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا إِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى شَيْئًا يُعْجِبهُ إِلَّا قَالَ صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله ، فَيَذْهَب أَهْل الْعِرَاق فَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَيَزِيدُونَهُ " ، فَمِنْ هَذَا أَرَادَ عُبَيْدَة بْن عَمْرو التَّثَبُّت فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِخُصُوصِهَا وَأَنَّ فِيهَا نَقْلًا مَنْصُوصًا مَرْفُوعًا . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْو هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَلِيّ وَزَادَ فِي آخِره " قِتَالهمْ حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم " وَوَقَعَ سَبَب تَحْدِيث عَلِيّ بِهَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن سَعِيد عَنْهُ قَالَ " إِنَّ الْحَرُورِيَّة لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِيّ قَالُوا : لَا حُكْم إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ عَلِيّ : كَلِمَة حَقّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِل ، إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتهمْ فِي هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْحَقّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَا يُجَاوِز هَذَا مِنْهُمْ - وَأَشَارَ بِحَلْقِهِ - مِنْ أَبْغَضِ خَلْق اللَّه إِلَيْهِ " الْحَدِيث