رد: موقف الصوفية من الجهاد ومقاومة الاستعمار
02-04-2008, 02:11 PM
ولمن اراد تفصيل ادلة اهل السنة في هذه المسالة عن الشيخ عبد الحميد حسونة
في ذكر النصوص الدالة على اعتبار العذر بالإكراه :
وفي تعريف الإكراه يقول الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى : " هو إلزام الغير بما لا يريده" "فتح الباري" (12/311).
ويزيد الإمام ابن حزم - رحمه الله تعالى- التعريف شرحاً وبياناً، فيقول : " والإكراه هو كل ما سمي في اللغة إكراهاً، وعرف بالحس أنه إكراه، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك، أو الوعيد بالسجن كذلك، أو الوعيد بإفساد المال كذلك، أو الوعيد في مسلم غيره بقتل أو ضرب أو سجن أو إفساد مال " "المحلى" (8/330) .
واعتبار السجن والتعذيب والقيد من صور الإكراه منقول عن الصحابة رضي الله عنهم، فقد "أخرج عبد بن حميد بسندٍ صحيح عن عمر قال : " ليس الرّجل بأمينٍ على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذّب"
ومن طريق شريح نحوه وزيادة، ولفظه: ( أربع كلهنّ كره : السّجن والضّرب والوعيد والقيد)
وعن ابن مسعود قال : (ما كلام يدرأ عنّي سوطين إلا كنت متكلماً به) وهو قول الجمهور" "فتح الباري" (12/314).
وأقول : ومن الموانع التي تمنع تكفير المسلم إذا ارتكب مكفراً : الإكراه؛ إذ قد يكره المسلم على أمر هو من الكفر، لكن لا مخرج منه، فهذا مما يعذر الله به عباده، فإن التكاليف الشرعية منوطة بالاستطاعة، والإكراه أمر خارج عنها، لذا فإن الله لم يكلف به عباده رحمة منه وفضلاً.
ودليل هذه المسألة مقرر في قول الله تعالى: ] من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم [ سورة"النحل" الآية(106) .
قال الجصاص- رحمه الله تعالى : " قال أبو بكر : هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه" "أحكام القرآن" (5/13)
قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى : " وأمّا من أكره على ذلك فهو معذور بالآية, لأنّ الاستثناء من الإثبات نفي، فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد.." "فتح الباري" (2/312) .
ومن أدلة قاعدة العذر بالإكراه أيضاً قوله تعالى : ] لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلا أن تتقوا منهم تقاةً ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير [ سورة "آل عمران" الآية (28) .
قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى : "ومعنى الآية : لا يتّخذ المؤمن الكافر وليّاً في الباطن ولا في الظّاهر إلّا للتّقيّة في الظّاهر، فيجوز أن يواليه إذا خافه، ويعاديه باطناً..." "فتح الباري" (2/313).
كما عذر الله في التخلف عن الهجرة المستضعفين المكرهين على البقاء في مكة، واستثناهم من أليم عذابه وشديد وعيده، حين قال متوعداً المتخلفين في مكة: ] َأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً [ سورة "النساء" الآيتان(97-98) .
قال الإمام البخاري – رحمه الله تعالى : " فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون إلا ممتنعاً من فعل ما أمر به" "الجامع لأحكام القرآن" (10/182).
وجاء في الحديث المشهور المروي عن النبي r أنه قال : "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" صححه العلامة الألباني في"صحيح ابن ماجة" برقم(1662)
وقال الشاطبي - رحمه الله تعالى- في معنى الحديث : "هو معنى متفق عليه في الجملة، لا خلاف فيه" "الموافقات" (3/263) .
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى عن هذا الحديث : " وهو حديث جليل, قال بعض العلماء : ينبغي أن يعدّ نصف الإسلام لأنّ الفعل إمّا عن قصد واختيار، أو لا, الثّاني ما يقع عن خطأ أو نسيان أو إكراه، فهذا القسم معفوّ عنه باتّفاق" "الفتح"(5/161)
الإكراه أمر نسبي، يختلف باختلاف المكره عليه .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى : " تأملت المذاهب، فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراهاً .
وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها، فلها أن ترجع بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها في الهبة.. ومثل هذا لا يكون إكراهاً على الكفر، فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر" "الفتاوى الكبرى" (4/567-568).
ونقل ابن بطّال- رحمه الله تعالى- الإجماع على جواز التقية من القتل بالكفر، فقال : " أجمعوا على أنّ من أكره على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئنّ بالإيمان أنّه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته.." "فتح الباري" (2/313) .
وفي الباب فروع مظانها كتب الأحكام، يأباها ها هنا المقام .
وفي ذكر النصوص الدالة على اعتبار العذر بالخطأ ونحوه .
الخطأ : ضد الصواب . " لسان العرب" (4/132) ط. دار الثبات .
قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى : " المخطئ : من أراد الصواب فصار إلى غيره ..." انظر "فتح الباري" (5/160).
وفي تعريف الخطأ بل والنسيان وحكمهما : قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى :
" الخطأ : هو أن يقصد بفعله شيئاً، فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلماً،
والنسيان : أن يكون ذاكراً الشيء فينساه عند الفعل .
وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه ...
والأظهر - والله أعلم - أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما، بمعنى : رفع الإثم عنهما، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما، فلا إثم عليهما". "جامع العلوم والحكم" (375).
وقد جاءت نصوص الشريعة بالوعيد لمن تعمد الخطأ دون من أراد الحق فأخطأه أو لم يتعمد الخطأ لكنه وقع فيه، فقد توعد الله قاتل النفس عمداً بغير حق بقوله تعالى : ] وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [سورة "النساء" الآية(93)
فقيَّد تبارك وتعالى الوعيد على قاتل المؤمن بالتعمد، بينما غفر عز وجل الخطأ بقوله على لسان المؤمنين : ] ... رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ... [سورة "البقرة" الآية(286)
وقد ثبت في "الصحيح" أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، فقال : " فقد فعلت". رواه الإمام مسلم ح (126).
ومثله قول النبي r : " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" وصححه العلامة الألباني في "صحيح ابن ماجة" برقم(1662).
وفي ذلك أمثلة أصّلت هذه القاعدة الشرعية، منه ما جاء في حديث أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله r : "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي، وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح" رواه الإمام مسلم ح (2747).
قال القاضي عياض- رحمه الله تعالى : " فيه أنّ ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به.. ويدل على ذلك حكاية النبيّ r ذلك، ولو كان منكراً ما حكاه". "فتح الباري" (11/108) .
وقال العلامة شمس الدين ابن القيم- رحمه الله تعالى : " وقد تقدَّم أن الذي قال لما وجد راحلته : اللهم أنت عبدي وأنا ربّك. أخطأ من شدّة الفرحلم يكفر بذلك، وإن أتى بصريح الكفر، لكونه لم يرده". "أعلام الموقعين..." (3/63).
وقال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى في سياق حديثه عن الذي أمر بحرق جسده بعد موته : "ولعلّ هذا الرجل قال ذلك منشدّة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال : " أنت عبدي وأنا ربّك..."
وأظهر الأقوال : أنّه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتّى ذهب بعقله لما يقول, ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذّاهل والنّاسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه" "فتح الباري" (6/523)
ومثل هذا السوء في القول يصدر يوم القيامة من آخر أهل الجنة دخولاً إليها، فيقول مخاطباً ربه جل وعلا : " "أتسخر بي" أو "أتضحك بي وأنت الملك؟ قال : لقد رأيت رسول الله e ضحك حتى بدت نواجذه" .
رواه الإمام البخاري ح (6571) ومسلم ح (186).
وهذا القول مستقبح لا يخاطَب به الله العظيم، لكنه عفي عن قائله لفرط ذهوله .
ونقل الإمام النووي عن القاضي عياض- رحمهما الله تعالى- قوله في معنى الحديث : " هذا الكلام صدر من هذا الرّجل وهو غير ضابط لما قاله، لما ناله من السّرور ببلوغ ما لم يخطر بباله, فلم يضبط لسانه دهشاً وفرحاً، فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه, وجرى على عادته في الدّنيا في مخاطبة المخلوق""شرح النووي على صحيح مسلم"(3/40
وبناءًا على ما تقدم توقف العلماء في تكفير أصحاب صور من الكفر لعدم إرادتهم هذا الكفر،
مثال ذلك :
يورده القاضي عياض- رحمه الله تعالى بقوله : " وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه، فقال له : صل على النبي محمد r، فقال له الطالب : لا صلى الله على من صلى عليه
فقيل لسحنون : هل هو كمن شتم النبي r، أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه؟
قال : لا ، إذا كان على ما وصفت من الغضب، لأنه لم يكن مضمراً الشتم .
وقال أبو إسحاق البرقي وأصبغ بن الفرج- رحمه الله تعالى : " لا يقتل، لأنه إنما شتم الناس، وهذا نحو قول سحنون، لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي e، ولكنه لما احتمل الكلام عنده، ولم تكن معه قرينة تدل على شتم النبي e، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم، ولا مقدمة يحمل عليها كلامه، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء، لأجل قول الآخر له: صل على النبي، فحُمِل قوله وسبه لمن يصلي عليه الآن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه ...
وذهب الحارث بن مسكين القاضي وغيره في مثل هذا إلى القتل". "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (2/235) .
ونختم بتلخيص جامع لمذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، لعالم عصره الشوكاني رحمه الله، إذ يقول :
" لابد من شرح الصدر بالكفر، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه". "السيل الجرار" (4/578) والنقل عن “التكفير وضوابطه” ص(61-65)
وفي ذكرالنصوص الدالة على اعتبار العذر بالتأويل
أولاً : أدلة العذر بالخطأ في التأويل :
وقد يقع الواحد من المسلمين في الكفر لتأول خاطئ أو فهم مغلوط للنصوص، فيقع في الخطأ، وهو لا يقصده، وهذا في الحقيقة فرع عن العذر بالخطأ، .
والمخطئ في فهم النصوص المتأول لبعضها على معان خاطئة مجتهد أخطأ في فهم مراد الشارع، فإن كان تأوله مع بذله الجهد، واستفراغ الوسع، فهذا مجتهد أخطأ في اجتهاده، وهو موعود بالأجر على لسان رسول الله e حيث قال : " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" رواه الإمام البخاري ح(7353)، والإمام مسلم ح (1716).
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى : " ولا يؤاخذ بإعطاء الحقّ لغير مستحقه لأنّه لم يتعمّد ذلك، بل وزر المحكوم له قاصر عليه, ولا يخفى أنّ محلّ ذلك أن يبذل وسعه في الاجتهاد وهو من أهله, وإلا فقد يلحق به الوزر إن أخلّ بذلك " "الفتح"(13/320)
وقال أبو حامد الغزالي – رحمه الله تعالى : "ولم يثبت لناأن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلا بد من دليل عليه، وثبت أنالعصمة مستفادة من قول: لا إله إلا اللهقطعاً، فلا يدفع ذلك إلا بقاطع. وهذا القدر كاف في التنبيه على أن إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان". "الاقتصاد في الاعتقاد" (223-224) .
ولسبب الخطأ في التأويل مع قصد الحق عذر المسلمون أصحاب النبي e الذين شاركوا في الفتنة، وترضوا عن سائرهم، ولم يوقعوا فيهم النصوص الذي ذمت قاتل النفس المؤمنة كقوله : “لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض” رواه الإمامان البخاري ح (48) ومسلم ح (64) .
ولعل أهم أدلة عذر السلف لمن أخطأ في التأويل عذرهم قدامة بن مظعون وأصحابه – رضي الله تعالى عنهم- حين شربوا الخمر مستحلين شربها، لغلطهم في فهم معنى قوله تعالى : ] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ...[ سورة"المائدة"الآية(93) واعتقاد جواز شرب الخمر كفر،
لكن بسبب التأول لم يكفرهم عمر رضي الله تعالى عنه ولا الصحابة، بل بيّنوا لهم معنى الآية، واستتابوهم من استحلالها، وعاقبوهم على شربها .
يقول الإمام الطحاوي – رحمه الله تعالى : " اتفق الصحابة – رضي الله تعالى عنهم- على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك، فإن قدامة بن عبد الله شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى : ] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ... [ سورة "المائدة" الآية(93) .
فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين- على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصرّوا على استحلالها قتلوا .
وقال عمر لقدامة : "أخطأت إستك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر" .
وبعد أن نقل الإمام الطحاوي– رحمه الله تعالى- اتفاق الصحابة – رضي الله تعالى عنهم- على عذر هؤلاء المتأولين قال : "وهذا الذي اتفق عليه الصحابة – رضي الله تعالى عنهم- هو متفق عليه بين أئمة الإسلام" "شرح العقيدة الطحاوية" (324).
ومن أمثلة توقف السلف وامتناعهم عن تكفير المتأول توقف الصحابة في تكفير الخوارج
"وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفّروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟
فلا يحل لأحد من هذه طوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال([4])بحقائق ما يختلفون فيه". "مجموع الفتاوى" (3/282-283)
يقول ابن الوزير– رحمه الله تعالى : " فإذا تورع الجمهور من تكفير من اقتضت النصوص كفره، فكيف لا يكون الورع أشد من تكفير من لم يرد في كفره نص واحد، فاعتبر تورع الجمهور هنا، وتعلم الورع منهم في ذلك". "إيثار الحق على الخلق" (388).
ويستشهد العلامة ابن القيم – رحمه الله تعالى بقصة الرجل الذي أمر بإحراق نفسه على عذر الله للمتأول، فيقول
" وأما من جحد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه، فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً" "مدارج السالكين..." (1/338-339)
يقول العلامة ابن الوزير – رحمه الله تعالى عن هذا الدليل : "وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل". "إيثار الحق على الخلق"(394)
وهكذا فإن الخطأ الذي يسببه التأويل مما لا يكفَّر به المسلم، لأن الحكم بكفره مبني على الجزم بتعمده جحد ما جحد من الدين، وعدم خطئه، و
" قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطؤوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمدهملأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلا الله تعالى". "إيثار الحق على الخلق" (393)
يقول الإمام الشافعي– رحمه الله تعالى : "... لم نعلم أحداً من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم ردّ شهادة أحد بتأويل، وإن خطأه وضلله، ورآه استحل فيه ما حرم عليهولا رد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول" "الأم" (6/205)
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى : " الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطؤه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية [العقدية] أو العملية [الفقهية] هذا الذي عليه أصحاب النبي r وجماهير أئمة الإسلام". "مجموع الفتاوى" (23/346).
وقال ابن العربي– رحمه الله تعالى : "الجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً، فإنّه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبيّن له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعاً قطعيّاً يعرفه كلّ المسلمين من غير نظرٍ وتأمّلٍ.. ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع ". "محاسن التأويل" (5/219-220).
ويقول محمد صديق خان - رحمه الله تعالى- متحسراً على تكفير بعض الفقهاء للمتأولين : " وأما قول بعض أهل العلم : إن المتأول كالمرتد، فههنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر، لا بسنة ولا قرآن، ولا ببيان من الله ولا برهان " "الروضة الندية شرح الدرر البهية" (2/623).
في ذكر النصوص الدالة على اعتبار العذر بالإكراه :
وفي تعريف الإكراه يقول الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى : " هو إلزام الغير بما لا يريده" "فتح الباري" (12/311).
ويزيد الإمام ابن حزم - رحمه الله تعالى- التعريف شرحاً وبياناً، فيقول : " والإكراه هو كل ما سمي في اللغة إكراهاً، وعرف بالحس أنه إكراه، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك، أو الوعيد بالسجن كذلك، أو الوعيد بإفساد المال كذلك، أو الوعيد في مسلم غيره بقتل أو ضرب أو سجن أو إفساد مال " "المحلى" (8/330) .
واعتبار السجن والتعذيب والقيد من صور الإكراه منقول عن الصحابة رضي الله عنهم، فقد "أخرج عبد بن حميد بسندٍ صحيح عن عمر قال : " ليس الرّجل بأمينٍ على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذّب"
ومن طريق شريح نحوه وزيادة، ولفظه: ( أربع كلهنّ كره : السّجن والضّرب والوعيد والقيد)
وعن ابن مسعود قال : (ما كلام يدرأ عنّي سوطين إلا كنت متكلماً به) وهو قول الجمهور" "فتح الباري" (12/314).
وأقول : ومن الموانع التي تمنع تكفير المسلم إذا ارتكب مكفراً : الإكراه؛ إذ قد يكره المسلم على أمر هو من الكفر، لكن لا مخرج منه، فهذا مما يعذر الله به عباده، فإن التكاليف الشرعية منوطة بالاستطاعة، والإكراه أمر خارج عنها، لذا فإن الله لم يكلف به عباده رحمة منه وفضلاً.
ودليل هذه المسألة مقرر في قول الله تعالى: ] من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم [ سورة"النحل" الآية(106) .
قال الجصاص- رحمه الله تعالى : " قال أبو بكر : هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه" "أحكام القرآن" (5/13)
قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى : " وأمّا من أكره على ذلك فهو معذور بالآية, لأنّ الاستثناء من الإثبات نفي، فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد.." "فتح الباري" (2/312) .
ومن أدلة قاعدة العذر بالإكراه أيضاً قوله تعالى : ] لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلا أن تتقوا منهم تقاةً ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير [ سورة "آل عمران" الآية (28) .
قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى : "ومعنى الآية : لا يتّخذ المؤمن الكافر وليّاً في الباطن ولا في الظّاهر إلّا للتّقيّة في الظّاهر، فيجوز أن يواليه إذا خافه، ويعاديه باطناً..." "فتح الباري" (2/313).
كما عذر الله في التخلف عن الهجرة المستضعفين المكرهين على البقاء في مكة، واستثناهم من أليم عذابه وشديد وعيده، حين قال متوعداً المتخلفين في مكة: ] َأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً [ سورة "النساء" الآيتان(97-98) .
قال الإمام البخاري – رحمه الله تعالى : " فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون إلا ممتنعاً من فعل ما أمر به" "الجامع لأحكام القرآن" (10/182).
وجاء في الحديث المشهور المروي عن النبي r أنه قال : "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" صححه العلامة الألباني في"صحيح ابن ماجة" برقم(1662)
وقال الشاطبي - رحمه الله تعالى- في معنى الحديث : "هو معنى متفق عليه في الجملة، لا خلاف فيه" "الموافقات" (3/263) .
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى عن هذا الحديث : " وهو حديث جليل, قال بعض العلماء : ينبغي أن يعدّ نصف الإسلام لأنّ الفعل إمّا عن قصد واختيار، أو لا, الثّاني ما يقع عن خطأ أو نسيان أو إكراه، فهذا القسم معفوّ عنه باتّفاق" "الفتح"(5/161)
الإكراه أمر نسبي، يختلف باختلاف المكره عليه .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى : " تأملت المذاهب، فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراهاً .
وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها، فلها أن ترجع بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها في الهبة.. ومثل هذا لا يكون إكراهاً على الكفر، فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر" "الفتاوى الكبرى" (4/567-568).
ونقل ابن بطّال- رحمه الله تعالى- الإجماع على جواز التقية من القتل بالكفر، فقال : " أجمعوا على أنّ من أكره على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئنّ بالإيمان أنّه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته.." "فتح الباري" (2/313) .
وفي الباب فروع مظانها كتب الأحكام، يأباها ها هنا المقام .
وفي ذكر النصوص الدالة على اعتبار العذر بالخطأ ونحوه .
الخطأ : ضد الصواب . " لسان العرب" (4/132) ط. دار الثبات .
قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى : " المخطئ : من أراد الصواب فصار إلى غيره ..." انظر "فتح الباري" (5/160).
وفي تعريف الخطأ بل والنسيان وحكمهما : قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى :
" الخطأ : هو أن يقصد بفعله شيئاً، فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلماً،
والنسيان : أن يكون ذاكراً الشيء فينساه عند الفعل .
وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه ...
والأظهر - والله أعلم - أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما، بمعنى : رفع الإثم عنهما، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما، فلا إثم عليهما". "جامع العلوم والحكم" (375).
وقد جاءت نصوص الشريعة بالوعيد لمن تعمد الخطأ دون من أراد الحق فأخطأه أو لم يتعمد الخطأ لكنه وقع فيه، فقد توعد الله قاتل النفس عمداً بغير حق بقوله تعالى : ] وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [سورة "النساء" الآية(93)
فقيَّد تبارك وتعالى الوعيد على قاتل المؤمن بالتعمد، بينما غفر عز وجل الخطأ بقوله على لسان المؤمنين : ] ... رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ... [سورة "البقرة" الآية(286)
وقد ثبت في "الصحيح" أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، فقال : " فقد فعلت". رواه الإمام مسلم ح (126).
ومثله قول النبي r : " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" وصححه العلامة الألباني في "صحيح ابن ماجة" برقم(1662).
وفي ذلك أمثلة أصّلت هذه القاعدة الشرعية، منه ما جاء في حديث أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله r : "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي، وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح" رواه الإمام مسلم ح (2747).
قال القاضي عياض- رحمه الله تعالى : " فيه أنّ ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به.. ويدل على ذلك حكاية النبيّ r ذلك، ولو كان منكراً ما حكاه". "فتح الباري" (11/108) .
وقال العلامة شمس الدين ابن القيم- رحمه الله تعالى : " وقد تقدَّم أن الذي قال لما وجد راحلته : اللهم أنت عبدي وأنا ربّك. أخطأ من شدّة الفرحلم يكفر بذلك، وإن أتى بصريح الكفر، لكونه لم يرده". "أعلام الموقعين..." (3/63).
وقال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى في سياق حديثه عن الذي أمر بحرق جسده بعد موته : "ولعلّ هذا الرجل قال ذلك منشدّة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال : " أنت عبدي وأنا ربّك..."
وأظهر الأقوال : أنّه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتّى ذهب بعقله لما يقول, ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذّاهل والنّاسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه" "فتح الباري" (6/523)
ومثل هذا السوء في القول يصدر يوم القيامة من آخر أهل الجنة دخولاً إليها، فيقول مخاطباً ربه جل وعلا : " "أتسخر بي" أو "أتضحك بي وأنت الملك؟ قال : لقد رأيت رسول الله e ضحك حتى بدت نواجذه" .
رواه الإمام البخاري ح (6571) ومسلم ح (186).
وهذا القول مستقبح لا يخاطَب به الله العظيم، لكنه عفي عن قائله لفرط ذهوله .
ونقل الإمام النووي عن القاضي عياض- رحمهما الله تعالى- قوله في معنى الحديث : " هذا الكلام صدر من هذا الرّجل وهو غير ضابط لما قاله، لما ناله من السّرور ببلوغ ما لم يخطر بباله, فلم يضبط لسانه دهشاً وفرحاً، فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه, وجرى على عادته في الدّنيا في مخاطبة المخلوق""شرح النووي على صحيح مسلم"(3/40
وبناءًا على ما تقدم توقف العلماء في تكفير أصحاب صور من الكفر لعدم إرادتهم هذا الكفر،
مثال ذلك :
يورده القاضي عياض- رحمه الله تعالى بقوله : " وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه، فقال له : صل على النبي محمد r، فقال له الطالب : لا صلى الله على من صلى عليه
فقيل لسحنون : هل هو كمن شتم النبي r، أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه؟
قال : لا ، إذا كان على ما وصفت من الغضب، لأنه لم يكن مضمراً الشتم .
وقال أبو إسحاق البرقي وأصبغ بن الفرج- رحمه الله تعالى : " لا يقتل، لأنه إنما شتم الناس، وهذا نحو قول سحنون، لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي e، ولكنه لما احتمل الكلام عنده، ولم تكن معه قرينة تدل على شتم النبي e، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم، ولا مقدمة يحمل عليها كلامه، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء، لأجل قول الآخر له: صل على النبي، فحُمِل قوله وسبه لمن يصلي عليه الآن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه ...
وذهب الحارث بن مسكين القاضي وغيره في مثل هذا إلى القتل". "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (2/235) .
ونختم بتلخيص جامع لمذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، لعالم عصره الشوكاني رحمه الله، إذ يقول :
" لابد من شرح الصدر بالكفر، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه". "السيل الجرار" (4/578) والنقل عن “التكفير وضوابطه” ص(61-65)
وفي ذكرالنصوص الدالة على اعتبار العذر بالتأويل
أولاً : أدلة العذر بالخطأ في التأويل :
وقد يقع الواحد من المسلمين في الكفر لتأول خاطئ أو فهم مغلوط للنصوص، فيقع في الخطأ، وهو لا يقصده، وهذا في الحقيقة فرع عن العذر بالخطأ، .
والمخطئ في فهم النصوص المتأول لبعضها على معان خاطئة مجتهد أخطأ في فهم مراد الشارع، فإن كان تأوله مع بذله الجهد، واستفراغ الوسع، فهذا مجتهد أخطأ في اجتهاده، وهو موعود بالأجر على لسان رسول الله e حيث قال : " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" رواه الإمام البخاري ح(7353)، والإمام مسلم ح (1716).
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى : " ولا يؤاخذ بإعطاء الحقّ لغير مستحقه لأنّه لم يتعمّد ذلك، بل وزر المحكوم له قاصر عليه, ولا يخفى أنّ محلّ ذلك أن يبذل وسعه في الاجتهاد وهو من أهله, وإلا فقد يلحق به الوزر إن أخلّ بذلك " "الفتح"(13/320)
وقال أبو حامد الغزالي – رحمه الله تعالى : "ولم يثبت لناأن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلا بد من دليل عليه، وثبت أنالعصمة مستفادة من قول: لا إله إلا اللهقطعاً، فلا يدفع ذلك إلا بقاطع. وهذا القدر كاف في التنبيه على أن إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان". "الاقتصاد في الاعتقاد" (223-224) .
ولسبب الخطأ في التأويل مع قصد الحق عذر المسلمون أصحاب النبي e الذين شاركوا في الفتنة، وترضوا عن سائرهم، ولم يوقعوا فيهم النصوص الذي ذمت قاتل النفس المؤمنة كقوله : “لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض” رواه الإمامان البخاري ح (48) ومسلم ح (64) .
ولعل أهم أدلة عذر السلف لمن أخطأ في التأويل عذرهم قدامة بن مظعون وأصحابه – رضي الله تعالى عنهم- حين شربوا الخمر مستحلين شربها، لغلطهم في فهم معنى قوله تعالى : ] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ...[ سورة"المائدة"الآية(93) واعتقاد جواز شرب الخمر كفر،
لكن بسبب التأول لم يكفرهم عمر رضي الله تعالى عنه ولا الصحابة، بل بيّنوا لهم معنى الآية، واستتابوهم من استحلالها، وعاقبوهم على شربها .
يقول الإمام الطحاوي – رحمه الله تعالى : " اتفق الصحابة – رضي الله تعالى عنهم- على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك، فإن قدامة بن عبد الله شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى : ] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ... [ سورة "المائدة" الآية(93) .
فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين- على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصرّوا على استحلالها قتلوا .
وقال عمر لقدامة : "أخطأت إستك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر" .
وبعد أن نقل الإمام الطحاوي– رحمه الله تعالى- اتفاق الصحابة – رضي الله تعالى عنهم- على عذر هؤلاء المتأولين قال : "وهذا الذي اتفق عليه الصحابة – رضي الله تعالى عنهم- هو متفق عليه بين أئمة الإسلام" "شرح العقيدة الطحاوية" (324).
ومن أمثلة توقف السلف وامتناعهم عن تكفير المتأول توقف الصحابة في تكفير الخوارج
"وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفّروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟
فلا يحل لأحد من هذه طوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال([4])بحقائق ما يختلفون فيه". "مجموع الفتاوى" (3/282-283)
يقول ابن الوزير– رحمه الله تعالى : " فإذا تورع الجمهور من تكفير من اقتضت النصوص كفره، فكيف لا يكون الورع أشد من تكفير من لم يرد في كفره نص واحد، فاعتبر تورع الجمهور هنا، وتعلم الورع منهم في ذلك". "إيثار الحق على الخلق" (388).
ويستشهد العلامة ابن القيم – رحمه الله تعالى بقصة الرجل الذي أمر بإحراق نفسه على عذر الله للمتأول، فيقول
" وأما من جحد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه، فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً" "مدارج السالكين..." (1/338-339)
يقول العلامة ابن الوزير – رحمه الله تعالى عن هذا الدليل : "وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل". "إيثار الحق على الخلق"(394)
وهكذا فإن الخطأ الذي يسببه التأويل مما لا يكفَّر به المسلم، لأن الحكم بكفره مبني على الجزم بتعمده جحد ما جحد من الدين، وعدم خطئه، و
" قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطؤوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمدهملأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلا الله تعالى". "إيثار الحق على الخلق" (393)
يقول الإمام الشافعي– رحمه الله تعالى : "... لم نعلم أحداً من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم ردّ شهادة أحد بتأويل، وإن خطأه وضلله، ورآه استحل فيه ما حرم عليهولا رد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول" "الأم" (6/205)
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى : " الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطؤه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية [العقدية] أو العملية [الفقهية] هذا الذي عليه أصحاب النبي r وجماهير أئمة الإسلام". "مجموع الفتاوى" (23/346).
وقال ابن العربي– رحمه الله تعالى : "الجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً، فإنّه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبيّن له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعاً قطعيّاً يعرفه كلّ المسلمين من غير نظرٍ وتأمّلٍ.. ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع ". "محاسن التأويل" (5/219-220).
ويقول محمد صديق خان - رحمه الله تعالى- متحسراً على تكفير بعض الفقهاء للمتأولين : " وأما قول بعض أهل العلم : إن المتأول كالمرتد، فههنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر، لا بسنة ولا قرآن، ولا ببيان من الله ولا برهان " "الروضة الندية شرح الدرر البهية" (2/623).
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
من مواضيعي
0 دعوةٌ تُصيبُ هذا الصنف من التجّار
0 تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي
0 في المعدل والجارح [ لبيان دقة علماء الحديث ]
0 اعتراض أهل البدع على النصوص الشرعية وضرورة مواجهتهم
0 مختارات من ردود الشيخ أبو اسحاق الحويني حفظه الله على الطائفة المخذولة
0 علم الرجال وأهميته
0 تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي
0 في المعدل والجارح [ لبيان دقة علماء الحديث ]
0 اعتراض أهل البدع على النصوص الشرعية وضرورة مواجهتهم
0 مختارات من ردود الشيخ أبو اسحاق الحويني حفظه الله على الطائفة المخذولة
0 علم الرجال وأهميته










