يحدث هذا للمواطن...في خمسينية الجزائر من الاستقلال
20-05-2013, 09:46 PM
كلفني والدي –حفظه الله- منذ فترة قصيرة باستخراج بعض الوثائق الخاصة بالعقار فكانت وجهتي مديرية مسح الأراضي لولاية الجزائر الواقعة ببئر مراد رايس، وجدت عدد هائل من المواطنين مجتمعين أمام بوابة المديرية ومنهم من كان متواجدا هناك منذ الساعات الأولى للصباح (7 صباحا) ليحجز مكانه بالقرب من البوابة، يتكرر هذا الحال دائما في اليومين المخصصين للإستقبال (الإثنين والأربعاء من 9سا إلى 11سا 30د) وصلت إلى هناك قبل التاسعة بحوالي عشرين دقيقة لم أشعر بمرور الوقت لأني كنت أتبادل أطراف الحديث مع بعض السيدات اللواتي كن ينتظرن كذلك وكل منهن تحكي عما واجهته من عراقيل ومشاكل خلال رحلتهن للحصول على الوثائق، وما إن فُتِحت البوابة حتى هجم الجميع باتجاه المدخل وأخذوا يركضون باتجاه السلالم لأن المصلحة المعنية تقع بالطابق الثالث من البناية رأيت شيوخا كبار وسيدات مسنات يركضن لكنني لم أستوعب ما كان يحدث من حولي، أتراهم يتدافعون للدخول عبر بوابة الجنة أم ماذا؟ صعدت السلالم وأنا أحدث نفسي "يا له من شعب، في الحافلة يتدافعون، في الأسواق يتدافعون والآن في الإدارات كذلك يتدافعون" ولما أوشكت على بلوغ الطابق الثالث ورأيت ما رأيت زال عني العجب وأدركت لما كانوا يركضون ويتدافعون... فالسلالم تنتهي إلى ممر صغير (لا تزيد مساحته عن 3 على 1,5 متر مربع) فيه شباك بطول مترين على أقصى تقدير طبعا لم أستطع الوصول إلى الشباك لأني بقيت على السلالم رفقة من وصلوا متأخرين كحالي، وقفت في الأسفل مدة من الزمن وأنا أراقب المشهد في صمت، لم يكن هناك نظام بين من جاء لإيداع الملف أو من جاء لأجل سحب الوثائق كذلك لم يكن هناك مكان أو جهة مخصصة للنساء بينهم فالجميع يتدافع، أحدهم كان يطرق على خزانة حديدية موجودة في أحد الأركان ويصرخ "سي محمد وين راكم؟ راهي التسعة مازال نزيدوا نستناوكم كثر؟ والآخر يجيبه "ياوووو ما راهومش سامعين بيك خلاص" ونطقت أخرى قائلة "لا يوجد أي احترام للمواطن"، خرج إليهم أحد الموظفين وبدأ في استلام الطلبات فانهالت عليه الأيادي من كل صوب كل منهم يحاول أن يسلم طلبه أولا فارتفعت أصوات بعض ممن كانوا أمام الشباك مباشرة "واش خويا راك تشوف في قنطرة (بثلاث نقاط على القاف)" والآخر يقول "إيه عندوا الحق ماعجبناكمش كل واحد يحترم دالتو"، فسألت احدى السيدات ذلك الموظف "لما لا تضعون نظام لسحب التذاكر فيعرف كل واحد دوره" أجابها "سيدتي هذا الأمر يتجاوزني، إذا أردت ذلك تحدثي إلى المدير"، تدخل رجل بعدها "نعم أين هو المدير سنناقش الأمر معه" أجابه الموظف "مكتب المدير غير موجود في البناية هنا"....بالموزاة مع هذه الفوضى العارمة سرحت مخيلتي في مقارنة بين ما يحدث هنا وبين ما يحدث في بعض الدول العربية التي لديها نظام يعرف بالحكومة الإلكترونية أين يتمكن المواطن من سحب وإيداع وثائقه إلكترونيا من منزله في أغلب الإدارات والمرافق العمومية، إن كان هذا الحلم في تحقق إنجاز كهذا يبدوا بعيد المنال لنا على الأقل في المدى المتوسط والقريب -رغم مشروعية الحلم وتوفر الإمكانيات المادية والبشرية لإنجازه- فليس أقل إذن من أن تصان كرامة المواطن وإن كان ذلك بأساليب تسيير بدائية وبسيطة في جزائر الخمسين سنة من الإستقلال.









