من تخريف فرخ القاعدة محمد أيوب
أقول:
يا ظلوم أتظن الناس لا يميزون ولا يعقلون حتى تتجاسر بمثل هذا القول الإفك ؟ يا جهول أيترك الناس علماء سنة لهم قدم صدق في تعليمها ودعوة الناس إليها إلى من لم يعرف إلى هذه الساعة بعلم ولا دين ؟ يا غافل أما آن لك اليقظة وتذكر المعاد والحساب والصراط ومعرفة فيمن تقدح ؟
تعالوا يا أهل الإنصاف والعقل لنرى ما جرح وعاب به علماءنا – علماء أهل السنة – من الدخول على السلطان هل هو في ميزان العلم الحق عيب وجرح على الإطلاق أم أن فيه تفصيلاً وقد يكون من المحامد والمناقب ، وهذا التفصيل لا يدريه هذا الجهول ؛ لذا ما إن رأى ما يظنه ممسكاً للطعن في علماء التوحيد والسنة إلا وأغلق عليه فرحُه الشديد التأملَ والنظر السديد لأنه – في زعمه – قد وجد ما يبرر له تجريحهم وإسقاطهم ، لكن أنى له ذلك فقد افتضح في هذه كما افتضح كثيراً من قبل ومن بعد ، وبان لدى أهل العلم أنه نقد وجرح بما لم يصح شرعاً ، ومن لم يتبين له بعد فإليه الأدلة وأقوال أهل العلم في حكم الدخول على السلطان وحكم أخذ الأموال منهم .
قال الشيخ العلامة عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن – رحمه الله -:
وأما طعنكم على الشيخ المكرم بأنه قبل جوائز ابن ثنيان وأنه بنى بيت الشيخ من أموال محرمة – ثم قال – فلو سلم تسليماً صناعياً أن قصدكم الأموال المغصوبة فوجودها في بيت المال لا يقتضي التحريم على من لم يعلم عين ذلك ولم يميز لديه والمسئول عن التخليط ولي الأمر لا من أخذ منه إذا لم يعلم عين المغصوب وقد ذكر ذلك أئمتكم من الشافعية وغيرهم من أهل العلم بل ذكر ابن عبدالبر إمام المالكية في وقته أنه لا يعرف تحريم أموال السلاطين عن أحد ممن يعتد به من أهل العلم . وقال في رسالته لمن أنكر عليه ذلك :
قــل لمـن ينكـر أكـلي لطعام الأمراء
أنت من جهلك عندي بمحل السفهـاء
فإن الاقتداء بالسلف الماضين هو ملاك الدين. ثم قال بعد ذلك: ومن حكي عنه أنه تركها كأحمد وابن المبارك وسفيان وأمثالهم ، فذاك من باب الزهد في المباحات وهجر التوسعات ، لا لاعتقاد التحريم – إلى أن قال – وقد قال عثمان – رضي الله عنه-: جوائز السلطان لحم ضبي ذكي ، وقد قال ابن مسعود لما سئل عن طعام من لا يجتنب الربا في مكسبه، قال: لك المهنا وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراماً .
وحكي عن أحمد – رحمه الله -:
جوائز السلطان أحب إلينا من صلة الإخوان لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن. قال: وكان ابن عمر يقبل جوائز صهره المختار ، وكان المختار غير مختار. حكى هذا عنه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وناهيك به حفظاً وأمانة – عند الكلام على حديث :"
إذا دخل أحدكم بيت أخيه فأطعمه من طعامه أو سقاه من شرابه فليأكل من طعامه وليشرب من شرابه ولا يسأل عنه " والحديث معروف في السنن.
قال الحافظ الذهبي: ق
يل لعبدالله بن عثمان بن خيثم: ما كان من معاش عطاء؟ قال: صلة الإخوان ، ونيل السلطان. وهذا مشهور بين أهل العلم، وقد قال صالح بن أحمد لأبيه لما ترك الأكل مما بيد ولده من أموال الخلفاء: أحرام هي يا أبت؟ قال: متى بلغك أن أباك حرمها ؟. وأما إذا علم الإنسان عين المال المحرم لغصب أو غيره فلا يحل له الأكل بالاتفاق ، والمشتبه الذي ندب إلى تركه هو ما لم يعلم حله ولا تحريمه، وأما إذا امتاز بحال وعرف الحكم فهو لاحق بالبين لا الاشتباه ، وفي دخول أموال السلاطين في المشتبه بحث جيد لا يخاطب به إلا من سلمت في السلف الصالح سريرته، وحسنت في المسلمين عقيدته ، والمرتاب يصان عنه العلم ولا يخاطب إلا بما يزجره ويردعه ، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدايا من المقوقس وصاحب دومة الجندل وغيرها، وهو صلى الله عليه وسلم لا يقبل إلا طيباً ولا يأكل إلا طيباً .
وأموال الكفار لا يبيحها الغصب لمثل المقوقس ، وإنما تباح وتملك بالقهر والغلبة والاستيلاء للمسلمين . وهذا كله منا على سبيل التنزل والمجاراة وإلا فنحن نعلم أنكم لا تذكرون هذا إلا على سبيل العيب والمذمة والغيبة لا عن ورع فيكم ولا تحر للصواب وطلب للفقه لديكم ، بل أنتم كما قال تعالى في أهل الكتاب
وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
وقد اشتهر أنكم في المزاحمة على الأموال المحرمة أحمق من نعجة على حوض ، وغالب ما في أيديكم من الأوقاف ، والريع والمآكل إنما وصل إليكم من جهة من لا يعرف الدعوة الإسلامية ، وليست لهم ولاية شرعية – ثم قال – فكيف تلمزون بأمراء المسلمين وهذا حالكم وهذه مآلكم ؟ ا.هـ
وبعد ما رأيت من أقاويل وأفاعيل أهل العلم الماضين من جواز الدخول على السلطان وأخذ الأموال منه ، يتضح لك جهل المقدسي بما عليه أهل العلم في هذه المسألة، بل إن قدحه -أيضاً- ليشملهم . نسأل الله العافية .
ثم إليك الأدلة الدالة على جواز الدخول عليهم .
وأكتفي بذكر أدلة ثلاثة تدل على أصل جواز الدخول على السلطان :
الأول: عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"
ما بعث الله من نبي ، ولا استخلف من خليفة ، إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، فالمعصوم من عصم الله تعالى " أخرجه البخاري .
وجه الدلالة : معلوم أن هذه البطانة التي تأمره بالخير لابد وأن تجالسه وتدخل عليه .
الثاني : عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"
إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع " قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟ قال:" لا ما صلوا " أخرجه مسلم .
وقد استدل الشوكاني بهذا الحديث على جواز الدخول على الحكام ولو كانوا ظلمة بشرط ألا يحصل الرضا والمتابعة ، وهذا الاستدلال وجيه لأن الذم إنما في حق من رضي وتابع ، أما من دخل ولم يرض ويتابع على الإثم فليس داخلاً في الذم والنهي بل هو على أصل الإباحة .
الثالث : أخرج الحاكم وغيره عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ،
ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه وقتله " صححه الإمام الألباني ،
فهذا من الأدلة الدالة على جواز الدخول على السلطان الجائر ، وللإحاطة فإن أفراخ القاعدة ممن استدل بهذا الحديث ، فسبحان من حجب عن هذا العنيد فقه ما استدل به، ثم أمهله حتى صار يطعن في أوليائه كبار علماء السنة حتى يأخذه – بحوله وقوته – أخذ عزيز مقتدر، إن كان في علمه ألا يهديه .