تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > المنتدى الحضاري > أرشيف > المنتدى الاسلامي العام

> هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات

 
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية أختُ عبد الرحمان
أختُ عبد الرحمان
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 15-02-2008
  • الدولة : بريطـانيا
  • العمر : 34
  • المشاركات : 11,741
  • معدل تقييم المستوى :

    31

  • أختُ عبد الرحمان will become famous soon enoughأختُ عبد الرحمان will become famous soon enough
الصورة الرمزية أختُ عبد الرحمان
أختُ عبد الرحمان
شروقي
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
27-01-2009, 05:30 PM
اقتباس:
و ليست هذه المرة الأولى فقد سبق لكِ الإفتراء على السادة الأشاعرة و العجز عن الإتيان بدليل و اليوم نفس الشيء و الأمر لا يحتاج الى جهدٍ كبير لمعرفة الحقيقة فقد طلع الصباح فأطفئ القنديل


لأي سبب سأقول خرافات؟؟!
هدانا الله و إياكم






أنت يا أيّها الافريقيّّ !!

هل تعلم أنّ 45% فقط من سكّان افريقيا مسلمون؟!

6 ملايين من مسلمي افريقيا يعتنقون النّصرانيّة كلّ سنة !

أليس من المفروض أن تكون افريقيا قارّة مسلمة؟

فأين نحن من نشر هذا الدّين ؟
  • ملف العضو
  • معلومات
عبد الله ياسين
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 07-10-2007
  • المشاركات : 918
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • عبد الله ياسين is on a distinguished road
عبد الله ياسين
عضو متميز
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2008
  • الدولة : البليدة
  • العمر : 38
  • المشاركات : 7,183
  • معدل تقييم المستوى :

    26

  • جمال البليدي is on a distinguished road
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
28-01-2009, 04:38 PM
الرد على مداخلات عبد الله ياسين
(الجزء الأول)

الحمد لله وبعد :
بداية يجب أن يعلم أن أهل السنة يثبتون العلو الحسي والمعنوي معا
فالعلو الحسي: هو استواء الله عزوجل على عرشه وارتفاعه فوق خلقه، والعلو المعنوي: هو القهر والكبرياء والعظمة. والعلو جاء إثباته بلفظ العلو، وجاء إثباته بالفوقية، والفوقية أيضاً تأتي بالمعنيين: تأتي حسية ومعنوية، فالحسية مثل قوله تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50] ، ففي هذه الآية إثبات صفة الفوقية الحسية، وأما الفوقية المعنوية فمثل قوله تعالى في أتباع عيسى: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران:55] فهذه الفوقية ليست حسية، بل المقصود بها الفوقية المعنوية بالترفع عليهم فقط. وكذلك فوقية الله سبحانه وتعالى على خلقه فوقية حسية وفوقية معنوية: فوقية حسية بارتفاعه وعلوه واستوائه على عرشه، وفوقيته المعنوية بمخالفته للحوادث وقهرهم بإحاطته بما هم فيه. فالله له العلو المطلق، فله علو الشأن، فشأنه عظيم، ولا يحيطون بشيء من علمه، ولا يحيطون به علماً سبحانه وتعالى، وله علو القهر، فقد غلب كل شيء، وقهر كل شيء، وعلا على كل شيء، وله علو الذات سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فاستوى فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، كما جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسي بجوار العرش كحلقة في فلاه)، والله على عرشه استوى.

وأخونا ياسين يركز فقط على العلو المعنوي(علو القهر) وكأن أهل السنة السلفيين لا يثبتونه! ولا أظنه يخفاه أن كل الطوائف بلا إستثناء يثبتون العلو المعنوي(علو الشأن وعلو القهر) وخلافنا لا يكمن في ذلك ألبتة إنما في علو الذات .
ولقد أجمعت رسل الله تعالى واتفقت كتبه المنزلة([1]) بل العرب والعجم([2]) , والآدميون عربهم وعجمهم مؤمنهم وكافرهم([3]) واتفقت بذلك كلمة المسلمين والكافرين([4]) على أن الله تعالى فوق العالم عالٍ على عباده([5]) .

ولم يخالف في ذلك أحد من بني آدم إلا شرذمة من الفلاسفة والجهمية والمعطلة والأشعرية
والماتريدية([6]) .


فكلهم يشهدون بألسنتهم وفطرهم على أن الله فوق العالم وعليه فطرة المسلمين علمائهم وجهالهم وأحرارهم ومماليكهم وذكرانهم وإناثهم وأطفالهم وكل من دعا الله تعالى([7]) .


اقتباس:


1- العلوّ الحسّي : بمعنى أنّ الله يعلوا على خلقه عُلوّاً بالمسافة و المكان كاعتقادك أنّ مَن على قِمّة الجبل يعلوا على مَن هو أسفَل الجبل ؛ أو مَن هو على الطّابق الخامس يعلوا على مَن هو على الطّابق الرّابع فمَن دونه و هكذا...
و نسبة هذا المعنى للمخلوق حقّ كما لا يخفى ؛ أمّا نسبته للخالق فهو باطل لأنّ عُلماء الإسلام أجمعوا على أنّ الله عزّ و جلّ " لا يَحْوِيهِ مَكَان و لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَان " كما نقل ذالك الإمام البغدادي ؛ و لأنّ نسبة الجهة لله عزّ و جلّ تستلزمُ قِدَمَ الجِهة و هو باطل...
فأين كان الله قبل أن يخلق الجهة و المكان و الزمان ؟
فالله هو خالق الزمان و المكان و الجهات كما هو مُقرّر ؛ إذاً في الأزل قبل أن يخلق الله الزمان و المكان و الجهات و غيرها من المخلوقات كان الله موجوداً و موصوفًا بصفات الكمال و الجلال ؛ و لم يكن أحدٌ معه ... و عليه فالله عزّ و جلّ " كَانَ وَ لاَ مَكَان وَ هُوَ الآَن عَلَى مَا عَلَيهِ كَانْ " أي بدون جهة و لا مكان...


أقول:
مفاد هذه الطنطنة إلزام فاسد-هذه عادة الأشاعرة- وهو أن إثبات العلو لله تعالى بذاته يستلزم إثبات المكان والجهة ومعلوم بداهة أن هذا الإلزام فاسد من أوجه:
الوجه الأول: أن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فلا يبنغي أبا قياس الخالق بالمخلوق كما حاول أن يفعل صاحبنا
الوجه الثاني: قد تواترات النصوص الشرعية وأقوال السلف في إثبات علو الله تعالى وفوقيته ولم نسمع من أي أحد منهم جاء بهذا الإلزام فاسد فهل جهلوه وأنتم عقلتموه؟!
وإليك بعض الأدلة على علو الله تعالى وفوقيته:
1-من الكتاب: و قول الله تعالى في سورة الملك: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ () أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}
و قول الله تعالى في سورة فاطر: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}
وقوله تعالى في سورة السجدة:
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}
وقوله تعالى في سورة المعارج:
{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}
وقوله تعالى في سورة آل عمران:
{إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}
وقوله تعالى في سورة النساء: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ}
وقوله تعالى في سورة النحل:
{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}
وقوله تعالى في سورة المائدة: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} وقوله تعالى في سورة الأنعام: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} وقوله تعالى:
{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ () مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ}
وقوله تعالى في سورة غافر{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} وقوله تعالى {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}وقوله تعالى {
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}
وقوله تعالى " وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا "


2-من السنة:
جاء الصَّحِيحَيْن مِنْ حَدِيث أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمَّا قَضَى اللَّه الْخَلْق كَتَبَ فِي كِتَاب ,فَهُوَ عِنْده فَوْق عَرْشه إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي " . وَفِي لَفْظ الْبُخَارِيّ " هُوَ وَضْع عِنْده عَلَى الْعَرْش " . وَفِي لَفْظ لَهُ أَيْضًا " فَهُوَ مَكْتُوب فَوْق الْعَرْش" .

وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَس قَالَ " كَانَتْ زَيْنَب تَفْخَر عَلَى أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُول زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّه مِنْ فَوْق سَبْع سَمَاوَات " . وَفِي لَفْظ لِلْبُخَارِيِّ " كَانَتْ تَقُول أَنْكَحَنِي اللَّه فِي السَّمَاء " .

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَة مِنْ كَسْب طَيِّب , وَلَا يَصْعَد إِلَى اللَّه إِلَّا الطَّيِّب, فَإِنَّ اللَّه يَتَقَبَّلهَا بِيَمِينِهِ , ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدكُمْ فَلُوَّهُ , حَتَّى تَكُون مِثْل الْجَبَل " لَفْظ الْبُخَارِيّ .
وعن أَبِي الدَّرْدَاء : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " رَبّنَا اللَّه الَّذِي فِي السَّمَاء , تَقَدَّسَ اِسْمك , أَمْرك فِي السَّمَاء وَالْأَرْض كَمَا رَحْمَتك فِي السَّمَاء - الْحَدِيث " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الطِّبّ وإسناده حسن .

3-أقوال الصحابة:
-قال البخاري في تاريخه قال محمد بن فضيل عن فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل أبو بكر رضي الله عنه عليه فأكب عليه وقبل جبهته وقال " بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا "، وقال: " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت "
-ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي، عن أنس رضي الله عنه قال: كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: "زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
-ومن ذلك مارواه سنيد بن داود، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "الله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" إسناده صحيح.
4-الإجماع:
-روى القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بإسناد إلى أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي الإصطخري قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها، العارفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب الني صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها أو عاب قائلها، فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
ثم ساق الإمام أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أن قال:
وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء، والله عز وجل على العرش، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السموات والأرضين السبع وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وشجرة، وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نور ونار وظلمة وما هو أعلم به.
فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله عز وجل: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وبقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} وبقوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } ونحو هذا من متشابه القرآن. فقل: إنما يعنى بذلك العلم، لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، ويعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان
. انتهى.

-وقال أبو عمر ابن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله:{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خلفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. انتهى. وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في " القاعدة المركشية" وأقره وهو مذكور في صفحة 193 من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف، إذ لم ينقل عنهم غير ذلك، إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية. انتهى. وقد نقل الذهبي كلام ابن عبد البر في كتاب "العلو" ونقله ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقره.

الوجه الثالث:ماقاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله((في "التدمرية" "ص45": قد يراد بـ"الجهة" شيء موجود غير الله, فيكون مخلوقا كما إذا أريد بـ"الجهة" نفس العرش, أو نفس السماوات, وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى, كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه, كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك, وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق, والخالق سبحانه وتعالى مباين للمخلوق, ليس في مخلوقاته شيء من ذاته, ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات, أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة. أتريد بذلك أن الله فوق العالم, أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق, وإن أردت الثاني فهو باطل
")).

قلت:وما قيل في شبهة الجهة يقال في شبهة المكان.

الوجه الثالث: أما تساؤلاتك العجيبة الغريبة فمضحكة والله
قال أخونا:
اقتباس:
مسلم يقطنُ القُطب الشمالي للكرة الأرضية ؛ من أنّ الله فوقه فوقية حسّية يعني بالمسافة و المكان !
مسلم يقطنُ القُطب الجنوبي للكرة الأرضية ؛ من أنّ الله فوقه فوقية حسّية يعني بالمسافة و المكان !
مسلم يقطُن في أقصى النّصف الشرقي للكرة الأرضيّة ؛ من أنّ الله فوقه فوقية حسّية يعني بالمسافة و المكان !
مسلم يقطُن في أقصى النّصف الغربي للكرة الأرضيّة ؛ من أنّ الله فوقه فوقية حسّية يعني بالمسافة و المكان !
فماذا يستلزم من اعتقاد الفوقية الحسّية من كلّ الجهات الأربع ( شمال ، جنوب ، شرق ، غرب) للكرّة الأرضية ؟
يستلزم أنّ المَخلوق ( الكرة الأرضيّة و الكون ) موجود داخل الخالق !!! و أنّ الله عزّ و جلّ مُحيطٌ بخلقه احاطة حسّية من كلّ الجهات !!! و العياذ بالله من هذا القول الباطل !!!
فهل هذه هي عقيدة الإسلام ؟!!!
لا و ألف لا ...
فمُعتقد أهل الحق أنّ الله موجود بدون مكان و لا جهة لأنّ المخلوق يحتاج لتواجده للمكان و الجهة أمّا الخالق فسبحانه كان موجوداً قبل يخلق المكان و الزمان و الجهة و عليه فهو غنيٌّ عن ذالك...
أقول: ومن أين لك بهذه الإلزمات ألا تعلم قوله تعالى((ليس كمثله شيء هو السميع البصير) ثم إن الله فوق العالم المخلوق فكل ماسوى الله عالم فهو سبحانه وتعالى فوق كل العالم فكيف تسأل إذن هذه الأسئلة؟ ألا تعلم أن أسئلتك لا تختلف عن سؤال ذاك المبتدع الذي سأل الإمام مالك رحمه الله((كيف إستوى)؟!
فالقول هل الله فوق القطب الشمالي أو الجنوبي لم يرد فيه نص إنما ثبت انه فوق السموات السبع فهو سبحانه وتعالى بذاته فوق العالم أجمع.
اقتباس:
قال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في "الدعوة السابعة" في كتابه القيّم " الإقتصاد في الإعتقاد " :
( فإن قيل ) :
فنفي الجهة يؤدي إلى المحال و هو : إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست و يكون لا داخل العالم ولا خارجه و لا مُتَّصِلاً به و لا مُنْفَصِلاً عنه و ذلك محال ؟!!!
( قلنا ) :
مُسَلَّمٌ أنّ كلّ موجود يقبل الإتّصال فوجوده لا مُتَّصِلاًو لا مُنْفَصِلاً محال و إن كان موجوداً يقبل الإختصاص بالجهة فوجوده مع خلُوِّ الجهات السّت عنه محال.
فأما موجود لا يقبل الإتّصال و لا الإختصاص بالجهة فخُلُوّهِ من طرفي النّقيض غير محال و هو كقول القائل : يستحيل موجود لا يكون عاجزاً ولا قادراً و لا عالماً و لا جاهلاً ، فإنّ أحد المتضادّين لا يخلو الشيء عنه.
( فيقال له ) :
إن كان ذالك الشيء قابلا للمتضادّين فيستحيل خلوّهِ عنهما ، و أما الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما لأنّه فقد شرطهما ؛ و هو الحياة ؛ فخلوّهِ عنهما ليس بمحال.
فكذلك شرط الإتّصال و الإختصاص بالجهات : التحيّز ، والقيام بالمتحيّز فإذا فقد هذا لم يستحل الخلق عن متضادتين.
فرجع النظر إذاً إلى أنّ موجوداً ليس بمتحيّز و لا هو في متحيّز ، بل هو فاقد شرط الإتّصال و الإختصاص هل هو محال أم لا ؟
( فإن زعم الخصم ) :
أنّ ذلك محال وجوده ؟!!!
( فقد دلّلنا ) عليه بأنّه :
مهما بان أنّ كل متحيّز حادث ، و أنّ كل حادث يفتقر إلى فاعل ليس بحادث ، فقد لزم بالضرورة من هاتين المُقدّمتين ثبوت موجود ليس بمتحيّز ، أما الأصلان فقد أثبتناهما ، و أما الدعوى اللاّزمة منهما فلا سبيل إلى جحدها مع الإقرار بالأصلين.
( فإن قال الخصم ) :
إنّ مثل هذا الموجود الذي ساق دليلكم الى إثباته غير مفهوم ؟
( فيقال له ) :
ما الذي أردت بقولك : "غير مفهوم" ؟!!!
( فإن أردت به ) أنّه غير مُتخيّل ولا مُتصوّر و لا داخل في الوهم فقد صدقت ؛ فإنه لا يدخل في الوهم و التّصوّر والخيال إلا جسم له لون و قدر ، فالمنفك عن اللّون و القدر لا يتصوّره الخيال ، فإن الخيال قد أنس بالمُبصرات فلا يتوهّم الشيء إلا على وفق مرآه ، و لا يستطيع أن يتوهّم ما لا يوافقه.
( و إن أراد الخصم ) :
أنّه ليس بمعقول أي : ليس بمعلوم بدليل العقل فهو محال ؛ إذ قدّمنا الدّليل على ثبوته و لا معنى للمعقول إلا ما اضطرّ العقل إلى الإذعان للتّصديق به بموجب الدّليل الذي لا يمكن مخالفته و قد تحقق هذا.
( فإن قال الخصم ) :
فما لا يتصوّر في الخيال لا وجود له ؟!!!
( فلنحكم ) بأنّ الخيال لا وجود له في نفسه ؛ فإنّ الخيال نفسه لا يدخل في الخيال و الرؤية لا تدخل في الخيال و كذالك العلم و القدرة و كذالك الصوت والرائحة.
ولو كلّف الوهم أن يتحقّق ذاتًا للصّوت لقدّر له لونًا و مقدارًا وتصوّره كذالك.
و هكذا جميع أحوال النّفس من الخجل و الوجل و الفسق والغضب والفرح و الحزن و العجب.
فمن يدرك بالضرورة هذه الأحوال من نفسه و يروم خياله أن يتحقّق ذات هذه الأحوال فيجده يقصر عنه إلا بتقدير خطأ ، ثم ينكر بعد ذالك وجود موجود لا يدخل في خياله فهذا سبيل كشف الغطاء عن المسألة.انتهى

خلاصة جواب الغزالي أن هذا الإلزام إنما يصح في حق الأجسام التي تكون في حيز

ويجاب على اعتراضته على صفة العلو بمثل هذا الجواب فيقال إنما تصح إلزامتك في حق المخلوقات التي تحيط بها الأحياز أما الله عز وجل فليس فوقه شيء
ومزية قولنا على قولكم أن قولنا تعضده ظواهر النصوص وإجماع السلف والعقل الصريح والفطرة السليمة

اعترافات أشعرية
نقل السقاف في ص75 عن الغزالي قوله في الإحياء (4 / 434) : "
أن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الاقطار والجهات وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه ، قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته " .

ثم نقل في ص76 عن للعز بن عبد السلام قوله في القواعد ص (201) (( أن من جملة العقائد التي لا تستطيع العامة فهمها هو أنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا منفصل عن العالم ولا متصل به ))


فنقول للأشاعرة عقيدتكم هذه موجودة في القرآن أم غير موجودة ؟
فإن قالوا غير موجودة قلنا لهم كيف يفرط رب العالمين بعقيدة هامة كهذه ويبين أحكام الحيض والظهار وغيرها هذا ما لا يليق بكتاب رب العالمين؟!!!
فإن قالوا مذكورة قلنا كيف هي مذكورة وقد صرح أئمتكم بأن العوام لا تفهمها وأنها حيرت عقول أقوام بينما يقول رب العالمين عن كتابه (( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ))
فكيف تكون هذه العقيدة المعقدة في هذا الكتاب الميسر ؟!!
قاعدة الرازي الكلية تنقض غزل الأشعرية


للرازي قاعدة معروفة وهي (( إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل على النقل )) و نحن والعامة بموجب هذه القاعدة ننكر عقيدة أن الله لا داخل العالم و لا خارجة لأن عقولنا لا تفهم هذه العقيدة وبالتالي لا تقبلها إذ كيف يقبل ما لا يفهم وما تحير به العقول كما شهد بذلك الغزالي والعز بن عبد السلام ؟!
الوجه الرابع: نحن كذلك لا نثبت المكان لأنه مخلوق لكن لما خلق الله العالم هل خلقه خارجا عنه أم في نفسه؟
فإن قلتم في نفسه فقد كفرتم وإن قلتم خارجا عنه فهو إذن سبحانه خارج العالم والعالم تحته.


يتبع..............
--------------------------------------------------------------------------------

[1] ) غنية الطالبين 1/63 , الصواعق المرسلة 4/1279 , ومختصر الصواعق 2/205 .
[2] ) تأويل مختلف الحديث 172 , والتمهيد لابن عبدالبر 7/134 .
[3] ) انظر مجموع الفتاوى 5/320 , واجتماع الجيوش 284 .
[4] ) رد الدلرمي على بشر المربسي 25 .
[5] ) راجع درء التعارض 6/208 , ونقض المنطق 52 , ومجموع الفتاوى 4/61 و 5/275 , والرد على الجهمية للدارمي 20-21 .
[6] ) انظر إثبات العلو لابن قدامة 131 , ودرء التعارض 6/209 , 266 , والحموية 24 , ومجموع الفتاوى 5/20 , 271 , وبيان تلبيس الجهمية 1/127 , وشرح الطحاوية 327 .
[7] ) التوحيد لابن خزيمة 1/254 , وانظر الفتاوى 5/275 .
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2008
  • الدولة : البليدة
  • العمر : 38
  • المشاركات : 7,183
  • معدل تقييم المستوى :

    26

  • جمال البليدي is on a distinguished road
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
28-01-2009, 04:59 PM
الرد على مداخلات عبد الله ياسين
(الجزء الثاني)

اقتباس:
- العلوّ المعنوي .
لا داعي لذكره فنحن كذلك نثبته فكل من يثبت علو الله تعالى بذاته سيثبته بقهره جلا جلاله والخلاف يكمن في علو الله بذاته أي العلو الحسي(كما تسميه أنت!(.
اقتباس:
قال شيخ المفسرين الإمام الطبري :
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الْقَاهِر فَوْق عِبَاده وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَ " هُوَ " نَفْسه ; يَقُول : وَاَللَّه الْقَاهِر فَوْق عِبَاده . وَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { الْقَاهِر } : الْمُذَلِّل الْمُسْتَعْبِد خَلْقه الْعَالِي عَلَيْهِمْ . وَإِنَّمَا قَالَ : " فَوْق عِبَاده " , لِأَنَّهُ وَصَفَ نَفْسه تَعَالَى بِقَهْرِهِ إِيَّاهُمْ , وَمِنْ صِفَة كُلّ قَاهِر شَيْئًا أَنْ يَكُون مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ . فَمَعْنَى الْكَلَام إِذَنْ : وَاَللَّه الْغَالِب عِبَاده , الْمُذِلّ لَهُمْ , الْعَالِي عَلَيْهِمْ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ وَخَلْقه إِيَّاهُمْ , فَهُوَ فَوْقهمْ بِقَهْرِهِ إِيَّاهُمْ , وَهُمْ دُونه . { وَهُوَ الْحَكِيم } يَقُول : وَاَللَّه الْحَكِيم فِي عُلُوّهُ عَلَى عِبَاده وَقَهْره إِيَّاهُمْ بِقُدْرَتِهِ وَفِي سَائِر تَدْبِيره , الْخَبِير بِمَصَالِح الْأَشْيَاء وَمَضَارّهَا , الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَوَاقِب الْأُمُور وَبِوَادِيهَا , وَلَا يَقَع فِي تَدْبِيره خَلَل , وَلَا يَدْخُل حُكْمه دَخَل .انتهى

ففوقية الله عند الإمام الطبري هي فوقية قهر و ليست فوقية مسافة !

ونحن كذلك نقول بعلو القهر(العلو المعنوي) ولكننا كذلك نقول بعلو الذات (العلو الحسي ) وأنت نقلت آيات علو القهر دون آيات علو الذات وكأن الطبري لا يقول إلا بعلو القهر؟!!!
قال الله تعالى(ثم استوى على العرش)
الآية تخبر ان الله استوى على عرشه بعد خلق السموات و الارض فالاستواء صفة فعلية له سبحانه و تعالى , اما القهر فهي صفة ذات لا تنفك عنه سبحانه و تعالى فلا يصلح لك شيء من ذلك كله !!!!!!

ثم ان الاستواء مخصوص بالعرش والقهر متعدي الى جميع المخلوقات !!!!
فأنت لم تفعل شيء سوى بعض الجعجعة و لم نرَ طحنا !!!!!

وسؤالي يا من تقول ان الاستواء هو القهر :
هل معنى ذلك ان الله لم يكن قاهرا للعرش ثم قهره ؟؟؟

ثم لو تأملت جيدا كلام الطبري لوجدته يثبت الأمرين(علو القهر وعلو الذات) حيث قال بكل وضوح((: وَاَللَّه الْحَكِيم فِي عُلُوّهُ عَلَى عِبَاده وَقَهْره إِيَّاهُمْ بِقُدْرَتِهِ وَفِي سَائِر تَدْبِيره) فهو كما ترى يثبت علو الذات(عُلُوّهُ عَلَى عِبَاده) ويثبت علو القهر(وَقَهْره إِيَّاهُمْ بِقُدْرَتِهِ وَفِي سَائِر تَدْبِيره)).

وإن أبيت إلا مكابرة فإني أحتفك بكلام الطبري التالي:
قال في تفسير قول الله تعالى في سورة الحديد : ( وهو معكم أينما كنتم ) يقول : وهو مشاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم , وهو على عرشه فوق سمواته السبع . ))

-وقال في تفسير قوله تعالى في سورة المجادلة : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) يسمع سرهم ونجواهم لا يخفى عليه شيء من أسرارهم (ولا خمسة إلا هو سادسهم) ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ) يقول : في أي موضع ومكان كانوا . وعنى بقوله : ( هو رابعهم ) بمعنى أنه مشاهدهم بعلمه وهو على عرشه . ثم روى بإسناده إلى الضحاك في قوله : ( ما يكون من نجوى ثلاثة ) إلى قوله : ( هو معهم )قال : هو فوق العرش وعلمه معهم أينما كانوا .)

ففوقية الله عند الإمام الطبري هي فوقية قهر وفوقية الذات!

اقتباس:

قال مفخرة التفسير الإمام القرطبي :
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ
الْقَهْر الْغَلَبَة , وَالْقَاهِر الْغَالِب , وَأُقْهِرَ الرَّجُل إِذَا صُيِّرَ بِحَالِ الْمَقْهُور الذَّلِيل ; قَالَ الشَّاعِر : تَمَنَّى حُصَيْن أَنْ يَسُود جِذَاعه فَأَمْسَى حُصَيْن قَدْ أَذَلَّ وَأَقْهَرَا وَقُهِرَ غُلِبَ .وَمَعْنَى ( فَوْق عِبَاده ) فَوْقِيَّة الِاسْتِعْلَاء بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَة عَلَيْهِمْ ; أَيْ هُمْ تَحْت تَسْخِيره لَا فَوْقِيَّة مَكَان ; كَمَا تَقُول : السُّلْطَان فَوْق رَعِيَّته أَيْ بِالْمَنْزِلَةِ وَالرِّفْعَة . وَفِي الْقَهْر مَعْنَى زَائِد لَيْسَ فِي الْقُدْرَة , وَهُوَ مَنْع غَيْره عَنْ بُلُوغ الْمُرَاد .انتهى
اقتباس:
ففوقية الله عند الإمام القرطبي هي فوقية قهر و ليست فوقية مكان !

القرطبي أشعري في الصفات مع أنه قد اعترف ان مذهب السلف هو إثبات علو الله تعالى على عرشه و لكنه للأسف لم يتبنى هذه العقيدة بل عرضها على انها عقيدة السلف فقال :
( أظهر الأقوال ـ وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ـ ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، والفضلاء والأخيار ، أن الله سبحانه على عرشه كماأخبر في كتابه بلا كيف ، بائن من جميع خلقه ، هذاجملة مذهب السلف الصالح )اهـ كتابه الأسنى شرح أسماء الله الحسنى 2/132
و قد تعقبه غير واحد على كلمته هذه فقال الامام العلامة السفاريني - ت1188 هـ - في كتابه ( لوئح الانوار السنية..) تعليقا على كلام القرطبي رحمة الله عليه :
" وفي قوله رحمه الله تعالى: (وإن كنت لا أقول به) غاية العجب لأنه اعترف بتظافر الآيات القرآنية عليه ودلالة الأخبار النبوية إليه وتعويل السلف الصالح الأخيار عليه فكيف يليق من مثله أن يقول : ( وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ) مع الدلالات القرآنية والأحاديث النبوية، وكونه معتقد الرعيل الاول والحزب الذي عليه المعمول ، ولعله إنما خاف من دسائس الحساد ودسائس أهل الزيغ والفساد وإفتراء ذوي البدع والإلحاد والله تعالى الموفق "
اقتباس:
قال الحافظ ابن كثير :
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَهُوَ الْقَاهِر فَوْق عِبَاده " أَيْ هُوَ الَّذِي خَضَعَتْ لَهُ الرِّقَاب وَذَلَّتْ لَهُ الْجَبَابِرَة وَعَنَتْ لَهُ الْوُجُوه وَقَهَرَ كُلّ شَيْء وَدَانَتْ لَهُ الْخَلَائِق وَتَوَاضَعَتْ لِعَظَمَةِ جَلَاله وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَته وَعُلُوّهُ وَقُدْرَته عَلَى الْأَشْيَاء وَاسْتَكَانَتْ وَتَضَاءَلَتْ بَيْن يَدَيْهِ وَتَحْت قَهْره وَحُكْمه " وَهُوَ الْحَكِيم " أَيْ فِي جَمِيع أَفْعَاله " الْخَبِير" بِمَوَاضِع الْأَشْيَاء وَمَحَالّهَا فَلَا يُعْطِي إِلَّا مَنْ يَسْتَحِقّ وَلَا يَمْنَع إِلَّا مَنْ يَسْتَحِقّ .انتهى

ففوقية الله عند الحافظ ابن كثير هي فوقية قهر و ليست فوقية حسّية !

ونحن لا ننكر علو القهر كذلك فقد أجمعت الطوائف على إثبات علو القهر وعلو الشأن ولكن كلامنا عن علو الذات الذي أنكره الجهمية وورثه الأشاعرة .


اقتباس:
فأهل الحق يعتقدون أنّ الله موجود بدون مكان لأنّ المكان مخلوق ؛ و الله كان موجوداً قبل خلق الخلق بما فيه المكان.
قد تم الرد على هذا ولا بأس بإعادة سؤالي:
لما خلق الله العالم هل خلقه خارجا عنه أم في نفسه؟
فإن قلتم في نفسه فقد كفرتم وإن قلتم خارجا عنه فهو إذن سبحانه خارج العالم والعالم تحته.
المكان إن قصد به أنه في شيء مخلوق وأن الله تعالى مظروف لظرف مخلوق – فهذا المعنى باطل ولكن لا يلزم من قولنا ( إن الله فوق العالم بائن على خلقه ) أنه تعالى مظروف في شيء مخلوق .


وإن كان المراد من ( المكان ) ما فوق العالم فهذا المعنى الصحيح , لأن الله تعالى فوق العالم بائن من خلقه وهذا هو معنى علو الله تعالى على خلقه , ولكن الجهمية المعطلة يعنون بقولهم ( ولا له مكان ) أن الله تعالى لا فوق العالم ولا خارج العالم , وأنه لا فوق العالم إله يعبد ولا رب يدعى ويسأل , ولا وراء هذا الكون خالق خلق هذا الكون ولا عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه أصلاً هذا هو مقصود هؤلاء المعلطة([1]).
اقتباس:
ملحوظة :
الإستدلال ببعض كلام أهل العلم على اثبات الفوقية الحسّية باطلٌ ؛ لأنّ :
1- كلامهم في اثبات الفوقية و العلوّ لله محمول على العلوّ المعنوي لا الحسّي . و لا وجود في كلامهم الثابت عنهم عبارات موهمة للتجسيم كقول "استوى بذاته !!!" و غيرها من العبارات الباطلة الغير واردة لا في الكتاب و لا في السنة.
2- كثيرٌ من الروايات المروية في الباب و التي اعتمدها صاحب كتاب " اعتقاد الأئمة الأربعة " لا تصلحُ سنداً كعقيدة الإمام الشافعي المكذوبة و غيرها.
والجواب على هذا من أوجه:
كلام أئئمة أهل السنة في العلو محمول على الحسي والمعنوي معا وسياق الكلام هو الذي يفصل بينهما فلما يقول أهل السنة بأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه فهنا بلا شك يقصدون العلو الحسي ولا يقول خلاف هذا إلا فاقد عقل ولما يقول أهل السنة بأن الله تعالى القاهر على عباده فهنا المقصود العلو المعنوي .
-أما القول بأن لفظ(إستوى بذاته) كلام يدل على التجسيم فهذا عندك أنت وإلا فإلزامك فاسد لأن أهل السنة بل والطوائف كلها يثبتون الذات فكيف تأتي وتقول أن هذا اللفظ يوحي التجسيم؟!أم أنك تعبد معدوم؟!!!
وأما القول بأن لفظ(استوى بذاته) بدعة فما قولك في تقسيمك للعلو إلى معنوي وحسي أليس بدعة ؟ وماذا عن إلزاماتك المبتدعةهل قال بها السلف لما قال سمعوا آيات الإستواء والعلو وسمعوا الأحاديث الواضحة أم تأولها بإلزماتك؟!!!
لكن الآيات والأحاديث وأقوال السلف صحيحة لا ينكرها إلا مكابر لكنكم تتأولونها بدون دليل .

يتبع..........


--------------------------------------------------------------------------------
[1] ) نقض المنطقة 50 , ومجموع الفتاوى 4/58-59 .
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2008
  • الدولة : البليدة
  • العمر : 38
  • المشاركات : 7,183
  • معدل تقييم المستوى :

    26

  • جمال البليدي is on a distinguished road
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
28-01-2009, 05:08 PM
الجزء الثالث:


اقتباس:
هذا القول لا يصحّ نسبته لسيّدنا الإمام مالك رضي الله عنه لأنّ راويه "عبد الله بن نافع الصايغ" كان يروي الغرائب عن سيّدنا الإمام مالك رضي الله عنه ...
قال الأستاذ وهبي سليمان غاوجي الألباني في مقدّمة تحقيقه لكتاب " إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل " للإمام العلامة " بدر الدِّين بن جماعة " :
وما يرويه سريج بن النعمان عن عبد الله بن نافع عن مالك أنه كان يقول : " الله في السماء وعلمه في كل مكان " لا يثبت.

قال الإمام أحمد : عبد الله بن نافع الصايغ لم يكن صاحب حديث و كان ضعيفا فيه.
قال ابن عدي : يروي غرائب عن مالك.
و قال ابن فرحون : كان أصم أميًّا لا يكتب.
و بمثل هذا السند لا ينسب إلى مثل مالك مثل هذا و قد تواتر عنه عدم الخوض في الصفات وفيما ليس تحته عمل كما كان عليه أهل المدينة على ما في شرح السنة للألكائي وغيره.انتهى
أعودُ و أُكرّر أنّ كثيراً من الروايات المروية في الباب و التي اعتمدها صاحب كتاب " اعتقاد الأئمة الأربعة " لا تصلحُ سنداً كعقيدة الإمام الشافعي المكذوبة و كذالك القول المروي عن تابع التّابعين عبد الرحمن الأوزاعي و غيره....

أتهزأ بي؟
نعم لم يكن صاحب حديث وهل نحن نتكلم عن الحديث أم عن كلام الإمام مالك؟!!!
قال الإمام أحمد: لم يكن صاحب حديث ، كان ضيقا فيه ، و كان
صاحب رأى مالك
، و كان يفتى أهل المدينة برأى مالك ، و لم يكن فى الحديث بذاك
.
و قال محمد بن سعد : كان قد لزم مالك بن أنس لزوما شديدا لا يقدم عليه أحد.
و قال الآجرى ، عن أبى داود : سمعت أحمد يقول : كان عبد الله بن نافع أعلم
الناس برأى مالك و حديثه
، .))


قال الفقير إلى ربه:
إذن الأثر من أصح الأثار عن الإمام مالك رحمه الله


اقتباس:

"ابن بطّة العكبري" وضّاع كما هو معلوم عند أهل الشأن ...

قال الشيخ صلاح الدِّين بن أَحمد الإدلبي في كتابه " عقائدُ الأشاعرةِ في حوارٍ هادئٍ مع شُبهاتِ المناوئين " :
عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري المتوفى سنة (387هـ) : قال ابن حجر : [ و قد وقفت لابن بطة على أمر استعظمته و اقشعر جلدي منه ] . و بيّن ذلك إذ ذكر حديث [ كلم الله تعالى موسى يوم كلمه وعليه جبة صوف وكساء صوف ونعلان من جلد حمار غير ذكي ] ، وأشار إلى ضعف سنده ، وإلى رواية ابن بطة لهذا الحديث ، لكن بزيادة منكرة في آخره ، وهي [ فقال : من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة ؟ . قال : أنا الله ] . و علّق ابن حجر بقوله : [ وما أدري ما أقول في ابن بطة بعد هذا ؟! ... والله أعلم بغيبه ].

وهذا يعني أن ابن بطة ربما وضع هذه الزيادة وأدرجها في الحديث ، وهي موافقة لمشربه الذي فيه ميل للتجسيم والتشبيه.
وقد روى ابن الجوزي الحنبلي هذا الحديث بهذه الزيادة في الموضوعات ، وعلق بقوله : [ هذا لا يصح ، وكلام الله لا يشبه كلام المخلوقين ] .
و روى ابن بطة معجم الصحابة للبغوي وهو لم يسمعه منه ، إنما كان أخذ نسخة و حكّ اسم صاحبها و كتب عليها اسمه و انظر ترجمة ابن بطة في الميزان واللسان.انتهى
و قال الحافظ الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " :
حدثني عبد الواحد بن علي الأسدي قال: قال لي محمد بن أبي الفوارس: روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " طلب العلم فريضة على كل مسلم " .

قُلتُ : و هذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب عنه و من حديث البغوي عن مصعب و هو موضوع بهذا الإسناد و الحمل فيه على ابن بطة و الله أعلم.انتهى
أقول:
ذكر ابن ماكولا في كتابه الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى
مانصه :
( أبو عبدالله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الفقيه الحنبلي يعرف بابن بطة أحد الزهاد كتب الكثير وصنف وسمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وخلقا كثيرا وأما بطة بضم الباء فأبو علي الحسن بن بطة بن سعيد بن عبدالله الزعفراني أصبهاني حدث عن أحمد بن عبدة وبشر بن معاذ وغيرهما ))


وذكر الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال اقول بعض من قالوا انه ضعيف في الرواية لكن الذهبي عقب وقال :
(( قلت : ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية - فكان إماما في السنة ، إماما في الفقه ، صاحب أحوال وإجابة دعوة رضي الله عنه )) اهـ

قلت : وهذا يكفي فقوله انه امام في السنة دليل على علمه بالسنة والعقيدة كما ذكرالذهبي كتاب الابانة لابن بطة في موضع اخر من كتابه ميزان الاعتدال حين ذكر احد الرواة واسمه ظفر فقال : - ظفر . ذكره ابن بطة في إبانته.

اقتباس:
ثمّ إنّ ابن بطة ينسب لله ما لا يليق ...
يقول ابن بطة في كتابه "الإبانة" :
فجل ربنا و تعالى عما يصفه به الملحدون وينسبه إليه الزائغون لكنا نقول إن ربنا تعالى في أرفع الأماكن و أعلى عليين ...انتهى

فهو يعتقد أنّ الله في مكان تعالى الله عن ذالك ...
و من اعتقد هذا المُعتقد الباطل نُلزمهُ بقولنا : أين كان الله قبل أن يخلق المكان ؟
فإمّا أن يُصرّ على أنّ الله قبل أن يخلق الخلق كان في مكان عالٍ و عليه فقد أثبت هذا قِدَمَ المكان و أزَلية الجهة مع الله و هو قول باطل لأنّ الله "خالقُ كلِّ شيء" بما فيه الزمان و المكان و الجهات...
و إمّا يقول بما يعتقدُه كلّ المسلمين : أنّ الله قبل أن يخلق المكان لم يكن سبحانهُ في مكان و لا جهة ، و حينها نقول له : يكفكَ هذا !...
فقول ابن بطة : { إن ربنا تعالى في أرفع الأماكن !!!} فيه اشارة صريحة الى أنّ الرجل قاس " وجود الخالق " على " وجود المخلوق " فهو لا يعتقدُ موجوداً إلا في مكان و جهة و هذا حقّ إذا كان هذا الموجود جسمًا أمّا الله عزّ و جلّ فهو منزّهٌ عن الجسميّة و غيرها من سمات المُحدثات و قد كان سبحانهُ و تعالى قبل أن يخلق الزمان و المكان و عليه فهو على ما عليه كان أي بدون مكان ؛ فتأمّل !
ابن بطة لا يقصد بالمكان المكان المخلوق إنما يقصد ما فوق العالم لهذا قال بعدها مباشرة((قد استوى على عرشه فوق سماواته)) فأنت حذفت هذا الكلام والله أعلم ما السبب.
فالمكان إن عنى به أن الله يحويه شيء من مخلوقاته فهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى وقد وسع كرسيه السموات والأرض، وإن عنى إثبات صفتي العلو لله تعالى، والاستواء على العرش، فهذا إثباته صريح في نصوص الكتاب والسنة لا يجوز للمسلم بحال إلا اعتقاد ذلك، وإثباته على الوجه اللائق به تعالى.
وقول ابن بطة(أرفع الأمكنة) جمع فيه بين المكان المخلوق الذي فيه المخلوقات وبين إستواء الله تعالى على عرشه.
ومنه الإجماع الذي نقله ابن بطة لا يسقط بهذه التراهات وإن أبيت إلا التعصب لرأيك فإني أتحفك بإجماعات أخرى كذلك:


1-روى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا،
وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى قول الأوزاعي في "الفتوى الحموية الكبرى" ثم قال: وقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق – حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك. انتهى
2- قال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب "النقض" على بشر المريسي: قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سمواته، وقال أيضا: إن الله فوق عرشه يعلم ويسمع من فوق العرش، ولا تخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء. انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".
3- قال أبو عمر ابن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله:{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خلفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. انتهى
4- قال أبو عمر الطلمنكي:وأجمعوا يعني أهل السنة والجماعة على أن لله عرشا وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه، قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء.
قال: وقال أهل السنة في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة، لا على المجاز. انتهى. وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في شرح حديث النزول وهو في صفحة 519 من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى ونقل بعضه الذهبي في كتاب " العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" .

يتبع..............

التعديل الأخير تم بواسطة جمال البليدي ; 29-01-2009 الساعة 11:41 AM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2008
  • الدولة : البليدة
  • العمر : 38
  • المشاركات : 7,183
  • معدل تقييم المستوى :

    26

  • جمال البليدي is on a distinguished road
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
28-01-2009, 05:20 PM
اقتباس:
الإحتجاج بظاهر هذه الآيات لا يدلّ بأيّ حالٍ من الأحوال على اثبات العلوّ الحسّي لله ربّ العالمين ؛ فالعلوّ المُراد من ظاهر هذه الآيات هو العلوّ المُطلق و ليس العلوّ المكاني كما سلف بيانه...
و حمله على العلوّ الحسّي يعدُّ تحكّمًا بالتّشهي في المُراد إذ قد يحتجُّ ظاهريًّا آخر حلوليًّا بظاهر آيات أُخَر تدلُّ على الكَوْن السُّفلي لينتصر لمذهبه الحلولي الباطل و معلومٌ بطلان كلا المذهبين سواء الذين يُثبتون لله الجهة - فوق - و يقولون أنّ الله على عرشه بذاته ( الجهوية ) ؛ أو الذين يثبتون المعيّة بالذات و يقولون أنّ الله معنا حقيقة بذاته ( الحلولية )...
( فإذا احتجّ جهويٌّ ) يُثبت جهة فوق الحسّية لله - تعالى الله عن ذالك - بظاهر قوله تعالى [ سورة البقرة : 255 ] : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } و قوله تعالى [ سورةالأنعام : 18 ] : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } و قوله تعالى [ سورة النّحل : 50 ] : { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } و غيرها من الآيات التي يدلّ ظاهرها على الكون العلوي أي أنّ الله في جهة فوق حسّية !
( قُلنا له ) :
القرآن الذي تحتجُّ بظاهره في الإنتصار لمذهبك هو نفسه القرآن الذي يدلّ ظاهر بعض آياته أيضًا على الكون السّفلي ! :
قال تعالى [ سورة البقرة : 115 ] : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ؛ فظاهرهُ أنّ الله - تعالى الله عن ذالك - مُحيطٌ بمخلوقاته من كلّ جهة !!!. قال قاضي المالكية الإمام ابن العربي في " أحكام القرآن " : { قَوْله تَعَالَى : " فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " قِيلَ : مَعْنَاهُ فَثَمَّ اللَّهُ , هَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ عَنْهُ تَعَالَى , لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَان بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ } ؛ و قال الإمام أبو حيّان الأندلسي في تفسيره " البحر المحيط " : { و في قوله : " فأينما تولوا فثم وجه الله " ردّ على من يقول : إنه في حيّز و جهة ، لأنه لما خيّر في استقبال جميع الجهات دلّ على أنه ليس في جهة و لا حيّز و لو كان في حيّز لكان استقباله و التوجه إليه أحق من جميع الأماكن. فحيث لم يخصص مكاناً علمنا أنهلا في جهة ولا حيّز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه ، فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره } ؛ فتأمّل !

قال تعالى [ سورة البقرة : 186 ] : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } فظاهرهُ أنّ الله- تعالى الله عن ذالك - يقرب من عبده قربًا حسّيًّا !!!. قال الإمام القرطبي في تفسيره : { " فَإِنِّي قَرِيبٌ " : أَيْ بِالْإِجَابَةِ , وَقِيلَ بِالْعِلْمِ , وَقِيلَ : قَرِيب مِنْ أَوْلِيَائِي بِالْإِفْضَالِ وَالْإِنْعَام } و ليس قربًا بالمسافة ! ؛ و قال الإمام أبو حيّان الأندلسي في تفسيره " البحر المحيط " :{و القرب المنسوب إلى الله تعالى يستحيل أن يكون قرباً بالمكان ، و إنما القرب هنا عبارة عن كونه تعالى سامعاً لدعائه ، مسرعاً في إنجاح طلبه من سأله، فمثل حالة تسهيله ذلك بحالة من قرب مكانه ممن يدعوه ، فإنه لقرب المسافة يجيب دعاءه. و نظير هذا القرب هنا قوله تعالى : " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ " [ ق : 16] } ؛ فتأمّل !

قال تعالى [ سورة النساء : 158-159 ] : { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } فظاهرهُ أنّ سيّدنا عيسى عليه السلام شارك ربّه في العلوّ الحسّي - تعالى الله عن ذالك - حيثُ رفعهُ الله إليه !!! مع أنّه جاء في صحيح السّنة أنّ سيّدنا عيسى في السّماء الثانية ! . قال الإمام القرطبي في تفسيره :{ "بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ" : اِبْتِدَاء كَلَام مُسْتَأْنَف ; أَيْ إِلَى السَّمَاء , وَ اَللَّه تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنْ الْمَكَان } ؛ فتأمّل !

قال تعالى [ سورة النور : 39 ] : {وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَ وَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } فظاهرهُ اثبات عنديّة حسّية !!! تعالى الله عن ذالك. قال الإمام القرطبي في تفسيره : { " وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ " : أَيْ وَجَدَ اللَّه بِالْمِرْصَادِ } و قال الإمام ابن عطية في تفسيره " المحرر الوجيز " : {و قوله " و وجد الله عنده " أيبالمجازاة و الضمير في " عنده " عائد على العمل ، و باقي الآية بين فيه توعد وسرعة الحساب من حيث هو يعلم لا تكلف فيه } و ليست عندية مسافة ؛ فتأمّل !

قال تعالى [ سورة القصص : 30 ] : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } فظاهرهُإثبات وجود ذات الله - تعالى الله عن ذالك - في وادي طوى عند الشجرة !!! ؛فتأمّل !

قال تعالى [ سورة ق : 16 ] : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } فظاهرهُ اثبات القرب الحسّي - بالمسافة - لله!!! تعالى الله عن ذالك. قال الإمام القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" : { " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ " : هُوَ حَبْل الْعَاتِق وَهُوَ مُمْتَدّ مِنْ نَاحِيَة حَلْقه إِلَى عَاتِقه , وَهُمَا وَرِيدَانِ عَنْ يَمِين وَشِمَال . رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة . وَالْحَبْل هُوَ الْوَرِيد فَأُضِيفَ إِلَى نَفْسه لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ . وَقَالَ الْحَسَن : الْوَرِيد الْوَتِين وَهُوَ عِرْق مُعَلَّق بِالْقَلْبِ . وَهَذَا تَمْثِيل لِلْقُرْبِ ; أَيْ نَحْنُ أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْ حَبْل وَرِيده الَّذِي هُوَ مِنْهُ , وَ لَيْسَ عَلَى وَجْه قُرْب الْمَسَافَة. } ؛فتأمّل !

قال تعالى [ سورة العلق : 19 ] : { كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَ اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } فظاهرهُ أنّ السجود يقرّبنا على وجه المسافة - تعالى الله عن ذالك - من الله عزّ و جلّ !!!. فإذا كان الله في جهة فوق كما يزعم الجهوية فكيف يقرّر القرآن أنّ السّجود الى الأسفل يزيد في القرب !!! ؛ فهذا دليل على أنّه لا يجوز نسبة الجهات ( لا فوق و لا تحت و لا ...) لله ربّ العالمين ؛ فتأمّل !

قال تعالى [ سورة المجادلة : 7 ] : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ؛ فظاهرهُ أنّ الله مع خلقه معيّة حقيقية و بالذّات - تعالى الله عن ذالك - !!!.
فلهذا تأوّل أهل العلم المعيّة في هذه الآية و لم يفهموها على ظاهرها . قال ابن كثير في تفسيره : { قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِحَاطَة عِلْمه بِخَلْقِهِ وَاطِّلَاعه عَلَيْهِمْ وَسَمَاعه كَلَامهمْ وَرُؤْيَته مَكَانهمْ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا فَقَالَ تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مَا يَكُون مِنْ نَجْوَى ثَلَاثه " أَيْ مِنْ سِرّ ثَلَاثه" إِلَّا هُوَ رَابِعهمْ وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سَادِسهمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَر إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا" أَيْ مُطَّلِع عَلَيْهِمْ يَسْمَع كَلَامهمْ وَسِرّهمْ وَنَجْوَاهُمْ وَرُسُله أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ تَكْتُب مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ مَعَ عِلْم اللَّه وَسَمْعه لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى " أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَم سِرّهمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّه عَلَّام الْغُيُوب" وَقَالَ تَعَالَى " أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَع سِرّهمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ " وَلِهَذَا حَكَى غَيْر وَاحِد الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة مَعِيَّة عِلْمه تَعَالَى } و قال الإمام الآلوسي - الكبير - في تفسيره " روح المعاني " : { " إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ " يعلم ما يجري بينهم " أَيْنَ مَا كَانُواْ " من الأماكن ، و لو كانوا في بطن الأرض فإن علمه تعالى بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة قرباً وبعداً }

( فإن قال جهويّ ) : هذا ليس بتأويل و لكنّه تفسير !!!
( قُلنا له ) : ظاهر الأية يدلّ على العكس فإذا أثبتّ أنت أنّ الله معنا بعلمه و على عرشه ((( بذاته !!!))) فعليك أن تُخبرنا لِمَ فهمت من النّصوص الدّالة على الكون العلوي أنّ الله في السماء ((( بذاته !!!))) و فهمتَ من النّصوص الدّالة على الكون السّفلي أنّ الله معنا بعلمه ؟!!!
لِمَ تفهمون بالظّاهر تارة و تتأوّلون تارة ؟!!!
لِمَ لا يكون الله في السّماء بعلمه كما أنّ الله معنا بعلمه ؟!!!
قال الإمام الآلوسي - الكبير - في تفسيره " روح المعاني " : { و قد بدأ الله تعالى في هذه الآيات بالعلم حيث قال سبحانه: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ " الخ، وختم جل وعلا بالعلم أيضاً حيث قال الله تعالى : " إِنَّ ٱللَّهَ " الخ، ومن هنا قال معظم السلف فيما ذكر في البين من قوله عز وجل: " رَّابِعُهُمْ " و " سَادِسُهُمْ " و " مَعَهُمْ " أن المراد به كونه تعالى كذلك بحسب العلم مع أنهم الذين لا يؤوّلون، وكأنهم لم يعدّوا ذلك تأويلاً لغاية ظهوره واحتفافه بما يدل عليه دلالة لا خفاء فيها ، و يعلم من هذا أن ما شاع من أن السلف لا يؤولون ليس على إطلاقه } ؛ فتأمّل !
قال تعالى [ سورة محمد : 35 ] : { فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } ؛
و هذه الأية أيضًا يدلُّ ظاهرها أنّ الله معنا حقيقة و بذاته تعالى الله عن ذالك ؛فتأمّل !
فمذهب أهل الحق أنّ الله لا تحدّه جهة و لا يجري عليه زمان و لا يحويه مكان.
أمّا الإحتجاج بقوله تعالى [ سورة البقرة : 255 ] : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } لإثبات العلوّ الحسّي لله ؛ فلا يصحّ ...
قال الإمام القرطبي في تفسيره :
" الْعَلِيّ " يُرَاد بِهِ عُلُوّ الْقَدْر وَالْمَنْزِلَة لَا عُلُوّ الْمَكَان ; لِأَنَّ اللَّه مُنَزَّه عَنْ التَّحَيُّز . وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ قَوْم أَنَّهُمْ قَالُوا : هُوَ الْعَلِيّ عَنْ خَلْقه بِارْتِفَاعِ مَكَانه عَنْ أَمَاكِن خَلْقه . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا قَوْل جَهَلَةٍ مُجَسِّمِينَ , وَكَانَ الْوَجْه أَلَّا يُحْكَى . وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن قُرْط أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ سَمِعَ تَسْبِيحًا فِي السَّمَاوَات الْعُلَى : سُبْحَان اللَّه الْعَلِيّ الْأَعْلَى سُبْحَانه وَتَعَالَى .وَالْعَلِيّ وَالْعَالِي : الْقَاهِر الْغَالِب لِلْأَشْيَاءِ , تَقُول الْعَرَب : عَلَا فُلَان فُلَانًا أَيْ غَلَبَهُ وَقَهَرَهُ , قَالَ الشَّاعِر : فَلَمَّا عَلَوْنَا وَاسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمْ تَرَكْنَاهُمْ صَرْعَى لِنَسْرٍ وَكَاسِر وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ فِرْعَوْن عَلَا فِي الْأَرْض " [ الْقَصَص : 4 ].انتهى.
1-مفاد هذه الشنشنة هو إدعاءك أن السلفيين أولو آيات المعية ولم يأولو آيات الإستواء وهذا باطل لأن السلفيين لم يؤولوا لا المعية ولا الإستواء بل أجروها على الظاهر لكن الكلمة واللفظ في اللغة قد تحتمل عدة معاني .وحتى نعلم المعنى الظاهر علينا بالرجوع لسياق الكلام وهذا ما فعله السلفيين مع كل آيات الصفات.
أهل السنة يقولون : ظاهر الكلام ما دل عليه الكلام باعتبار السياق ، أو باعتبار حال المتكلم به هذا هو ظاهر الكلام و ليس للكلمات معنى خلقت له لا تستعمل في غيره ، و لكن معنى الكلمات إنما يظهر بسياقها و بحال المتكلم بها ، نحن كنا قرأنا في البلاغة أو بعض منا قرأ في البلاغة و رأي أن الاستفهام يأتي لعدة معاني ، و قرأنا في حروف الجر و معانيها ، و علمنا أن بعض الحروف يأتي لعدة معاني ، فما الذي يعين هذه المعاني ؟ أليس السياق ؟ إذاً فحقيقة الكلام ما دل عليه السياق ، و ظاهره ما دل عليه سياقه ، و ذلك باعتبار نظم الكلام و باعتبار حال المتكلم به فهذا الجواب ، جواب مجمل أن نقول : لا نسلم بأن ظاهر الكلام خلاف ما دل عليه سياقه أو حال المتكلم به ، بل ما دل عليه السياق فهو حقيقة الكلام و ظاهره مطلقاً ، حتى لو استعملت هذه الكلمة في غير هذا الموضع لمعنى آخر ، فإن استعمالها في هذا الموضوع للمعنى الذي دل عليه السياق هو في الواقع حقيقتها.
وقد وردت نصوص قرآنية، وأخرى من الأحاديث النوبية لتثبت المعية والقرب كما أثبتت صفة العلو والفوقية. وبتتبع النصوص المشار إليها، وتدبرها يتبين أن المعية تنقسم إلى قسمين:
1- معية عامة تثبت أحكامها لجميع الخلق بمعنى أن الله مع جميع ما خلق يعلم ما هم عليه، ولا تخفى عليه منهم خافية في الأرض، ولا في السماء، بل قد أحاط كل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. ومن نصوص المعية العامة قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}401. 2- القسم الثاني: المعية الخاصة: وهذا القسم لخواص عباده تعالى الذين خصهم بالتوفيق فتحلوا بالتقوى، والإحسان والصبر وجميع الشمائل الكريمة، ومن أمثلة هذا القسم قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}402، وقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}403، ومن أوضح أمثلة هذا القسم تلك المعية العظيمة التي كان يخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه في الغار أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ويطمئنه بها إذ يقول له: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}404.
والمعية لنوعيها لا تفيد المخالطة، والممازجة الذاتية لا شرعاً، ولا لغة بل تمنع ذلك باعتبار إضافتها إلى الله تعالى. أما لغة فإن لفظة (مع) لا تدل إلا على مطلق المصاحبة405 والمقارنة، وهذه المقارنة أو المصاحبة أعم من أن تكون بالذات أو بمعان أخر، وإن السياق والقرائن التي تحيط بالمقام هي التي تعين نوع تلك المصاحبة، فإذا وصف الله نفسه بالمعية في عديد من الآيات القرآنية وجاء ذكرها فيما صح عن رسوله عليه الصلاة والسلام فعلينا أن نؤمن بأن معيته سبحانه إنما هي معية علم واطلاع وإحاطة إن كانت عامة على ما تقدم من التفصيل، وتزيد عليها معنى الحفظ والنصر والتأييد إن كانت خاصة.
و قد بين شيخ الإسلام - رحمه الله - في كتبه المختصرة و المطولة أنه لا تعارض بين معنى المعية حقيقة و بين علو الله سبحانه و تعالى ، قال : لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء ، في جميع صفاته فهو على في دنوه قريب في علوه ).
و قال : ( إن الناس يقولون ما زلنا نسير و القمر معنا ، مع أن القمر في السماء ، و هم يقولون معنا فإذا كان هذا ممكناً في حق المخلوق كان في حق الخالق من باب أولى ) .
ولا ينبغي أن نفهم منها أيّ معنى من المعاني التي لا تليق بالله تعالى، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه: "فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب، والسنة وإجماع سلف هذه الأمة وأئمتها، مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، وهؤلاء يقولون أقوالاً متناقضة"406 ا.هـ
-و من تلك النصوص التي أردت أن تلزم بها خصمك للتأويل هي: 1- {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}416. 2- {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}417. والمعية في الآيتين معية عامة -كما تقدم- فآية سورة الحديد يخبر الله فيها بأنه سبحانه عالم بكل ما يجري في العالم السفلي والعلوي بالتفصيل، وهو مع عباده أينما كانوا لأنه بصير بجميع أعمالهم خبير بها، فذِكْرُ العلم في أول الآية قبل ذكر المعية ثم تذييل الآية بأنه بصير بأعمالهم قرينة واضحة بأن المراد بالمعية معية العلم والإحاطة، أما قرينة آية سورة المجادلة فإنها أقوى وأصرح، حيث بدأت الآية الحديث بالعلم، وختمت بالعلم أيضاً. وإذا أمعنا النظر في أحكام المعية في الآيتين الكريمتين، وأضفنا إليهما النصوص التي جاء فيها ذكر قرب الله تعالى من بعض عباده في كتابه، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام نستطيع أن نفهم منها ما فهمنا من الآيتين السابقتين، لأن القرينة المذكورة هناك سوف تجري في بقية النصوص التي فيها ذكر المعية أو القرب إن جاءت خالية من القرينة، فيضاف إلى ذلك إخبار الله عن نفسه بأنه فوق سماواته، وقد تقدم ذلك قريباً، مع ما فطر الله عليه عباده من أنه تعالى يدعى من فوق، لا من أسفل، بل يعتبر هذا علماً ضرورياً لا يمكن تجاهله إلا لمن أنكر نداء فطرته، متأثراً بعلم الكلام وفلسفة الفلاسفة، فبهذا الجمع والتوفيق بين نصوص العلو، وبين نصوص المعية تلتئم النصوص، وتنسجم، وتفسر بعضها بعضاً، لا تتنافر ولا تتضارب، ولله الحمد والمنة. قال الحافظ ابن القيم -في صدد حديثه عن المعية والقرب: (وهذا القرب لا ينافي مباينة الله لخلقه واستوائه على عرشه بل يلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكنه نوع آخر418 اهـ. وهذا المعنى هو الذي نحن بصدد تقريره بتوفيق الله. قال الحافظ ابن عبد البر - وهو يناقش نفاة العلو-: "وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}419، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله"420. وهذا الكلام من ابن عبد البر لا يعني إلا الإجماع.
وما يقال في آيات المعية يقال في آيات القرب فسياق الكلام لا يدل على ما ذكرته أنت ألبتة
فقد ذكر الله تعالى قربه من بعض عباده في حالتين اثنتين فقط: الأولى: ذكر في معرض إجابة دعاء من دعاه حيث يقول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}421، ومعنى القرب هنا واضح، وهو قرب إجابة من دعاه، إذ هو معه، قريب منه، يرى مكانه، ويسمع دعاءه، ويعلم ما يريد العبد أن يقوله قبل أن يقوله لأنه هو الذي وفقه ليدعوه، ثم هو الذي يجيب دعاءه، فهذا قربه من داعيه. يقول بعض أهل العلم: إن الآية المذكورة نزلت جواباً للصحابة رضي الله عنهم حين سألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام قائلين: "ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه"؟ فأنزل الله هذه الآية.
الثانية: ذكر القرب في إثابة عابديه، والمتقربين إليه بالأعمال الصالحة، وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد"422، وقال عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر"423. وورد في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: "يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"424. هكذا ينتهي الحديث عن المعية والقرب معاً بهد التوفيق بينهما، وبين علو الله تعالى على خلقه، لنثبت بأنه تعالى مع عباده، وقريب منهم وهو في علوه، والعلو وصف ذاتي له سبحانه، دائماً وأبداً.
2-ونفي الشيء يقال في العلو فقد يقصد به علو القهر في آيات ويقصد به علو الذات في الآيات والظاهر هو مادل عليه سياق الكلام وقد فصلت في هذا آنفا فلا داعي للتكرار.
2-أما إستشهادك بكلام القرطبي(الأشعري في الصفات) في المكان فلا يصح لأننا لا نثبت المكان المخلوق إنما هذا إلزام فاسد هذا مع العلم أن القرطبي نقل كلام السلف وخالفه بقوله((( أظهر الأقوال ـ وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ـ ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، والفضلاء والأخيار ، أن الله سبحانه على عرشه كماأخبر في كتابه بلا كيف ، بائن من جميع خلقه ، هذاجملة مذهب السلف الصالح )اهـ كتابه الأسنى شرح أسماء الله الحسنى 2/132
فالعبرة بما نقله عن السلف لأن السلف هم حجتنا وليس القرطبي-رحمه الله- .
وقال القرطبي كذلك في قوله تعالى ثم استوى على العرش ((قوله تعالى : { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } هذه مسألة الاستواء؛ وللعلماء فيها كلام وإجراء . وقد بينا أقوال العلماء فيها في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ) وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولاً .
والأكثر من المتقدّمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيّز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدّمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة ، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز ، والتغير والحدوث . (قال جمال البليدي:هذا قول المتكلمين ).
وقد كان السلف الأوّل رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافّة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله .
ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة . وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته (قال جمال البليدي:هذا قول السلف والسلفيين).

قال مالك رحمه الله : الاستواء معلوم يعني في اللغة والكَيْف مجهول ، والسؤال عن هذا بدعة . وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها .)).

3-أما دعواك أننا جهوية والآخرون حلولية وأنتم وسط فالأصح أن تقول أن الأشاعرة عدمية والجهمية حلولية والسلفيون وسط بينهما لأننا السلفيون لم يقولوا بالجهة أصلا ولا بالمكان لأن هذه الألفاظ الفلسفية لا نص فيها لا من كتاب ولا من سنة فلا نثبتها ولا ننفيها بل نستفصل فإن كان حقا قبلناها وإن كان باطلا رددناها ونكتفي بما قاله ربنا عزوجل في كتابه أو على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام.
اقتباس:
و قال الإمام الطبري عند تفسير سورة البقرة :
وَالْعَجَب مِمَّنْ أَنْكَرَ الْمَعْنَى الْمَفْهُوم مِنْ كَلَام الْعَرَب فِي تَأْوِيل قَوْل اللَّه : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع هَرَبًا عِنْد نَفْسه مِنْ أَنْ يُلْزِمهُ بِزَعْمِهِ إذَا تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَاهُ الْمُفْهِم كَذَلِكَ أَنْ يَكُون إنَّمَا عَلَا وَارْتَفَعَ بَعْد أَنْ كَانَ تَحْتهَا , إلَى أَنْ تَأَوَّلَهُ بِالْمَجْهُولِ مِنْ تَأْوِيله الْمُسْتَنْكِر , ثُمَّ لَمْ يَنْجُ مِمَّا هَرَبَ مِنْهُ . فَيُقَال لَهُ : زَعَمْت أَنَّ تَأْوِيل قَوْله : { اسْتَوَى } أَقْبَلَ , أَفَكَانَ مُدْبِرًا عَنْ السَّمَاء فَأَقْبَلَ إلَيْهَا ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقْبَالِ فِعْل وَلَكِنَّهُ إقْبَال تَدْبِير , قِيلَ لَهُ : فَكَذَلِكَ فَقُلْ : عَلَا عَلَيْهَا عُلُوّ مُلْك وَ سُلْطَان لَا عُلُوّ انْتِقَال وَزَوَال.انتهى
قلت :وهذا رد مفحم على المفوضة والمؤولة
أما من حيث رده على المفوضة فقد قال((وَالْعَجَب مِمَّنْ أَنْكَرَ الْمَعْنَى الْمَفْهُوم مِنْ كَلَام الْعَرَب فِي تَأْوِيل قَوْل اللَّه : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع هَرَبًا عِنْد نَفْسه)) فهل أنتم تثبتون المعنى المفهوم من كلام العرب أم تفوضنه وتنكرونه؟!!!
وأما من حيث رده على المؤولة فقد قال ما سطرته أنت بيدك-سبحان قاسم العقول-:( قِيلَ لَهُ : فَكَذَلِكَ فَقُلْ : عَلَا عَلَيْهَا عُلُوّ مُلْك وَ سُلْطَان لَا عُلُوّ انْتِقَال وَزَوَال)) فالمؤولة هم من يؤولون العلو بالإستلاء (علو إنتقال) زاعمين أن العلو صفة حادثة وليست أزلية .
أما أهل السنة فلا يقولون لا بهذا ولا بذاك إنما يقولون:إن لله تعالى ( علوا مطلقاً ) وهو صفة ذاتية له أزلية أبدية , فالله تعالى كان له ( العلو المطلق ) قبل خلق الكون وبعده أزلاً وأبداً .
قال الشيح ابن عثيمين((يجب أن لا نظن أن الله - سبحانه و تعالى - قد انتفى عنه العلو حين خلق الأرض ، بل إنه - سبحانه و تعالى - لم يزل ، و لا يزال عالياً ، لأن العلو صفة ذاتية و لكن الاستواء هنا و إن كان بمعنى الارتفاع ، إلا أننا لا نعلم كيفيته و هذا جواب آخر عن الآية .)) كتاب أسماء الله وصفاته
ومخلص معتقد الإمام الطبيري هو:
1-إثبات معنى العلو على ظاهره اللغوي(وَالْعَجَب مِمَّنْ أَنْكَرَ الْمَعْنَى الْمَفْهُوم مِنْ كَلَام الْعَرَب...) إلخ كلامه.
2-القول بأزلية صفة العلو وأنها ليست صفة حادثة.
وإن أبيت إلا المكابة فخذ هذا الكلام من الإمام الطبري((قال في تفسير قول الله تعالى في سورة الحديد : ( وهو معكم أينما كنتم ) يقول : وهو مشاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم , وهو على عرشه فوق سمواته السبع)) فهل أنت تقول أن الله على عرشه فوق سمواته السبع؟.
اقتباس:
و أمّا عن قوله تعالى قوله تعالى [ سورة الأنعام : 18 ] : { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } فقد قال الإمام الآلوسي في تفسيره : و الأعلى صفة للرب و أريد بالعلو العلو بالقهر و الاقتدار لا بالمكان لاستحالته عليه سبحانه ، و السلف وإن لم يؤولوه بذلك لكنهم أيضاً يقولون باستحالة العلو المكاني عليه عز وجل.انتهى
و قال الإمام الرازي في تفسيره " مفاتيح الغيب " :
تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله: { رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } و الحق أن العلو بالجهة على الله تعالى محال، لأنه تعالى إما أن يكون متناهياً أو غير متناه ، فإن كان متناهياً كان طرفه الفوقاني متناهياً ، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما إن كان غير متناه فالقول : بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضاً فلأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى الله عنه ، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهياً من بعض الجهات كان الجانب المتناهي مغايراً للجانب غير المتناهي فيكون مركباً من جزأين، وكل مركب ممكن، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود، هذا محال.
فثبت أن العلو ههنا ليس بمعنى العلو في الجهة، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة ، أما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم ، و هذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك، والسورة ههنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله: { ٱلأَعْلَىٰ } بقوله: { ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ } والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة.انتهى
مازلت تدندن حول جهة وتسير على طريقة إتهم ثم استدل فأين قال السلفيون بالجهة أو المكان؟
السلفيون قالوا ما أثبت الله لنفسه دون تشبيه ولا تكييف و لا تمثيل ولم يفكروا بما وارء ذلك(قل أأنتم أعلم أم الله) فلا قالوا جهة ولا قالوا مكان ولا غيرها من ألفاظ ورثة الفلاسفة .
أما العلو فإننا نثبت علو القهر وعلو الشأن وعلو الذات كما وردت الأدلة والمعنى الظاهر يأخذ من سياق الكلام فهناك آيات عامة تتكلم عن العلو المطلق لله تعالى يدخل فيها علو الذات وعلو القهر هناك آيات تتعلق بعلو الذات فالله تعالى العلو المطلق.
اقتباس:
أمّا عن قوله تعالى قوله تعالى [ سورة النّحل : 50 ] : { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ؛ فقد قال الحافظ ابن كثير في تفسيره :
" يَخَافُونَ رَبّهمْ مِنْ فَوْقهمْ " أَيْ يَسْجُدُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِنْ الرَّبّ جَلَّ جَلَاله " وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " أَيْ مُثَابِرِينَ عَلَى طَاعَته تَعَالَى وَامْتِثَال أَوَامِره وَتَرْك زَوَاجِره .انتهى
لم يتطرق الإمام ابن كثير في تفسير الآية إلى الفوقية ولا إلى العلو فلا تلزمه بقول هو لم يتطرق إليه أصلا إنما تطرق إلى معنى الخوف من الله تعالى .
أما إستشهادك بكلام القرطبي والرازي فكلاهما من الأشاعرة ولا يصح لك الإستشهاد بهما خاصة وان القرطبي أعترف بمخالفته للسلف في هذا الباب كما تقدم.
التعديل الأخير تم بواسطة جمال البليدي ; 28-01-2009 الساعة 05:23 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
عبد الله ياسين
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 07-10-2007
  • المشاركات : 918
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • عبد الله ياسين is on a distinguished road
عبد الله ياسين
عضو متميز
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
29-01-2009, 05:34 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مريم بنت الجزائر مشاهدة المشاركة
خامساً: وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة ، فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء، ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه ، وتتوجه إلى الله تعالى بدفعه، فإن قلبك ينصرف إلى السماء وليس إلى أيّ جهة أخرى ، بل العجيب أنّ الذين ينكرون علو الله على خلقه لا يرفعون أيديهم في الدعاء إلا إلى السماء .
الفطرة لا علاقة لها بتقرير العقائد لأنّ عقائد الإسلام مبنيّة على صريح المعقول و صحيح المنقول ...

قال الشيخ محمد صالح بن أحمد الغرسي في ردّه على كتاب " منهج الأشاعرة في العقيدة " لمؤّلفه سفر الحوالي ؛ أنظر " منهج الأشاعرة بين الحقائق و الأوهام " :
المراد بالفطرة التي يولد عليها المولود أنه يولد مستعدا للخير أكثر من استعداده لقبول الشر وإلا فالمولود يولد كصفحة بيضاء خاليا عن أي عقيدة و لا يتقبل أي عقيدة حقا أو باطلا إلا بعد التلقين والتعليم و لو كان ما قاله المؤلف - يقصد سفر الحوالي و مثلهُ قول المُفتي هنا - صحيحا لما بقي حاجة في معرفة العقيدة إلى بعثة الرسل و لأحيل الناس في تعلم العقائد إلى الصبيان الذين لم يلقنوا بعد شيئا.
ثم إن المكلف بمجرد إسلامه يصبح مسلما و لا يصبح لا أشعريا ولا ماتريديا ولا سلفيا إلا بالتعليم وبالتلقين و ذلك لأن لكل واحدة من هذه الفرق آراءا خاصة ﺑﻬا ﺑﻬا تتمايز في ما بينها عوام المسلمين بعيدون عن معرفتها بمراحل.
انتهى

قال الحافظ زين الدّين العراقي في " طرح التثريب فى شرح التقريب " :
اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ هُنَا عَلَى أَقْوَالٍ :
( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْمُرَادَ الْخِلْقَةُ فَإِنَّ الْفَطْرَ بِمَعْنَى الْخَلْقِ ، وَالْمُرَادُ الْخِلْقَةُ الْمَعْرُوفَةُ الْأُولَى الْمُخَالِفَةُ لِخَلْقِ الْبَهَائِمِ أَيْ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَعْرِفَةِ ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ قَالَ : وَ أَنْكَرُوا أَنْ يُفْطَرَ الْمَوْلُودُ عَلَى كُفْرٍ أَوْ إيمَانٍ ، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا مَيَّزَ . وَلَوْ فُطِرَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ عَلَى شَيْءٍ مَا انْتَقَلَ عَنْهُ وَقَدْ نَجِدُهُمْ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يَكْفُرُونَ ، وَ مُحَالٌ أَنْ يَعْقِلَ الطِّفْلُ حَالَ وِلَادَتِهِ كُفْرًا أَوْ إيمَانًا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ { وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا }
فَمَنْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا اسْتَحَالَ مِنْهُ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ .

( الْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْإِسْلَامُ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا . وَقَالَ هَؤُلَاءِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ فَقَدْ أَجْمَعُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } أَنَّهَا دَيْنُ الْإِسْلَامِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ { إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ } . ثُمَّ رَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ مُسْتَحِيلٌ مِنْ الطِّفْلِ ، وَقَرَّرَ الْمَازِرِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْبِ آدَمَ يَوْمَ { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ } ، وَأَنَّ الْوِلَادَةَ تَقَعُ عَلَيْهَا حَتَّى يَقَعَ التَّعْبِيرُ بِالْأَبَوَيْنِ ، وَقَرَّرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ مُؤَهَّلَةً لِقَبُولِ الْحَقِّ كَمَا خَلَقَ أَعْيُنَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ قَابِلَةً لِلْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ فَمَا دَامَتْ عَلَى ذَلِكَ الْقَبُولِ ، وَعَلَى تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ أَدْرَكَتْ الْحَقَّ وَدِينَ الْإِسْلَامِ ، وَصَحَّحَ هَذَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ { عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ } . وَهِيَ إشَارَةٌ إلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ : وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ { جَبَلَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ } . وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّوَوِيِّ الْأَصَحُّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مُتَهَيَّأً لِلْإِسْلَامِ فَمَنْ كَانَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا ، وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُهُمَا فَيَتْبَعُهُمَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، وَهَذَا مَعْنَى يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَيْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي الدُّنْيَا فَإِنْ بَلَغَ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ فَإِنْ سَبَقَتْ لَهُ سَعَادَةٌ أَسْلَمَ وَإِلَّا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ ، انْتَهَى .

( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) أَنَّ الْمُرَادَ الْبُدَاءَةُ الَّتِي ابْتَدَأَهُمْ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنْ أَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ لِلْحَيَاةِ ، وَالْمَوْتِ ، وَالشَّقَاءِ ، وَالسَّعَادَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ سَبَبُهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ } فَقَالَ يُفَسِّرُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ حِينَ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ { اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ } . قَالَ : وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ تَرَكَهُ ، وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَذَكَرَهُ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ فِيهِ مِنْ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ .

( الْقَوْلُ الرَّابِعُ ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَطَرَهُمْ عَلَى الْإِنْكَارِ ، وَالْمَعْرِفَةِ ، وَعَلَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ فَأَخَذَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمِيثَاقَ حِينَ خَلَقَهُمْ فَقَالَ { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ } قَالُوا جَمِيعًا ( بَلَى ) فَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَقَالُوا بَلَى عَلَى مَعْرِفَةٍ لَهُ طَوْعًا مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَقَالُوا بَلَى كُرْهًا لَا طَوْعًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَسَمِعْت إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } قَالَ إِسْحَاقُ يَقُولُ لَا تَبْدِيلَ لِخِلْقَتِهِ الَّتِي جَبَلَ عَلَيْهَا وَلَدَ آدَمَ كُلَّهُمْ يَعْنِي مِنْ الْكُفْرِ ، وَالْإِيمَانِ ، وَالْمَعْرِفَةِ ، وَالْإِنْكَارِ . قَالَ : وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } الْآيَةَ قَالَ إِسْحَاقُ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ إنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ ، وَاحْتَجَّ لِهَذَا أَيْضًا بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قِصَّةِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ ، وَأَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهَا { وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا ، وَخَلَقَ النَّارَ ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا } . قَالَ إِسْحَاقُ فَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنْ أَرَادَ هَؤُلَاءِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَطْفَالَ ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لِيَعْرِفَ مِنْهُمْ الْعَارِفُ وَيَعْتَرِفَ فَيُؤْمِنُ ، وَيُنْكِرَ مِنْهُمْ الْمُنْكَرُ فَيَكْفُرَ كَمَا سَبَقَ لَهُ الْقَضَاءُ ، وَذَلِكَ فِي حِينٍ يَصِحُّ مِنْهُمْ فِيهِ الْإِيمَانُ ، وَالْكُفْرُ فَذَلِكَ مَا قُلْنَا ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ عَارِفًا مُقِرًّا مُؤْمِنًا وَعَارِفًا جَاحِدًا كَافِرًا فِي حِينِ وِلَادَتِهِ فَهَذَا يُكَذِّبُهُ الْعِيَانُ وَالْعَقْلُ قَالَ ، وَقَوْلُ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَرْضَاهُ الْحُذَّاقُ الْفُهَمَاءُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ . وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْمُجْبِرَةِ .

( الْقَوْلُ الْخَامِسُ ) أَنَّ مَعْنَاهُ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ الْمِيثَاقِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الدُّنْيَا يَوْمَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ فَخَاطَبَهُمْ { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } فَأَقَرُّوا لَهُ جَمِيعًا بِالرُّبُوبِيَّةِ عَنْ مَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ بِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَصْلَابِ آبَائِهِمْ مَخْلُوقِينَ مَطْبُوعِينَ عَلَى تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ ، وَذَلِكَ الْإِقْرَارِ قَالُوا ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ بِإِيمَانٍ وَلَا ذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِإِيمَانٍ ، وَلَكِنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ الطَّبِيعَةِ لِلرَّبِّ فِطْرَةً أَلْزَمَهَا قُلُوبَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ الرُّسُلَ فَدَعَوْهُمْ إلَى الِاعْتِرَافِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَدْعُوَ خَلْقَهُ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ ، وَهُوَ لَمْ يُعَرِّفْهُمْ نَفْسَهُ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ حِينَ قَالَ { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } .

( الْقَوْلُ السَّادِسُ ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ مَا يُقَلِّبُ اللَّهُ قُلُوبَ الْخَلْقِ إلَيْهِ بِمَا يُرِيدُ فَقَدْ يَكْفُرُ الْعَبْدُ ثُمَّ يُؤْمِنُ فَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَقَدْ يُؤْمِنُ ثُمَّ يَكْفُرُ فَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَقَدْ يَكْفُرُ ثُمَّ لَا يُزَالُ عَلَى كُفْرِهِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَمُوتَ عَلَى الْإِيمَانِ فَالْفِطْرَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ أَوَّلِ أَحْوَالِهِمْ إلَى آخِرِهَا سَوَاءً كَانَتْ حَالَةً وَاحِدَةً لَا تَنْتَقِلُ أَوْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الْأَصْلِ فَإِنَّهُ أَضْعَفُ الْأَقَاوِيلِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ حَكَاهَا كُلَّهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَغَيْرُهُ .

( الْقَوْلُ السَّابِعُ ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ مِلَّةُ أَبِيهِ أَيْ دِينُهُ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ حُكْمَهُ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ ، وَقَبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ لَمْ يَرِثْهُمَا ، وَلَمْ يَرِثَاهُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُمَا كَافِرَانِ ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يُسْبَى فَلَمَّا فُرِضَتْ الْفَرَائِضُ ، وَتَقَرَّرَتْ السُّنَنُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى دِينِهِمَا انْتَهَى . وَهَذَا يُوَافِقُ الْقَوْلَ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ لِلَّهِ وَجَعَلَهُ مَنْسُوخًا لِمَا ذَكَرَهُ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى دَعْوَى النَّسْخِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْوِلَادَةُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ أَخْبَرَ فِي بَقِيَّتِهِ أَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَيْ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَالْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ هُوَ الْبَاطِنُ وَيَهُودِيَّتُهُ أَوْ نَصْرَانِيَّتُهُ هُوَ فِي الظَّاهِرِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَظُنُّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ حَادَ عَنْ الْجَوَابِ فِيهِ لِإِشْكَالِهِ عَلَيْهِ أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ أَوْ لِكَرَاهَةِ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ قَالَ ، وَقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا بَالُ قَوْمٍ بَلَغُوا فِي الْقَتْلِ حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ فَقَالَ رَجُلٌ أَوَ لَيْسَ أَبْنَاؤُهُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ لَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا وَهُوَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَيُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ وَيُهَوِّدُهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ }.
انتهى

فتأمّل !
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2008
  • الدولة : البليدة
  • العمر : 38
  • المشاركات : 7,183
  • معدل تقييم المستوى :

    26

  • جمال البليدي is on a distinguished road
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
29-01-2009, 09:18 PM
اقتباس:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح عند شرحه لقول البخاري { باب قول الله تعالى : " تعرج الملائكة والروح إليه " و قوله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب " } :
قال البيهقي : صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول و عروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله " إلى الله " فهو على ما تقدم عن السلف في التفويض و عن الأئمة بعدهم في التأويل.
و قال ابن بطال : غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر و قد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان ، و إنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف و معنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان انتهى.انته
هذا هو التأويل نفسه فمادليل الحافظ ابن حجر على هذا التأويل أم أنك مقلد له؟!
قال شيخنا البراك في تعليقه على هذا الكلام: فيما نقله الحافظ ابن حجر في شرح هذا الباب عن البيهقي وابن بطال تخبط وحيرة في فهم النصوص والآثار الدالة على علو الله تعالى على خلقه؛ فإن كلامهما يقتضي نفي علو الله على خلقه، فعلى هذا يجب عندهم في هذه النصوص: إما التفويض؛ وهو الإعراض عن فهمها مع اعتقاد بأن الأمر بخلاف ظاهرها، وإما التأويل. ويزعمون أن التفويض هو طريقة السلف. وهذا باطل؛ فالسلف من الصحابة والتابعين يتدبرون القرآن كله ويفهمونه كما أمرهم الله، ويؤمنون بما دلت عليه الآيات والأحاديث من صفاته تعالى.
وحقيقة التأويل - وهو طريقة أكثر النفاة - صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره بغير حجة توجب ذلك، وهذه حقيقة التحريف، ومن ذلك قول البيهقي: "صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول"، ومعنى ذلك أنه لا يصعد إلى الله شيء، وكذا قوله: "وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء"، ومعنى ذلك أنهم لا يعرجون إلى الله .
وكذا قول ابن بطال: "وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف"، ومعناه أن الملائكة لا تعرج إليه حقيقة؛ لأن الله – عنده – ليس في السماء، وعبر عن ذلك بقوله: "وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه؛ فقد كان ولا مكان"، وهو يريد بذلك نفي أن يكون الله بذاته فوق المخلوقات ومستويًا على العرش، ولكن هذه الألفاظ الواردة في عبارته ألفاظ مبتدعة مجملة لا بد فيها من التفصيل والاستفصال؛ لأنها تحتمل حقًا وباطلاً. نعم الله سبحانه لا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته: لا مكان ولا غيره. وإذا كان سبحانه فوق مخلوقاته على عرشه فلا يلزم من ذلك أن يكون مفتقرًا إلى العرش، ولا أنه يحيط به شيء من الموجودات، بل هو سبحانه فوق جميع الموجودات، وهو الممسك بالعرش وما دون العرش.
وقول ابن بطال: "ومعنى الارتفاع إليه: اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان" كلام فيه قلق؛ فإنه فسر ارتفاع بعض المخلوقات إليه باعتلائه فأضاف إليه ما هو مضاف إلى المخلوق.
وقوله: "مع تنزيهه عن المكان" فيه ما تقدم من الإجمال، وإرادة نفي علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وهذا هو المعنى الباطل المنافي لدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة، والله أعلم.
اقتباس:
و قال الشوكاني في تفسيره " فتح القدير" :
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } أي : إلى الله يصعد لا إلى غيره ، و معنى صعوده إليه : قبوله له أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف، وخصّ الكلم الطيب بالذكر لبيان الثواب عليه، وهو يتناول كل كلام يتصف بكونه طيباً من ذكر لله، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتلاوة، وغير ذلك، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد، أو بالتحميد، والتمجيد.انتهى
فتأمّل !
قلت: غفر الله للمؤلف فليس معنى الصعود القبول بل معناه : أن الكلم الطيب من قراءة وتسبيح و تحميد وتهليل وكل كلام حسن طيب يرفع إلى الله ويعرض عليه ويثنى على صاحبه بين الملأ الأعلى فهذه الآية من اعظم الحجج الدالة على إثبات صفة العلو عند أهل السنة أما المعطلة فانهم يؤولون صعود الكلم بلازم معناه وهو القبول فيجب مع إثبات اللازم إثبات الملزوم . والله اعلم
قال الإمام ابن القيم:
هذا وخامسها صعود كلامنـا ... بالطيبات إليـه و الإحسان
وكذا صعود الباقيات الصالحات ... إليه من أعمال ذي الإيمان
وكذا صعود تصديق من طيب ... أيضا إليه عند كل أوان ( ).

اقتباس:
قال الإمام مفتي المسلمين بن جهبل الشافعي في ردّه على " الفتوى الحموية " لابن تيمية :
فأوّل ما استدل به قوله تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب ) !
فليت شعري أي نص في الآية أو ظاهر على أنّ الله تعالى في السماء أو على العرش ؟ ثم نهاية ما يتمسك به أنه يدل على علوّ يُفهم منه الصعود وهيهات ، زلّ حمار العلم في الطين ؟! فإنّ الصعود في الكلام كيف يكون حقيقته مع أن المفهوم في الحقائق أن الصعود من صفات الأجسام !!! فليس المراد إلا القبول و مع هذا لا حد و لا مكان.
وأتبعهما بقوله تعالى : ( إنّي متوفيك و رافعك إليّ ) و ما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية ؟! هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ! و لعله أعتقد أن الرَّفع إنّما يكون في العلو في الجهة فإنّ كان كما خطر له فذالك أيضا لا يُعقل إلا في الجسميّة و الحدّيّة !!! وإنّ لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدلّ به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة و لعلّه لم يسمع الرفعة في المرتبة و التقريب في المكانة من استعمال العرب و العرف و لا " فلان رفع الله شأنه "
وأتبع ذالك بقوله : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) و خصّ هذا المُستدل " من " بالله تعالى ! و لعلّهُ لم يُجوّز أن المراد به ملائكة الله تعالى ! و لعلّهُ يقول : إنّ الملائكة لا تفعل ذالك ! و لا أنّ جبريل عليه السلام خسف بأهل سدوم ! فلذلك استدل بهذه الآية و لعلها النّص الذي أشار إليه.
وأتبعه بقوله تعالى : ( تعرج الملائكة والروح إليه ) و العروج و الصعود شيء واحد و لا دلالة في الآية على أن العروج إلى سماء و لا عرش و لا شيء من الأشياء التي ادّعاها بوجه من الوجوه لأنّ حقيقته المستعملة في لغة العرب في الأنتقال في حق الأجسام إذ لا تعرف العرب إلا ذالك فليت لو أظهره و استراح من كتمانه.
وأردفه بقوله تعالى: ( يخافون ربهم من فوقهم ) و تلك أيضا لا دلالة له فيها على سماء ولا عرش و لا أنّه في شيء من ذالك حقيقة.
ثم ( الفوقية ) ترد لمعنيين :
أحدهما : نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل و هذا لا يقول به من لا يُجسّم. و بتقدير أن يكون هو المراد وأنّه تعالى ليس بجسم فَلِمَ لا يجوز أن يكون ( من فوقهم ) صلة لـ ( يخافون ) ؟! و يكون تقدير الكلام : يخافون من فوقهم ربهم. أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة.
و ثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال : " الخليفة فوق السلطان " و " السلطان فوق الأمير " و كما يقال: " جلس فلان فوق فلان " و " العلم فوق العمل " و " الصباغة فوق الدباغة " و قد وقع ذلك في قوله تعالى حيث قال: ( و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) و لم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر !!! و من ذلك قوله تعالى : ( و إنا فوقهم قاهرون ) وما ركبتِ القبطُ أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم !!!.انتهى
و قال أيضًا رحمه الله :
وختم الآيات الكريمة بالإستدلال بقوله تعالى : ( تنزيل من حكيم حميد ) ( مُنزل من ربك بالحق ) و ما في الآيتين لا عرش ولا كرسي ولا أرض بل ما فيهما إلا مجرد التنزيل وما أدري من أي الدّلالات استنبطها االمُدّعي ؟!
فإنّ السماء لا تُفهم من التنزيل فإن التنزيل قد يكون من السماء وقد يكون من غيرها و لا تنزيل القرآن كيف يُفهم من النّزول الذي هو انتقال من فوق إلى أسفل ؟!
فإنّ العرب لا تفهم ذالك في كلام سواء كان من عرض أو غير عرش و كما تُطلِق العرب النزول على الإنتقال تُطلقه على غيره كما جاء في كتابه العزيز: ( و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) و قوله تعالى : ( و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) و لم ير أحد قطعة حديد نازلة من السماء في الهواء و لا جملاً يُحلّق من السماء إلى الأرض !!! فكما جوّز هنا أن النّزول غير الانتقال من العلو إلى السفل فليجوّزه هناك.انتهى
فتأمّل !.

أولا: المعلوم أن الصعود والرفع يكون من أسفل إلى أعلى.
قال الله جل وعلا في كتابه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال جل وعلا في حق عيسى عليه السلام (بل رفعه الله إليه) وقال جل وعلا (يا عيسى إني متوفيك(ورافعك إليّ) وهذا الرفع وهذا الصعود معلوم ضرورة في اللغة أنه من ، أنزل إلى أعلى ومن أسفل إلى أعلى ، والدلالة واضحة.
فالكلمات تصعد إلى الله، والعمل الصالح يرفعه الله، وهذا يدل على أن الله عال بذاته، لأن الأشياء تصعد إليه وترفع.
-جاء في تفسير ابن كثير((وقوله تعالى : " والعمل الصالح يرفعه " قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما الكلم الطيب ذكر الله تعالى يصعد به إلى الله عز وجل)).
-وجاء في تفسير الطبري(وقوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } يقول تعالى ذكره : إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه).


-قال الإمام أحمد: ( و قد اخبرنا انه في السماء فقال (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )
( أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا )

وقال : ( إليه يصعد الكلم الطيب )
وقال : ( إني متوفيك ورافعك إلي )
وقال : ( بل رفعه الله إليه )
وقال : ( يخافون ربهم من فوقهم )
وقال : ( وهو القاهر فوق عباده )
وقال : ( وهو العلي العظيم )
فَهَذَا خَبَرُ اللَّهِ, أَخْبَرَنَا أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ, وَوَجَدْنَا كُلَّ شَيْءٍ أَسْفَلَ مِنْهُ مَذْمُومًا, يَقُولُ اللَّهُ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) ( الرد على الجهمية و الزنادقة ).
تأمل ولو لمرة هذا الكلام الذي أورده في الرد على الجهمية الذين ظهروا قبل الأشاعرة أفلا يدلك هذا أن شبهات الأشاعرة اليوم لا تختلف عن شبهات أجدادهم الجهمية المعطلة؟!!!.

وقال الإمام الحافظ الحجة أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي المتوفى سنة 253 للهجرة - شيخ أبي داود والنسائي - في كتابه الإستقامة:
((وأنكر جهم أن يكون الله في السماء دون الأرض ، وقد دل في كتابه أنه في السماء دون الأرض:
بقوله: ((إني متوفيك ورافعك إلي وطهرك من الذين كفروا)) وقوله : ((وما قتلوه يقيناً))
وقوله : ((بل رفعه الله إليه))
وقال: ((يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه))
وقوله : ((إليه يصعد الكلم الطيب))
وذكر أكثر من 75 دليل من القرآن مثل ((ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور () أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا)) ثم قال:
لو كان في الأرض كما هو في السماء لم ينزل من السماء إلى الأرض شيء ولكان يصعد من الأرض إلى السماء كما ينزل من الأرض إلى السماء ، وقد جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله في السماء دون الأرض ثم ذكر أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.)) نقله بنصه الملطي الشافعي مرتضياً له في التنبيه والرد ص104

-قال شيخ الإسلام ابن تيمية((وقد قال عز وجل: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} وقال سبحانه: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} وقال سبحانه: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} وهذه الآيات التي استشهد بها الإمام أحمد لقول ابن المبارك وكذلك هي التي احتج بها عثمان بن سعيد الدارمي وغيره على ذلك فهذا الرازي وموافقوه على النفي من المعتزلة ومتأخري الأشعرية يسلمون أن الاستدلال بهذه الآيات على أن الله فوق العرش يستلزم القول بدلالتها على أن الله متحيز في جهة وأن له حدا وقد تقدم تمام قول الأشعري.
قال أيضا: "وقد قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} وقال سبحانه: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} وقال سبحانه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} قال: "وكل هذا يدل على أنه في السماء مستو على عرشه" قال: "والسماء بإجماع الناس ليست في الأرض فدل على أنه عز وجل منفرد بوحدانيته مستو على عرشه كما وصف نفسه قال وقال سبحانه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} وقال عز وجل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} وهاتان الآيتان هما اللتان احتج بهما أحمد على قول ابن المبارك في الرواية الأخرى ".
قال: وقال سبحانه: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} وقال سبحانه: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} قال: "واجتمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء" قال: "ومن دعاء المسلمين جميعا إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم أنهم يقولون يا ساكن العرش أو يا من احتجب بالعرش أو بسبع سموات وهذا تصريح منه باحتجابه بالأجسام المخلوقة وهذا عند منازعيه من نفاة أصحابه وغيرهم يستلزم أن يكون جسما متحيزا"......

ثانيا:هذه الآيات لا نريد إثبات بها العرش إنما نثبت فوقية الله تعالى فكون الآية لم يرد فيها (العرش) ولا(السماء) لا يعني انكار العلو لأن نصوص الكتاب في إثبات العلو تنوعت منها نصوص كونه سبحانه في السماء ومنها نصوص إستواءه سبحانه على العرش ومنها نصوص الصعود ومنها نصوص النزول وكلامنا الآن عن نصوص الصعود فقد جاءت بكل وضوح تدل على صعود الكلم الطيب إلى الله تعالى وكذلك رفع الأعمال إليه وأما قولك بأن الصعود يكون للأجسام فمن سبقك لهذا؟ ثم أليس نبي الله المسيح عليه السلام بشرا أي من الأجسام المخلوقة؟!!
وهذا الحديث القاطع يقصم ظهر كل محرف أو معطل
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب ، فإن الله - تعالى - يتقبلها بيمينه ، ثم يربيها لصاحبها ، كما يربي أحدكم فلوه ، حتى تكون مثل الجبل . ورواه مسلم أيضا ، والنسائي ، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن خزيمة في صحيحه .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم ، فيسألهم وهو أعلم بهم ، فيقول : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون .

.
وعنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان ملك الموت يأتي الناس عيانا ، فأتى موسى - عليه الصلاة والسلام - فلطمه فذهب بعينه ، فعرج إلى ربه - عز وجل - فقال : يا رب ، بعثتني إلى موسى فلطمني فذهب بعيني ، ولولا كرامته عليك ، لشققت عليه . قال : ارجع إلى عبدي ، فقل له : فليضع يده على ثور ، فله بكل شعرة وارت كفه سنة يعيشها ، فأتاه فبلغه ما أمره ، فقال : ثم ماذا بعد ذلك ؟ قال : الموت . قال : الآن ، فشمه شمة قبض فيها روحه ، ورد الله على ملك الموت بصره . وفي لفظ : فلطم عينه ففقأها ، فرجع فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فرد الله عليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي ، فقل له : إن كنت تريد الحياة ، فضع يدك على متن ثور ، وفيه قال : يا رب ، فالآن . وقال : رب ، أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر . متفق عليه .
ثالثا: أما تأويل ابن حهبل للعروج فقد رد عليه العلامة ابن عيسى في كتابه : تنبيه النبيه و الغبي " :


( أقول : لما عجز عن تأويل هذا النص عدل الى المكابرة لأنه لم يمكنه تأويل صعود الملائكة و عروجهم الى ربهم بالقبول و نحوه قال : ان العروج هو الانتقال في الأجسام

يقال له : ان الملائكة أجسام نورانية و صعودهم و نزولهم في الكتاب و السنة فإن كذّبت بذلك فقد كفرت نعوذ بالله من ذلك , و قوله : " لا دلالة في الآية على أن العروج إلى سماء و لا عرش " يقال له : بل هي نص في ان العروج الى الله لأن الى لانتهاء الغاية , و الضمير في إليه عائد الى الله بالضرورة نعوذ بالله من التمحل ) اهـ من تنبيه النبيه و الغبي ص 339 -340


قلت : و الرد على كلام ابن جهبل له وجوه أخرى أيضا منها هذا الوجه :

و هو ان يقال :

قوله ان العروج حقيقته المستعملة في لغة العرب للأجسام : فهذا لا يصح له , لأن الألفاظ في لغة العرب لا تخرج عن ان تكون مضافة الى مخلوق : فحقيقة اللفظ المضاف ( أي كنهه و كيفيته ) على حسب حقيقة المخلوق و ان كان المعنى معلوما , كقولنا ان فلانا رحيم بأهله , فنحن نعرف معناها و حقيقتها فنصف حقيقتها بأنها رقة في القلب

أو : ان تكون مضافة للخالق , فحقيقة اللفظ المضاف ( أي كنهه و كيفيته ) غير معروفة لنا , كقولنا ان الله تعالى رحيم , فنحن نعرف معنى الرحمة و لكننا نجهل حقيقتها و كنهها لأن هذا مما استأثر به الله تعالى

أو : ن لا يكون مضافا لشيء , فهذا لا يصح فيه التفذلك على حقيقته لأن الحقيقة أصلا غير معلومة إلا بالإضافة فإن كانت لمخلوق فربما عرفنا كيفية ذلك و ربما لم نعرف و ان كانت للخالق عز و جل : كنا بذلك جاهلين فنؤمن بذلك و لا نتمحل

فهذه ثلاث حالات في مسألة الألفاظ في لغة العرب
.
رابعا:أما عن التنزيل والنزول فيقال لك:ان التنزيل و النزول إنما يكون في لغة العرب من العلو دوما , و قد عهد نزول أصل الإنسان و هو آدم عليه السلام من علو الى سفل كما قال تعالى " اهبطا منها جميعا " فما المانع ان ينزل أصل الأنعام مع أصل الأنام ؟ و قد ورد في نزول الكبش فدية لنبينا إسماعيل عليه السلام ما هو معروف و أيضا فإن نزول الانعام من أرحام الإناث يقتضي النزول من علو الى سفل بهذا ينتقض كلامك و يستبين جهالة مرامك .


و الحديد نزل من السماء الى الأرض و ان كنتَ لم تره فهذا من المعلوم من الكتاب و السنة و قد رويت آثار في نزول الحديد , و أيضا فإن الحديد يكون في الجبال و هي عالية و هذا وجه آخر في إبطال كلامك .


خامسا:الفوقية تأتي بالمعنيين: تأتي حسية ومعنوية، فالحسية مثل قوله تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50] ، ففي هذه الآية إثبات صفة الفوقية الحسية، وأما الفوقية المعنوية فمثل قوله تعالى في أتباع عيسى: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران:55] فهذه الفوقية ليست حسية، بل المقصود بها الفوقية المعنوية بالترفع عليهم فقط. وكذلك فوقية الله سبحانه وتعالى على خلقه فوقية حسية وفوقية معنوية: فوقية حسية بارتفاعه وعلوه واستوائه على عرشه، وفوقيته المعنوية بمخالفته للحوادث وقهرهم بإحاطته بما هم فيه. فالله له العلو المطلق، فله علو الشأن، فشأنه عظيم، ولا يحيطون بشيء من علمه، ولا يحيطون به علماً سبحانه وتعالى، وله علو القهر، فقد غلب كل شيء، وقهر كل شيء، وعلا على كل شيء، وله علو الذات سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فاستوى فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، كما جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسي بجوار العرش كحلقة في فلاه)، والله على عرشه استوى.
وقد يقول قائل:ولماذا فسرتم قوله تعالى((يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )) بالفوية الحسية دون المعنوية؟
فيقال: لأن سياق الكلام في كلام العرب يدل على الفوقية الحسية لا المعنوية فقد جاءت الآيات تتحدث عن عباد الله المتقين الذين يخافون ربهم الذي فوقهم(من فوقهم) فلا شك أن لفظ الفوق إذا جاء مجرورا ب(من) لا يفهم منه إلا الفوقية الحسية كما في قوله تعالى((إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم)) وكقوله تعالى((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم..)) فإذا لم تكن هذه فوقية حسية فماعساها أن تكون؟!!!!
أما تفسيرك للفوقية الحسية التي يثبتها السلفيين بأنها جسم فوق جسم فذاك في حق المخلوقات ولكن كلامنا عن الخالق جلا جلاله الذي(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

من طرائف ابن جهبل

و للعلم : لم يكن ابن جهبل محققا لمذهب السلف بل من طرائفه في رده على شيخ الإسلام ابن تيمية انه أدرج كلام الإمام أحمد مع كلام ابن تيمية و ظن انه كله كلام الامام أحمد ! فقال :




( و لو تنازل واكتفى بما نُقل عن إمامه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، حيث قال: " لا يُوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نتجاوز القرآن والحديث، ونعلم أن ما وُصِفَ اللهُ به من ذلك فهو حق، ليس فيه لغو ولا أحاج، بل معناه يُعرف من حيث يُعرف مقصود المتكلم بكلامه، وهو مع ذلك ( ليس كمثله شيء) في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكان ينبغي أن الله سبحانه له ذات حقيقية، وأفعال حقيقية، وكذلك له صفات حقيقية، وهو ( ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل ما أوجب له نقصاً أو حُدوثاً فإن الله عز وجل منزه عنه حقيقةً، فإنه سبحانه مُستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، وممتنع عليه الحدوث لا متناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، وافتقار المُحدَث إلى مُحدِث ووجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى "


ولقد أتى إمامك في هذا المكان بجوامع الكلم، وساق أدلة المتكلمين على ما تدعيه بأحسن رد وأوضح معان، مع أنه لم يأمر بما أمر به هذا الفريق. ) اهـ كلام ابن جهبل في رسالته تلك !

و الطريف ان الكلام الملّون باللون الأحمر هو كلام شيخ الإسلام أصلاً ! و لكن ابن جهبل ظنه كلام الإمام أحمد ! و كلام الإمام أحمد انتهى عند قوله : " لا يُوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نتجاوز القرآن والحديث "


فامتدح كلام شيخ الإسلام ظانا أنه كلام الامام أحمد ! و احتج بكلامه عليه ! و هذا يدلك على مدى تحقيق مثل هذا لمذهب السلف !
التعديل الأخير تم بواسطة جمال البليدي ; 30-01-2009 الساعة 02:26 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2008
  • الدولة : البليدة
  • العمر : 38
  • المشاركات : 7,183
  • معدل تقييم المستوى :

    26

  • جمال البليدي is on a distinguished road
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
29-01-2009, 11:19 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الله ياسين مشاهدة المشاركة
لماذا يوجّهُ المسلمون بطون أكفّهم الى الأرض عند الدّعاء في الإستقساء ؟!!!
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الله ياسين مشاهدة المشاركة

روى الإمام مسلم في صحيحه ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : ‏‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ

قال الإمام النووي في شرحه :
قَوْله : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء ) ‏
قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ ‏ السُّنَّة فِي كُلّ دُعَاء لِرَفْعِ بَلَاء كَالْقَحْطِ وَنَحْوه أَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ وَ يَجْعَل ظَهْر كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء , وَإِذَا دَعَا لِسُؤَالِ شَيْء وَتَحْصِيله جَعَلَ بَطْن كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء اِحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث. ‏انتهى

هل يا تُرى لأنّ الخالق - تعالى الله عن ذالك - من أسفل منهم ؟!!!

استنباطٌ غريب و فهمٌ عجيب...!

ثمّ إنّ كلّ المسلمين يتوجّهون الى الكعبة في صلاتهم ؛ هل يعني ذالك أنّ الله عزّ و جلّ - تعالى الله عن ذالك - منحصر في الكعبة ؟!!!

هذه حجج أوهن من بيت العنكبوت ...!

أمّا عن رفع الأيدي الى السماء فهذه كوكبة من كلام علماء الإسلام حملة دين الله إلينا...

قال خاتمة المحقّقين و عمدة ذوي الفضائل من المدقّقين الإمام مرتضى الزبيدي الحسيني في كتابه " اتحاف السّادة المُتّقين بشرح احياء علوم الدّين " عند شرح " آداب الدعاء " من كتاب " احياء علوم الدّين " لحجّة الإمام الإسلام الغزالي ؛ ما نصّه [ الجزء الخامس صفحة 34-35 ؛ " مؤسسة التاريخ العربي " ] :
( فإن قيل ) :
إذا كان الحق سبحانه ليس في جهة فما معنى رفع الأيدي بالدّعاء نحو السماء ؟

( فالجواب من وجهين ) ذكرهما الطرطوشي :

أحدهما : أنه محل التعبّد كاستقبال الكعبة في الصلاة وإلصاق الجبهة بالأرض في السجود مع تَنَزُّهه سبحانه عن محل البيت ومحل السجود فكأنّ السماء قبلة الدعاء .

و ثانيهما : أنّها لما كانت مهبط الرّزق والوحي و موضع الرّحمة و البركة على معنى أن المطر ينـزل فيها إلى الأرض فيخرج نباتًا وهي مسكن الملأ الأعلى فإذا قضى الله أمراً ألقاه إليهم فيلقونه إلى أهل الأرض وكذالك الأعمال ترفع و فيها غير واحد من الأنبياء وفيها الجنة التي هي غاية الأماني فلما كانت معدناً لهذه الأمور العظام ومعرفة القضاء و القدر تصرفت الهمم إليها وتوفرت الدّواعي عليها .انتهى

وقال أيضاً مرتضى الزبيدي [ المصدر ذاته الجزء الثاني صفحة 104 ] :
{ فأما رفع الأيدي عند السؤال } و الدعاء { إلى جهة السماء فهو لأنها قِبلة الدعاء } كما أن البيت قِبلة الصلاة يُستقبَل بالصدر والوجه و المعبود بالصلاة و المقصود بالدعاء منَزَّهٌ عن الحلول بالبيت والسماء و قد أشار النسفي أيضا فقال : و رفع الأيدي والوجوه عند الدعاء تعبُّد محض كالتوجه إلى الكعبة في الصلاة فالسماء قبلة الدعاء كالبيت قبلة الصلاة.انتهى ( ما بين {} هو قول الإمام الغزالي )

قال الإمام النووي في شرح "صحيح مسلم" :
وَهُوَ الَّذِي - أي الله عزّ و جلّ - إِذَا دَعَاهُ الدَّاعِي اِسْتَقْبَلَ السَّمَاء كَمَا إِذَا صَلَّى الْمُصَلِّي اِسْتَقْبَلَ الْكَعْبَة ؟ وَلَيْسَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مُنْحَصِر فِي السَّمَاء كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي جِهَة الْكَعْبَة , بَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ السَّمَاء قِبْلَة الدَّاعِينَ , كَمَا أَنَّ الْكَعْبَة قِبْلَة الْمُصَلِّينَ .انتهى

وقال أيضًا الإمام النووي في شرح "صحيح مسلم" مُقرّاً لكلام القاضي عياض المالكي :
قال القاضي عياض : واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاة ، فكرهه شريح وآخرون ، وجوزه الأكثرون و قالوا : لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة ولا ينكر رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع اليد قال الله تعالى : { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [الذاريات: 22].انتهى

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح :
قال ابن بطال : أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة ، واختلفوا فيه خارج الصلاة في الدعاء ، فكرهه شريح وطائفة ، و أجازه الأكثرون لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة.انتهى

قال العلامة مفتي المسلمين بن جهبل الشافعي في ردّه على " الفتوى الحموية " لابن تيمية :
ثم تمسك برفع الأيدي إلى السماء ! و ذالك إنّما كان لأجل أنّ السماء منزل البركات و الخيرات فإن الأنوار إنما تنزل منها و الأمطار و إذا ألف الإنسان حصول الخيرات من جانب مال طبعه إليه فهذا المعنى الذي أوجب رفع الأيدي إلى السماء وقال الله تعالى : " وفي السماء رزقكم وما توعدون ".

ثم إنّ اكتفى بمثل هذه الدلالة في مطالب أصول العقائد فما يؤمّنهُ من مُدعٍ يقول : الله تعالى في الكعبة !!! لأنّ كل مصلٍ يوجه وجهه إليها !!! و يقول : " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض " !!!

أو يقول : الله في الأرض !!! فإنّ الله تعالى قال : " كلا لا تطعه واسجد واقترب " !!! و الإقتراب بالسجود في المسافة إنما هو في الأرض . !!! و قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أقرب ما يكون العبد في سجوده " !!!.انتهى

قال حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي في الإقتصاد في الإعتقاد :
( فإن قيل ):
فإن لم يكن مخصوصاً بجهة فوق ، فما بال الوجوه والأيدي ترفع إلى السماء في الأدعية شرعاً وطبعاً ...

( فالجواب ) ...

أن هذا يضاهي قول القائل : إن لم يكن الله تعالى في الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوره ، و ما بالنا نستقبله في الصلاة ؟!!!

و إن لم يكن في الأرض ، فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في السجود ؟!!!

وهذا هذيان.

بل يقال : قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاة ملازمة الثبوت في جهة واحدة ، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع وحضور القلب من التردد على الجهات ، ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث إمكان الاستقبال خصص الله بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم و شرفها بالإضافة إلى نفسه و استمال القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها، فكذلك السماء قبلة الدعاء، كما أن البيت قبلة الصلاة ، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول في البيت والسماء ثم في الاشارة بالدعاء إلى السماء سر لطيف يعز من يتنبه لأمثاله، وهو أن نجاة العبد وفوزه في الآخرة ، بأن يتواضع لله تعالى ويعتقد التعظيم لربه، والتواضع والتعظيم عمل القلب، وآلته العقل.

والجوارح إنما استعملت لتطهير القلب وتزكيته، فإن القلب خلق خلقه يتأثر بالمواظبة على أعمال الجوارح، كما خلقت الجوارح متأثرة لمعتقدات القلوب، ولما كان المقصود أن يتواضع في نفسه بعقله وقلبه، بأن يعرف قدره ليعرف بخسة رتبته في الوجود لجلال الله تعالى وعلوه، وكان من أعظم الأدلة على خسته الموجبة لتواضعه أنه مخلوق من تراب، كلف أن يضع على التراب، الذي هو أذل الأشياء، وجهه الذي هو أعز الأعضاء، ليستشعر قلبه التواضع بفعل الجبهة في مماستها الأرض، فيكون البدن متواضعاً في جسمه وشخصه وصورته بالوجه الممكن فيه وهو معانقة التراب الوضيع الخسيس ويكون العقل متواضعاً لربه بما يليق به، وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبة وخسة المنزلة عند الالتفات إلى ما خلق منه. فكذلك التعظيم لله تعالى وضيعة على القلب فيها نجاته، وذلك أيضاً ينبغي أن تشترك فيه الجوارح، وبالقدر الذي يمكنه أن تحمل الجوارح، وتعظيم القلب بالإشارة إلى علو الرتبة على طريق المعرفة والاعتقاد وتعظيم الجوارح بالإشارة إلى جهة العلو الذي هو أعلى الجهات وأرفعها في الاعتقادات ؛ فإن غاية تعظيم الجارحة استعمالها في الجهات، حتى أن من المعتاد المفهوم في المحاورات أن يفصح الإنسان عن علو رتبة غيره وعظيم ولايته فيقول : أمره في السماء السابعة، وهو إنما ينبه على علو الرتبة ولكن يستعير له علو المكان، وقد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظيم أمره ، أي أمره في السماء ، أي في العلو وتكون السماء عبارة عن العلو، فانظر كيف تلطف الشرع بقلوب الخلق و جوارحهم في سياقهم إلى تعظيم الله وكيف جهل من قلت بصيرته ولم يلتفت إلا إلى ظواهر الجوارح والأجسام وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في التعظيم عن تقدير الجهات، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح ولم يعرف أن المظنة الأولى لتعظيم القلب وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا باعتقاد علو المكان ، و أن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم بقدر الممكن فيها، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات، فهذا هو السر في رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم ، ويضاف إليه عند الدعاء أمر آخر وهو أن الدعاء لا ينفك عن سؤال نعمة من نعم الله تعالى، وخزائن نعمه السموات، وخزان أرزاقه الملائكة ومقرهم ملكوت السموات وهم الموكلون بالأرزاق. وقد قال الله تعالى: " وفي السماء رزقكم وما توعدون ". و الطبع يتقاضى الإقبال بالوجه على الخزانة التي هي مقر الرزق المطلوب ، فطلاب الأرزاق من الملوك إذا أخبروا بتفرقة الأرزاق على باب الخزانة مالت وجوههم وقلوبهم إلى جهة الخزانة ، و إن لم يعتقدوا أن الملك في الخزانة فهذا هو محرك وجوه أرباب الدين إلى جهة السماء طبعاً وشرعاً. فأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء، فيكون ذلك أحد أسباب إشاراتهم، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علواً كبير.انتهى

فتأمّل !



والجواب عليك ما سأنقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية مختصرا:
والكلام على ما ذكره من وجوه:
الأول: أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء على أن الله فوق هو حجة أهل الإثبات المثبتين الصفات من السلف والخلف ليس ذلك مختصا بالكرامية بل من اشهر المحتجين به أئمة أصحاب الأشعري وذووه.
وقال أبو الحسن الأشعري: "فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له أن الله مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال سبحانه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} وقال سبحانه: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} وقال سبحانه: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} وقال فرعون: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} فأكذب موسى في قوله إن الله فوق السموات.
وقال سبحانه وتعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} والسموات فوقها العرش وإنما أراد العرش الذي هو على السموات إلا ترى أن الله ذكر السموات فقال: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعا وأنه فيهن جميعا قال ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض وهذا الاحتجاج منه بإجماع المسلمين على رفع أيديهم في الدعاء على أن الله فوق السموات لأنهم إنما يرفعوها إليه نفسه لا إلى غيره من المخلوقات".
وقال صاحبه أبو الحسن علي بن مهدي الطبري: قال البلخي: "فإن قيل لنا ما معنى رفع أيدينا إلى السماء وقوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} قلنا: تأويل ذلك أن أرزاق العباد لما كانت تأتي من السماء جاز أن نرفع أيدينا إلى السماء عند الدعاء وجاز أن يقال اعمالنا ترفع إلى الله لما كانت حفظة الأعمال إنما مساكنهم في السماء قال الطبري قيل له أن كانت العلة في رفع أيدينا إلى السماء أن الأرزاق منها وأن الحفظة مساكنهم فيها جاز أن نخفض أيدينا في الدعاء نحو الأرض من أجل أن الله يحدث فيها النبات والأقوات والمعايش وأنها قرارهم ومنها خلقوا ولأن الملائكة معهم في الأرض فلم تكن العلة في رفعها إلى السماء ما وصفه وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قاصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه".
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه التمهيد وفي الإبانة: "فإن قال قائل اتقولون أنه في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} قال: "ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان واحتيج أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله.
وهذا تصريح بأن الأيدي إنما ترفع إلى الله نفسه وأنه يجب أن يصح رفعها إليه حيث كان وأنه إنما اختص رفعها بجهة العلو لأن الله هناك إذ لو لم تجب صحة رفعها إلى جهته لم يجب إذا كان في كل مكان أن يصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وأيماننا وشمائلنا فإن ذلك إنما يلزم إذا لزم أن يشار إليه حيث كان وهذا الذي قاله أبلغ من جواز الإشارة إليه فإنه أوجب أن يصح الإشارة والرغبة إلى غير جهة الفوق لو كان فيها وهذه الحجة إنما تصح إذا كانت الإشارة بالأيدي إلى فوق إشارة إليه نفسه إذ لو لم يكن كذلك لقال له منازعه فعندك الإشارة بالدعاء ليست إليه وإذا كان كذلك لم تكن الإشارة إليه واجبة بحال وإنما هو معنى يختص بجهة فوق غير كون الله تعالى هناك وإذا كنت موافقي على هذا يلزم إذا كان في كل مكان أن يشار في الدعاء إلى سائر الجهات كالسفل واليمين واليسار لأن عندك الإشارة بالأيدي ليست إليه وإنما هي لأمر يختص بالجهة العالية غير الله وهذا من احتجاج الأولين والآخرين".


إلى أن قال(ابن تيمية):ومثلما روي أبو عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم حيى كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: "حديث حسن غريب" قال: "ورواه بعضهم ولم يرفعه" وهذا لا يضر لأنه إذا كان موقوفا على سلمان فمثل هذا الكلام لا يقال إلا توقيفا وقد أخبر في هذا الحديث أن العبد يشير بيديه ويرفعهما إلى الله سبحانه وكذلك الحديث الذي في عن الفضل بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثم تقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول: يا رب يا رب ومن لم يفعل ذلك فهو خداج" فأخبر فيه أنه يقنع يديه أي يرفعهما وأنه يرفعهما إلى ربه.
وفي صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر وقال: "يا أيها الناس أي يوم هذا قالوا هذا يوم حرام قال فأي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فأي شهر هذا قالوا شهر حرام قال فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت" قال ابن عباس: "والذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا بضرب بعضكم رقاب بعض" وقد أخبرنا هنا أنه رفع رأسه وقال: "اللهم أشهد" وعن سعد ابن أبي وقاص قال: مر علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بإصبعي فقال: "أحد أحد وأشار بالسبابة" رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وأخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي عن أبي هريرة نحوه وقال: "حسن غريب" قالوا

ومعناه أشر بواحدة فإن الذي تدعوه واحد وهذا نص بين في أن الإشارة إلى الله حيث قال له: "أحد أحد" أي أحد الإشارة فاجعلها بإصبع واحدة فلو كانت الإشارة إلى غير الله لم يختلف الأمر بين أن يكون بواحدة أو أكثر فعلم أن الإشارة لما كانت إلى الله وهو إله واحد أمره أن لا يشير إلا بإصبع واحدة لا باثنين...........


ثم قال:وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء فهو في الحديث أكثر من أن يبلغه الاحصاء".
وأما حديث أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض أبطيه" رواه الجماعة أهل الصحاح والسنن والمسانيد مثل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم وفي رواية لمسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفه إلى السماء" رواه أبو داود ولفظه "أن النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي هكذا يعني ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت إبطيه" فهذا هو رفعهما إلى فوق رأسه وهو الابتهال المذكور في حديث ابن
عباس ومن صوره هذا الرفع إلى فوق الرأس أن تصير كفيه من جهة السماء إذ لا يمكن مع استيفاء الرفع أن تكون بطونهما من نحو السماء.
الوجه الثالث: أنه قد نهى عن رفع البصر في الصلاة إلى فوق أمرا بالخشوع الذي أثنى الله على أهله حيث قال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} وقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} والخشوع يكون مع تحفض البصر كما قال تعالى: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} وقال تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} وقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ}: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} كما وصف الأصوات بالخشوع في قوله: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" فاشتد قوله في ذلك حتى قال: "لينتهن أو لتخطفن أبصارهم" رواه البخاري وأكثر أهل السنن وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم" رواه مسلم وغيره ولو كان الله ليس فوق بل هو في السفل كما هو في الفوق لا لاختصاص لأحد الجهتين به لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع بل كان يكون بمنزلة حفظها.


الوجه الرابع: أن الذين يرفعون أيديهم وأبصارهم وغير ذلك إلى السماء وقت الدعاء تقصد قلوبهم الرب الذي هو فوق وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق تبعا لحركة قلوبهم إلى فوق وهذا أمر يجدونه كلهم في قلوبهم وجدا ضروريا إلا من غيرت فطرته باعتقاد يصرفه عن ذلك وقد حكى محمد بن طاهر المقدسي عن الشيخ أبي جعفر الهمذاني أنه حضر مجلس أبي المعالي فذكر العرش وقال: كان الله ولا عرش ونحو ذلك وقام إليه الشيخ أبو جعفر فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش واخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة لطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة قال: فضرب أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال يا الله وهذا يقتضي أنه في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق وقصده والتوجه إليه إلى فوق.

الوجه الخامس: أن الناس مع اختلاف عقائدهم واديانهم يشيرون إلى السماء عند الدعاء لله تعالى والرغبة إليه وكلما عظمت رغبتهم واشتد الحاحهم قوي رفعهم واشارتهم ولهذا لما كان دعاء الاستسقاء فيه من الرغبة والإلحاح ما ليس في غيره كان رفع النبي صلى الله عليه وسلم وإشارته فيه أعظم منه في غيره وهذا يفعلونه إذا دعوا الله مخلصين له الدين عندما يكونون مضطرين إلى الله عند الرغبة والرهبة مثل ركوب البحر وغيره وفي تلك الحال يكونون قاصدين الله قصدا قويا بل لا يقصدون غيره ويقرنون بقصد قلوبهم وتوجهها اشارتهم بعيونهم ووجوهم وأيديهم إلى فوق ومعلوم أن الإشارة تتبع قصد المشير وإرادته فإذا لم يكونوا قاصدين إلا الله ولا مريدين إلا إياه لم تكن الإشارة إلا إلى ما قصدوه وسألوه فإنه في تلك الحال لا يكون في قلوبهم إلا شيئان المسؤول والمسؤول منه ومعلوم أن هذه الإشارة باليد وغيرها ليست إلى الشيء المسؤول المطلوب من الله ولا يخطر بقلوبهم أن هذه الإشارة إلى ذلك ولا ادعاه المنازع في ذلك في يقصده الداعي ولم يشعر به وهذا ممتنع وهذا واضح لمن تدبره.

الوجه السادس: أنهم يقولون بألسنتهم ارفعو أيديكم إلى الله ونحو ذلك من العبارات وهذا اخبار عن أنفسهم أنهم يقصدون الإشارة إلى الله ورفع الأيدي إليه وإذا كان هذا الخبر لم يتواطؤا عليه ولم يجمعهم عليهم أحد كان اتفاقهم في الخبر عما في نفوسهم كاتفاقهم في سائر الأخبار التي تجري مجرى هذا من الأمور الحسية والضرورية وغير ذلك.

الوجه السابع: أن هذا الرفع يستدل به من وجوه:
أحدها: أن العبد الباقي على فطرته يجد في قلبه أمرا ضروريا إذا دعا الله دعاء المضطر أنه يقصد بقلبه الله الذي هو عال وهو فوق.
الثاني: أنه يجد حركة عينه ويديه بالإشارة إلى فوق تتبع إشارة قلبه إلى فوق وهو يجد ذلك أيضا ضرورة.
الثالث: أن الأمم المختلفة متفقة على ذلك من غير مواطأة.
الرابع: أنهم يقولون بألسنتهم أنا نرفع أيدينا إلى الله ويخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون في قلوبهم اضطرارا إلى قصد العلو فالحجة تارة بما يجده الإنسان من العلم الضروري وتارة بما يدل على العلم الضروري في حق الناس وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة فإنه إذا كان إجماع المسلمين وحدهم لا يكون إلا حقا فإجماع جميع الخلق الذين منهم المسلمون أولى أن لا يكون إلا حقا.
وبهذه المجامع يظهر الجواب عما تذكر الجهمية وجماعة شيئان: أحدهما: أن يكون الناس مخطئين في هذا الرفع لاعتقادهم أن الله فوق وليس هو فوق



إلى أن قال:

الوجه العاشر: قوله: "وأيضا أنه تعالى جعل العرش قبلة لدعائنا كما جعل الكعبة قبلة لصلاتنا" يقال له: هذا باطل معلوم بالاضطرار بطلانه عقلا ودينا وذلك يظهر بوجوه:
أحدها: أن المسلمين مجمعون على أن القبلة التي يشرع للداعي استقبالها حين الدعاء هي القبلة التي شرع استقبالها حين الصلاة فكذلك هي التي شرع استقبالها حين ذكر الله كما تستقبل بعرفة والمزدلفة وعلى الصفا والمروة وكما يستحب لكل ذاكر لله وداع أن يستقبل القبلة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان قد يقصد أن يستقبل القبلة حين الدعاء وكذلك هي التي يشرع استقبالها بالبول والغائط فليس للمسلمين كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد بل ولا لغيرهم قبلتان أصلا في العبادات التي هي من جنسين كالصلاة والنسك فضلا عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصل ببعض فإن الصلاة فيها الدعاء في الفتاتحة وغيرها والدعاء نفسه هو صلاة قد سماه الله في كاباه صلاة حيث قال: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذ أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم وإن أبيّ أتاه بصدقة فقال: "اللهم صلى على آل أبي أوفى" وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته الصلاة عليه في غير حديث في الصحاح وغيرها وفي جميعها إنما يعلمهم الدعاء له بصلاة الله وبركاته كما قال: "قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع حيث تكلمنا على مسمى الصلاة في اللغة الذي هو الدعاء وأن الصلاة المشروعة هي دعاء كلها فإن الدعاء هو قصد المدعو تارة لذاته وتارة لمسألته أمرا منه وهذا كالشخص يدعو غيره ويطلبه ويقصده تارة لذاته وتارة لأمر يطلبه منه والصلاة تتضمن هذين النوعين عبادة الله والثناء عليه والسؤال له.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النوعين في الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله سبحانه وتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال الله: أثنى علي عبدي فإذا قال العبد: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال الله: مجدني عبدي أو قال: فوض الي عبدي فإذا قال العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال الله: هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل".
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" ومسمى الصلاة في اللغة قد قالوا أنه مسمى الدعاء والدعاء نوعان كما تقدم والنصف الذي للرب جل وعلا هو الثناء عليه والمقصود بذلك نفسه سبحانه وتعالى فهو بذلك نفسه سبحانه وتعالى فهو بذلك معبود مقصود مدعو لنفسه والنصف الآخر الذي للعبد هو السؤال والطلب منه وهو بذلك يقصد لذلك الأمر ويسأل ويطلب منه وهو الصمد في الأمرين لا يصلح أن يصمد لغيره لا هذا الصمد ولا هذا الصمد وهو أيضا أحد في هذين لا يصلح لغيره أن يكون هو المعبود ولا أن يكون هو المتوكل عليه المستعان به المسؤول منه فهو الأحد الصمد في النصف الذي له كقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وهو الأحد الصمد في النصف الذي للعبد كقوله: {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ولهذا قال من قال من السلف: "إن الله سبحانه أنزل مائة كتاب وأربع كتب جمع معانيها في الأربعة وجمع معاني الأربعة في القرآن وجمع معاني القرآن في المفصل وجمع معاني المفصل في أم القرآن وجمع معاني أم القرآن في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}".
وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع في غير هذا الكتاب وبينا تعلق العبادة بالإلهية فإن الإله هو المعبود وتعلق الاستعانة بربوبيته فإن رب العباد الذي يربهم وذلك يتضمن أنه الخالق لكل ما فيهم ومنهم والإلهية هي العلة الغائية والربوبية هي العلة الفاعلية والغائية هي المقصودة وهي علة فاعلية للعلة الفاعلية ولهذا قدم قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على قوله: {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وتوحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية فإنه من لم يعبد إلا الله يندرج في ذلك أنه لم يقر بربوبية غيره بخلاف توحيد الربوبية فإنه قد أقر به عامة المشركين في توحيد الإلهية كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} ذكر البخاري في صحيحه عن عكرمة وغيره تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره.

إلى أن قال:

فهذه السورة يعني الفاتحة التي قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أعظم سوره في القرآن وأنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها قد ذكر فيها جماع الكتب الإلهية بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ومما يشبهها قوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} وهذان هما نوعا الدعاء كما تقدم وهما جميعا مختصان بالله حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} وقال تعالى: {فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} وقال تعالى: {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} وقال: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}.
فغير الله لا يجوز أن يكون مستعانا به متوكلا عليه لأنه لا يستقل بفعل شيء أصلا فليس من الأسباب ما هو مستقل بوجود المسبب لكن له شريك فيه وما ثم علة تامة إلا مشيئة الله فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكذلك لا يجوز أن يكون غيره معبودا مقصودا لذاته أصلا فإن ذلك لا يصلح له ولهذا كان الشرك غالبا على بني آدم كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} فيكون أحدهم عبدا لغير الله متألها له مما يحبه ويجله ويكرمه ويخافه ويرجوه حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة أن أعطي رضي وأن منع سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" وهذا باب واسع ليس هذا موضع بسطه.

ثم قال بعد أن ذكر معنى الدعاء وأنواعه:
إذا تبين ذلك فالدعاء الذي ذكره الرازي هنا هو أحد نوعي الدعاء وهو دعاء المسألة والطلب منه قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} وهذا في الكلام نظير الذكر الذي هو ثناء وتحميد لله تعالى ولهذا يقال في الفاتحة نصفها ثناء ونصفها دعاء ومن المعلوم أن استقبال القبلة في هذا كاستقبالها في الذكر أو أوكد والقبلة التي تستقبل بهذا الدعاء هي قبلة الصلاة بعينها ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في الدعاء يستقبلها كما فعله في أثناء الاستسقاء الذي رفع فيه يديه رفعا تاما فعن عباد بن تميم عن عمه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحول رداءه ورفع يديه فدعى واستسقى واستقبل القبلة" رواه الجماعة أهل الصحاح والسنن والمساند كالبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي النسائي وابن ماجه وغيرهم فأخبر أنه استقبل القبلة التي هي قبلة الصلاة في أثناء دعاء الاستسقاء وإذا كانت قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة بعينها كان قول الجهمي أن العرش والسماء قبلة للدعاء قول مخالف لإجماع المسلمين ولما علم بالاضطرار من دين الإسلام فيكون من أبطل الباطل.



الوجه الثاني في ذلك وهو الحادي عشر: أن توجه الخلائق بقلوبهم وأيديهم وأبصارهم إلى السماء حين الدعاء أمر فطري ضروري عقلي لا يختص به أهل الملل والشرائع بل يفعله المشركون وغيرهم ممن لا يعرف العرش ولا يسمع به ولا يعلم أن فوق السماء لله عرشا فلو كان الرفع إنما هو إلى العرش فقط الذي هو قبلة لم يقصد ذلك الرفع إلا من علم أن هناك عرشا كمالا يقصد التوجه إلى القبلة إلا من علم أن الكعبة التي يستقبلها المسلمون هناك لأن القصد والإرادة لا يكون إلا بعد الشعور بالمقصود فمن لم يشعر أن هناك عرشا امتنع أن يقصد الرفع إلى العرش وهذا تحقيق ما تقدم من أن العلو لله علم بالفطرة والعقل وأما استواؤه على العرش فإنما علم بالسمع.
الوجه الثالث في ذلك وهو الثاني عشر: أن يقال كون العرش أو السماء قبلة للدعاء لا يثبت بغير الشرع فإن اختصاص بعض الجهات والأمكنة بأنه يستقبل دون غيرها هو أمر شرعي ولهذا افترقت أهل الملل كما قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} فلو كان الله جعل العرش أو السماء قبلة للدعاء كان في الشريعة ما يبين ذلك ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة ولا شيء من الآثار عن سلف الأمة ولا أئمتها ولا في الإثارة عن الأنبياء المتقدمين كموسى وعيسى وغيرهما من المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين أن العرش أو السماء قبلة للدعاء فعلم أن دعوى ذلك من أعظم الفرية على الله وأن هذا من جملة افتراء الجهمية ونحوهم على الله وعلى رسله ودينه.
الوجه الرابع وهو الثالث عشر: أن القبلة أمر تتميز به الملل ويقبل النسخ والتبديل كما قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} إلى قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً} فأخبر سبحانه أن لكل أمة وجهة يستقبلونها وولى محمدا قبلة يرضاها فأمره بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام بعد أن كان قد أمره أن يصلي إلى البيت المقدس هو وأمته فصلى إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة بضعة عشر شهرا وصلى إليها قبل مقدمه المدينة وقد روي أنه كان بمكة يجعل الكعبة بينه وبين المسجد الأقصى وإذا كانت القبلة أمرا يقبل النسخ والتبديل وهو مختلف في أمر الملل فيجب على هذا التقدير إذا كان العرش أو السماء قد جعل قبلة للدعاء أن يجوز تغيير ذلك وتبديله حتى يجوز أن يدعى الله إلى نحو الأرض ويجوز أن يدعوه الإنسان من الجهات الست ويمد يده وعينيه إلى سائر جهاته وأن يكون ذلك قبلة لبعض الداعين دون بعض وهذا مع أنه قد ذكر غير واحد إجماع المسلمين على تخطئة قائله وفاعله فالعلم بذلك اضطراري فإن بني آدم مفطورون على أن لا يتوجهوا بقلوبهم وأيديهم إلى غير الجهة العالية ولا يقصدوا الله من تحت اقدامهم ويمدوا أيديهم إلى تلك الجهة السافلة ولا إلى غير الجهة العالية.
الوجه الخامس وهو الرابع عشر: أن الله تعالى قد قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فأخبر أن العبد حيث استقبل فقد استقبل قبلة الله ليبين أنه حيث أمر العبد الاستقبال والتولية فقد استقبل وولي قبلة الله ووجهته ولهذا ذكروا أن هذه الآية فيما لا يتعين فيه استقبال الكعبة كالمتطوع استقبال الكعبة فإنه يصلي بحسب إمكانه إلى أي جهة امكن وذكروا أيضا أنه نسخ ما تضمنته من تسويغ الاستقبال إلى بيت المقدس كما كان ذلك قبل النسخ وإذا كان هذا في القبلة المعروفة للصلوات التي يجب فيها استقبال قبلة معينة في الفريضة وفي التطوع في المقام فينبغي أن يكون في قبلة الدعاء أولى وأحرى فإن الدعاء لا يجب فيه استقبال قبلة معينة بإجماع المسلمين ولا يجب أن يستقبل القبلة المعروفة ولا أن يرفع يديه لا عند من يقول أن السماء والعرش قبلة الدعاء ولا عند من لا يقول بذلك وإذا كان هذا لازما اقتضى جواز الإشارة في الدعاء إلى غير فوق فيجب أن تجوز الإشارة بالأيدي حين الدعاء إلى الأرض والتيامن والتياسر وقد تقدم قول من حكى إجماع المسلمين على خلاف ذلك وعلى تخطئة من يجوز ذلك كالقاضي أبي بكر وأيضا فمن المعلوم بالفطرة الضرورية أن أحدا لا يقصد ذلك ولا يريده فعلم بطلان ما زعموه من كون العرش أو السماء قبلة للدعاء.
الوجه السادس وهو الوجه الخامس عشر: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه وكذلك يسمى وجهة ووجها وجهة لاستقبال الإنسان له بوجهه وتوجهه إليه كما قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} والاستقبال ضد الاستدبار فالقبلة ما يستقبله الإنسان ولا يستدبره فأما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة لأن الإنسان لم يستقبله كما لا يستدبر الجهة التي تقابله ومن استقبل شيئا فقد استدبر ما يقابله كما أن من استقبل الكعبة فقد استدبر ما يقابلها ومعلوم أن الداعي لا يكون مستقبلا للسماء ومستدبرا للأرض بل يكون مستقبلا لبعض الجهات أما القبلة أو غيرها مستدبرا لما يقابلها كالمصلى فظهر أن جعل ذلك قبلة باطل في العقل واللغة والشرع بطلانا ظاهرا لكل أحد.
الوجه السابع وهو السادس عشر: أن القبلة أمر يحتاج إلى توقيف وسماع ليس في الفطرة والعقل ما يخص مكانا دون مكان باستقباله في الصلاة والدعاء أو غير ذلك فلو كان الداعون إنما يقصدون برفع أيديهم وأبصارهم وغير ذلك استقبال بعض المخلوقات مثل العرش والسماء وغير ذلك من غير أن يكون الرفع إلى الخالق تعالى لم يفعلوا ذلك إلا عن توقيف وسماع ومن المعلوم أنهم يفعلون ذلك بفطرتهم وعقولهم من غير أن يوقفهم عليه أحد ولا تلقوه عن أحد.
الوجه الثامن وهو السابع عشر: أن القبلة لا يجد الناس في أنفسهم معنى يطلب تعيينها ولا فرقا بين قبلة وقبلة ولهذا لما أمر المسلمون باستقبال المسجد الأقصى ثم أمروا باستقبال المسجد الحرام كان هذا جميعه عندهم سائغا لا يجد المؤمنون في أنفسهم حرج من ذلك ولا تفريقا بينه فلو كان الرفع والتوجه إلى جهة السماء لكونه قبلة لكان ذلك عند الناس مؤمنهم وغير مؤمنهم منزلة التيامن والتياسر والسفل والقفا ومن المعلوم أنهم يجدون في أنفسهم طلبا ضروريا لما فوق فهذه المعرفة والطلب الضروري الذي يجدونه يطلب العلو دون السفل يمنع أن يكون لكونه قبلة وضعية بل ذلك يقتضي أن المطللوب المدعو هناك كما يجدونه أيضا في أنفسهم ويقرون به بألسنتهم.
الوجه التاسع وهو الوجه الثامن عشر: أنه قد اعترف في نهايته بأن الناس إنما يرفعون إلى الله واعرض عن هذه الأجوبة الثلاثة التي ذكرها هنا وهو أن الرفع للجهة التي تتعلق بها منافعهم من الأنوار والأرزاق أو لمن فيها من الملائكة أو لكون العرش قبلة الدعاء وذلك أنه قد علم علما يقينيا أنالخلائق إنما يقصدون بالرفع الرفع إلى الله لكن تكلم في المقدمة الثانية وهو أن ذلك يدل على علمهم الضروري بأن الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير العسير في تلك الجهة بما تقدم ذكره ونحن نتكلم عليه.
الوجه التاسع عشر: أن الإشارة مع العبارة هي لمن ذكر في العبارة سواء كان ذلك في الجمل الخبرية أو الجمل الطلبية وسواء في ذلك الإشارة بلفظ هذا أو نحوه من ألفاظ الإشارة وألفاظ الدعاء والنداء وذلك أن المتكلم إذا قال فعل هذا الرجل أو هذا الرجل ينطلق أو أكرم هذا الرجل ونحو ذلك فإن العبارة وهي لفظ هذا يطابق ما يشير الله المتكلم ولهذا سمي النحاة هذه أسماء الإشارة وهذه الألفاظ بنفسها لا تعين المراد إلا بإشارة المتكلم إلى المراد بها ولهذا من سمع هذا وذاك وهؤلاء و أولئك ولم يعرف إلى أي شيء أشار المتكلم لم يفهم المراد بذلك فالدلالة على العين هي بمجموع اللفظ وبالإشارة إذ هذه الألفاظ ليست موضوعة لشيء بعينه وإنما هي موضوع لجنس ما يشار إليه وأما تعيين المشار إليه فيكون بالإشارة مع اللفظ كما أن أداة أل التعريف موضوعة لما هو معروف من الأسماء أما كون الشيء معروفا فذاك يجب أن يكون معروفا بغير اللام أما بعلم متقدم أو ذكر متقدم.
وكذلك المعرف بالنداء فإن النداء والدعاء من أسباب التعريف فالمنادى المعرفة يكون مفهوما وأن كان نكرة كان منصوبا فإذا نادى المنادي رجلا مطلقا قال يا رجلا كقول الأعمى يا رجلا خذ بيدي ومن نادى رجلا بعينه قال يا رجل كقول موسى عليه السلام ثوبي حجر ثوبي حجر وهذا المنادى المعين يشير إليه الداعي المنادي فيقصده بعينه بخلاف المطلق الذي يدل عليه لفظ النكرة كقوله رجلا خذ بيدي فإنه هنا لم يشر إلى شيء بعينه فهذا التعريفبالنداء إنما هو يتعين في الباطن بقصد الداعي وفي الظاهر باشارته والمنادي الداعي ونحوه من ذوي الطلب والاستدعاء أو المخبر المحدث قد يشير إشارة ظاهرة إلى المنادي وغيره من المقصودين أما لتعريف المخاطبين إذا لم يعرفوا المعين إلا بذلك مثل من ينادي رجلا بعينه في رجال فيقول يا رجل أو يا هذا أو يا زيد ويكون هناك جماعة اسمهم زيد ولا بد أن يشير إليه أما بتوجيه وجهه نحوه أو بعينه أو براسه أو يده أو غير ذلك وتارة يشير توكيدا وتحقيقا لخطابه وإذا كان متميزا بالاسم ولا يجوز أن يدعو أحدا وتكون الاشارةخ إلى غير من دعا فلا يجوز أن يقول يا زيد ويشير إلى غير من قصده أو يا هذا ويشير إلى غير من قصده.
فإذا قال الداعي اللهم وأشار برأسه أو عينه أو وجهه أو يده أو إصبعه لم تكن اشارته إلا إلى الله الذي دعاه وناداه وناجاه لا إلى غيره إذ المدعو المنادى من شأن الداعي أن يشير إليه وليس هنا من يشير إليه الداعي بقوله اللهم أو يا الله ونحو ذلك إلا الله فهو الذي يشير إليه بباطنه وظاهره واشارته إليه بباطنه وظاهره هي قصده وصمده ذلك من معنى كونه صمدا أي يصمد العباد له واليه ببواطنهم وظواهرهم وهو من معنى كونه مقصودا مدعوا معبودا وهو من معنى الهيته فيدعونه ويقصدونه ببواطنهم وظواهرهم فكما لا يجوز أن يكون القصد بالقلب إذا قالوا يا الله لغيره بل هو المقصود بالباطن فكذلك هو أيضا المقصود بالظاهر إذا قالوا ي الله وأشاروا بظواهرهم بحركة ظاهرة بالإشارة إليه والتوجه نحوه وقصده كحركة بواطنهم بالإشارة إليه والتوجه نحوه وقصده لكن الظاهر تبع للباطن ومكمل له فمن دفع هذه الإشارة إليه فهو كدفع الإشارة إليه بالقلب وذلك دفع لقصده الدافع لدعائه المتضمن لدفع عبادته ولكونه صمدا.

الوجه العشرون: أن كون الرب إلها معبودا يستلزم أن يكون بجهة من عابده بالضرورة وذلك أن العبادة تتضمن قصد المعبود وإرادته وتوجه القلب إليه وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه في جميع مراداته ومقصوداته ومطلوباته ومحبوباته التي قصدها وأحبها وطلبها دون قصده وحبه وطلبه للآلهة كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}
والإنسان يحس من نفسه أنه إذا قصد شيئا أو أحبه غير نفسه فلا بد وأن يكون بجهة منه وأنه إذا قيل له اقصد أو اطلب أو اعبد أو أحب من لا يكون بجهة منك ولا هو فيك ولا فوقك ولا تحتك ولا أمامك ولا وراءك ولا عن يمينك ولا عن شمالك كان هذا أمرا بالممتنع لذاته ليس هو أمرا بممكن لا يطيقه والممتنع لذاته يمتنع الأمر الشرعي به باتفاق المسلمين ويكون حقيقة الأمر اعبد من يمتنع أن تعبد واقصد من يمتنع أن تقصد وادع من يمتنع أن يدعى ووجه وجهك إلى من يمتنع التوجه إليه وهذا أمر بالجمع بين النقيضين.
فتبين أن قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} بل وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} لا يصدق في قول ذلك إلا من يقر أن الله فوقه ومن لم يقر بذلك يكون فيه نفاق عنده قصد بلا مقصود وعبادة بلا معبود حقيقي وأن كان مثبتا له من بعض الوجوه لكن قلبه لا يكون مطمئنا إلى أنه يعبده.
يوضح ذلك أن عبادة القلب وقصده وتوجهه حركة منه وحركة الإنسان بل كل جسم لا يكون إلا في جهة إذ الحركة مستلزمة للجهة وتقدير متحرك بلا جهة كتقدير حركة بلا متحرك وهذا مما لا نزاع فيه بين العقلاء لكن غلاة المتفلسفة قد يزعمون أن القلب والروح ليس جسما وأنه لا داخل البدن ولا خارجه وهذا معلوم فساده بالحس والعقل والسمع كما قد بيناه في غير هذا الموضع وغلاة المتكلمين يزعمون أن الروح إنما هو عرض من أعراض البدن ليست شيئا بنمارق البدن ويقوم بنفسه وهذا أيضا فاسد في الشرع والعقل كما بيناه في غير هذا الموضع وإذا عرف فساد القولين علم أن الروح التي فينا جسم يتحرك ثم نقول القلب الذي هو مضغة يحس الإنسان من نفسه بصمود وارتفاعه إلى فوق عند اضطراره إلى الله تعالى..........انتهى بإختصار جد شديد.
  • ملف العضو
  • معلومات
عبد الله ياسين
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 07-10-2007
  • المشاركات : 918
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • عبد الله ياسين is on a distinguished road
عبد الله ياسين
عضو متميز
رد: هكذا علّمتني عقيدتي: الله تعالى فوق السموات
30-01-2009, 05:47 PM
"البليدي جمال" أنت تردّد صدى قديم قد سبق ردّه بما يكفي فلم تأتِ بجديد فجلُّ ما أسميتهُ ((( ردود !!!))) ليس إلا تحصيل حاصل و سعيٌ بلا طائل إذ لا جديد يذكر حيثُ لا قديم يُشكر...بل انّك زدتَ الطين بلّة و المرض علّة حين أوردت كلامًا يدلُّ على ((( الجهة العدمية !!!))) ...و ربك أعلم هل هي عندكم شيءٌ مخلوق أم لا ؟!!! على كلّ لن أضيع الوقت معك ...غير أنّي أنتظر منك أن تجيب على سؤالٍ بسيط ؛ بإمكانك القص و اللصق من شبكة سحاب و غيرها من شبكات الغيوم :

هل كان الله في جهة قبل أن يخلق الجهة ؟!

فإن قُلتَ :
(1) لا ؛ فقد كُفيت...

(2) نعم ؛ فقد أثبت أنّ الجهة قديمة أزلية مع الله أي أنّها غيرُ مخلوقة ! و هو كفر بإجماع أمّة الإسلام.
فهل ستبهرنا بعجائب أجوبتك أم ستفضّل الدّفع بالصّدر وفق مبدأ " عنزة و لو طارت " !


التعديل الأخير تم بواسطة عبد الله ياسين ; 30-01-2009 الساعة 05:49 PM
 
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع
أهمية الوقت في حياة المسلم لـ ( الشيخ عبيد الجابري حفظه الله )
ماذا نفعل إذا خالف الحديث الصحيح المذهب المالكي ؟
الإمام أبو حامد الغزالي
الساعة الآن 04:03 AM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى