مكيافلي .. هل كان مكيافلياً ؟
21-08-2009, 06:27 PM
مكيافلي .. هل كانمكيافلياً ؟
محاولة للفهم ، لا لتحسين السمعة !
محمد وقيع الله
لكثرة ما ذاع مفهوم المكيافلية بين الناس ، فإن المحاججة تصبح صعبةباتجاه العكس ، لإثبات أن مكيافلي ، صاحب الأسم نفسه ، لم يكن مكيافلياً ، بالنحوالذي تفهم به المكيافلية اليوم !
كتابه " الأمير " كتاب صغير الحجم ، يحتوي علىمادة شيقة ، تبحر بالقارئ في خضم التاريخ ، وتستخرج دروساً بليغة منه . تيسر فهمالسياسة ، وادراك أسرار صناعة قراراتها ، ولكن الكتاب مع ذلك ، قلما يحظى بقراءجادين يسعون لتدبره في هذ الزمان .
معظم دارسي الفلسفة والسياسة يكتفون بقراءةمكيافلي في سياقه التاريخي الذي تضعه فيه ملخصات كتب الفلسفة والعلوم السياسية . أما عامة المثقفين فقد اكتفوا بفهم المعنى الإصطلاحي المشتق من اسمه ، والجاريمثلاً بين الناس ، لوصف بعض أنماط السلوك الانتهازي النفعي الذميم .
انتهازي أممبدئي ؟
افتراضنا يقوم على أن مكيافلي لم يكن مكيافلياً كما يظن الناس . إنه لميكن " نفعياً " ، " انتهازياً " ، وإنما كان " مثالياً " ، " مبدئياً " صميماً ،يهدف إلى تمثل وتحقيق مبادئ وقيم وأهداف الناس القومية العليا ، ويروم خيرهم ، كمايتصوره هو، لا كما يتصورونه هم، بكل سبيل!
صحيح أن مكيافلي برر استخدام كثير منالفظائع ، بل دعا ، وحرض على ارتكاب كثير منها ، ولكن ذلك التبرير والتحريض لميكونا مبذولين لكل من يريد أن يرتكب تلك الفظائع ، ولا لكل من يتذرع بكل وسيلة ،للوصول لأية غاية ، إنما يبذل ذلك فقط للحاكم القوي ، المرجو لتحقيق منافع عظمى ،مثل تحقيق الاستقرار ، وبناء الوحدة الوطنية ، وتوطيد أسس التنمية والعمران . أماالحاكم الضعيف العاجز، فلا يبيح له مكيافلي ارتكاب أي أخطاء ، ولا الجنوح لأي تعدأو إرهاب.
كان مكيافلي رجلاً وطنياً ، يتأجج بالوطنية ، ويغلبه الحرص على مصالحأمته ، ويؤرقه النظر إلى تناحر الوحدات الأساسية الخمس بإيطاليا : " نابلي ، وروما، والبندقية ، وفلورنسا ، وميلانو " ، ويأسى لما يشاهده من إحتراب وتآكل . في حينكانت الدول الأخرى كفرنسا وألمانيا تشهد آيات التوحيد والاستقرار والازدهار . وقددفعه ذلك لتقصي أسباب حيازة الدول للوحدة والقوة .
كان مدخله لذلك فلسفةالتاريخ وهكذا دلف إلى جماعة من المؤرخين الغابرين ، واغتذى من تأملاتهم ، ودونخلاصات من تلك التأملات في كتاب " الأمير " الذي يقول إنه درس فيه موضوع القوة ،بأقصى ما يستطيع من العناية والاتقان ، وقد كان كتابه متقناً فعلاً ، لأنه كانخلاصة شديدة التركيز لما تناثر في بطون كتب المؤرخين وفلاسفة التاريخ .
أبرز مااستقصى مكيافلي من دروس التاريخ كانت قصة الراهب " سافونارولا " الذي وحد ممالكإيطاليا وحدة هشة ، وحكمها باللين واللطف والتسامح ، فكان مصير تلك الوحدة الانهيارالسريع . لذا دعا مكيافلي ، إلى بروز زعيم إيطالي جديد ، على غير تلك الشاكلة ،زعيم مهاب ، معروف بالبطش ، يستطيع بقوته أن يحافظ على وحدة إيطاليا ، ويرهب كل منيفكر في تقويضها ابتداءً .
فكرة البعث الإيطالي ، أو بعث الدول المتناحرةوالمندحرة ، وتوحيدها ، جوهر ما اعتنى به مكيافلي . وهنا فقط أباح للحاكم استخداموسائل شائنة ، ولكنه لم يقل مطلقاً أن " الغاية تبرر الوسيلة " كما ينسب إليه . ولميبح للحاكم أن يستخدم سائر الوسائل الشائنة حتى في سبيل تلك الغاية الأسمى . إنهبالمقابل نصح بقوة وصراحة بعدم استخدام بعض الوسائل مهما تكن الغايات المرجوة منورائها ، فقد أوصى الحاكم مثلاً ألا يطمع في مصادرة ممتلكات مواطنيه ، لأن ذلك وإنكان في مصلحة الحاكم ، إلا أنه لا يكون في مصلحة الدولة . " إن الإنسان أسرع إلى أنيغفر مقتل والده ، منه إلى الصفح عن مصادرة ميراثه عنه " ، هذه هي إحدى نصائحمكيافلي للحكام . فالحاكم الفطن قد يقتل ، ولكنه لا ينهب ، وإن قتل فإنما يقتللتوفير الأمن ولرعاية أملاك الناس وأرواحهم ، فالغرض من البطش هو المحافظة علىالقوة السياسية وزيادتها ، والمعيار الذي يقوم به البطش هو مدى نجاحه في تحقيق تلكالغاية ، لا مدى نجاحه في إرعاب وإرهاب الناس ، أو تمكين الحاكم في كرسي الحكم .
إفساد الناس وتوهين قواهم الروحية والوطنية لم يكن ينسجم مع أفكار مكيافلي ،فقيم البساطة ، والطهر ، والولاء ، والأمانة ، والجلد ، والمثابرة في أداء الواجبات، قيم لا يجوز التضحية بها لأي غاية من الغايات ، مهما سمت .
غريب جداً أنمكيافلي كان يؤمن بالديموقراطية والقيم التي تتطلبها ، وتستتبعها . وقد لا يبدو ذلكواضحاً في " الأمير " ، إنما في كتب أخرى كـ " المطارحات " حيث يشير صراحةً إلى أنحكومة الجماهير ، التي نالت حظاً طيباً من التعليم ، وحكمت بقوانين صالحة ، هي أفضلمن حكومة الحاكم المستبد ، حتى ولو كان متقيداً بالقوانين ، وحيث يؤكد أن الجماعةيمكنه إجراء التغييرات المطلوبة ، والتواؤم مع الظروف المتبدلة ، أكثر من حكم الفرد، وحيث ينادي بالدستور المختلط مثلما نادى به من قبل أفلاطون في " القوانين " ،وأرسطو في " السياسة " ، وشيشرون في " الجمهورية " ، ومثلما نادى به من بعد فلاسفةكثر خلال وبعد عصر النهضة الأوربية .
لا يضحي بالفضائل :
هنالك فضائل كثيرةيدعو مكيافلي إلى المحافظة عليها وعدم التضحية بها ، وهي ما يسمى اليوم بالفضائل أوالأخلاق المدنية او الاجتماعية . لأنها تتصل بأداء الدولة وترقيتها في مضمارالحضارة ، فذلك هو الهدف الذي كتب من أجله كتاب ( الأمير ) .
كان مكيافلي يلاحظأن مجتمعه قد وصل إلى درجة رقي حضاري هائلة ، من حيث لا يتصل الأمر بالدولة أوالنظام السياسي ، ففي ذلك العصر بالذات كانت إيطاليا عامة ، وفلورنسا خاصة ، مركزإشعاع للعلم والفن ، على مدى أوربا كلها ، حيث برع العباقرة الأفذاذ من أمثاليوبتشللي ، ومايكل أنجلو ، وليوناردو دا فنشي ، وغيرهم ، ولم يبق إلا أن يبرزعباقرة جهابذة أمثالهم ، على الصعيد السياسي ، لتقف إيطاليا على قدميها ، ولتواصلمشواراً للنمو الصحي . وهكذا كان مكيافلي حريصاًً على ذلك الرصد الحضاري العلميالفني الأدبي ، وضنيناً على التضحية به في سبيل غايات الحكام .
وإذ أباحمكيافلي القسوة للحكام ، فإنه لم يبح ذلك لأتباعهم من الوزراء والموظفين وعمومالرعية ، وهو عموماً لم يكن يخاطب هؤلاء ، إنما كتب كتابه أساساً للأمير وللأميرفقط . وكتب في إهدائه إليه تلك العبارة الطريفة : " إن الذي يستطيع تصوير ورسمالجبل الشامخ ، هو الواقف في السهل . ولذلك فإن فهم الشعب يقتضي أن يكون الإنسانأميراً ، وفهم طبيعة الأمراء يستلزم أن يكون الإنسان مواطناً عادياً ، وهكذا فإننيوإن كنت من غمار الشعب ، ولست في العير ولا في النفير ، فإنني جدير بتقديم هذهالوصايا والدروس إليك " ! ! ..
أما المواطنين فهم غير معنيين بنصائحمكيافلي ، ولذلك فلا يحق لهم ما يحق للحكام ، فلا يحق لهم أن يستخدموا القسوة ،وأساليب البطش ، ولا أن يتجاوزوا القانون ، ولا أن يسعوا لتحقيق مصالحهم الخاصة علىحساب الآخرين ، بل إنه شدد على الحاكم أن يفرض على المواطنين القوانين اللازمة ،بهدف إلزامهم برعاية المصلحة العامة . والامتناع عن الأساليب الخسيسة ، كما دعالتصميم دستور يمنع ظهور أي مراكز قوة أو جماعات ضغط بالتعبير الحديث ! لأن ظهور مثلتلك القوى من شأنه أن يؤدي إلى هدم التوازن الذي تقوم عليه الدولة ، وكان لا يملالتذكير بأن حماية الحرية يلزمها الحذر الدائم والضرب على نذر الفساد والفوضى ، قبلأن تذر قرنها في المجتمع .
من هذه الناحية الأخيرة لم يكن لغلظة مكيافلي منحدود ، فقد اعترض على آراء المفكر الروماني " سينيكا " القائل بأن الحاكم ينبغي ألايستخدم الشدة ، إلا عندما يطفح الفساد في الأرض وتبرز الأخطاء الجسيمة ، التي تهددأمن المجتمع . وفي رأي مكيافلي فإن ذلك فهم مغلوط للأمور ، فعلى الحاكم أن يبدأعهده باطشاً ، لأن الشر طبيعة في النفس الإنسانية ، ولا يجدر بالحاكم أن ينتظر حتىتتعرى طبيعة البشر عن الشر ، وإنما أن يبادر بردع الناس عنه ، فيبدي بأساً شديداً ،بصب دفعة عنيفة من الفظاعة ، تصبح أمثولة وأحدوثة ، وتكفي لردع الناس إلى مدى طويلوقد فصل مكيافلي في ذلك تفصيلات سخيفة عندما تحدث عن كيفية إيقاع الأذى بطريقةبارعة ، كما قال ، ولكنه لم يقصد بذلك إلا إلى مجرد حسم الشر والفساد . وكتاب ( الأمير ) كان موجهاً للحاكم الذي ينشئ دولة جديدة ، وليس لكل الحكام كما يظن البعض، ولذلك فهو يريد أن يحسم مادة التحلل والإفساد ، منذ أول عهد نشأة الدولة والنظامالسياسي ، حتى لا تصبح مكافحة الفساد برنامجاً يشغل ذلك الحاكم المبتدئ طويلاً .
الفساد ظل موضع محاربة مكيافلي بلا هوادة ، أما الفساد الأكبر المتمثل فيالخيانة الوطنية ، فقد كان ذلك عنده بمثابة الشرك الأعظم ، إذ لم يكن مكيافلي يؤمنبالدين ، وإنما بالوطن وحسب . لذا فإن من أخطأ الخطأ أن ينسب من يبيعون أوطانهم ،أو يفرطون في مصالحها ، إلى مكيافلي ، أو أن يوصفوا بالمكيافلية . كان مكيافلي يقدسوطنه ، وأقام على أساس حمايته وخدمته جل فلسفته . أما من يوصفون بالمكيافلية اليوممن السياسيين ، وما أكثرهم ، فالوطن هو أرخص شئ لديهم . وهم على استعداد لبيعهفوراً ، أو على التقسيط ، بمزادات وتخفيضات هائلة تغري كل عدو
محاولة للفهم ، لا لتحسين السمعة !
محمد وقيع الله
لكثرة ما ذاع مفهوم المكيافلية بين الناس ، فإن المحاججة تصبح صعبةباتجاه العكس ، لإثبات أن مكيافلي ، صاحب الأسم نفسه ، لم يكن مكيافلياً ، بالنحوالذي تفهم به المكيافلية اليوم !
كتابه " الأمير " كتاب صغير الحجم ، يحتوي علىمادة شيقة ، تبحر بالقارئ في خضم التاريخ ، وتستخرج دروساً بليغة منه . تيسر فهمالسياسة ، وادراك أسرار صناعة قراراتها ، ولكن الكتاب مع ذلك ، قلما يحظى بقراءجادين يسعون لتدبره في هذ الزمان .
معظم دارسي الفلسفة والسياسة يكتفون بقراءةمكيافلي في سياقه التاريخي الذي تضعه فيه ملخصات كتب الفلسفة والعلوم السياسية . أما عامة المثقفين فقد اكتفوا بفهم المعنى الإصطلاحي المشتق من اسمه ، والجاريمثلاً بين الناس ، لوصف بعض أنماط السلوك الانتهازي النفعي الذميم .
انتهازي أممبدئي ؟
افتراضنا يقوم على أن مكيافلي لم يكن مكيافلياً كما يظن الناس . إنه لميكن " نفعياً " ، " انتهازياً " ، وإنما كان " مثالياً " ، " مبدئياً " صميماً ،يهدف إلى تمثل وتحقيق مبادئ وقيم وأهداف الناس القومية العليا ، ويروم خيرهم ، كمايتصوره هو، لا كما يتصورونه هم، بكل سبيل!
صحيح أن مكيافلي برر استخدام كثير منالفظائع ، بل دعا ، وحرض على ارتكاب كثير منها ، ولكن ذلك التبرير والتحريض لميكونا مبذولين لكل من يريد أن يرتكب تلك الفظائع ، ولا لكل من يتذرع بكل وسيلة ،للوصول لأية غاية ، إنما يبذل ذلك فقط للحاكم القوي ، المرجو لتحقيق منافع عظمى ،مثل تحقيق الاستقرار ، وبناء الوحدة الوطنية ، وتوطيد أسس التنمية والعمران . أماالحاكم الضعيف العاجز، فلا يبيح له مكيافلي ارتكاب أي أخطاء ، ولا الجنوح لأي تعدأو إرهاب.
كان مكيافلي رجلاً وطنياً ، يتأجج بالوطنية ، ويغلبه الحرص على مصالحأمته ، ويؤرقه النظر إلى تناحر الوحدات الأساسية الخمس بإيطاليا : " نابلي ، وروما، والبندقية ، وفلورنسا ، وميلانو " ، ويأسى لما يشاهده من إحتراب وتآكل . في حينكانت الدول الأخرى كفرنسا وألمانيا تشهد آيات التوحيد والاستقرار والازدهار . وقددفعه ذلك لتقصي أسباب حيازة الدول للوحدة والقوة .
كان مدخله لذلك فلسفةالتاريخ وهكذا دلف إلى جماعة من المؤرخين الغابرين ، واغتذى من تأملاتهم ، ودونخلاصات من تلك التأملات في كتاب " الأمير " الذي يقول إنه درس فيه موضوع القوة ،بأقصى ما يستطيع من العناية والاتقان ، وقد كان كتابه متقناً فعلاً ، لأنه كانخلاصة شديدة التركيز لما تناثر في بطون كتب المؤرخين وفلاسفة التاريخ .
أبرز مااستقصى مكيافلي من دروس التاريخ كانت قصة الراهب " سافونارولا " الذي وحد ممالكإيطاليا وحدة هشة ، وحكمها باللين واللطف والتسامح ، فكان مصير تلك الوحدة الانهيارالسريع . لذا دعا مكيافلي ، إلى بروز زعيم إيطالي جديد ، على غير تلك الشاكلة ،زعيم مهاب ، معروف بالبطش ، يستطيع بقوته أن يحافظ على وحدة إيطاليا ، ويرهب كل منيفكر في تقويضها ابتداءً .
فكرة البعث الإيطالي ، أو بعث الدول المتناحرةوالمندحرة ، وتوحيدها ، جوهر ما اعتنى به مكيافلي . وهنا فقط أباح للحاكم استخداموسائل شائنة ، ولكنه لم يقل مطلقاً أن " الغاية تبرر الوسيلة " كما ينسب إليه . ولميبح للحاكم أن يستخدم سائر الوسائل الشائنة حتى في سبيل تلك الغاية الأسمى . إنهبالمقابل نصح بقوة وصراحة بعدم استخدام بعض الوسائل مهما تكن الغايات المرجوة منورائها ، فقد أوصى الحاكم مثلاً ألا يطمع في مصادرة ممتلكات مواطنيه ، لأن ذلك وإنكان في مصلحة الحاكم ، إلا أنه لا يكون في مصلحة الدولة . " إن الإنسان أسرع إلى أنيغفر مقتل والده ، منه إلى الصفح عن مصادرة ميراثه عنه " ، هذه هي إحدى نصائحمكيافلي للحكام . فالحاكم الفطن قد يقتل ، ولكنه لا ينهب ، وإن قتل فإنما يقتللتوفير الأمن ولرعاية أملاك الناس وأرواحهم ، فالغرض من البطش هو المحافظة علىالقوة السياسية وزيادتها ، والمعيار الذي يقوم به البطش هو مدى نجاحه في تحقيق تلكالغاية ، لا مدى نجاحه في إرعاب وإرهاب الناس ، أو تمكين الحاكم في كرسي الحكم .
إفساد الناس وتوهين قواهم الروحية والوطنية لم يكن ينسجم مع أفكار مكيافلي ،فقيم البساطة ، والطهر ، والولاء ، والأمانة ، والجلد ، والمثابرة في أداء الواجبات، قيم لا يجوز التضحية بها لأي غاية من الغايات ، مهما سمت .
غريب جداً أنمكيافلي كان يؤمن بالديموقراطية والقيم التي تتطلبها ، وتستتبعها . وقد لا يبدو ذلكواضحاً في " الأمير " ، إنما في كتب أخرى كـ " المطارحات " حيث يشير صراحةً إلى أنحكومة الجماهير ، التي نالت حظاً طيباً من التعليم ، وحكمت بقوانين صالحة ، هي أفضلمن حكومة الحاكم المستبد ، حتى ولو كان متقيداً بالقوانين ، وحيث يؤكد أن الجماعةيمكنه إجراء التغييرات المطلوبة ، والتواؤم مع الظروف المتبدلة ، أكثر من حكم الفرد، وحيث ينادي بالدستور المختلط مثلما نادى به من قبل أفلاطون في " القوانين " ،وأرسطو في " السياسة " ، وشيشرون في " الجمهورية " ، ومثلما نادى به من بعد فلاسفةكثر خلال وبعد عصر النهضة الأوربية .
لا يضحي بالفضائل :
هنالك فضائل كثيرةيدعو مكيافلي إلى المحافظة عليها وعدم التضحية بها ، وهي ما يسمى اليوم بالفضائل أوالأخلاق المدنية او الاجتماعية . لأنها تتصل بأداء الدولة وترقيتها في مضمارالحضارة ، فذلك هو الهدف الذي كتب من أجله كتاب ( الأمير ) .
كان مكيافلي يلاحظأن مجتمعه قد وصل إلى درجة رقي حضاري هائلة ، من حيث لا يتصل الأمر بالدولة أوالنظام السياسي ، ففي ذلك العصر بالذات كانت إيطاليا عامة ، وفلورنسا خاصة ، مركزإشعاع للعلم والفن ، على مدى أوربا كلها ، حيث برع العباقرة الأفذاذ من أمثاليوبتشللي ، ومايكل أنجلو ، وليوناردو دا فنشي ، وغيرهم ، ولم يبق إلا أن يبرزعباقرة جهابذة أمثالهم ، على الصعيد السياسي ، لتقف إيطاليا على قدميها ، ولتواصلمشواراً للنمو الصحي . وهكذا كان مكيافلي حريصاًً على ذلك الرصد الحضاري العلميالفني الأدبي ، وضنيناً على التضحية به في سبيل غايات الحكام .
وإذ أباحمكيافلي القسوة للحكام ، فإنه لم يبح ذلك لأتباعهم من الوزراء والموظفين وعمومالرعية ، وهو عموماً لم يكن يخاطب هؤلاء ، إنما كتب كتابه أساساً للأمير وللأميرفقط . وكتب في إهدائه إليه تلك العبارة الطريفة : " إن الذي يستطيع تصوير ورسمالجبل الشامخ ، هو الواقف في السهل . ولذلك فإن فهم الشعب يقتضي أن يكون الإنسانأميراً ، وفهم طبيعة الأمراء يستلزم أن يكون الإنسان مواطناً عادياً ، وهكذا فإننيوإن كنت من غمار الشعب ، ولست في العير ولا في النفير ، فإنني جدير بتقديم هذهالوصايا والدروس إليك " ! ! ..
أما المواطنين فهم غير معنيين بنصائحمكيافلي ، ولذلك فلا يحق لهم ما يحق للحكام ، فلا يحق لهم أن يستخدموا القسوة ،وأساليب البطش ، ولا أن يتجاوزوا القانون ، ولا أن يسعوا لتحقيق مصالحهم الخاصة علىحساب الآخرين ، بل إنه شدد على الحاكم أن يفرض على المواطنين القوانين اللازمة ،بهدف إلزامهم برعاية المصلحة العامة . والامتناع عن الأساليب الخسيسة ، كما دعالتصميم دستور يمنع ظهور أي مراكز قوة أو جماعات ضغط بالتعبير الحديث ! لأن ظهور مثلتلك القوى من شأنه أن يؤدي إلى هدم التوازن الذي تقوم عليه الدولة ، وكان لا يملالتذكير بأن حماية الحرية يلزمها الحذر الدائم والضرب على نذر الفساد والفوضى ، قبلأن تذر قرنها في المجتمع .
من هذه الناحية الأخيرة لم يكن لغلظة مكيافلي منحدود ، فقد اعترض على آراء المفكر الروماني " سينيكا " القائل بأن الحاكم ينبغي ألايستخدم الشدة ، إلا عندما يطفح الفساد في الأرض وتبرز الأخطاء الجسيمة ، التي تهددأمن المجتمع . وفي رأي مكيافلي فإن ذلك فهم مغلوط للأمور ، فعلى الحاكم أن يبدأعهده باطشاً ، لأن الشر طبيعة في النفس الإنسانية ، ولا يجدر بالحاكم أن ينتظر حتىتتعرى طبيعة البشر عن الشر ، وإنما أن يبادر بردع الناس عنه ، فيبدي بأساً شديداً ،بصب دفعة عنيفة من الفظاعة ، تصبح أمثولة وأحدوثة ، وتكفي لردع الناس إلى مدى طويلوقد فصل مكيافلي في ذلك تفصيلات سخيفة عندما تحدث عن كيفية إيقاع الأذى بطريقةبارعة ، كما قال ، ولكنه لم يقصد بذلك إلا إلى مجرد حسم الشر والفساد . وكتاب ( الأمير ) كان موجهاً للحاكم الذي ينشئ دولة جديدة ، وليس لكل الحكام كما يظن البعض، ولذلك فهو يريد أن يحسم مادة التحلل والإفساد ، منذ أول عهد نشأة الدولة والنظامالسياسي ، حتى لا تصبح مكافحة الفساد برنامجاً يشغل ذلك الحاكم المبتدئ طويلاً .
الفساد ظل موضع محاربة مكيافلي بلا هوادة ، أما الفساد الأكبر المتمثل فيالخيانة الوطنية ، فقد كان ذلك عنده بمثابة الشرك الأعظم ، إذ لم يكن مكيافلي يؤمنبالدين ، وإنما بالوطن وحسب . لذا فإن من أخطأ الخطأ أن ينسب من يبيعون أوطانهم ،أو يفرطون في مصالحها ، إلى مكيافلي ، أو أن يوصفوا بالمكيافلية . كان مكيافلي يقدسوطنه ، وأقام على أساس حمايته وخدمته جل فلسفته . أما من يوصفون بالمكيافلية اليوممن السياسيين ، وما أكثرهم ، فالوطن هو أرخص شئ لديهم . وهم على استعداد لبيعهفوراً ، أو على التقسيط ، بمزادات وتخفيضات هائلة تغري كل عدو
من مواضيعي
0 حول تصريحات المتطرفة مارين لوبان...
0 حول تصريحات المتطرفة مارين لوبان...
0 سنة بعد انتخاب مجلس الشعب !
0 احتجاجات البطالة في الجنوب ...؟!
0 البرلمان و الكرة...
0 شبيبة الساورة نمودج يستحق التحية
0 حول تصريحات المتطرفة مارين لوبان...
0 سنة بعد انتخاب مجلس الشعب !
0 احتجاجات البطالة في الجنوب ...؟!
0 البرلمان و الكرة...
0 شبيبة الساورة نمودج يستحق التحية
التعديل الأخير تم بواسطة kanon20008 ; 21-08-2009 الساعة 06:33 PM








