غسان بن جدو يجتاز الاسلاك الشائكة الى فلسطين
03-03-2009, 10:28 AM
غسان بن جدو يجتاز الاسلاك الشائكة الى فلسطين: قراءة في حلقات 'حوار مفتوح' عن غزة
.
من يخترق حواجز الزمن، ويجتاز الأسلاك الشائكة بين الأطوار الحضارية ليلج إلى المستقبل عبر سور الصين العظيم، فيخلق مناخا ثقافيا معتدلا بين شرقين أحدهما متوسط والآخر أقصى، ويشرع أفق الحوار المعرفي والإنساني، ضمن حلقات تبادل فكري، مسجلا بذلك سبقا ثقافيا يبلور الرؤية الإعلامية ليخرج بها من دائرة الأداء المهني المتفوق - وحسب - ليدرجها ضمن الأولويات الأخلاقية، فيحيلها إلى رسالة، أقول من ينجح بذلك فلا يمكن له أن يعود من رحلة المعابر المغلقة والأبواب الموصدة أمام غزة من دون غزة!
منذ أن صرح غسان بن جدو على الهواء مباشرة في حلقة السبت قبل الماضي أن هنالك مفاجأة تنتظرالمشاهد في حلقة السبت 'الماضي' حدست ُ بأن بن جدو عبر إلى غزة أخيرا، وأن المفاجأة التي وعد بها هي أجمل خبر غير معلن على الإطلاق.
في حقيقة الأمر لم أكن أتابع رحلة انتظار بن جدو لتصريح العبور فحسب، ولا كنت أتابع رحلة صموده البطولي في وجه الذرائع الرسمية، فقط، إنما كنت أتوق لرحلة الوصول، وبي ثقة أن الرسالة لابد لها أن تحقق الهدف، والهدف إذ يسمو في جوهره فإنه بالضرورة يتخطى منطق الماراثونات الإعلامية والتنافس الوظيفي، فإن كان الصمود سبيل الوصول يعني 'الوصول هو الغاية التي تبرر الصمود' فإن الطريق إلى فلسطين ليست أجمل من فلسطين أبدا، على طريقة 'أوديسيوس' ففلسطين ليست إيثاكا، ولا يمكن أن يستعاض عنها بالطريق إليها. الطريق وحدها لا تكفي لأن الرحلة هي الوصول لا محاولة الوصول! ولأن بلوغ الهدف رياضة أخلاقية تؤسس لعرف حياتي فلا بد أن القفز على سلم النار يعكس مهارة الضوء باقتفاء دسائس سياسية تحاك في ردهات معتمة، وقهر الدسيسة هو كشف لعوراتها.
برنامج 'حوار مفتوح' الذي تبثه قناة 'الجزيرة' مساء كل يوم سبت، يعده ويقدمه غسان بن جدو، يطرح فيه قضايا ساخنة تدور ضمن محاور ثلاثية الأبعاد وترتكز على:
الهوية العربية والإسلامية، ثم الإصلاح والديمقراطية والحريات العامة ' وهذا يحتضن أي ملف حقوقي وإنساني ونضالي '
المقاومة ورفض الهيمنة والاحتلال والذي يعتمدها البرنامج كلازمة سياسية، بل إنها تكاد تكون إحدى أهم أولوياته الإعلامية والفكرية والسياسية بطبيعة الحال.
الحوار والتسامح ورفض التطرف الديني والتعصبات المذهبية والإلغاء الفكري أو الإقصاء الثقافي.
إلا أن حلقات غزة كانت استثناء حقيقيا، رغم ان 'الجزيرة' أوقفت جميع برامجها خلال الحرب لتقوم بالتغطية المباشرة لأحداث غزة على مدار الساعة، إلا أن البرنامج - وضمن استيراتيجيته الخاصة - استطاع أن يواكب جراح غزة، ويشاركها صمودها في وجه المعابر المدججة بحراس الحدود والشمع الأحمر.
المكر واجب!
كان باديا على بن جدو في أولى حلقاته بعد حرب غزة، ضيق شديد، لعدم السماح له بالعبور إليها، خاصة أن القناة، كانت تبث إعلانها على مدار أسبوع، عن برنامج 'حوار مفتوح' في حلقة مباشرة من غزة، ورغم ذاك فإن بن جدو لم يفقد توازنه ولا بديهته ولا حسن إدارته لمادته، ولا حتى مكره الهادئ والأليف، وحنكته المعهودة، كلها مقومات لشكيمة فولاذية، لا يوهن من عزيمتها وهن مهما بلغ جبروته.أما المكر فهو عند الإعلامي المحترف واجب لابد من تأديته على أكمل وجه، لأن فيه جانبا توعويا يكرس ضرورته، وبه يستطيع ترويض غضبه، وكظم غيظه، في مواجهة التعسف السياسي، والمراوغات الرسمية، وكنت سأقول أن المكر يساعد على ترويض العدو، إلا أنني عدلت عن هذا، لأن هذه الرسالة السامية لا تتعامل بمبدأ المصلحة.
'القاهرة هي قاهرة المعز عاصمة بلد مصر، مصر العربية الكبرى' لاحظ نبرة التحدي - في مقدمة بن جدو لنواطير مصر التي تعززها ثقة حاسمة بمصر، أليس هذا مكرا ملغوما بالحس التوعوي؟ وهو غير التحريض بالمناسبة لأنه استنهاض لأهل الثقة لا إذكاء للفتنة، ألسنا نشهد مدى الانفصام التام بين الشارع المصري والقرار الرسمي في مصر؟ وهذا تحديدا ما تراه في حلقة المعبر، حيث تم تسجيل الحلقة التالية من امام معبر رفح، أساتذة جامعات مصريين، وعلماء مصريين، ومهندسين مصريين،' وفد بعثة أساتذة الجامعات المصرية ' كلهم أبطال مصريون تركوا منازلهم واهلهم ووظائفهم، وحياتهم الآمنة وراءهم ليرابضوا أمام المعبر عله يتم السماح لهم بالعبور ليقدموا ما في جعبتهم من وسائل تعين إخوتهم في غزة على مصيبة الحرب وتسندهم في محنتهم وتناصرهم في عزلتهم.
وللقارئ الكريم بعض الأمثلة: ' الدكتور علي بركات من جامعة الاسكندرية يقول: نحن مصريون ممنوعون من التحرك حتى فوق أرض مصرية 'ورئيس نادي أساتذة الجامعات المصرية: 'أنا مش محتاج اكون مصري علشان أروح أساعد أهلنا في غزة'..'إحنا قاعدين معانا سجادة وقاعدين على الرصيف، حسبي الله ونعم الوكيل في من منع دخولنا لمساعدة اهلنا في غزة' وهو إذ يعبر عن وطأة القهر التي يرزح تحتها الضمير المصري، تبعا لتعنت السلطات الرسمية، فإنه وفي ذات اللحظة يرسخ إرادته المتمثلة بقراره الإنساني في التصميم على العبور وعدم الاستسلام للقهر.هذا الاستاذ الجامعي يلخص لك أيضا طبيعة العلاقة بين الاستبداد والنخبة الثقافية والعلمية في المجتمع المصري: 'إحنا معانا فكرة معمارية واخذة جائزة آغا خان للعمارة، ممكن تبني في يومين بيتا مساحته خمسين مترا من أكياس البلاستيك والرمل لإيواء الأطفال والنساء والشيوخ من البرد القارس' عداك عن علماء مختصين بتشخيص خطر المباني الآيلة للسقوط، ثم علماء للبيئة مختصين بـ 'إعادة تدوير انقاض مواد البناء' وعلماء الأراضي الذين يسعون لاستكشاف مواد القذائف وخطرها على الانسان والنبات بالتالي تقنينها والحد منها بطرقهم العلمية الخاصة، وغيرهم أفكار كهذه لماذا يتم مصادرتها؟ ألا يعد هذا استهتارا بالعقل المصري؟ تحجيما لطاقاته وإمكانياته؟ ألا تعدهذه السلوكيات القمعية نمطا دكتاتوريا يحد من فعالية الفكر؟ ويئد النظرية العلمية في مهدها؟ إنها الألاعيب التي يرفضها الشعب المصري نفسه لأنها حيكت ضده قبل ان تحاك ضد أخيه الفلسطيني.
حوار له هدف
برنامج 'حوار مفتوح' لا يحاور لأنه فقط يحاول أن يستوعب مسألة ما، لأنه إذ يستوعب اوّلا يستطيع أن يكون محاورا بارعا، فالفهم العميق يعين على حوار ذكي، يدرك غايته ويحقق أهدافه، الحوار هنا يمكن له أيضا أن يكون هدفا رغم انه وفي الوقت نفسه وسيلة، لا تسعى للوصول إلى الحقيقة فقط، بل تتجاوزها إلى ماورائها، لأن الحقيقة وحدها قد لا تكفي دائما، الحقيقة التي لابد لها أن تبتعد عن كونها خبر يتم زجه في الأرشيف الفضائي بعد انتهاء صلاحيته، لتكتسب مفهوما أطول عمرا تجسده نبوءة إعلامية قادرة على تقصي حقائق لم تولد بعد وهذه ما يمكن ان نطلق عليها حقيقة الحقيقة!
أما وقد وصل غسان بن جدو غزة قبيل الفجر، فإنه ظفر بكلتا الحسنيين 'الصمود والوصول'!
كان نائما فما ان أيقظه أحد زملائه ليخبره عن وصولهم حتى بدا التأثر عميقا عليه، فالدمعة قاب قوسين أو هي أدنى، بعد مغالبة النفس سجد على أرض غزة وقبل ثراها، إذ دخلها دخول المنتصرين، حدث أهلها، وقاسمهم رغيف صبحهم وفاكهة التراب، ثم مضت السيارة تجوب غزة وقد بدت آثار الحرب واضحة، الحرب لا زالت هناك، ليست ظلالها ولا متاعها الفسفوري أو دمارها فقط، الحرب لم تزل هناك لان الضحية لم ترفع بعد رايتها البيضاء!
مقاومون أشاوس، يحدثونك بما لا يخطر ببال بشر، فالمعركة ليست بنتائجها، إنما بأسرارها وخفاياها!
لن تندهش لما تعرف أن الفيلق الذي حاوره غسان بن جدو كان من كتائب عز الدين القسام، ذاك الذي جاء من الشام إلى فلسطين ليؤجج ثورة ضد المحتل في بدايات القرن العشرين، إذ كانت جنين معقل ثورته، ولن تتفاجأ ايها القارئ الكريم لو علمت أن القناة البريطانية الرابعة قامت ببث برنامج خاص في ذكرى وعد بلفور تتحدث فيه عن هذا الثائر البطل بصفته إرهابيا، وعزت الفضل لبلفور بتخليص فلسطين من أمثاله، إذ منح لليهود حقا فيها يتجلى بتطهيرها من الإرهاب والتخلف! لا جديد تحت شمس التاريخ الحارقة، فالتاريخ يعيد بلفوره، وكتائب القسام، من غزة هذه المرة، في برنامج 'حوار مفتوح'، بعد مضي ما يقارب قرنا من الزمان.
لن تنتظر أن تسمع منهم خطابا دينيا ولا رواية لتفاصيل المعركة، أو تحليلات عسكرية ولا حتى مشاهد غائبة عن عين الكاميرا أو ماشابه، إنك تندهش إذ تتابع حديثا عاديا خاليا من الفبركة أو التضخيم أو الفخفخة الذاتية إن جاز التعبير، حديثا آمنا مطمئنا تلقائيا وعميق المرمى يقول لك باختصار، 'نحن تبعنا الوحش، والوحش خاف منا وهرب مذعورا، فضحكنا وضحكنا وضحكنا على الخوف' وهذا هو النصر، إنه الطمأنينة التي تعززها ثقة حاسمة بالحق فتشحن النفس بالصبر والمرابضة، لتغدو المعركة في عرف المقاومة معركة إيمان وتحدي يخوضها المقاوم مع ذاته ليختبر بها مقدرته على الصبر والمواجهة، بينما يتجلى تحدي الذات عند الجندي الاسرائيلي باعتباره اختبارا لمقدرته على الهرب، وشتان بين ثقافة وأخرى!
الزمن هدف ايضا!
وإذ ركزت حلقة الوصول على الجانب النفسي لدى المقاوم الفلسطيني مسلطة الضوء على المعركة النفسية التي يخوضها مع التحديات المختلفة، فإنه في حلقة هذا السبت انتقل إلى الجانب الميداني، ليدنمك 'من ديناميكة' أثر الإيمان على الثبات في لحظة المواجهة الحاسمة، وربما كان القناصة وهم يشرحون استيراتيجية التعامل مع الهدف من وجهة نظر مدروسة يعكسون خبرة نابعة من علم ودراية، فهناك المعرفة التي أبداها أولئك المقاومون بأسلحتهم من حيث المدى الذي تصل إليه الطلقة، والأثر الناجم عنها مرتبطا بالمسافة، وكون الزمن عاملا حيويا أو جامدا بالتعامل مع ثقافة القنص، لتدرك أن الزمن هدف لابد من اقتناصه لحظة التصويب أيضا. عليك أن توقن هنا أن هؤلاء ليسوا مجموعة مسلحين أو مؤمنين وحسب إنهم نطاق عسكري هائل مشحون بطاقة الإيمان، يخبر عدوه وهدفه ونفسه، فكيف لا يكون الصمود نصرا أمام عدو يتقن الفرار من وجه الثبات. محاورة المقاومين جاءت مصحوبة بتسجيلات لتلك اللقطات مما يعزز الرواية بالأدلة الثبوتية، ويعكس حقيقة الشجاعة، التي تغلب الخيانات، مهما علت رتبها أو مناصبها الرسمية، فالجبهة الحقيقية لم تكن تلك التي تواجه فلولا، بل تلك التي تصمد في وجه إخوة غرماء يرثون التاريخ ذاته الذي أضاع فلسطين منذ ما قبل النكبة!
وقف بن جدو أمام مدفعيات اسرائيلية تثير الغبار خلفها هي تسير كشريط حدودي ساخن لقطاع يغلي بالعنفوان وقف تحت سماء مدججة بطائرات العدو الاستطلاعية وسط دمار حزين، وأرض محروقة، وآثار أقدام لأشجار اعتادت ان تتمشى بين البيوت كي تطمئن على التين والزيتون فوق موائد جائعة! أطلال تحيط بها مخيمات تحد الدمار من كل الجهات وهي لم تزل رابضة في مكانها كشاهد عيان على جريمة الترانسفير القسري في حق شعب يخلق استيراتيجيته الخاصة للمقاومة والصمود.
كانت هذه وقفة أيضا مع بطولة إعلامية صمدت صمود المناضلين في ساحة أخرى لمعركة من نوع خاص، معركة مع زمن جبان، وما أصعب أن تعارك جبانا، فيا زمن خاسر ليس مطلوبا منك أن تصفق ولا أن تنحني ولا أن تنهزم أمام الأبطال، بل مطلوب منك أن تتعلم منهم البطولة كي تكون جديرا بهم.
' كاتبة وشاعرة فلسطينية ـ لندن
.
.
من يخترق حواجز الزمن، ويجتاز الأسلاك الشائكة بين الأطوار الحضارية ليلج إلى المستقبل عبر سور الصين العظيم، فيخلق مناخا ثقافيا معتدلا بين شرقين أحدهما متوسط والآخر أقصى، ويشرع أفق الحوار المعرفي والإنساني، ضمن حلقات تبادل فكري، مسجلا بذلك سبقا ثقافيا يبلور الرؤية الإعلامية ليخرج بها من دائرة الأداء المهني المتفوق - وحسب - ليدرجها ضمن الأولويات الأخلاقية، فيحيلها إلى رسالة، أقول من ينجح بذلك فلا يمكن له أن يعود من رحلة المعابر المغلقة والأبواب الموصدة أمام غزة من دون غزة!
منذ أن صرح غسان بن جدو على الهواء مباشرة في حلقة السبت قبل الماضي أن هنالك مفاجأة تنتظرالمشاهد في حلقة السبت 'الماضي' حدست ُ بأن بن جدو عبر إلى غزة أخيرا، وأن المفاجأة التي وعد بها هي أجمل خبر غير معلن على الإطلاق.
في حقيقة الأمر لم أكن أتابع رحلة انتظار بن جدو لتصريح العبور فحسب، ولا كنت أتابع رحلة صموده البطولي في وجه الذرائع الرسمية، فقط، إنما كنت أتوق لرحلة الوصول، وبي ثقة أن الرسالة لابد لها أن تحقق الهدف، والهدف إذ يسمو في جوهره فإنه بالضرورة يتخطى منطق الماراثونات الإعلامية والتنافس الوظيفي، فإن كان الصمود سبيل الوصول يعني 'الوصول هو الغاية التي تبرر الصمود' فإن الطريق إلى فلسطين ليست أجمل من فلسطين أبدا، على طريقة 'أوديسيوس' ففلسطين ليست إيثاكا، ولا يمكن أن يستعاض عنها بالطريق إليها. الطريق وحدها لا تكفي لأن الرحلة هي الوصول لا محاولة الوصول! ولأن بلوغ الهدف رياضة أخلاقية تؤسس لعرف حياتي فلا بد أن القفز على سلم النار يعكس مهارة الضوء باقتفاء دسائس سياسية تحاك في ردهات معتمة، وقهر الدسيسة هو كشف لعوراتها.
برنامج 'حوار مفتوح' الذي تبثه قناة 'الجزيرة' مساء كل يوم سبت، يعده ويقدمه غسان بن جدو، يطرح فيه قضايا ساخنة تدور ضمن محاور ثلاثية الأبعاد وترتكز على:
الهوية العربية والإسلامية، ثم الإصلاح والديمقراطية والحريات العامة ' وهذا يحتضن أي ملف حقوقي وإنساني ونضالي '
المقاومة ورفض الهيمنة والاحتلال والذي يعتمدها البرنامج كلازمة سياسية، بل إنها تكاد تكون إحدى أهم أولوياته الإعلامية والفكرية والسياسية بطبيعة الحال.
الحوار والتسامح ورفض التطرف الديني والتعصبات المذهبية والإلغاء الفكري أو الإقصاء الثقافي.
إلا أن حلقات غزة كانت استثناء حقيقيا، رغم ان 'الجزيرة' أوقفت جميع برامجها خلال الحرب لتقوم بالتغطية المباشرة لأحداث غزة على مدار الساعة، إلا أن البرنامج - وضمن استيراتيجيته الخاصة - استطاع أن يواكب جراح غزة، ويشاركها صمودها في وجه المعابر المدججة بحراس الحدود والشمع الأحمر.
المكر واجب!
كان باديا على بن جدو في أولى حلقاته بعد حرب غزة، ضيق شديد، لعدم السماح له بالعبور إليها، خاصة أن القناة، كانت تبث إعلانها على مدار أسبوع، عن برنامج 'حوار مفتوح' في حلقة مباشرة من غزة، ورغم ذاك فإن بن جدو لم يفقد توازنه ولا بديهته ولا حسن إدارته لمادته، ولا حتى مكره الهادئ والأليف، وحنكته المعهودة، كلها مقومات لشكيمة فولاذية، لا يوهن من عزيمتها وهن مهما بلغ جبروته.أما المكر فهو عند الإعلامي المحترف واجب لابد من تأديته على أكمل وجه، لأن فيه جانبا توعويا يكرس ضرورته، وبه يستطيع ترويض غضبه، وكظم غيظه، في مواجهة التعسف السياسي، والمراوغات الرسمية، وكنت سأقول أن المكر يساعد على ترويض العدو، إلا أنني عدلت عن هذا، لأن هذه الرسالة السامية لا تتعامل بمبدأ المصلحة.
'القاهرة هي قاهرة المعز عاصمة بلد مصر، مصر العربية الكبرى' لاحظ نبرة التحدي - في مقدمة بن جدو لنواطير مصر التي تعززها ثقة حاسمة بمصر، أليس هذا مكرا ملغوما بالحس التوعوي؟ وهو غير التحريض بالمناسبة لأنه استنهاض لأهل الثقة لا إذكاء للفتنة، ألسنا نشهد مدى الانفصام التام بين الشارع المصري والقرار الرسمي في مصر؟ وهذا تحديدا ما تراه في حلقة المعبر، حيث تم تسجيل الحلقة التالية من امام معبر رفح، أساتذة جامعات مصريين، وعلماء مصريين، ومهندسين مصريين،' وفد بعثة أساتذة الجامعات المصرية ' كلهم أبطال مصريون تركوا منازلهم واهلهم ووظائفهم، وحياتهم الآمنة وراءهم ليرابضوا أمام المعبر عله يتم السماح لهم بالعبور ليقدموا ما في جعبتهم من وسائل تعين إخوتهم في غزة على مصيبة الحرب وتسندهم في محنتهم وتناصرهم في عزلتهم.
وللقارئ الكريم بعض الأمثلة: ' الدكتور علي بركات من جامعة الاسكندرية يقول: نحن مصريون ممنوعون من التحرك حتى فوق أرض مصرية 'ورئيس نادي أساتذة الجامعات المصرية: 'أنا مش محتاج اكون مصري علشان أروح أساعد أهلنا في غزة'..'إحنا قاعدين معانا سجادة وقاعدين على الرصيف، حسبي الله ونعم الوكيل في من منع دخولنا لمساعدة اهلنا في غزة' وهو إذ يعبر عن وطأة القهر التي يرزح تحتها الضمير المصري، تبعا لتعنت السلطات الرسمية، فإنه وفي ذات اللحظة يرسخ إرادته المتمثلة بقراره الإنساني في التصميم على العبور وعدم الاستسلام للقهر.هذا الاستاذ الجامعي يلخص لك أيضا طبيعة العلاقة بين الاستبداد والنخبة الثقافية والعلمية في المجتمع المصري: 'إحنا معانا فكرة معمارية واخذة جائزة آغا خان للعمارة، ممكن تبني في يومين بيتا مساحته خمسين مترا من أكياس البلاستيك والرمل لإيواء الأطفال والنساء والشيوخ من البرد القارس' عداك عن علماء مختصين بتشخيص خطر المباني الآيلة للسقوط، ثم علماء للبيئة مختصين بـ 'إعادة تدوير انقاض مواد البناء' وعلماء الأراضي الذين يسعون لاستكشاف مواد القذائف وخطرها على الانسان والنبات بالتالي تقنينها والحد منها بطرقهم العلمية الخاصة، وغيرهم أفكار كهذه لماذا يتم مصادرتها؟ ألا يعد هذا استهتارا بالعقل المصري؟ تحجيما لطاقاته وإمكانياته؟ ألا تعدهذه السلوكيات القمعية نمطا دكتاتوريا يحد من فعالية الفكر؟ ويئد النظرية العلمية في مهدها؟ إنها الألاعيب التي يرفضها الشعب المصري نفسه لأنها حيكت ضده قبل ان تحاك ضد أخيه الفلسطيني.
حوار له هدف
برنامج 'حوار مفتوح' لا يحاور لأنه فقط يحاول أن يستوعب مسألة ما، لأنه إذ يستوعب اوّلا يستطيع أن يكون محاورا بارعا، فالفهم العميق يعين على حوار ذكي، يدرك غايته ويحقق أهدافه، الحوار هنا يمكن له أيضا أن يكون هدفا رغم انه وفي الوقت نفسه وسيلة، لا تسعى للوصول إلى الحقيقة فقط، بل تتجاوزها إلى ماورائها، لأن الحقيقة وحدها قد لا تكفي دائما، الحقيقة التي لابد لها أن تبتعد عن كونها خبر يتم زجه في الأرشيف الفضائي بعد انتهاء صلاحيته، لتكتسب مفهوما أطول عمرا تجسده نبوءة إعلامية قادرة على تقصي حقائق لم تولد بعد وهذه ما يمكن ان نطلق عليها حقيقة الحقيقة!
أما وقد وصل غسان بن جدو غزة قبيل الفجر، فإنه ظفر بكلتا الحسنيين 'الصمود والوصول'!
كان نائما فما ان أيقظه أحد زملائه ليخبره عن وصولهم حتى بدا التأثر عميقا عليه، فالدمعة قاب قوسين أو هي أدنى، بعد مغالبة النفس سجد على أرض غزة وقبل ثراها، إذ دخلها دخول المنتصرين، حدث أهلها، وقاسمهم رغيف صبحهم وفاكهة التراب، ثم مضت السيارة تجوب غزة وقد بدت آثار الحرب واضحة، الحرب لا زالت هناك، ليست ظلالها ولا متاعها الفسفوري أو دمارها فقط، الحرب لم تزل هناك لان الضحية لم ترفع بعد رايتها البيضاء!
مقاومون أشاوس، يحدثونك بما لا يخطر ببال بشر، فالمعركة ليست بنتائجها، إنما بأسرارها وخفاياها!
لن تندهش لما تعرف أن الفيلق الذي حاوره غسان بن جدو كان من كتائب عز الدين القسام، ذاك الذي جاء من الشام إلى فلسطين ليؤجج ثورة ضد المحتل في بدايات القرن العشرين، إذ كانت جنين معقل ثورته، ولن تتفاجأ ايها القارئ الكريم لو علمت أن القناة البريطانية الرابعة قامت ببث برنامج خاص في ذكرى وعد بلفور تتحدث فيه عن هذا الثائر البطل بصفته إرهابيا، وعزت الفضل لبلفور بتخليص فلسطين من أمثاله، إذ منح لليهود حقا فيها يتجلى بتطهيرها من الإرهاب والتخلف! لا جديد تحت شمس التاريخ الحارقة، فالتاريخ يعيد بلفوره، وكتائب القسام، من غزة هذه المرة، في برنامج 'حوار مفتوح'، بعد مضي ما يقارب قرنا من الزمان.
لن تنتظر أن تسمع منهم خطابا دينيا ولا رواية لتفاصيل المعركة، أو تحليلات عسكرية ولا حتى مشاهد غائبة عن عين الكاميرا أو ماشابه، إنك تندهش إذ تتابع حديثا عاديا خاليا من الفبركة أو التضخيم أو الفخفخة الذاتية إن جاز التعبير، حديثا آمنا مطمئنا تلقائيا وعميق المرمى يقول لك باختصار، 'نحن تبعنا الوحش، والوحش خاف منا وهرب مذعورا، فضحكنا وضحكنا وضحكنا على الخوف' وهذا هو النصر، إنه الطمأنينة التي تعززها ثقة حاسمة بالحق فتشحن النفس بالصبر والمرابضة، لتغدو المعركة في عرف المقاومة معركة إيمان وتحدي يخوضها المقاوم مع ذاته ليختبر بها مقدرته على الصبر والمواجهة، بينما يتجلى تحدي الذات عند الجندي الاسرائيلي باعتباره اختبارا لمقدرته على الهرب، وشتان بين ثقافة وأخرى!
الزمن هدف ايضا!
وإذ ركزت حلقة الوصول على الجانب النفسي لدى المقاوم الفلسطيني مسلطة الضوء على المعركة النفسية التي يخوضها مع التحديات المختلفة، فإنه في حلقة هذا السبت انتقل إلى الجانب الميداني، ليدنمك 'من ديناميكة' أثر الإيمان على الثبات في لحظة المواجهة الحاسمة، وربما كان القناصة وهم يشرحون استيراتيجية التعامل مع الهدف من وجهة نظر مدروسة يعكسون خبرة نابعة من علم ودراية، فهناك المعرفة التي أبداها أولئك المقاومون بأسلحتهم من حيث المدى الذي تصل إليه الطلقة، والأثر الناجم عنها مرتبطا بالمسافة، وكون الزمن عاملا حيويا أو جامدا بالتعامل مع ثقافة القنص، لتدرك أن الزمن هدف لابد من اقتناصه لحظة التصويب أيضا. عليك أن توقن هنا أن هؤلاء ليسوا مجموعة مسلحين أو مؤمنين وحسب إنهم نطاق عسكري هائل مشحون بطاقة الإيمان، يخبر عدوه وهدفه ونفسه، فكيف لا يكون الصمود نصرا أمام عدو يتقن الفرار من وجه الثبات. محاورة المقاومين جاءت مصحوبة بتسجيلات لتلك اللقطات مما يعزز الرواية بالأدلة الثبوتية، ويعكس حقيقة الشجاعة، التي تغلب الخيانات، مهما علت رتبها أو مناصبها الرسمية، فالجبهة الحقيقية لم تكن تلك التي تواجه فلولا، بل تلك التي تصمد في وجه إخوة غرماء يرثون التاريخ ذاته الذي أضاع فلسطين منذ ما قبل النكبة!
وقف بن جدو أمام مدفعيات اسرائيلية تثير الغبار خلفها هي تسير كشريط حدودي ساخن لقطاع يغلي بالعنفوان وقف تحت سماء مدججة بطائرات العدو الاستطلاعية وسط دمار حزين، وأرض محروقة، وآثار أقدام لأشجار اعتادت ان تتمشى بين البيوت كي تطمئن على التين والزيتون فوق موائد جائعة! أطلال تحيط بها مخيمات تحد الدمار من كل الجهات وهي لم تزل رابضة في مكانها كشاهد عيان على جريمة الترانسفير القسري في حق شعب يخلق استيراتيجيته الخاصة للمقاومة والصمود.
كانت هذه وقفة أيضا مع بطولة إعلامية صمدت صمود المناضلين في ساحة أخرى لمعركة من نوع خاص، معركة مع زمن جبان، وما أصعب أن تعارك جبانا، فيا زمن خاسر ليس مطلوبا منك أن تصفق ولا أن تنحني ولا أن تنهزم أمام الأبطال، بل مطلوب منك أن تتعلم منهم البطولة كي تكون جديرا بهم.
' كاتبة وشاعرة فلسطينية ـ لندن
.









