الهدهد
قال الله تعالى : { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * )
الهدهد ومهارات الخطاب
لقد كان في خطاب الهدهد لسيدنا سليمان عليه السلام العديد من المهارات والإبداعات التي يحسن بالشاب المسلم أن يتعلمها وهو يخاطب الآخرين .
1ـ فنلحظ أولا إيجازه للخطاب مع سليمان ، فقد جمع في أسطر معدودة قصته الطويلة مع هذه الملكة التي تعبد وقومها الشمس .
إن الهدهد يدرك أنه يخاطب ملكا ، والملوك أوقاتهم مليئة بالمشاغل وليس لديهم وقت لسماع التفاصيل والجزئيات ، ومن هنا ركز الهدهد على أصول المسائل فأوجز وأبلغ .
وعلى الشاب المسلم أن يدرك هذا ، فإذا تخاطب مع مسؤول كبير ، أو شيخ فاضل ، أو عالم جليل ، أو أخ نبيل ، إذا تخاطب مع أحد هؤلاء المليئة أوقاتهم بالعمل فعليه ألا يكون ثرثارا مهذارا ، يجعل من الحبة قبة ، ويحيل السؤال الصغير إلى قصة طويلة عريضة ، إن في هذا من إهدار وقت الفضلاء ما لا يطاق ولا يحتمل ، وإنك حين تفعل هذا أيها الأخ فستكون ثقيلا بغيضا ، لأن المقابل يشعر أنك تضيع وقته .
إذا أيها الأخ راع ظرف المخاطب ومنزلته ومكانته .
2ـ استفتح الهدهد خطابه لسليمان بشيء عجيب ، إذ قال له : { أحطت بما لم تحط به } !
إن الهدهد (( يعرف حزم الملك وشدته ، ولذلك بدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته ، وتضمن إصغاء الملك له ... وأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له : { أحطت بما لم تحط به } ؟!)) [في ظلال القرآن 5/2638]
وهكذا عليك أيها الأخ أن تكون في خطابك ذكيا ، وأن تفلح في جذب استماع المخاطب ، حتى تتمكن من إيصال رسالتك .
ولئن كان الهدهد بهذا الأسلوب يحاول أن ينجو من عقوبة ، فإنا نستخدمه ونطوره لنشر الخير والدعوة ، ذلك أن الكثيرين من العصاة حولنا لا يأنسون بكلامنا ، وينفرون من هذه المواعظ المعتادة التي تلقى ، وبمجرد أن تبدأهم بالحديث بها أو عنها فإنهم يعرضون ، ولذلك فأنت بحاجة إلى مدخل ذكي تشد به أسماعهم وتأسر ألبابهم حتى تتسلل كلمات الحق إلى قلوبهم .
أذكر أن أحد الخيرين رأى نفرا من الشباب الضائعين في مطعم ، فجاءهم وقال : هنيئا لكم أيها الشباب ! إن هذه الأرض تشهد لكم عند الله ! قالوا : كيف ؟ قال : ألستم تصلون ؟ قالوا : بلى ، قال : فالأرض تشهد لكل من صلى عليها ! لقد كان هذا مدخلا ذكيا جذب به أسماعهم وأزال الحواجز بينه وبينهم .
3ـ حين أخبر الهدهد سليمان عليه السلام بخبر بلقس وقومها وكفرهم بالله ، لم يقل لسليمان : اذهب فأمرهم بالتوحيد والسجود لله ، وإنما قال : { ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء ... } ، فالهدهد هنا ألمح بالحل ، ولم يأمر به ، اقترح ولم يفرض ، عرض ولم يصرح بالتكليف .
وبمثل هذا الأسلوب يمكن أن نكسب الناس .
إن طبيعة النفس الإنسانية أنها تنفر من الأوامر الصارمة المتعددة الجازمة ، ولذلك كان لزاما علينا ونحن نوجه الناس ونعظهم أن نجتنب صيغة الأمر المباشر ، ونحاول اللجوء لأسلوب العرض والاقتراح ... وكم بين أن تقول لشخص : ياهذا قم الليل ألا تعلم فضل قيامه ؟ إلى متى النوم والغفلة .. وبين أن تقول له : يا أخي ، لقد وفق الله المصطفين من عباده فصفوا أقدامهم بالأسحار مصلين ، فأصبحوا ووجوهم مشرقة منيرة ، ياليتنا نكون منهم .
فكن يا أخي قليل الأوامر ، ولاسيما إذا لم تكن مسؤولا .
4ـ حين أخبر الهدهد انبغاء السجود لله قال : { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } ، فاختار وصف الله بالعظمة تذكيرا لسليمان بأن هناك من هو أعظم منه ، محاولا بهذا أن يخفف من غضب سليمان عليه السلام عليه .
5ـ قال ابن القيم في قوله تعالى : { وجئتك من سبأ بنبأ يقين } : (( والنبأ هو الخبر الذي له شأن ، والنفوس متطلعة إلى معرفته ، ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب ، فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ ، استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر ، وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته ، وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج
السؤال المطروح :
مامعني الجملة -نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ؟
و حَسِبَتْهُ لُجَّةً ؟ مامعنى كلمة لجة ؟
.