نسأل الله أن يحفظ إخواننا التونسيين بجميع أطيافهم من الإنجراف خلف سيل الفتن وأن يردّ أمورهم إلى يد عقلائهم وليت الشباب المسلم المتحمس لتطبيق الشريعة يقف لحظة لتدارس مآلات خطاب التثوير وينظر في خطورة آثاره وها هي ذي مأساة الجزائر ماثلة للعيان فاعتبروا يا أولي الأبصار وهذا جواب سديد من الشيخ مختار الطيباوي على سؤال حول هذه الدعوى نرجو قراءته بتمعن ..
مخاطر الجهــــــاد البدعي (وهم الجهاد في تونس نموذجا)
الحمد لله وحده،و الصلاة و السلام على من لا نبيَّ بعده.
أما بعـــد؛
ضوابط الجهاد:
ـ هناك قاعدة شرعية هامة تعم الدين برمته، ولا تدع لأي مفكر أو عالم حرية تحديد أوليات الأمة، ومن ثم تحديد الحلول للمشاكل، وهي بموضوع الجهاد أخص، وهي:
ليس كل ما كان مستحبا أو واجبا في الشرع كالحكم بالشريعة مثلا يجوز التوسل لتحقيقه بكل طريق، فالغاية في الإسلام لا تبيح الوسيلة، و الجهاد مشروع نوعا ووصفا ،وهو من الوسائل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه قد يكون وسيلة شرعية صحيحة ،وقد يكون وسيلة بدعية محرمة.
فجهاد من لا يجوز لك جهاده بدعة، و الجهاد في غير أوان الجهاد محرم بالمآل، و الجهاد الذي يسبب للأمة و البلد الفلاني بالمشاكل و الويلات ،و الذي ليس تحت راية واحدة واضحة الشرعية،و الذي يكون بناءً على تكفير المسلمين و استباحة دمائهم فكل هذه الأنواع من الجهاد حرام.
وكذلك الذي لم يأذن فيه الحاكم ،ولا أهل العلم معه،إن كان يتعلق بالجهاد خارج الولاية هو جهاد مبتدع أيضا، ذلك أن عموم الوسائل في الشريعة الإسلامية يدعى في النهي، أي يجب الانتهاء عن المنهيات بكل وسيلة ممكنة، لان النهي من قبيل الترك، ومعلوم أن الترك هو عدم الفعل، فهو من هذه الجهة أمر عدمي، ولذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح: (( وكل ما نهيتكم عنه فانتهوا))، فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يوقف النهي على القدرة و الاستطاعة كما أوقف الأمر عليهما: (( وما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم ))، و الفارق أن الأمر من قبيل الفعل، و الفعل قد تعترضه معارضات وعوائق، فإن توفرت الإرادة و القصد، فقد لا تتوفر القدرة والقوة بخلاف النهي.
فما كان منهيا عنه كان التوسل لفعله بكل طرق محرما ممنوعا، و الانتهاء عنه بكل وسيلة مطلوبا.
أما ما كان مأمورا به من الجهاد الشرعي فلا بد أن يكون له طريق معين أوضحه الشرع، بحيث أوضح نوع الجهاد، وفي أية مرحلة يكون، ووصف الجهاد، فلا يجوز التوسل إلى الحكم بالشريعة بكل طريق ولو كانت محظورة، كالجهاد بالخروج على الحاكم المسلم ، أو تكفيره بالاجتهاد و التأويل ثم الخروج عليه، و الجهاد بدون إذن العلماء الراسخين منهم، و الجهاد بدون عدة، وجهاد المعاهد، وجهاد المسلمين بسف دمائهم ،فمشروعية الجهاد على العموم لا تعني مشروعية الوسيلة التي يقترحها أصحاب الجهاد البدعي ، لأنه و إن كان الجهاد مشروعا فإنه مشروع نوعا، ففيه جهاد النفس، وجهاد الكفار، وجهاد البغاة و قطاع الطريق، وكذلك هو مشروع وصفا، فيكون بالسيف، و يكون بالمال، و يكون بالعلم و البيان.
وعليه نقول: الدعوة إلى الجهاد بدون هذه الضوابط دعوة مبتدعة لجهاد مبتدع نصا و استدلالا.
قال ابن تيمية في (الرد على الإخنائي){ص:607}: ((لا ريب أن الجهاد و القيام على من خالف الرسل و القصد بسيف الشرع إليهم، و إقامة ما يجب بسبب أقوالهم نصرة للأنبياء و المرسلين، وليكون عبرة للمعتبرين ليرتدع بذلك أمثاله من المتمردين من أفضل الأعمال التي أمرنا الله أن نتقرب بها إليه، وذلك قد يكون فرضا على الكفاية، وقد يتعين على من علم أن غيره لا يقوم به، و الكتاب و السنة مملؤان بالأمر بالجهاد و ذكر فضيلته، لكن يجب أن يعرف الجهاد الشرعي الذي أمر به الله و رسوله من الجهاد البدعي:جهاد أهل الضلال الذين يجاهدون في طاعة الشيطان وهم يظنون أنهم مجاهدون في طاعة الرحمن، كجهاد أهل الأهواء و البدع كالخوارج و نحوهم الذين يجاهدون في أهل الإسلام، وفيمن هو أولى بالله و رسوله منهم من السابقين الأولين و الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، كما جاهدوا عليا ومن معه وهم لمعاوية ومن معه أشد جهادا {...} وكذلك من خرج من أهل الأهواء على أهل السنة، و استعان بالكفار من أهل الكتاب و المشركين و التتر و غيرهم هم عند أنفسهم مجاهدون في سبيل الله، بل وكذلك النصارى هم عند أنفسهم مجاهدون)).
قلت: فمن يضع السيف في المسلمين بحجة أن الحاكم كافر، فهو من جهاد المبتدعة في سبيل الشيطان لا في سبيل الرحمان، وعندما نشبع موضوع التكفير تكفير الحكام بالحديث عنه في كل مناسبة، و إنزال البحوث الأكاديمية منه إلى ساحة العوام، الذين لا يفرقون بين التكفير بإطلاق و تكفير المعين، و بين التكفير النظري المتخلف عمليا، و يذكر مئات الأدلة أو نتأولها، وفي عشر سنوات نذكر مرة واحدة أنه يجب الصبر على الأذى كما يفعل بعض الشيوخ، فإننا بذلك نغذي الجهاد البدعي بالتأصيل الشرعي المتشابه، ولو كانت هي في حد ذاتها مبتدعة عند هؤلاء.
وعليه يجب ملاحظة الأسباب الرئيسة المتسببة في هذه الأعمال و الروافد الجانبية التي تغذي هذا الفكر، فالتكفير بنوع الحكم هو تكفير لم يثبت لحد الآن إلا قتل المسلمين الأبرياء و العزل،وتمزيق الصف و ليس عنده أي بعد دعوي حقيقي ،إنما يتخذ الدعوة وسيلة للوصول للسلطة و ليس للإصلاح الدعوي ،إنه كسائر الدعوات التي تختفي تحت شعار ديني كالمهدوية مثلا لأخذ السلطة وممارستها.
قال ابن تيمية: (( و الجهاد باللسان هو مما جاهد به الرسول كما قال تعالى في السور المكية:{ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين}[الفرقان]، و إذا كان كذلك فالجهاد أصله ليكون الدين كله لله، بحيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر، وتكون عبادة ما سواه مقهورا مكتوما أو باطلا معدوما، كما قال في المنافقين و أهل الذمة، إذ لاكان لا يمكن الجهاد حتى تصلح جميع القلوب، فإن هدى القلوب إنما هو بيد الله، و إنما يمكن حين يكون الدين ظاهرا دين الله، كما قال تعالى:{هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله}[التوبة]، ومعلوم أن أعظم الأضداد لدين الله هو الشرك، فجهاد المشركين من أعظم الجهاد، كما كان جهاد السابقين الأولين، وقد قال صلى الله عليه و سلم: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) البخاري (2/7458)، ومسلم(1904).
و عليه فضوابط الجهاد الشرعي هي كالتالي:
1 ـ يجب أن يكون الجهاد شرعيا ولا يكون بدعيا، وذلك بان لا يكون في المسلمين، و إلا كان جهاد أهل الأهواء، وهو جهاد في سبيل الشيطان.
2 ـ الجهاد لا يقوم به أفراد من غير طاعة العلماء الشرعيين و الحكام، فإنهم بذلك يكونون من المارقين على الحاكم بالسيف وهذا بدعة، فمتى كانت السلطة قائمة و العلماء لا يرون الجهاد لا يجوز جهاد الأفراد.
وفي ظني توجد في تونس سلطة قائمة اختارها الشعب التونسي بما في ذلك (الإسلاميون) ،ومن هنا فإن جمع السلاح لمجاهدة التونسيين حرام وهو من عمل الخوارج، ولا علاقة له بالجهاد، ولا بالشريعة ،إنما هو وهم غرس في الأذهان .
3 ـ جهاد المستضعفين يكون باللسان كحال النبي صلى الله عليه و سلم في مكة، لم يسترجع البيوت التي أخذت منهم، ولم يسترجع أموال المسلمين بالقوة، و المتحمسون للجهاد البدعي يرون ويقرون جميعهم بان الأمة مستضعفة، و أشد ضعفا منها الجماعات الإسلامية،وأن ما تسميه بالجهاد يزيدها ضعفا ويزيد من ضعفها أمام الغرب ومن قدرته على الهيمنة على قرارها وأحوالها و مقدراتها.
4 ـ لا يمكن الجهاد حتى تصلح جميع القلوب، وهدى القلوب بيد الله ودورنا نحن التوعية و التعليم، و عندما لا تحقق الأمة أبجديات أسس الملة، وهي الألفة الدينية و القلبية بله السياسيةأو الإدارية أو العسكرية، فالجهاد الواجب و المتاح الممكن شرعا و عقلا هو الجهاد باللسان و البيان و التأديب و التأليف، وكما يقول بعض أنصار الجهاد المنفلت ـ عندما يعودون لرشدهم : "تصحيح العقيدة و تجلية المفاهيم".
5 ـ الجهاد يكون حين يكون الدين ظاهرا، و الباطل إما معدوما أو إما مقموعا، أما و الدين في وطنه مقموع غير ظاهر، و العلمانية تنخر الأمة، و الباطل أقوى و أكثر، فالدعوة إلى الله و الصبر على الأذى هو الجهاد الذي لا يقدر عليه المبتدعة و أصحاب الأهواء.
6 ـ أعظم الجهاد هو جهاد المشركين، وهذا هو الجهاد الذي قام به الصحابة الكرام خير قيام، ولا يكون هذا الجهاد إلا مع إمام لأنه جهاد مدني، وليس جهادا مكيا، الجهاد المكي بالبيان، ولا يجوز إنزال نصوصه (الجهاد المدني)على قتال المسلمين لبعضهم البعض، ولا الترغيب بنصوصه لجهاد المسلمين أو الخروج على الحكام و العلماء فهذا من أعظم الباطل.
7 ـ كلمة الله التي يريد المسلمون إعلاءها هي جنس وليست نوعا واحدا، وهي عموما الكتاب و السنة، وليست فرعا واحدا من الدين، كالحاكمية أو إخراج القوات الأجنبية من الأراضي الإسلامية، فلا حجة لهم في هذا العمل، ولاشك أن رفع مستوى الشعوب الإسلامية في الصناعة و التمدن و الرقي، والمعيشة و إيجاد المسلم الملتزم بدينه، المتمكن من أسباب القوة المادية هو من إعلاء كلمة الله، لأنها لا تعلو بغير ذلك.
أما جهاد الدفاع عن النفس و دفع الصائل على الأمة فهو ماض، وفي غالبيته لم يستجمع شروطه المادية و إن كان تقدير ذلك يعود لأهله وهم في الأراضي الإسلامية المحتلة، والرضا بما يتنافى و مصالح الأمة مؤقتا، و أقصد بالرضا قبوله لا محبته، كان حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، ومعاهدة الحديبية فيها عشرات الأدلة على ذلك، فبعض بنود هذه المعاهدة لم تكن في صالح المسلمين في المنظور العاجل، وهادن الرسول صلى الله عليه و سلم اليهود و بعض القبائل ليتفرغ لقتال قريش، فمهادنة الكفار ومدافعتهم سياسيا وفكريا حتى لا يزيدوا من التهام الأراضي الإسلامية و التهام الاقتصاد الإسلامي و الأمن و الاستقرار في البلدان الإسلامية مطلوب شرعا.
إني اعتقد اعتقادا جازما أن الأمة الإسلامية رغم هذا التدهور السياسي و العسكري الذي تعاني منه، ورغم الهزائم المتتالية هي في طور النهضة الحقيقية، و قد قطعت أشواطا مهمة فيها، وكون بعض الجماعات الإسلامية تحمل منهجا مبتدعا في بعض جوانبه، هو إفرازات ضرورية لتضارب الجهل الطويل مع النهضة الحديثة العمر، و تزاوج الغيرة على الدين بالنظرة المثالية مع الواقع السياسي لابد أن يولد تشنجات و أخطاء في الرؤية، فكلما رأينا الدخان ينبعث من المدخنة عرفنا أن النار موقدة، فالحركة الجماعية للعودة إلى الدين قائمة و مستمرة، نعود إليه أولا وكلنا جهل به وكلنا حماسة، ثم نبحث عن الصحيح منه، و الأزمات هي ضمادات الجروح، ودواء سوء الفهم، وعلى ركام الهزائم يبنى عز الأمة و مجدها، وعلى ركام الأخطاء تتضح الطريق.
فإن كان أهل السنة و الجماعة يحملون الدين بحق وحقيق، فهذا دورهم أن يصححوا للأمة دينها و ينيروا لها الطريق، فإن الأمة تعود الآن لدينها بأعداد كبيرة، تحتاج لمن يعلمها ويوعيها، وفهم حركة الشعوب الاجتماعية، وحركة الأفكار و آلياتها في هذه الشعوب، هو من فهم مشاكل العصر، فلاشك أن المجتمع المركب على العنصر القبلي، والولاء القبلي، و الدعاية للحاكم بحق وباطل لم يعد موجودا إلا في بعض المناطق النائية من هذا العالم، فقد جاء أوان بروز العلماء و المفكرين الصادقين، الذين يحملون تصورا شرعيا صحيحا لمختلف مجالات الحياة، وجاء دورهم ليشغلوا شاشات التلفزيون بدلا من الدعاية الكاذبة أو المحقة للحاكم لتمجيده، و إظهاره بأنه منقذ الأمة و العبقري الفذ و البطل و غير ذلك، فهذا العمل حان وقت تركه للمؤرخين فهو من صناعتهم و اختصاصهم، وحان وقت التعليم و التوعية، و التخلي قليلا عن البرامج التافهة و الزائفة، فلا مجد إلا لله و لدينه، وحان وقت أن يفهم الحكام أنهم خدام شعوبهم، من شاق منهم على أمة محمد شاق الله عليه في الدنيا و الآخرة.
وحان الوقت أن يفهموا أنهم كلما ابتعدوا عن دينهم، كل دينهم في جميع المجالات، خاصة في السياسة و الإدارة، كلما كانوا فريسة سهلة للأعداء، وحان الوقت أن يعلموا أنهم لن يبنوا الأوطان بمفردهم، وحان الوقت أن يعرفوا أنه لا مجال إلا للأكفاء المخلصين الصادقين، و أن الولايات و القرابات و غير ذلك لا يتجاوب ولا يتفق لا مع الإسلام، ولا مع الواقع، فإما التغيير و إما الزوال.
إن الفكر الجهادي البدعي الذي ينظر له بعض الشيوخ ، هو المسئول الأول عن الأحداث التي عصفت ببعض البلدان الإسلامية مؤخرا، و أي حديث عن فكر آخر هو ابتعاد عن أصل المشكل، وهذا الفكر ينطلق من نظرية معروفة، قد لا يعرف كثير من الناس أنه لا يحتاج إلى الصبغة التكفيرية المعروفة بها جماعة الهجرة و التكفير، أي: التكفير العيني لينفذ حركيته، فهذا الفكر قد جعل من الحاكم هو محور المشكل الإسلامي، ثم نظّر لذلك و أراد أن يعطي هذه النظرية البعد الشرعي، فأحاطها بنظريته في الحاكمية، وأنها من خصائص التوحيد.
و عليه، فهو لا يحتاج للمضي في تنفيذ نظريته إلى تكفير العوام و الأمة، فمجرد تكفير الحاكم و نظامه السياسي كفيل بمد حركيته بالصبغة الشرعية، فهذا الفكر وكما هو واضح في كتابات شيوخ التأصيل فيه ينظر للمفاصلة الفكرية مع المجتمع، و المفاصلة التامة مع الحاكم في إطار الحركية، أي: التغيير بالقوة الذي صاغه سيد قطب في كتبه خاصة "الظلال" و "المعالم".
و استعمال قوة السلاح للتغيير من غير حاجة إلى التكفير العيني موجود في الفكر الإسلامي منذ القدم، فابن حزم ـ رحمه الله ـ يجيز الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالسيف، وهي نفس النظرة عند المعتزلة و بعض مرجئة الفقهاء، فإذا لا يجب أن نلصق كل ظاهرة عنف بمجتمعاتنا بالفكر التكفيري أقصد بالخوارج، و أقصد بهذا العنف الأحداث الأخيرة، هذا من جهة.
من جهة أخرى يجب أن نعرف أن هذا الفكر قد تطور على ما كان عليه في كتابات سيد قطب فإن المنظرين الجدد له قد أعطوه بعدا آخر، ومن ينتبه لأحاديث الشيخ سفر الحوالي يلاحظ شيئا هاما، هو انه يربط في جميع تحليلاته لأوضاع الأمة بين عنصرين قد جعلهما محور حركيته، العنصر الأول الذي أخِذ من فكر سيد قطب وهو مركزية الحاكم في المشكل الإسلامي، و العنصر الثاني الذي أدخله المنظرون الجدد هو التركيز على الهيمنة الأمريكية، فصاروا يربطون بين هذين العنصرين ربطا وثيقا، فعندهم التخلص من الهيمنة الأمريكية شرط أساسي للتخلص من هيمنة الحاكم، وعندما يبررون الأحداث الأخيرة بفساد الحاكم و الفجور و الانغلاق السياسي يكون له وجه، و لكنهم يستوردون السلبيات من خارج هذا البلد المعين ليبرروا بها ما يقع فيه من تقتيل أو جهاد(؟).
وعليه، فإن الفكر القطبي بصبغته الجديدة هو الأرضية الخصبة و المرتع الدسم لهذه التوترات الأخيرة.
وقد نكون قد ساهمنا بقسط وافر في انتشاره عندما أهملنا مواضيع هامة في خطابنا العلمي و الوعظي و التعليمي، فعندما أخرجنا الحديث عن السياسة تقييما علميا شرعيا، لا مزاولة حزبية عملية من الدين، إذ جعلنا الدين لا يتناول الحديث عن السياسة كظاهرة اجتماعية، وكذلك الأزمات السياسية التي تلحق بالأمة، فقد وفرنا له المناخ ليستقطب الناس ويقودهم إلى القناعة بنظريته.
إن الدين الإسلامي و بالضبط منهج أهل السنة و الجماعة لا يستثني من الدين شيئا، فكل ما يهم المسلم في دنياه و آخرته هو من الدين، ومعلوم أن الاهتمام بالسياسة مطلب طبيعي في نفوس الناس، الفرق بين التسييس و السياسة الوضعية أو الحزبية، و بين السياسة الشرعية، هو التقييم الشرعي و النظر الشرعي فيها، فأي ساحة انسحبنا منها شغلها غيرنا.
إن الفارق بين أهل السنة و غيرهم في المنهج السياسي هو طريقة الطرح و الهدف الذي يراد تحقيقه، فالسني عبر التاريخ الإسلامي الطويل كتب في الإمامة و السياسة كمشورة و نصيحة للحاكم، وليس كاعتراض و نقد هدام لأجل إسقاطه و اخذ مكانه.
لقد كتب الفقهاء قديما في شؤون الحاكم كل شيء حتى إنهم تكلموا إن كان يجوز له الحج أو لا يجوز في ظروف معينة، و إذا أراد أن يحج فما الذي عليه أن يفعله، وكيف يحج و أي طريق يسلك ومن يخلفه على الإمارة و غير ذلك؟.
ولاشك أن الحاكم المعاصر له مستشارين في مختلف الاختصاصات، و إن كان اغلب الحكام لا يقرب أهل الدين من نفسه، ولا يتخذهم بطانة له لاعتبارات معروفة، فلا يمنع العالم من إخلاص النصيحة له، و ذلك بإظهار النقائص له وتوجيهه نحو الأكمل.
إن بعض الدساتير في بعض البلاد الإسلامية تكفل حرية الرأي للمواطن، ويكفي أن تطالع الصحف لتجد فيها نقدا لاذعا للحاكم ولحاشيته وغير ذلك، وهذا لا يبرر ترك الآداب الشرعية و إنزال الحاكم منزلته التي أنزله الشرع إياها، و العمل بقاعدة " قل خيرا أو أصمت"[ و الأمر بالمعروف هو من الخير و كذلك النهي عن المنكر، ويدخل في المعروف كل مصلحة ويدخل في المنكر كل مفسدة.] ،ولكن إبداء الرأي الشرعي الصحيح ، و إبداء المشورة الحكيمة ، و إبداء النصح ، وتوجيه حتى الذين يتعاطون العمل السياسي إلى ما فيه خير البلاد و العباد، و إرشادهم إلى الآداب الإسلامية، لا شك هو من دور العلماء ، ولاشك هو من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
فالبلدان الإسلامية و أقصد الدول و الأنظمة، لا شك أنه قد صدر منها كثير من الظلم اتجاه الإسلاميين على مختلف مشاربهم و مناهجهم، و لكن هذا ليس سببا، ولا سببا كافيا لانتهاج العنف كوسيلة لرد الفعل أو الثأر أو تحقيق الأغراض السياسية، بل مجتمعاتنا بحاجة إلى مجهود عظيم للرقي بها في مجال المعرفة الدينية، و مجال التطور و العلوم المادية، فنحن أمام مشكل كبير يشكله الجهل بالدين و قلة المعرفة و الثقافة، يعيق هذا المشكل أي نهضة حقيقية لامتنا، تستشرف بها المستقبل، لاشك أن للحكام دورا بارزا ومهما في إزالة مختلف السدادات الاجتماعية و السياسية التي تسبب هذا التشنج و التخلف، فمناهج التعليم بأيديهم، ولكن المسؤولية بالقدر نفسه تقع على العلماء و المفكرين و الأمة برمتها لتكوين الإنسان المسلم المؤمن أولا ثم المتعلم المثقف المتخلق ثانيا، فهذا هو التحدي لمن يريد لهذه الأمة أن تكون الأمة الوسط، و أن تكون لها مكانة في هذا العالم تؤدي بها رسالتها الحضارية.
هذه قاعدة شرعية كلية تعم العلماء و الحكام على حد سواء، تبين متى يسقط الواجب أو يصير فعله منهيا عنه، لو اخذ بها المسلمون الذين يزعمون الحرص على الإسلام لفهموا بموجبها مقاصد الإسلام، ولعرفوا بالتالي العلم و الحكمة التي أتاها الله مشائخ العلم، ولجنبوا أمتهم كثيرا من الويلات التي أصابتها جراء فتاويهم المتهورة و أعمالهم السياسية البدعية التي تسير في إطار من الحزبية الضيقة.
فهذه القاعدة حد فاصل بين العالم العادل و الجاهل القاتل، من اخذ بها فقد اخذ بسبيل النجاة له ولأمته، ومن تركها فقد فتح على نفسه تبعة خطيرة في الدنيا و الآخرة،
نسأل الله أن يجعلنا ممن يحرص على دينه وعلى أمته و وطنه، و أن يلهمنا الرشد و الصواب، فإن أصبنا فله الحمد أولا و آخرا، و إن أخطأنا نسأله أن يبصرنا بالحق حيثما كان، ويجنبنا الباطل مهما دق وصغر. .. إنتهى كلامه منقولا عن منتدى كلّ السلفيين