دفاعات الشيخ ربيع عن الصحابة
قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ
الفصل السادس والثلاثون: الذب عن عبد الرحمن عوف ـ رضي الله عنه ـ
وأما عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ فهو من سادات المهاجرين ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأحد الستة الشورى الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض ، وكان كثير المال ، بارك الله له في تجارته في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان كثير البر والإحسان والإنفاق في سبيل الله .
تصدّق عبد الرحمن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله ، ثم تصدّق بأربعين ألف دينار ، ثم حمل خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة ، وكان بينه وبين خالد بن الوليد كلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبـًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)) .
وقال جعفر بن برقان : بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة ، وأوصى عبد الرحمن بن عوف لكل من شهد بدرًا بأربعمائة دينار فكانوا مائة رجل .
وقد ترجم له طه حسين ، وفي كلامه غمز مُبطّن فيما يبدو ، إلا أنه في الوقت نفسه ذكر ثناء حسنـًا يرجع إليه من شاء في كتابه ، ومنه بعد ذكر ثروته الضخمة على حدِّ قوله ، قال : ((فكلُّ هذا إن صور شيئـًا فإنما يصور ثروة ضخمة نامية لم تنقصها الصدقة الدائمة والبر المتواصل دائمـًا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم لذوي قرابته من بني زهرة ، ثم لغيرهم من عامة المسلمين)) .
وكان طه حسين يرد هذه الثروة إلى نجاح عبد الرحمن في التجارة لا إلى أعطيات عثمان التي يزعمها سيد قطب؛ ففرقٌ كبير بين موقف الرجلين .
وأما سعد بن أبي وقاص ([1])ـ رضي الله عنه ـ فهو سابع سبعة في الإسلام ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومدوّخ الفُرس ، وصاحب القادسية .
وقد استعمله كلٌّ من عمر وعثمان ، فكان الناصحَ الأمين ، ولم يكن من الأثرياء ، بل عجز عن تسديد دين كان عليه في عهد عثمان ـ رضي الله عنه ـ .
وقد نقم عليه المسعودي وسيد قطب أن يبني لنفسه دارًا يسكنها ، وما أدري هل الروافض لا يسكنون إلاّ في الخيام والأكواخ حتى ينقموا على سعد أن يبني دارًا .
ومن العجيب : أن طه حسين لم يغمزه بأي مغمز ، بل ترجم له ترجمة طيّبة قال في آخرها : ((إن معارضته لعثمان لم تتجاوز حدّ النصح والأمر بالمعروف ، فلما خرجت المعارضة عن طورها وقاربت أن تكون ثورة كفّ سعد ولزم الحياد ، ولم يشارك في الفتنة ولا في أعقابها ، وكان إذا سئل : لِمَ لا تقاتل ؟ ، قال : حتى تأتوني بسيف ينطق فيقول هذا مؤمن وهذا كافر؛ وكأن سعدًا تحرّج من أن يظهر النكير على عثمان فيتّهم بأنه إنما فعل ذلك لأنه ينقم على عثمان عزله عن الكوفة .
ومهما يكن من شيء فقد لزم سعد السيرة التي سارها أيام النبي؛ فجاهد ما عرف الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم وأيام عمر ، فلما أشكل الأمر عليه اعتزل وترك الناس وما هم فيه .
ولما مات سنة خمسين ـ أو خمس ـ وخمسين طلب أزواجُ النبي صلى الله عليه وسلم أن تمرّ جنازته عليهنّ ، فمُرّ به في المسجد فصلين عليه .
ولم يترك سعد ثروة ضخمة حين مات بالقياس إلى أصحابه ، وإنما ترك ما بين مائتي ألف وثلاثمائة ألف ، وليس هذا بالشيء ذي الخطر كما رأيت وكما سترى))([2]).
وفرقٌ كبير بين سيد قطب؛ إذْ يشيد بالثورة على عثمان ، وبين طه حسين حيث يشيد بسعد لابتعاده عن الفتنة .
------------------------------
الحواشي
([1]) راجع ترجمته في ((الإصابة)) : ( 2/30 ـ 31 ) ، و ((السير)) للذهبي : ( 1/92 ـ 124 ) .
([2]) لم يتركه طبعه من الإشارة إلى الطعن في أثرياء الصحابة . انظر هذا الكلام ( ص : 769 ) في ((الإسلاميات)) .
المرجع : كتاب مطاعن سيد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ص ( 286 ـ 288 )
الذب عن الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله ـ رضي الله عنه ـ للشيخ ربيع المدخلي
2004-08-14, 10:53 Pm
________________________________________
قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ
الفصل السابع والثلاثون: الذب عن طلحة بن عبيد الله ـ رضي الله عنه ـ
وأما طلحة بن عبيد الله التيمي ـ رضي الله عنه ـ : فهو أحد السابقين الأولين ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة .
قال الذهبي : ((وفي مسلم : من حديث أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اثبت حراء ، فما عليك إلا نبيٌّ ، أو صدِّيق ، أو شهيد)) .
وقال مجالد عن الشعبي : عن قبيصة : صحبت طلحة فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه .
وعن موسى بن طلحة أن أباه أتاه مال من حضرموت سبعمائة ألف فبات ليلتَه يتململ ، فقالت له زوجتُه : مالَك ؟ ، فقال : تفكّرت فقلت : ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المالُ في بيته ، قالت : فأين أنت عن بعض أخلائك ، فإذا أصبحت فاقسمها ، فقال : إنك موفقة ـ وهي أم كلثوم بنت الصدِّيق ـ؛ فقسمها بين المهاجرين والأنصار ، فبعث إلى عليّ منها ، وأعطى زوجته ما فضل؛ فكان نحو ألف درهم .
وعن محمد بن إبراهيم التيمي قال : كان يغل طلحة بالعراق أربعمائة ألف ، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار ، وكان يكفي ضعفاء بني تيم ، ويقضي ديونهم ، ويرسل إلى عائشة كل سنة بعشرة آلاف([1]).
وفي ((تاريخ ابن عساكر))([2]): ((وكان لا يدع أحدًا من بني تيم عائلاً إلاّ كفاه مؤنته ومؤنة عياله ، وكان يزوّج أياماهم ، ويخدم عائلهم ، ويقضي دين غارمهم؛ ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته بعشرة آلآف في كل سنة ، ولقد قضى عن صبيحة التيمي ثلاثين ألف درهم ، وقضى عن عبيد الله بن معمر ثمانين ألفـًا ، وأتاه مرّة من العراق خمسمائة ألف درهم ، فقسّمها حتى أتى على آخرها)) .
أمثل هذا الجواد الكريم السمح المعطاء يلامُ على غنى ويطعن فيه به ، وكان إخوانه الذين صنفهم سيد في الإقطاعيين لا يقلّون عن طلحة جودًا وبذلاً .
ولم يسلم طلحة من غمز طه حسين ، لكنه مع ذلك اتسع صدرُه بذكر كثير من محاسنه؛ فمن ذلك قوله : ((وكان طلحة كثير الصدقة ، لا يحب أن يجتمع في داره المال السائل؛ فكان إذا اجتمع في داره شيءٌ كثير لم يسترح حتى يتخفف منه بتقيسمه في ذوي قرابته من تيم وفي ذوي مودّته من قريش والأنصار ، وكان أسرع الناس معونة لمن يحتاج إلى المعونة ، وأداء عمن يثقل عليه الدين ، وكان أعطى الناسَ للمال والكسوة وأسخاهم بالطعام))([3]).
أما المقداد بن عمرو الكندي : فهو أحد الصحابة السابقين الأولين ، شهد بدرًا والمشاهد ، وثبت أنه كان يوم بدر فارسـًا؛ قال ـ رضي الله عنه ـ : استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمل ، فلما رجعت قال : ((كيف وجدت الإمارة ؟)) ، قلت : يا رسول الله ما ظننتُ إلا أن الناس كلهم خول لي ، والله لا ألي على عمل ما دمتُ حيـًّا .
وقال له بعض الناس ـ وهو يريد الغزو وقد بدن ـ : قد أعذر الله إليك ؟ ، فقال : أتت علينا سورة البحوث : { انفروا خفافـًا وثقالاً } [ التوبة : 41 ] .
قال الذهبي : ((عن كريمة بنت المقداد : أن المقداد أوصى للحسن والحسين بستة وثلاثين ألفـًا ، ولأمهات المؤمنين لكل واحدة بسبعة آلاف درهم))([4]).
وقال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني موسى بن يعقوب عن عمته عن أمها قالت : ((بعنا طعمة المقداد التي أطعمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر خمسة عشر وسقـًا شعيرًا من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم)) .
والروايتان كما ترى غير ثابتة؛ فالأولى لا إسناد لها ، والثانية فيها الواقدي ، وفيها عمة موسى وهي قريبة فيها جهالة .
ولو ثبتت الروايتان فإن هذا المال يعدّ قليلاً بالنسبة لعهد عثمان وعهد معاوية؛ لأن الله كان أفاض على المسلمين بالخير الكثير ، ولا يحنق منه إلاّ أهل الأدواء والأمراض النفسية .
وأما يعلى بن أمية فهو الصحابي الجليل التميمي حليف بني نوفل : أسلم عام الفتح ، استعمله عمر بن الخطاب على بعض اليمن ، واستعمله عثمان على صنعاء فبلغه قتل عثمان فأقبل لينصره فقدم مكة بعد انقضاء الحج واستشرف إليه الناس ، فقال : من خرج يطلب بدم عثمان فعليّ جهازه ، فأعان الزبير بأربعمائة ألف ، وحمل سبعين رجلاً من قريش؛ وكان يعلى جوادًا معروفـًا بالكرم ، ثم صار من أصحاب عليّ ، وقُتل معه بصفّين([5]).
ولم يذكر أحدٌ ممن ترجم له مقدار ما خلّف من المال غير المسعودي حسب اطلاعي ، ويكفيه أنه بذل بسخاء في نصرة ما يرى أنه الحق وأنه كان جوادًا كريمـًا .
قال سيد قطب معلِّقـًا على كلام المسعودي الشيعي :
((هذا هو الثراء الذي بدأ صغيرًا بإيثار بعض المسلمين على بعض في العطاء في أيام عمر؛ ذلك الإيثار الذي كان معتزمـًا إبطاله وتلافي آثاره لولا أن عاجلته الطعنة التي لم تصب قلب عمر وحده ، بل أصابت قلب الإسلام ، ثم نما وازداد بإبقاء عثمان عليه ، فضلاً عن العطايا والهبات والقطائع ، ثم فشى فشوًّا ذريعـًا بتجميع الأملاك والضياع وموارد الاستغلال بما أباحه عثمان من شراء الأرضين في الأقاليم وتضخيم الملكيات في رقعة واسعة .
وبمقاومة الصيحة الخالصة العميقة التي انبعثت من قلب أبي ذر ، وكانت جديرة لو بلغت غايتها ولو وجدت من الإمام استماعـًا لها أن تعدل الأوضاع ، وأن تحقق ما أراده عمر في أواخر أيامه من ردّ فضول الأغنياء على الفقراء بما يبيحه له سلطان الإمامة لدفع الضرر عن الأمة ، بل بما يحتمه عليه تحقيقـًا لمصلحة الجماعة .
وبقدر ما تكدست الثروات وتضخمت في جانب كان الفقر والبؤس في الجانب الآخر ، وكانت النقمة والسخط كذلك ، وما لبث هذا كله أن تجمع وتضخم لينبعث فتنة هائجة يستغلها أعداء الإسلام ، فتودي في النهاية بعثمان وتودي معه بأمن الأمة الإسلامية وتسلمها إلى اضطراب وفوران لم يخب أواره حتى كان قد غشى بدخانه على روح الإسلام وأسلم الأمة إلى ملك عضوض([6]).
هكذا يصوّر أبو الثورة كما يسميه (المعجبون به) ذلك العهد الطيّب المبارك وذلك المجتمع الخيّر الذي شهد له رسول الله بالخيريّة ، يصوّره في صورة المجتمعات الأوربية ، فهناك إقطاعيون تتجمع في أيديهم الأملاك والضياع وموارد الاستغلال ، ويحمل عثمان أوزار هذا الوضع الإقطاعي الرهيب في نظره :
1 ـ بما أباحه من شراء الأرضين في الأقاليم وتضخيم الملكيّات في رقعة واسعة كما هو حال الإقطاعيين في أوربا في العصور المظلمة .
2 ـ وبمقاومة الصيحة الخالصة العميقة التي انبعثت من قلب أبي ذر ولم تنبعث من قلوب الصحابة جميعـًا البدريّين والمهاجرين والأنصار وسائر السابقين واللاحقين؛ لأن الجشع المادّي والاستئثار بالهبات والاستئثار بالإقطاع وتجميع الأملاك والضياع وموارد الاستغلال في أيديهم قد أمات قلوبهم في نظر سيد ولم يبق إلا قلب أبي ذر زعيم الاشتراكيين ـ حاشاه ـ ينبض بالثورة والغيرة .
هذا ما يصوّره كلام أبي الثورة .
أما أصحاب رسول الله فوالله ما كانوا في شيءٍ مما يتقوّله ويفتعله سيد قطب ، وما كان أبو ذر في شيءٍ مما يقوله ، وليست هناك صيحة ثورية يطالب فيها بالتأميم وأخذ فضول الأغنياء .
وليس في الإسلام ما يبيح للسلطان أن ينهب أموال الأغنياء ثم يعطيها للثوار الكادحين .
وليس في ذلك المجتمع الطاهر تكدس ثروات كما هي عند الإقطاعيين والرأسمالييين الأوربيين ، وليس هناك طبقات إقطاعية ورأسمالية وطبقات فقراء وبؤساء؛ ذلك أن الذين منّ الله عليهم بالمال كانوا يجودون بهذه الأموال في سبيل الله وسائر طرق البر والخير .
والذين دونهم في الغناء ما كانوا يكدحون في المزارع والحقول وأحيانـًا يفاجؤون بالتعطل والتبطل ، إنما كانوا جنودًا في سبيل الله كالليوث ، يجاهدون في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله من عهد رسول الله إلى أن استشهد عثمان ، فينالون من الغنائم ومن الخراج ومن غيرها من أبواب الدخل ، بالإضافة إلى الدين والأخلاق العالية ، الأمر الذي يجعلهم أبعدَ الناس وأبعد المجتمعات عن الحال والصورة التي يصورهم بها سيد قطب تلك الصورة الشوهاء التي استمدّها من أوضاع المجتمعات الغربية والشرقية النكدة من تكدّس الأموال في جانب والفقر والبؤس في جانب آخر ، ثم الثورات المدمرة الناتجة عن هذه الأوضاع السيئة .
3 ـ ويقول مشيدًا بالثورات بما فيها ثورة القرامطة :
((والواقع أن اتهام النظام الإسلامي بأنه لا يحمل ضماناته إغفال للممكنات الواقعة في كل نظام ، كما أن فيه إغفالاً لحقائق التاريخ الإسلامي الذي شهد الثورة الكبرى على عثمان ، وشهد ثورة الحجاز على يزيد ، كما شهد ثورة القرامطة وسواها ضد الاستغلال والسلطة الجائرة وفوارق الطبقات ، وما يزال الروح الإسلامي يصارع ضدّ هذه الاعتبارات جميعـًا على الرغم من الضربات القاصمة التي وجهت إليه في ثلاثمائة وألف عام([7]) .
ولعله أغفل حركة الفاطميين والباطنيين كعلي بن الفضل وسائر حركات الروافض لئلا يستيقظ النوام وينتبه الغافلون .
.................
الحواشي
([1]) ((تاريخ الإسلام)) : ( عهد الخلفاء ، ص 527 ) .
([2]) ((تهذيب تاريخ دمشق)) : ( 7/84 ـ 85 ) .
([3]) ((إسلاميات طه حسين)) : ( ص 772 ) .
([4]) ((سير أعلام النبلاء)) : ( 1/388 ـ 389 ) .
([5]) ((أسد الغابة)) : ( 5/523 ) ، وانظر : ((سير أعلام النبلاء)) : ( 3/100 ) ، و ((تهذيب الأسماء واللغات)) : ( القسم الأول ، ص : 165 ) .
([6]) ((العدالة)) ( ص : 210 ) ط خامسة .
([7]) ((العدالة الاجتماعة)) : ( ص 223 ) ط خامسة .
المرجع : كتاب مطاعن سيد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ص (286 ـ 295)
مكانة أصحاب رسول الله عند الله ورسوله والمؤمنين للشيخ ربيع بن هادي المدخلي
2004-08-06, 09:49 Pm
________________________________________
الفصل الثاني:
مكانة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الله ورسوله والمؤمنين
إن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمنزلة رفيعة عند الله وعند رسوله والمؤمنين ، وقد أثنى الله عليهم في محكم كتابه ، وأخبر عن رضاه عنهم ورضاهم عنه؛ فمن ذلك قوله تعالى : { كنتم خيرَ أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ، وقال تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمةً وسطـًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) .
قال الخطيب البغدادي : (وهذا اللفظ وإن كان عامـًا فالمراد به الخاص ، وقيل : هو وارد في الصحابة دون غيرهم) .
وقوله تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحـًا قريبـًا ) ، وقوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } ، وقوله تعالى : { والسابقون السابقون أولئك المقرّبون في جنات النعيم } ، وقوله تعالى : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ، وقوله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانـًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون ) .
والآيات في بيان فضلهم ومنزلتهم كثيرة .
وأثنى عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وبيَّن فضلهم في أحاديث كثيرة :
فمن ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم : (خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قومٌ تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)[1].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تسبوا أصحابي ، لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحدٍ ذهبـًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه)[2].
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة ـ يعني : مع النبي صلى الله عليه وسلم ـ خيرٌ من عبادة أحدِكم عمرَه)[3].
وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوب العباد فاصطفاه لنفسه ، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه؛ فما رآه المسلمون حسنـًا فهو عند الله حسن ، وما رأوه سيّئـًا فهو عند الله سيء)[4].
وقال الإمام الطحاوي : (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ولا نفرِّطُ في حبِّ أحدٍ منهم ، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم ، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ، ولا نذكرهم إلاّ بخير؛ وحبُّهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان)[5].
وقال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ بعد أن استشهد بآيات كريمة وأحاديث شريفة على مكانتهم وفضلهم :
(والأخبار في هذا المعنى تتسع ، وكلّها مطابقة لما ورد في نصّ القرآن؛ وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة ، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم؛ فلا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطِّلِع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلْق له؛ فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلاّ قصد المعصية؛ فيحكم بسقوط العدالة ، وقد برّأهم الله من ذلك ، ورفعَ أقدارَهم عندَه . على أنه لو لم يَرِد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين ، وقوّة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم ، والاعتقاد لنزاهتم ، وأنهم أفضل من جميع المعدلين المزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين .
هذا مذهب كافّة العلماء ، ومَن يُعتدُّ بقوله من الفقهاء)[6].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ : (ومن أصول أهل السنة والجماعة : سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله به في قوله تعالى : { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان
ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } ، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : (لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهبـًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه) ، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم ... ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبّونهم ، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقولٍ أو عمل .
ويُمسكون عمّا جرى بين الصحابة ، ويقولون : إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ، ومنها ما قد زيدَ فيه ونقّص وغيّر عن وجهه ، والصحيح منه هم فيه معذورون : إما مجتهدون مصيبون ، وإما مجتهدون مخطئون .
ومَن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منَّ الله عليهم به من الفضائل علم يقينـًا أنهم خيرُ الخلْق بعد الأنبياء ، لا كان ولا يكونُ مثلهم ، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله)[7].
..................
المرجع : كتاب مطاعن سيد قطب فى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ص 52 ـ 56 )
للشيخ ربيع بن هادي المدخلي
................................
الحواشي
[1] أخرجه البخاري : ( 62/ فضائل الصحابة ، 3650 ) من حديث عمران بن حصين ـ رضي الله عنه ـ . ومسلم : ( 44/ فضائل الصحابة ، حديث : 4533 ) من حديث ابن مسعود ، ومن حديث عمران وأبي هريرة ـ رضي الله عنهم ـ .
[2] أخرجه البخاري : ( 62/ فضائل الصحابة ، ح : 3673 ) ، ومسلم ـ واللفظُ له ـ : ( فضائل الصحابة ، ح : 2540 ) .
[3] (شرح الطحاوية) ( ص : 532 ) ، قال الألباني : (صحيح) .
[4] (شرح الطحاوية) ( ص : 532 ) . قال الألباني : ((حسن موقوفـًا . أخرجه الطيالسي ، وأحمد ، وغيرهما بسند حسن؛ وصحّحه الحاكم ، ووافقه الذهبي) .
[5] (شرح الطحاوية)) ( ص : 528 ) .
[6] (الكفاية) ( ص : 96 ) .
[7] (الواسطية) ( ص : 142 ـ
التعديل الأخير تم بواسطة بذرة خير ; 29-04-2008 الساعة 10:46 PM