ختاما..
المعرفة بشكل عام معرفتان، معرفة نظرية ومعرفة عملية، وهذه السلسلة الوردية والحالمة والبعيدة عن المشاكل بوصف البعض من الإخوة السابقين إلى المجال (الزواج) تنتمي إلى فئة المعرفة النظرية، بكلّ بساطة لأن الفقير كاتبها غير متزوّج وبالتالي فكلّ أفكاره وخواطره وخربشاته تنبع من وحي التصوُّر البشري ( الذي يحتمل الخطأ والصواب) للأمر كما يجب أن يكون ( المثال) وليست مما يعرفه العارفون عيانًا ومعايشة لما هو كائن ( الواقع)، إعتبروا هذا إعترافًا منّي ولأزيدكم من الشعر بيتًا فإنني أعترف أيضا بنقص هذا الصنف من المعرفة وهو في أعلى درجات كماله ( بإستثناء الوحي) بالنسبة إلى المعرفة العملية التي تحصل بالمعايشة والنظر عن كثب، فما بالكم بهذه الكليمات البسيطة التي لا أزعم ولا أدّعي بأنها "معرفة" تُعلَم وتُعلّم بقدر ما أرجو لها من توفيق الله وتسديده أن تكون مساهمة بالمستطاع وجود بالموجود في سبيل لا تحقرنّ من المعروف شيئا، ومع ذلك فإن هذا لا ينفي أن يكون لما عندي من المعرفة النظرية بشأن ما عليّ فعلُه من أجل بناء بيتي شيئٌ من الأفضلية على ما عند السابقين من المعرفة العملية التي لا تخلو هي الأخرى من العيب والنقص مثلها مثل أختها غير الشقيقة، فإن كانت معرفتي ومثالياتي قد يعتريها بعد النقص بسبب إغترابها عن الواقع فإن معرفتهم وواقعيتهم لا تسلم من ذلك أيضا ولكن بسبب إنتماءها لهذا الواقع وإقتباسها منه المفاهيم والقواعد والقناعات التي تنبني عليها، فمن المعروف أن العقل البشري ( الذي يستعمله الواقعيون في تشكيل قناعاتهم بطبيعة الحال) كثيرا ما يسير على قواعد معيّنة لا تكون نتائجها عادلة في حقّ الحقيقة دائما، منها أنه يبني القناعة على حسب ما تكون عليه آخر تجربة واقعية، فتجدُ الزوجة تشكو زوجها "الفظّ" ليس لأنه فظّ في الحقيقة ولكن لأن آخر عهدها به كان فظاظة بدرت منه، وتجدُ الزوج يشكو كسل زوجته لا لأنها كسولة حقًّا ولكن لأنها تهاونت في آخر مرّة طلب منها إعداد إبريق شاي،ومنها أيضا العادة السلبية التي تكبّل الإرادة الإيجابية فكثيرٌ من سابقينا إلى الزواج يحملون من معايشتهم اليومية لبعضهم عادات لا تنفعهم ولكنهم على الرغم من ذلك لا يتخلّون عنها ولا يحاولون فعل ذلك بل ويريدون منّا أن نعتبر بعاداتهم، وإنني لا أشجّع نفسي ولا أي أحدٍ من أقراني على الإعتبار بعادات أحد من السابقين مالم تكُن عادات حميدة نافعة، فإن كنت شابّا على السجيّة مقبلا على الزواج وكنت أنتوي أن أكون مُعينًا لزوجتي في المطبخ مثلا فإنني لستُ مضطرا للإعتبار بعادات أبي أو جدّي التي اكتسبها في معاملته لزوجته حتى أقول :" مادارهاش بابا ولا جدي باش نديرها أنا"، ومنها أيضا أنّه ( أي العقل في تعامله مع الواقع) يعمِّم بشراهة فالزوج إذا حكم على زوجته بالكسل فإن ذلك يعني بالنسبة له أن كل نساء العالم كسولات ولكم أن تتصورا كيف يكون الحُكم خاطئا أصلا ثم يعمّم تعميما ظالما فوق ذلك، خاصّة إذا لم يكُن على أحد الزوجين فقط بل على الزواج كلّه، ومنها أيضا مهارة الإلغاء التي خلقها لنا الله لنا لننتفع بها لكننا نستعملُها كمعول هدم لمحاسن الزوج والزواج من أجل شبر مساوئ ، فإن ظهر من الزوجة مثقال ذرّة من نقص أُلغيت كلّ نقاط الجمال فيها وفي الزواج وأصبحت كلّها سلبيات ونكد وعيش مرّ وغيرها من المصطلحات التقنية الخاصّة بالأزواج الواقعيين، أو أهل مكّة كما يُسمَّون...بالمناسبة هل تعلمون أن أهل مكة في عصرنا الحالي عصر المعرفة النظرية في كلّ شيئ وعصر الأقمار الصناعية والجغرافيا الدقيقة لم يبقوا كما كانوا أدرى بشِعابها؟