[3]
في يثرب يفوح عطر النبوة منتشرا ، شساعة المكان ورحابته زادته رونقا رحابة صدر المدنيين مع ضيوفها في هذا الشهر الكريم ، فما أن دنا قرب صلاة المغرب حتى قصدنا الحرم المدني للصلاة ، وفي اختراقنا للصفوف تفاجأنا بدعوات الإفطار التي تأتينا من كل حدب و صوب ، صيحات متزامنة تدعوا المعتمرين لأخذ أماكنهم للإفطار :
إفطار صائم ، إفطار صائم .....
مرحبا يا حاج ... تعالى تفطر معنا .
اعتذرنا بدأ ... في الأول والثاني ، واستجبنا للثالث ، حيث شكرناه على فعله ، وتبين لي بأنه موريطاني مقيم بالسعودية ، فقادنا إلى وسط المسجد النبوي حيث نصبت مائدة إفطار فوق الزرابي التي غطيت بلدائن البلاستيك تسهيلا لجمعها وحفاظا على نظافة المكان ، فأخذنا أمكنتنا في انتظار الآذان ، فما أن اقترب موعد الآذان حتى رفعنا أكفنا تضرعا للعلي القدير أن يتقبل صومنا ، وجهدنا ، ويجعل كل قطرة من عرقنا السيال حسنات تمحوا كثير خطإنا وزللنا ، اللهم أمين يارب العالمين .
°°°وبمجرد الآذان بدأ ت الجموع المتجمعة حول موائد الإفطار بالتهام ما توفر ، وبعد عشر من الدقائق بدأت حركة جمع البقايا ، فكانت العملية سريعة ومنضبطة في غاية الإحكام والتمرس ، فخلا المسجد في زمن قياسي من كل أثر للإكل ، فإقيمت الصلاة ، وصلينا (أول مغرب رمضاني ) بجوار الحبيب المصطفى صلوات الله عليه ، هذا المشهد تكرر معنا طيلة الأربعة أيام التي قضيناها في زيارة المدينة المنورة .
الإنصراف من المسجد كان بطيئا ، وفي محيط الحرم شبابيك بأرقام الأبواب تسهيلا للمعتمرين بالخروج من حيث دخلوا ، فالباب الذي ندخل منه ونخرج يحمل رقم (5) وهو مركز تجمعنا في حال التيهان .
في محيط الحرم المدني بعد الإفطار حركة غير معتادة ، توزيع أكلات سريعة ، مشربات ساخنة وأخرى باردة ، أكلات من كل البلدان ، فكثرة المعتمرين يقابلهُ كثرة المتصدقين في الشهر الفضيل ، ومررت بتلك الأمكنة عند الذهاب لصلاة العشاء والتروايح فوجدتها فوضى من بقايا الأكل المترامي ، والأكواب البلاستيكية البيضاء التي أخذت لنفسها ديكورا منفرا ، غير أن ذلك اختفى سريعا بفضل عمال النظافة الساهرون على صيانة الحرم .
صلينا العشاء والتراويح في جو من الخشوع ، ليس بعيدا عن الروضة الشريفة ، فكان الجو مفعما بالإيمان والتقوى في وجوه المصلين الذين هم من كل لون وجنس ، يوحدهم الإيمان ، فالروضة أخذها بعض المصلين معتكفا لا يبرحونه إلا عند الضرورة وهم بذلك يحرمون كثيرا من الناس حق الصلاة بين قبر الرسول ومنبره .
°°° زيارة المدينة المنورة لا إحرام فيها ، فكل ما في المدينة ينطق تاريخا وأحداثا ، أكبر الشواهد التي وقفنا عليها هي :
1) المسجد النبوي بشساعته وجمال طلعته بمرافقه وملحقاته . وهو ثاني الحرمين الصلاة فيه بألف صلاة ،مصداقا لحديث رواه البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)،
2) قبر الرسول وبجواره صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وفوقهم القبة الخضراء ، وقد مررنا وسط جمع كبير ، تحت رقابة أمنية مشددة صحبة وعاظ وإرشاد ديني ، وقبالته قلنا "السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر" رضي الله عنكما، يا ايها الرسول "لقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده ، فجزاك الله خيراً عن أمتك وصلى الله وسلم عليك" كل ذلك حسن، "جزاكما الله خيراً يا ابي بكر وعمر عن أمة محمد عليه الصلاة والسلام"
3) الروضة الشريفة ، قال رسولنا الكريم [ ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ]، فالزوار حريصون جدا على الصلاة في الروضة التي تكتظ عن آخرها .
4) زيارة مقبرة البقيع التي تفتح للزائرين بعد صلاة الصبح وبعد العصر لفترات قصيرة.
5) زيارة المساجدُ السبعة حول المنتشرة حول الحرم .
6) زيارة خاطفة لمسجد القبلتين ، و بئر رومية التي اشتراها عثمان بن عفان
7) زيارة موقع معركة أحد والوقوف في جبل الرماة والترحم على شهداء المعركة المدفونين منهم الصحابي الجليل حمزة بن عبد المطلب عم الرسول .
8) زيارة مسجد قُباء أول مسجد في الإسلام ، فالصلاة فيه ركعتين تعدل عمرة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم :صلاة في مسجد قباء تعدل عمرة .
وسأحاول أن أفرد كل مزار من تلك المزارات بملاحظاتي التي وقفت عندها في حلقة قادمة بإذن الله .