وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي الحبيب ابن عبد القادر
اقتباس:
ما يدعو إليه علماء السلفية المعاصرون خطير من جانبين ( يجب عدم الخلط بين علماء السلف السابقين لأن الظروف السياسية مختلفة تمام الاختلاف و ما يقوم به العلماء المعاصرون من سلفية و غيرهم هو مجرد إسقاط فتاوي من سبقهم على واقعنا و هنا يكمن الخلاف) .
ــــ أولا يحيطون الحكام القائمين بحماية دينية تجعل هؤلاء يتشبثون بالحكم مهما كانت العواقب لأن طاعتهم واجبة..
ــــ ثانيا يؤسسون للفوضى على اعتبار أن الحاكم المستقبلي إذا كان قادرا على التغلب فالواجب طاعته .
و للحديث بقية ....
|
أولا:أخي الكريم كلامك لا علاقة له بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد فنحن نتحدث عن مسألة تحكيم القوانين التي جعلها الخوارج حجة للخروج عن الحكام فبينت شبهاتهم ورددت عليها ولم اتطرق لموضوع العلماء المعاصرين ولا حتى على حكام اليوم أو غيرهم إنما تكلمت عن مسألة عقائدية بحتة لا علاقة لها بالأعيان أو الأشخاص لأن هذا ليس من مهامي إنما من مهام العلماء الربانيين الذين يسيرون على نهج السلف لذا لو تلتزم بنقطة النقاش أحسن
ثانيا:من تقصد بالعلماء السلفيين المعاصرين لأنهم كثر أ تقصد عائلة الكندهلوي في الهند أو مباركفوري أو عبد الباري في بنجلادش أو الألباني في الشام أو ابن باديس في الجزائر أم خليل الهراس وأحمد شاكر ومحمود شاكر في مصر أم ابن باز والعثيمين والفوزان في السعودية؟!
عليك أن تبين ما تقصد مع العلم أن هؤلاء الذين ذكرتهم لك منهجهم واحد وهو الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.
ثالثا:إن كنت تقصد جميع علماء السلفية فهذا يعني أنه لا يوجد طائفة منصورة فوق الأرض لأن الحق يدور مع السلفيين كما هو معلوم فلو كل العلماء السلفية أخطأو فهذا يعني أن الحق قد اختفى وهذا لا يقول به عاقل لأن الحق يبقى إلى يوم الدين .
رابعا:أما قولك:(
خطير من جانبين ( يجب عدم الخلط بين علماء السلف السابقين لأن الظروف السياسية مختلفة تمام الاختلاف و ما يقوم به العلماء المعاصرون من سلفية و غيرهم هو مجرد إسقاط فتاوي من سبقهم على واقعنا و هنا يكمن الخلاف)
أقول:
1- هذا كلام ليس بحجة بل فيه خلط وخبط لأن مسألة تحيكم القوانين مسألة متكررة فالزمن الذي عايشه ابن تيمية مع قوانين الياسق هو نفسه زمن الدمقراطية فكلا القانونان وضعيان
جاء في القاموس الإسلامي -التابع لوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية ص (48) نقلاً عن الموقع الرسمي (http:\
www.al-islam.com) بإشراف معالي الوزير الشيخ/صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ- جاء فيه:
أن "
القوانين التي وضعها جنكيز خان ورتب فيها أحكاما وحدد فيها حدودا...كانت هي لب القانون الذي يطبق في الخلافات بين المماليك في عصر سلاطين المماليك...."اهـ باختصار.
وقال المؤرخ الشهير يوسف بن تغري بردي -في "النجوم الزاهرة" (7/182)- :
(
كان الملك الظاهر [بيبرس] رحمه الله يسير على قاعدة ملوك التتار وغالب أحكام جنكزخان من أمر اليسق والتورا..)اهـ.
وقال محمد فريد بك المحامي -في "تاريخ الدولة العثمانية"ص (177-178) نقلاً عن كتاب "التبيين والتفصيل في مسألتي التقنين والتبديل" لأبي عمر العتيبي- قال عند ذكر الترتيبات الداخلية للسلطان (محمد الفاتح):
"ووضع أول مبادئ القانون المدني وقانون العقوبات فأبدل العقوبات البدنية أي السن بالسن والعين بالعين وجعل عوضها الغرامات النقدية بكيفية واضحة أتمها السلطان سليمان القانوني الآتي ذكره"اهـ.
2-هناك فرق شاسع في النقل بين التأصيل والتنزيل
إذ لابدَّ من التفريق عند النقل عن الأئمة بين ما خرج من كلامهم على جهة التأصيل والتأسيس وما خرج من كلامهم على جهة التنزيل والفتوى؛ فما كان على جهة التأصيل فلا يمكن الفتوى به إلا بعد النظر في ظروف الفتوى والواقع الذي تـُنزَّل عليه؛ وهذا من خصائص أهل العلم ,ولهذا قال أهل العلم: الحكم على الشيء فرع من تصوره,;وعلماء السلفية يدركون هذا تماما أكثر من غيرهم فهم يرثون الأصول عن السلف ويطبوقونها حسب الواقع المعاش أما فتاوى السلف في واقعهم المعاش فإنهم يقارنون بين واقع أولائك السلف وواقعنا لينزلو ا الحكم ولو قرأت جيدا ردي على من استدل بالياسق لتأكدت من هذا .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله:
((من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلَّ وأضلَّ، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم، والله المستعان)) [إعلام الموقعين 3\79].
فمن أراد أن يستشهد بنقلٍ ما عن إمامٍ ما في نازلةٍ معينةٍ فليكن استشهاده بالكلام فيما كان مشابهاً لظروف النازلة التي ينقل فيها الكلام، وإلا يكون قد أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف أزمنتهم وأحوالهم فيَضِل ويُضِل كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى.
خامسا:
أما قولك:
اقتباس:
|
ــــ أولا يحيطون الحكام القائمين بحماية دينية تجعل هؤلاء يتشبثون بالحكم مهما كانت العواقب لأن طاعتهم واجبة..
|
أقول:هذا خلط جديد من وجهين
الوجه الأول:إرضاء الحكام أو حتى الكفرة في مسألة تعود بالمصلحة للمسلمين لا يلزم منه أننا نوالي الحكام أم أننا نبرر أخطائهم بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أرضى كفار قريش في صلح الحديبة مع أنه يبغضهم ويعاديهم بمقتضى الولاء والبراء ومسألة طاعة الحكام في غير المعصية تعود للمسلمين بالنفع وحقن الدماء وجمع شملهم ورفع رايتهم وقوتهم كما هو معلوم بخلاف الخروج عليهم.
الوجه الثاني:الدعوى لطاعة الحاكم في غير المعصية قد حث عليها الكتاب والسنة والإجماع ومن أنكرها خرج من دائرة السنة والجماعة والتحق بالمعتزلة والخوارج والكتاب والسنة لا يرد بحجة أن هذه الأدلة تجعل غيرنا يتشبتون بالحكم مهما كانت العواقب فكتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام مقدمة على عقولنا .
الوجه الثالث:أما قولك(مهما كانت العواقب) فيه غلو شديد وتهويل لأن الطاعة مشروطة بأمرين:
الأمر الأول:أن تكون في المعروف ولا طاعة في المعصية.
الامر الثاني:ان لا يكون الحاكم كافرا أو مرتدا .
فكلامك ليس على إطلاقه
الوجه الرابع:كما أننا ندعوا الناس بطاعة الحاكم في غير المعصية فكذلك ندعوا الحكام إلى تقوى الله والإلتزام بشريعته لكن بالطرق الشرعية وهكذا نجمع بين حق الرعية وحق ولي الأمر وبهذا يكون العدل والإنصاف.
الوجه الخامس: نحن لم نقل أن ما يقوم به الحكام جائز بل يكفيه شناعة أن ربنا عزوجل وصفه بالكفر (إلا أنه لا يخرج من الملة) ولكن طاعة الحاكم الظالم أو الفاسق يوفر مصالح أكبر من فساده كما هو معلوم والتاريخ شاهد ,مع العلم أن سبب ظلم الحكام يرجع لذنوب المحكومين أنفسهم قال ـ تعالى ـ: {
وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، فليس الحكام الظلمة ـ إذن ـ الداء، بل الداء المحكومون أنفسهم.
قال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (2/177-178):
"
وتأمل حكمته ـ تعالى ـ في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم:
- فإن استقاموا؛ استقامت ملوكهم.
- وإن عدلوا؛ عدلت عليهم.
- وإن جاروا؛ جارت ملوكهم وولاتهم.
- وإن ظهر فيهم المكر والخديعة؛ فولاتهم كذلك.
- وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها؛ منعت ملوكهم وولاتهم مالهم عندهم من الحق، وبخلوا بها عليهم.
- وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم؛ أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه، وضربت عليهم الْمُكوس والوظائف، وكل ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فَعُمَّالُهم ظهرت في صور أعمالهم.
وليس في الحكمة الإلهية أن يولَّى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم.
وَلَمَّا كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها؛ كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شيبت لهم الولاة، فحكمة الله تأبى أن يولِّي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية، وعمر بن عبد العزيز، فضلاً عن مثل أبى بكر وعمر، بل ولاتنا على قدرنا، وولاة من قبلنا على قدرهم، وكلا الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها" اهـ.
وأثر هذا الخطأ الذي وقعت فيه إشغال الناس بأخطاء الحكام؛ لزعزعة الثقة بهم؛ ليتمكنوا من الخروج عليهم، وهذا فيه من تفويت مصالح الدين والدنيا على الناس وإزاحة الأمن بإحلال الفوضى والرعب مكانه.
قال ابن تيمية في "منهاج السنة" (3/391): "
ولهذا؛ كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف ـ وإن كان فيهم ظلم ـ، كما دلت على ذلك الأحاديث المستفيضة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ"، ثم قال: "ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" اهـ.
أما قولك:
اقتباس:
|
ــــ ثانيا يؤسسون للفوضى على اعتبار أن الحاكم المستقبلي إذا كان قادرا على التغلب فالواجب طاعته .
|
الجواب من عدة أوجه:
1-الفوضى كل الفوضى تكمن في الخروج على الحكام ولولا وجود هذه الفوضى لما أجمع علمائنا على طاعة الحاكم المتغلب .
2-الحاكم المتغلب هو من استتب له الأمر أما الذي حاول الإنقلاب فلا يسمى متغلبا كما ادعيت أنت لأن في لحظة إنقلابه يجب مقاتلته وهذا ما يسمى دفع الصائل إلا إذا تغلب وتمكن أو رأى المسلمون في قتاله مفاسد راجحة على المصالح
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ((
من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد ، يريد أن يشق عصاكم ويفرق كلمتكم فاقتلوه))
وفي رواية: ((
إنَّهُ ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان)) رواه مسلم في صحيحه(3/1479 ،
ومنه: فإن طاعة الحاكم المتغلب تكون في حالة إذا تغلب واسستب له الأمر لأن في الخروج عليه فوضى ومفسدة فقد قاتلناه(على سبيل التمثيل) ولم نتمكن لهذا وجبت طاعته وقد تواترت الأدلة على ذلك .
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ( الفتح 13/9 ، تحت الحديث رقم : 7053 ) :
«
قال ابن بطال . . . أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلَّب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه . . . » انتهى .
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ( الدرر السنية 7/239 ) :
«
الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلدٍ أو بلدان ؛ لـه حكم الإمام في جميع الأشياء » انتهى .
وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - رحمهم الله - ( مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 3/168 ) :
«
وأهل العلم . . . متّفقون على طاعة من تغلّب عليهم في المعروف , يرون نفوذ أحكامه وصحة إمامته ؛ لا يختلف في ذلك اثنان . . . » انتهى .
أقول :
ولا تستغرب هذه الإجماعات ؛ فقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ولاية غير القرشيّ :
فقال أبوذر - رضي الله عنه - ( م : 4732 ) :
(
أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع , وإن كان عبداً مجدّع الأطراف ) .
وجاء في حديث أم الحصين - رضي الله عنها - تفسير هذا بما يُشعر بالتغلُّب ( م : 4793 ) :
«
إن أُمّر عليكم عبدٌ مُجدّع . . . يقودكم بكتاب الله : فاسمعوا وأطيعوا » .
ومن هذين الوجهين يتبين أن الفوضى حقا هي في الخروج على الحاكم المتغلب لا العكس.
بارك الله فيك