رد: تعصب لا يمكن أن يأتي إلا من جهل :
04-03-2008, 09:08 AM
حديث مستفيض عن كبار شيوخ الأشاعرة ومنهج السلف
كبار شيوخ الأشاعرة والمنهج السلفي[1]:
للدكتور محمد أمان بن علي الجامي
وإذا كان بعض الكتاب المعاصرين أخطأوا في تصور حقيقة مذهب السلف والسلفيين - كما تقدم - فلنثبت هنا طائفة من كلام بعض أهل العلم من أولئك الذين أكرمهم الله بالتوبة عن علم الكلام في آخر أعمارهم، فتحدثوا عن مذهب السلف وأثنوا عليه بما هو أهله، وفي مقدمتهم ذلكم:
1- الإمام المقدم أبو الحسن الأشعري:
الذي تغني شهرته عن ترجمته، وقد نقل غير واحد من أهل العلم بالتاريخ وعلم الرجال، رجوع أبي الحسن الأشعري عن الاشتغال بعلم الكلام[2]، إلى الانتصار لمذهب السلف والدفاع عنه وأنه ألف في ذلك مؤلفات من أهمها آخر كتاب ألفه في إثبات صفات الله تعالى دون تفريق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، وبعبارة أخرى بين الصفات العقلية والصفات الخبرية السمعية وهو كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وستأتي قريباً بعض النقول من هذا الكتاب إن شاء الله.
وممن ذكر توبة الإمام أبي الحسن الأشعري، الحافظ ابن عساكر المتوفى 571هـ في كتابه (تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري)، وقام في هذا الكتاب بالدفاع عن الإمام وعقيدته وزيف كل ما قيل في عقيدته وأثبت رجوعه عن الاعتزال بعد أنا أقام عليه 40 سنة وكان لهم إماماً، ثم ذكر قصة رجوعه بالتفصيل مما يدل على أنه لم يترك مذهب الاعتزال إلا بعد أن خَبَرَه، وأدرك حقيقته واطلع على عواره من فساد الاعتقاد والجرأة علي الله وعلى كتابه وسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، ثم تاب الله عليه فتاب، فحسنت توبته، فصار بمثابة كتابي أسلم وحسن إسلامه بعد أن أدرك عوار اليهودية أو النصرانية، فأخذ يبين للناس فساد اعتقادهم فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة، وأبو الحسن كذلك أعدى الخلق إلى المعتزلة، ولذلك يشنعون عليه وينسبون إليه الأباطيل افتراء عليه كعادة أهل الباطل قديماً وحديثاً.
وممن ذكر رجوع أبي الحسن عن اعتزال إلى مذهب السلف أبو العباس بن خلكان[3]، حيث قال: كان أبو الحسن الأشعري معتزلياً، ثم تاب، ومنهم الحافظ ابن كثير صاحب التفسير المعروف[4] إذ يقول: إن الأشعري كان معتزلياً فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم، ومنهم الحافظ الذهبي[5] وأخيراً جاء المحدث المصري والسلفي الأثري محب الدين الخطيب ليؤكد تلك النقول في تعليقه على المنتقى[6] حيث يقول محب الدين رحمه الله: إن الأشعريين منسوبون إلى أبي الحسن الأشعري، وقد علمتَ أن أبا الحسن الأشعري كانت له ثلاثة أطوار:
أولها: انتماؤه إلى المعتزلة.
ثانيها: خروجه عليهم ومعارضته لهم بأساليب متوسطة بين أساليبهم ومذهب السلف.
والطور الثالث: انتقاله إلى مذهب السلف وتأليفه في ذلك كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وأمثاله، وقد أراد أن يلقى الله على ذلك اهـ.
وقال رحمه الله في موضع آخر في تعليقه على المنتقى: أما الأشعرية اسم المذهب المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري في علم الكلام، فكما أنه لا يمثل الأشعري ما كان عليه في طور اعتزاله فإنه ليس من الإنصاف أن تلصق به الأشعرية بعد أن رجع إلى عقيدة السلف التي أراد أن يلقى الله بها، بل إن المذهب الأشعري المنسوب إليه إنما ينسب إلى ما كان عليه ابن كلاب البصري المتوفى سنة 240هـ كما أوضح ذلك تقي الدين ابن تيمية في كتابة (العقل والنقل) 2/5 طبعة الشيخ حامد الفقي رحمه الله، ثم عدل أبو الحسن في آخر حياته عن كثير من تلك التأويلات وأثبت جميع الصفات، وأمرّها دون تأويل، وأثبتها دون تشبيه على ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهكذا ختم الله له بالحسنى[7].
وهاك بعض النقول من أول كتابه (الإبانة):
باب في إبانة قول أهل الحق والسنة: ثم قال رحمه الله - وهو يعلن إنكار ما قالته طائفة من أهل الكلام ويبين ما يقوله هو وأهل الحق والسنة:
"فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، ودياناتكم التي به تدينون؟ قيل له: قولنا الذي نقول به، ودياناتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، وفتاوى عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أظهر به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيْف الزائفين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم مفخم.
ثم قال الأشعري رحمه الله: فجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته وكتبه... إلى أن قال: وما رواه الثقات عن رسول الله عليه الصلاة والسلام لا نرد من ذلك شيئاً، ثم استطرد قائلاً: وأن الله مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[8]، وأن له وجهاً كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}[9]، وأن له يدين بلا كيف كما قال: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}[10]، وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}[11]، وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}[12]، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً.
وأن لله علماً كما قال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}[13]،، وكما قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ}[14]، ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجمهية والخوارج، ونثبت لله قوة كمال قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}[15]، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئاً إلا وقد قال له: كن كما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[16]، إلى آخر كلامه.
ومن أراد مزيد الاطلاع على درر كلامه المدعم بآيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، فعليه بالإبانة التي تحدثنا عنها ونقلنا منها بعض النقول وغيرها مثل مقالات الإسلاميين.
2- الإمام الجويني (الأب):
وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفى سنة 438هـ، وقد كان إمام في التفسير والفقه والأصول، بل له يد طولى في أكثر العلوم المعروفة في زمانه، وقد تخرج على يده خلق كثير وفي مقدمتهم ولده إمام الحرمين الذي يأتي ذكره بعده إن شاء الله، وقد ألف في كثير من العلوم، وأما الذي يهمنا هنا فرسالته اللطيفة، وهي عظيمة الفائدة تحت عنوان (رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، وتنـزيه البارئ عن الحصر والتمثيل والكيفية)، هكذا بهذا العنوان الطويل وهي ليست طويلة بل صغيرة جداً، لا تتجاوز (15) صفحة ولكنها تعالج وتحقق نقاطاً تعجز عن تحقيقها بل عن تصورها كثير من الموسوعات على سعتها.
والرسالة المذكورة تعالج صفة الفوقية والاستواء وصفة الكلام، وهاتان الصفتان قد ضل فيهما كثير من علماء الكلام واضطرابهم فيهما أسوأ من اضطرابهم فيما عداهما، وقد وصف المؤلف الحيرة التي استولت عليه عندما ظهر له الحق في هاتين الصفتين، وغيرهما من الصفات الخبرية التي يصعب على أهل الكلام سماعها فضلاً عن إثباتها كما سنرى عندما ننقل منها بعض النقول لنستشهد بها على ما نقول حول عقيدته وموقفه من علم الكلام بعد رجوعه. وميزة هذا الإمام أنه لم يمنعه التعصب والتقليد من اتباع الحق لما تبين له الحق بل اتبعه وأعلن به ودعا إليه، وجادل فيه شيوخه، وهو موقف لا يوفق له كل من عرف الحق. ولقد كانت دعوته ومناقشته لشيوخه تحمل في طياتها الشفقة عليهم والتلطف بهم دون أن يتهجم عليهم أو يهاجمهم ويعنف عليهم وهو ديدن العلماء العاملين الذين همهم بيان الحق والدعوة إليه دون تجريح أو تنفير عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"[17]، ولهذا المعنى الذي أشرت إليه والميزة التي نوهت بها أود أن أورد مقتطفات من كلامه ومختارات من عباراته في رسالته الموجهة إلى شيوخه وإخوانه.
وسوف أثبت هذه المقتطفات في آخر الرسالة إن شاء الله ملحقاً لها.
3- الجويني (الابن):
وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى سنة 478هـ، ينسب الإمام إلى مسقط رأس أبيه بلدة (جوين) بفارس، لأنه لما مات والده عبد الله بن يوسف جلس ولده عبد الملك مجلسه للتدريس فانتقلت إليه هذه النسبة، وقيل: كان عمره عشرين سنة عندما جلس للتدريس في مجلس والده، ولقب بإمام الحرمين لأنه كما قيل: جاور مكة أربع سنوات كان خلالها يناظر ويدرس، ثم عرج على المدينة المنورة.
وقد ألف الإمام الجليل مؤلفات كثيرة في فنون مختلفة، ومما يتصل ببحثنا هذا من مؤلفاته كتابه الكبير (الغياثي) ألفه لغياث الدولة الذي هو نظام الملك (الوزير) وهو الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي أبو علي الوزير العادل صاحب المدارس التي عرفت باسمه (النظامية) وأحد الزهاد العباد المعروفين، وناصر السنة وأهلها وحامي الفقهاء من بطش المبتدعة والزنادقة وأحد فقهاء الشافعية.
تولى الوزارة للسلطان (السلجوقي) (ألب أرسلان) ثم من بعده لابنه ملكشاه. ولد الوزير سنة 408هـ وتوفي سنة 485هـ.
كما أن الكتاب (الغياثي) منسوب لهذا الوزير الصالح الحسن بن علي الملقب (غياث الدولة)، فقد نسبت العقيدة النظامية إليه، لأنه يلقب أيضاً (نظام الملك) ونستحسن أن نثبت هنا بعض كلام الإمام نقلاً عن كتابه الكبير (الغياثي)، قال الإمام الجويني في الكتاب المذكور (رقم 279 ص190):
"ومن رام اقتصاداً، وحاول ترقياً عن التقليد واستبداداً فعليه بما يتعلق بعلم التوحيد من الكتاب المترجم (بالنظامي)، فهو محتو على لباب للباب، وفيه سر كل كتاب في أساليب العقول"[18].
والذي أذكره الآن لائقاً بمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذهب السلف السابقين قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن التعرض والتعمق في المشكلات والإمكان في ملابسة المعضلات والاعتناء بجمع الشبهات وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، إلى أن قال: "وما كانوا ينكفون رضي الله عنهم عما تعرض له المتأخرون عن عِيِّ وحَصْرِ، وتبلد في القرائح، هيهات قد كانوا أذكى الخلائق أذهاناً وأرجحهم بياناً، ولكنهم استيقنوا أن اقتحام الشبهات داعية الغوايات، وسبب الضلالات، فكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلون، وإليه مدفوعون. فإن أمكن حمل العوام على ذلك فهو الأسلم"[19] ا.هـ
وقال الإمام في العقيدة النظامية ص: 22-23: "وذهبت طائفة إلى التعطيل من حيث تقاعدت عقولهم عن درك حقيقة الإله، فظنوا أن ما لا يحويه الفكر منتف، ولو وقفوا لعلموا أنه لا تبعد معرفة موجود مع العجز عن درك حقيقته.
والذي ضربناه من الروح مثلاً يعارض به هؤلاء، فليس لوجود الروح خفاء وليس إلى درك حقيقته سبيل ولا طريق إلى جحد وجوده للعجز عن درك حقيقته، الأكمه يعلم بالتسامع والاستفاضة الألوان ولا يدرك حقيقتها، فهذا سبب زيغ المعطلة وهم على مناقضة المشبهة.
وأما فئة الحق فهدوا إلى سواء الطريق، وسلكوا جُدُد الطريق وعلموا أن الجائزات تفتقر إلى صانع لا يتصف بالصفات الدالة على الافتقار وعلموا أنه لو اتصف الصانع بها لكان شبيهاً بمصنوعاته، ثم لم يميلوا إلى النقي من حيث أن يدركوا حقيقة الإله، ولم يتعدوا موجوداً يجب القطع به مع العجز عن درك حقيقته، إذ وجدوا في أنفسهم مخلوقاً لم يستريبوا في وجوده، ولم يدركوا حقيقته، ونحن الآن نذكر عبارة حرية بأن يتخذها مولانا في هذا الباب هجيراً فهي لعمري المنجية في دنياه وأخراه، فنقول: من نهض لطلب مدبره، فإن اطمأن إلى وجود انتهى إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأن إلى النفي المحض فهو معطل، وإن قطع بموجود واعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد، وهو معنى قول الصديق رضي الله عنه إذ قال: "العجز عن درك الإدراك إدراك". فإن قيل فغايتكم إذا حيرة ودهشة، قلنا العقول (عاجزة) في درك الحقيقة قاطعة بالوجود المنـزه عن صفات الافتقار" اهـ.
قلت: فإمام الحرمين عبد الملك قد سلك مسلك والده الإمام أبي محمد الجويني في إعلانه أن فهم السلف هو الحق وحده فيما يعتقد العبد نحو ربه سبحانه، وما سواه باطل لا محالة لأنه إما تشبيه أو تعطيل أو توقف وهو يشبه أباه في هذا الموقف بالجملة "من يشابه أبه فما ظلم" وإن لم يبلغ درجة أبيه، حيث يوجد في كلامه بعض الثغرات التي يستطيع أن ينفذ منها بعض المغرضين المنحرفين ليعبثوا بكلامه بالتحريف فيه، وحمله على غير محمله، لخلاف كلام والده فإنه لم يترك مدخلاً لداخل يدرك ذلك من يقارن بين ما جاء في العقيدة النظامية للجويني (الابن) وما جاء في (رسالة إثبات الاستواء والفوقية للجويني) (الأب) وعلى كل حال فإن إمام الحرمين بحر لا ساحل له في علمه تدل على ذلك كتب التراجم ومؤلفاته المتنوعة، وكان رحمه الله يكره التقليد والتعصب، ومما نقل عنه قوله: "لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الطاهرة، وركبت البحر الخضَم وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق. وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد" اهـ.
وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه عبارات صارخة بالندم والتوبة ومتضمنة للنصيحة لأصحابه من علماء الشافعية - لو سمعوا نصيحته- إذ يقول رحمه الله:
"يا أصحابنا: لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ، ما اشتغلت به. وقال عند موته: (لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، كل ذلك اجتهادٌ في طلب الحق، فالآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان"[20].
وهي عبارات، كما ترى في غاية الصراحة في الندم والتوبة ولعل الله تقبل توبته ولا عذر لأصحابه بعد ذلك في بقائهم في أحضان علم الكلام وقد وضح لهم أنه ضار غير نافع... والله الموفق.
4- أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي الملقب بحجة الإسلام (505هـ):
بدأ في طلب العلم في بلده طوس، ثم قدم نيسابور فتردد على دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فلازمه وجد في طلب العلم حتى تخرج في مدة قريبة وبرز في الفقه والأصول وعلم الكلام، ونبغ نبوغاً منقطع النظير حتى كان الجويني يعتز به إلى أن توفي رحمه الله وبعد وفاة شيخه خرج الغزالي من نيسابور إلى بلدة يقال لها (العسكر) ولقي الوزير (نظام الملك) فأكرمه وعظمه وبالغ في إكرامه إلى أن فوض إليه التدريس في مدرسته النظامية (ببغداد)، وللوزير مدارس تسمى (بالنظامية) في عديد من البلاد والمدن رحمه الله.
وللإمام الغزالي مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم، ومما يتصل ببحثنا هذا من مؤلفاته كتابه اللطيف (إلجام العوام عن علم الكلام) الذي أشاد فيه بمذهب السلف، وتحدث عن حقيقته مبيناً أنه هو الحق وأن من خالف السلف فهو مبتدع لأنه مذهب الصحابة والتابعين، وقد أُخِذَ من الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، فكل خير في اتباعهم وكل شر في الابتداع بعدهم، وقد تحدث فيه بإسهاب عن مذهب السلف وحقيقة مذهب السلف هو الاتباع دون الابتداع.
وللإمام الغزالي رسالة سماها (بغية المريد في رسائل التوحيد) وهي جملة رسائل مفيدة وجليلة ومشتملة على كثير من المعاني اللطيفة وما يجب على المخلوق للخالق جلَّ شأنه وعلى ما يجب معرفته على كل إنسان من علم التوحيد.
وقد تحدث فيها عن تنـزيه الخالق، وأنه لا يشبهه شيء، ولا يشبه شيئاً، وكل ما خطر بالبال والوهم والخيال من التكييف والتمثيل، فإنه سبحانه منـزه عن ذلك. وقد نص في هذه الرسالة على نفي شبهة خطرة وهي: ما قد يتوهمه بعض الناس من أن إثبات الاستواء على العرش يلزم منه أن العرش يحمل الرب سبحانه وتعالى الله عما زعموا علواً كبيراً، وهو جملة من الأخطاء التي يتورط فيها أولئك الذين لا يكادون يفهمون صفات الله سبحانه وتعالى إلا كما يفهمون صفات خلقه من التحديد والإحاطة بالحقائق. وفي نفي هذا الوهم يقول الإمام الغزالي: "وليس العرش بحامل له سبحانه، بل العرش وحملته يحملهم لطفه وقدرته، وأنه تقدس عن الحاجة إلى مكان قبل خلق العرش وبعد خلقه، وانه يتصف بالصفات التي كان عليها في الأزل".
وقال في موضع آخر من الرسالة نفسها: "وهو سبحانه مقدس من صفات المخلوقين، منـزه وهو في الدنيا معلوم وفي الآخرة مرئي، كما نعلمه في الدنيا، بلا مثل ولا شبه، لأن تلك الرؤية لا تشابه رؤية الدنيا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}"[21].
وسبق أن نقلنا بعض عباراته عن كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام، وما هنا أوسع)[22].
5- أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم الشهرستاني:
ولد سنة 467هـ وتوفي سنة 548هـ وهو فقيه شافعي متكلم، وله مؤلفات كثيرة في الفقه. وهو صاحب الملل والنحل، وكتاب في علم الكلام لعله آخر مؤلفاته (نهاية الإقدام في علم الكلام)[23] وهو الذي ذم فيه علم الكلام وحذر منه وأوضح أن علم الكلام إنما يورث الحيرة، وليس لدى أربابه يقين في عقيدتهم. وقد أثبت في أول الكتاب المذكور بيتين في وصف حال أهل الكلام قائلاً
:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر
على ذقن أو قارعاً سن نادم
ولم يذكر أن البيتين لمن؟ وسواء كان هذا كلامه أو كلام غيره، فإنه ينص بهذين البيتين على سوء حال أهل الكلام، وما ينتهي إليه أمرهم من الحيرة والضلال، واضطراب العقيدة. فنسأل الله تعالى العافية والسلامة.
6- أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني الرازي المولد، الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي:
قال فيه صاحب وفيات الأعيان: إنه فريد عصره ونسيج[24] وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات، وعلم الأوائل وله تصانيف كثيرة ومفيدة في فنون عدة، ولعل أقرب كتاب من كتبه الكثيرة إلى الموضوع الذي نحن بصدده، كتابه في المعقولات (كفاية العقول) وكتاب (البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان). ومما يقال: إنه يحفظ (الشامل) لإمام الحرمين في علم الكلام، هذا، وذكر صاحب وفيات الأعيان أن له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العربي والعجمي، إلى أن قال: ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة.
وقد نظم بعض الأبيات في وصف حال أهل الكلام بعد أن تاب الله عليه فتاب، قائلاً:
نهاية إقدام العقول عقال
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
هذا وقد ذكر الإمام فخر الدين أنه اشتغل في علم الأصول على والد ضياء الدين عمر، وأخذ والده على أبي القاسم الأنصاري، وأخذ الأنصاري على إمام الحرمين أبي المعالي وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي وتتلمذ الباهلي على شيخ السنة أبي الحسن الأشعري...الخ
ولقد طوف هذا الإمام في علم الكلام ما طوف وخب ووضع، ثم تاب الله عليه فتاب -فيما يظهر لنا من كلامه- وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه، بعض العبارات التالية: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، ورأيت أقرب الطرق، طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[25]، و {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[26]، واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[27]، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}[28]، ثم قال في حسرة وندامة: "ومن جرب تجربتي عرف معرفتي"[29] ا.هـ
وبعد: فليس بغريب ولا عجيب أن يصاب هؤلاء الأئمة الفضلاء الذين تحدثنا عنهم بذلك الداء، داء علم الكلام والخوض في صفات الله ظناً وتخميناً في تلك العصور الخالية، إذ اشتغلوا به طلباً للحق، كما قال الإمام الجويني أبو المعالي وأكثر ما حملهم على ذلك الخوض مع مصادمته لنصوص الكتاب والسنة، تلك النصوص التي تثبت لله صفات الكمال -وصفات الله كلها كمال- الذي حملهم على ذلك في الغالب الكثير هو التقليد، تقليد شيوخهم لما لهم من المنـزلة والمكانة في نفوسهم، ولما أراد الله لهم اتباع الحق أعانهم على مخالفة مشايخهم وزملائهم وأصدقائهم إيثاراً للحق الذي اتضح لهم من تدبر آيات الكتاب العزيز ومن النظر في السنة المطهرة، كما صرح بذلك والد إمام الحرمين أبو محمد الجويني في رسالته التي تحدثنا عنها عند ترجمته، نعم ليس بغريب أن يحصل كل ما حصل وذلك بتقدير الله تعالى وإرادته الكونية، ثم تاب الله عليهم فتابوا بتوفيق الله، لأن المرض الغريب الطارئ قد ينتشر بين الناس فجأة قبل أن تعرف أعراضه لجهل الناس بحقيقته حتى يقابلوه بالوقاية قبل نزوله ثم بالعلاج إذا نزل، ولكن العجيب والمثير للدهشة أن يعرف وخطورته بإخبار أولئك المرضى الذين تحدثوا - بعد أن عافاهم الله - عن سوء حالهم ووحشتهم عندما كانوا مصابين، فقدموا للناس واجب النصح وحذروهم من أن يتعرضوا لأسباب ذلك المرض، وبعد هذا كله يأتي أناس يتجاهلون تلك النصائح والتحذير فيتعرضوا لأسباب المرض، فيمرضون ثم يتجاهلون مرضهم فلا يسرعون إلى العلاج، بل يبقون حتى تشتد عليهم وطأة المرض ولا يزال يفتك بهم من حيث لا يشعرون أو من حيث يشعرون.
هذا هو حال علم الكلام ومثل علماء الكلام بعد توبة إمامهم أبي الحسن الأشعري ومن بعده من كبار أئمة علماء الكلام الذين تابوا وتحدثوا عن مآل علم الكلام، وأوضحوا عواره وحذروا الناس من قربانه بعبارات صريحة لا سيما ما جاء في نصيحة الإمام الجويني أبي محمد والد إمام الحرمين، وما جاء في كلام الإمام الغزالي، وقد تقدم ذلك كله مفصلاً وبعد:
يتضح جلياً من دراسة أطوار حياة هؤلاء الأئمة الذي تقدم ذكرهم ومعرفة ما انتهى إليه أمرهم، ومعرفة نوع العقيدة التي ختم الله لهم بها حياتهم وهي العقيدة التي كان يعتقدها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، من كل ذلك يتضح لك دون شك أن العقيدة الأشعرية المعروفة اليوم عند الناس هي التي رجع عنها الإمام أبو الحسن الأشعري، ومن ذكروا بعده من كبار الشيوخ، فإذاً نسبه هذه العقيدة إلى أبي الحسن الأشعري نسبة غير صحيحة، لأنه لا يمثلها بعد أن رجع عنها قطعاً كما لا يمثل الاعتزال الذي كان إمام فيه إلى أن رجع عنه، فمن الإنصاف ألا ينسب إليه ما كان عليه في الطور الثاني، ثم رجع عنه بل هو معدود من أعيان أئمة السلف.
[1] قد يرد هنا سؤال -وهو وجيه- لماذا ترجمنا لبعض أعلام الأشاعرة ولم نفعل ذلك بالنسبة للمعتزلة، الجواب: ليس الغرض من الترجمة لهؤلاء الأئمة كونهم أعلام الأشاعرة وشيوخهم، بل الغرض بيان موقفهم من منهج السلف، وأنهم رجعوا إليه في آخر المطاف وأثنوا عليه خيراً بل بعضهم دعا إليه، مثل الجويني (الأب) كما سيأتي تفصيل ذلك، هذا هو سبب اختيارنا هؤلاء الأئمى للترجمة لهم والحديث عما انتهى إليه أمرهم، بعد تلك الجولة الطويلة في علم الكلام.
[2] واتصاله بابن كلاب الذي أخذ عنه هذه العقيدة المعروفة اليوم بالعقيدة الأشعرية، وهي في الواقع عقيدة كلابية، ثم أعلن أبو الحسن رجوعه عن الكلابية إلى مذهب السلف والانتصار له والدفاع عنه... الخ.
[3] المتوفى سنة 681هـ في كتابه: (وفيات الأعيان.)
[4] المتوفى سنة 774هـ في كتابه: (البداية والنهاية 11/187.)
[5] في كتابه: (العلو للعلي الغفار) الذهبي المتوفى 748هـ.
[6] (مختصر منهاج السنة) للإمام ابن تيمية ص: 43.
[7] راجع المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي تعليق محب الدين الخطيب ص: 41-43.
[8] سورة طه آية: 5.
[9] سورة الرحمن آية: 27.
[10] سورة ص آية: 75.
[11] سورة المائدة الآية: 64.
[12] سورة القمر آية: 14.
[13] سورة النساء آية: 166.
[14] سورة فصلت آية: 47.
[15] سورة فصلت آية: 15.
[16] سورة النحل آية: 40.
[17] أخرجه البخاري في كتاب العلم، من حديث أنس بن مالك 1/172 ط الحلبي.
[18] الكتاب المذكور ليس بذلك المستوى الذي يدل عليه كلام المؤلف، بل هو دون ذلك بكثير، لأنه لم يسلم من تناقض كتب علم الكلام. كما يظهر ذلك لكل مطلع على الكتاب المذكور، وهو يفرق بين الغث والسمين: "أقول هذا القول لبيان الواقع، ولبذل النصح للقارئ".
[19] الغياثي.
[20] الحموية الكبرى والتدمرية.
[21] بغية المريد في رسائل التوحيد.
[22] والإمام الغزالي على الرغم مما نقلنا عنه في كتابه إلجام العوام وغيره، لم يسلم من الاضطراب، يعرف ذلك من اطلع على كتابه: (المضنون به على غير أهله) وقد اضطرب فيه كثيراً بأسلوب فلسفي غامض.
[23] وفيات الأعيان 4/273.
[24] المرجع السابق 4/249.
[25] سورة طه آية: 5.
[26] سورة فاطرة آية: 10.
[27] سورة الشورى آية: 11.
[28] سورة طة آية: 110.
[29] من الحموية الكبرى لابن تيمية.
كبار شيوخ الأشاعرة والمنهج السلفي[1]:
للدكتور محمد أمان بن علي الجامي
وإذا كان بعض الكتاب المعاصرين أخطأوا في تصور حقيقة مذهب السلف والسلفيين - كما تقدم - فلنثبت هنا طائفة من كلام بعض أهل العلم من أولئك الذين أكرمهم الله بالتوبة عن علم الكلام في آخر أعمارهم، فتحدثوا عن مذهب السلف وأثنوا عليه بما هو أهله، وفي مقدمتهم ذلكم:
1- الإمام المقدم أبو الحسن الأشعري:
الذي تغني شهرته عن ترجمته، وقد نقل غير واحد من أهل العلم بالتاريخ وعلم الرجال، رجوع أبي الحسن الأشعري عن الاشتغال بعلم الكلام[2]، إلى الانتصار لمذهب السلف والدفاع عنه وأنه ألف في ذلك مؤلفات من أهمها آخر كتاب ألفه في إثبات صفات الله تعالى دون تفريق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، وبعبارة أخرى بين الصفات العقلية والصفات الخبرية السمعية وهو كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وستأتي قريباً بعض النقول من هذا الكتاب إن شاء الله.
وممن ذكر توبة الإمام أبي الحسن الأشعري، الحافظ ابن عساكر المتوفى 571هـ في كتابه (تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري)، وقام في هذا الكتاب بالدفاع عن الإمام وعقيدته وزيف كل ما قيل في عقيدته وأثبت رجوعه عن الاعتزال بعد أنا أقام عليه 40 سنة وكان لهم إماماً، ثم ذكر قصة رجوعه بالتفصيل مما يدل على أنه لم يترك مذهب الاعتزال إلا بعد أن خَبَرَه، وأدرك حقيقته واطلع على عواره من فساد الاعتقاد والجرأة علي الله وعلى كتابه وسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، ثم تاب الله عليه فتاب، فحسنت توبته، فصار بمثابة كتابي أسلم وحسن إسلامه بعد أن أدرك عوار اليهودية أو النصرانية، فأخذ يبين للناس فساد اعتقادهم فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة، وأبو الحسن كذلك أعدى الخلق إلى المعتزلة، ولذلك يشنعون عليه وينسبون إليه الأباطيل افتراء عليه كعادة أهل الباطل قديماً وحديثاً.
وممن ذكر رجوع أبي الحسن عن اعتزال إلى مذهب السلف أبو العباس بن خلكان[3]، حيث قال: كان أبو الحسن الأشعري معتزلياً، ثم تاب، ومنهم الحافظ ابن كثير صاحب التفسير المعروف[4] إذ يقول: إن الأشعري كان معتزلياً فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم، ومنهم الحافظ الذهبي[5] وأخيراً جاء المحدث المصري والسلفي الأثري محب الدين الخطيب ليؤكد تلك النقول في تعليقه على المنتقى[6] حيث يقول محب الدين رحمه الله: إن الأشعريين منسوبون إلى أبي الحسن الأشعري، وقد علمتَ أن أبا الحسن الأشعري كانت له ثلاثة أطوار:
أولها: انتماؤه إلى المعتزلة.
ثانيها: خروجه عليهم ومعارضته لهم بأساليب متوسطة بين أساليبهم ومذهب السلف.
والطور الثالث: انتقاله إلى مذهب السلف وتأليفه في ذلك كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وأمثاله، وقد أراد أن يلقى الله على ذلك اهـ.
وقال رحمه الله في موضع آخر في تعليقه على المنتقى: أما الأشعرية اسم المذهب المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري في علم الكلام، فكما أنه لا يمثل الأشعري ما كان عليه في طور اعتزاله فإنه ليس من الإنصاف أن تلصق به الأشعرية بعد أن رجع إلى عقيدة السلف التي أراد أن يلقى الله بها، بل إن المذهب الأشعري المنسوب إليه إنما ينسب إلى ما كان عليه ابن كلاب البصري المتوفى سنة 240هـ كما أوضح ذلك تقي الدين ابن تيمية في كتابة (العقل والنقل) 2/5 طبعة الشيخ حامد الفقي رحمه الله، ثم عدل أبو الحسن في آخر حياته عن كثير من تلك التأويلات وأثبت جميع الصفات، وأمرّها دون تأويل، وأثبتها دون تشبيه على ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهكذا ختم الله له بالحسنى[7].
وهاك بعض النقول من أول كتابه (الإبانة):
باب في إبانة قول أهل الحق والسنة: ثم قال رحمه الله - وهو يعلن إنكار ما قالته طائفة من أهل الكلام ويبين ما يقوله هو وأهل الحق والسنة:
"فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، ودياناتكم التي به تدينون؟ قيل له: قولنا الذي نقول به، ودياناتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، وفتاوى عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أظهر به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيْف الزائفين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم مفخم.
ثم قال الأشعري رحمه الله: فجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته وكتبه... إلى أن قال: وما رواه الثقات عن رسول الله عليه الصلاة والسلام لا نرد من ذلك شيئاً، ثم استطرد قائلاً: وأن الله مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[8]، وأن له وجهاً كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}[9]، وأن له يدين بلا كيف كما قال: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}[10]، وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}[11]، وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}[12]، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً.
وأن لله علماً كما قال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}[13]،، وكما قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ}[14]، ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجمهية والخوارج، ونثبت لله قوة كمال قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}[15]، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئاً إلا وقد قال له: كن كما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[16]، إلى آخر كلامه.
ومن أراد مزيد الاطلاع على درر كلامه المدعم بآيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، فعليه بالإبانة التي تحدثنا عنها ونقلنا منها بعض النقول وغيرها مثل مقالات الإسلاميين.
2- الإمام الجويني (الأب):
وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفى سنة 438هـ، وقد كان إمام في التفسير والفقه والأصول، بل له يد طولى في أكثر العلوم المعروفة في زمانه، وقد تخرج على يده خلق كثير وفي مقدمتهم ولده إمام الحرمين الذي يأتي ذكره بعده إن شاء الله، وقد ألف في كثير من العلوم، وأما الذي يهمنا هنا فرسالته اللطيفة، وهي عظيمة الفائدة تحت عنوان (رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، وتنـزيه البارئ عن الحصر والتمثيل والكيفية)، هكذا بهذا العنوان الطويل وهي ليست طويلة بل صغيرة جداً، لا تتجاوز (15) صفحة ولكنها تعالج وتحقق نقاطاً تعجز عن تحقيقها بل عن تصورها كثير من الموسوعات على سعتها.
والرسالة المذكورة تعالج صفة الفوقية والاستواء وصفة الكلام، وهاتان الصفتان قد ضل فيهما كثير من علماء الكلام واضطرابهم فيهما أسوأ من اضطرابهم فيما عداهما، وقد وصف المؤلف الحيرة التي استولت عليه عندما ظهر له الحق في هاتين الصفتين، وغيرهما من الصفات الخبرية التي يصعب على أهل الكلام سماعها فضلاً عن إثباتها كما سنرى عندما ننقل منها بعض النقول لنستشهد بها على ما نقول حول عقيدته وموقفه من علم الكلام بعد رجوعه. وميزة هذا الإمام أنه لم يمنعه التعصب والتقليد من اتباع الحق لما تبين له الحق بل اتبعه وأعلن به ودعا إليه، وجادل فيه شيوخه، وهو موقف لا يوفق له كل من عرف الحق. ولقد كانت دعوته ومناقشته لشيوخه تحمل في طياتها الشفقة عليهم والتلطف بهم دون أن يتهجم عليهم أو يهاجمهم ويعنف عليهم وهو ديدن العلماء العاملين الذين همهم بيان الحق والدعوة إليه دون تجريح أو تنفير عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"[17]، ولهذا المعنى الذي أشرت إليه والميزة التي نوهت بها أود أن أورد مقتطفات من كلامه ومختارات من عباراته في رسالته الموجهة إلى شيوخه وإخوانه.
وسوف أثبت هذه المقتطفات في آخر الرسالة إن شاء الله ملحقاً لها.
3- الجويني (الابن):
وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى سنة 478هـ، ينسب الإمام إلى مسقط رأس أبيه بلدة (جوين) بفارس، لأنه لما مات والده عبد الله بن يوسف جلس ولده عبد الملك مجلسه للتدريس فانتقلت إليه هذه النسبة، وقيل: كان عمره عشرين سنة عندما جلس للتدريس في مجلس والده، ولقب بإمام الحرمين لأنه كما قيل: جاور مكة أربع سنوات كان خلالها يناظر ويدرس، ثم عرج على المدينة المنورة.
وقد ألف الإمام الجليل مؤلفات كثيرة في فنون مختلفة، ومما يتصل ببحثنا هذا من مؤلفاته كتابه الكبير (الغياثي) ألفه لغياث الدولة الذي هو نظام الملك (الوزير) وهو الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي أبو علي الوزير العادل صاحب المدارس التي عرفت باسمه (النظامية) وأحد الزهاد العباد المعروفين، وناصر السنة وأهلها وحامي الفقهاء من بطش المبتدعة والزنادقة وأحد فقهاء الشافعية.
تولى الوزارة للسلطان (السلجوقي) (ألب أرسلان) ثم من بعده لابنه ملكشاه. ولد الوزير سنة 408هـ وتوفي سنة 485هـ.
كما أن الكتاب (الغياثي) منسوب لهذا الوزير الصالح الحسن بن علي الملقب (غياث الدولة)، فقد نسبت العقيدة النظامية إليه، لأنه يلقب أيضاً (نظام الملك) ونستحسن أن نثبت هنا بعض كلام الإمام نقلاً عن كتابه الكبير (الغياثي)، قال الإمام الجويني في الكتاب المذكور (رقم 279 ص190):
"ومن رام اقتصاداً، وحاول ترقياً عن التقليد واستبداداً فعليه بما يتعلق بعلم التوحيد من الكتاب المترجم (بالنظامي)، فهو محتو على لباب للباب، وفيه سر كل كتاب في أساليب العقول"[18].
والذي أذكره الآن لائقاً بمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذهب السلف السابقين قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن التعرض والتعمق في المشكلات والإمكان في ملابسة المعضلات والاعتناء بجمع الشبهات وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، إلى أن قال: "وما كانوا ينكفون رضي الله عنهم عما تعرض له المتأخرون عن عِيِّ وحَصْرِ، وتبلد في القرائح، هيهات قد كانوا أذكى الخلائق أذهاناً وأرجحهم بياناً، ولكنهم استيقنوا أن اقتحام الشبهات داعية الغوايات، وسبب الضلالات، فكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلون، وإليه مدفوعون. فإن أمكن حمل العوام على ذلك فهو الأسلم"[19] ا.هـ
وقال الإمام في العقيدة النظامية ص: 22-23: "وذهبت طائفة إلى التعطيل من حيث تقاعدت عقولهم عن درك حقيقة الإله، فظنوا أن ما لا يحويه الفكر منتف، ولو وقفوا لعلموا أنه لا تبعد معرفة موجود مع العجز عن درك حقيقته.
والذي ضربناه من الروح مثلاً يعارض به هؤلاء، فليس لوجود الروح خفاء وليس إلى درك حقيقته سبيل ولا طريق إلى جحد وجوده للعجز عن درك حقيقته، الأكمه يعلم بالتسامع والاستفاضة الألوان ولا يدرك حقيقتها، فهذا سبب زيغ المعطلة وهم على مناقضة المشبهة.
وأما فئة الحق فهدوا إلى سواء الطريق، وسلكوا جُدُد الطريق وعلموا أن الجائزات تفتقر إلى صانع لا يتصف بالصفات الدالة على الافتقار وعلموا أنه لو اتصف الصانع بها لكان شبيهاً بمصنوعاته، ثم لم يميلوا إلى النقي من حيث أن يدركوا حقيقة الإله، ولم يتعدوا موجوداً يجب القطع به مع العجز عن درك حقيقته، إذ وجدوا في أنفسهم مخلوقاً لم يستريبوا في وجوده، ولم يدركوا حقيقته، ونحن الآن نذكر عبارة حرية بأن يتخذها مولانا في هذا الباب هجيراً فهي لعمري المنجية في دنياه وأخراه، فنقول: من نهض لطلب مدبره، فإن اطمأن إلى وجود انتهى إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأن إلى النفي المحض فهو معطل، وإن قطع بموجود واعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد، وهو معنى قول الصديق رضي الله عنه إذ قال: "العجز عن درك الإدراك إدراك". فإن قيل فغايتكم إذا حيرة ودهشة، قلنا العقول (عاجزة) في درك الحقيقة قاطعة بالوجود المنـزه عن صفات الافتقار" اهـ.
قلت: فإمام الحرمين عبد الملك قد سلك مسلك والده الإمام أبي محمد الجويني في إعلانه أن فهم السلف هو الحق وحده فيما يعتقد العبد نحو ربه سبحانه، وما سواه باطل لا محالة لأنه إما تشبيه أو تعطيل أو توقف وهو يشبه أباه في هذا الموقف بالجملة "من يشابه أبه فما ظلم" وإن لم يبلغ درجة أبيه، حيث يوجد في كلامه بعض الثغرات التي يستطيع أن ينفذ منها بعض المغرضين المنحرفين ليعبثوا بكلامه بالتحريف فيه، وحمله على غير محمله، لخلاف كلام والده فإنه لم يترك مدخلاً لداخل يدرك ذلك من يقارن بين ما جاء في العقيدة النظامية للجويني (الابن) وما جاء في (رسالة إثبات الاستواء والفوقية للجويني) (الأب) وعلى كل حال فإن إمام الحرمين بحر لا ساحل له في علمه تدل على ذلك كتب التراجم ومؤلفاته المتنوعة، وكان رحمه الله يكره التقليد والتعصب، ومما نقل عنه قوله: "لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الطاهرة، وركبت البحر الخضَم وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق. وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد" اهـ.
وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه عبارات صارخة بالندم والتوبة ومتضمنة للنصيحة لأصحابه من علماء الشافعية - لو سمعوا نصيحته- إذ يقول رحمه الله:
"يا أصحابنا: لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ، ما اشتغلت به. وقال عند موته: (لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، كل ذلك اجتهادٌ في طلب الحق، فالآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان"[20].
وهي عبارات، كما ترى في غاية الصراحة في الندم والتوبة ولعل الله تقبل توبته ولا عذر لأصحابه بعد ذلك في بقائهم في أحضان علم الكلام وقد وضح لهم أنه ضار غير نافع... والله الموفق.
4- أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي الملقب بحجة الإسلام (505هـ):
بدأ في طلب العلم في بلده طوس، ثم قدم نيسابور فتردد على دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فلازمه وجد في طلب العلم حتى تخرج في مدة قريبة وبرز في الفقه والأصول وعلم الكلام، ونبغ نبوغاً منقطع النظير حتى كان الجويني يعتز به إلى أن توفي رحمه الله وبعد وفاة شيخه خرج الغزالي من نيسابور إلى بلدة يقال لها (العسكر) ولقي الوزير (نظام الملك) فأكرمه وعظمه وبالغ في إكرامه إلى أن فوض إليه التدريس في مدرسته النظامية (ببغداد)، وللوزير مدارس تسمى (بالنظامية) في عديد من البلاد والمدن رحمه الله.
وللإمام الغزالي مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم، ومما يتصل ببحثنا هذا من مؤلفاته كتابه اللطيف (إلجام العوام عن علم الكلام) الذي أشاد فيه بمذهب السلف، وتحدث عن حقيقته مبيناً أنه هو الحق وأن من خالف السلف فهو مبتدع لأنه مذهب الصحابة والتابعين، وقد أُخِذَ من الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، فكل خير في اتباعهم وكل شر في الابتداع بعدهم، وقد تحدث فيه بإسهاب عن مذهب السلف وحقيقة مذهب السلف هو الاتباع دون الابتداع.
وللإمام الغزالي رسالة سماها (بغية المريد في رسائل التوحيد) وهي جملة رسائل مفيدة وجليلة ومشتملة على كثير من المعاني اللطيفة وما يجب على المخلوق للخالق جلَّ شأنه وعلى ما يجب معرفته على كل إنسان من علم التوحيد.
وقد تحدث فيها عن تنـزيه الخالق، وأنه لا يشبهه شيء، ولا يشبه شيئاً، وكل ما خطر بالبال والوهم والخيال من التكييف والتمثيل، فإنه سبحانه منـزه عن ذلك. وقد نص في هذه الرسالة على نفي شبهة خطرة وهي: ما قد يتوهمه بعض الناس من أن إثبات الاستواء على العرش يلزم منه أن العرش يحمل الرب سبحانه وتعالى الله عما زعموا علواً كبيراً، وهو جملة من الأخطاء التي يتورط فيها أولئك الذين لا يكادون يفهمون صفات الله سبحانه وتعالى إلا كما يفهمون صفات خلقه من التحديد والإحاطة بالحقائق. وفي نفي هذا الوهم يقول الإمام الغزالي: "وليس العرش بحامل له سبحانه، بل العرش وحملته يحملهم لطفه وقدرته، وأنه تقدس عن الحاجة إلى مكان قبل خلق العرش وبعد خلقه، وانه يتصف بالصفات التي كان عليها في الأزل".
وقال في موضع آخر من الرسالة نفسها: "وهو سبحانه مقدس من صفات المخلوقين، منـزه وهو في الدنيا معلوم وفي الآخرة مرئي، كما نعلمه في الدنيا، بلا مثل ولا شبه، لأن تلك الرؤية لا تشابه رؤية الدنيا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}"[21].
وسبق أن نقلنا بعض عباراته عن كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام، وما هنا أوسع)[22].
5- أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم الشهرستاني:
ولد سنة 467هـ وتوفي سنة 548هـ وهو فقيه شافعي متكلم، وله مؤلفات كثيرة في الفقه. وهو صاحب الملل والنحل، وكتاب في علم الكلام لعله آخر مؤلفاته (نهاية الإقدام في علم الكلام)[23] وهو الذي ذم فيه علم الكلام وحذر منه وأوضح أن علم الكلام إنما يورث الحيرة، وليس لدى أربابه يقين في عقيدتهم. وقد أثبت في أول الكتاب المذكور بيتين في وصف حال أهل الكلام قائلاً
:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر
على ذقن أو قارعاً سن نادم
ولم يذكر أن البيتين لمن؟ وسواء كان هذا كلامه أو كلام غيره، فإنه ينص بهذين البيتين على سوء حال أهل الكلام، وما ينتهي إليه أمرهم من الحيرة والضلال، واضطراب العقيدة. فنسأل الله تعالى العافية والسلامة.
6- أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني الرازي المولد، الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي:
قال فيه صاحب وفيات الأعيان: إنه فريد عصره ونسيج[24] وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات، وعلم الأوائل وله تصانيف كثيرة ومفيدة في فنون عدة، ولعل أقرب كتاب من كتبه الكثيرة إلى الموضوع الذي نحن بصدده، كتابه في المعقولات (كفاية العقول) وكتاب (البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان). ومما يقال: إنه يحفظ (الشامل) لإمام الحرمين في علم الكلام، هذا، وذكر صاحب وفيات الأعيان أن له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العربي والعجمي، إلى أن قال: ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة.
وقد نظم بعض الأبيات في وصف حال أهل الكلام بعد أن تاب الله عليه فتاب، قائلاً:
نهاية إقدام العقول عقال
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
هذا وقد ذكر الإمام فخر الدين أنه اشتغل في علم الأصول على والد ضياء الدين عمر، وأخذ والده على أبي القاسم الأنصاري، وأخذ الأنصاري على إمام الحرمين أبي المعالي وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي وتتلمذ الباهلي على شيخ السنة أبي الحسن الأشعري...الخ
ولقد طوف هذا الإمام في علم الكلام ما طوف وخب ووضع، ثم تاب الله عليه فتاب -فيما يظهر لنا من كلامه- وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه، بعض العبارات التالية: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، ورأيت أقرب الطرق، طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[25]، و {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[26]، واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[27]، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}[28]، ثم قال في حسرة وندامة: "ومن جرب تجربتي عرف معرفتي"[29] ا.هـ
وبعد: فليس بغريب ولا عجيب أن يصاب هؤلاء الأئمة الفضلاء الذين تحدثنا عنهم بذلك الداء، داء علم الكلام والخوض في صفات الله ظناً وتخميناً في تلك العصور الخالية، إذ اشتغلوا به طلباً للحق، كما قال الإمام الجويني أبو المعالي وأكثر ما حملهم على ذلك الخوض مع مصادمته لنصوص الكتاب والسنة، تلك النصوص التي تثبت لله صفات الكمال -وصفات الله كلها كمال- الذي حملهم على ذلك في الغالب الكثير هو التقليد، تقليد شيوخهم لما لهم من المنـزلة والمكانة في نفوسهم، ولما أراد الله لهم اتباع الحق أعانهم على مخالفة مشايخهم وزملائهم وأصدقائهم إيثاراً للحق الذي اتضح لهم من تدبر آيات الكتاب العزيز ومن النظر في السنة المطهرة، كما صرح بذلك والد إمام الحرمين أبو محمد الجويني في رسالته التي تحدثنا عنها عند ترجمته، نعم ليس بغريب أن يحصل كل ما حصل وذلك بتقدير الله تعالى وإرادته الكونية، ثم تاب الله عليهم فتابوا بتوفيق الله، لأن المرض الغريب الطارئ قد ينتشر بين الناس فجأة قبل أن تعرف أعراضه لجهل الناس بحقيقته حتى يقابلوه بالوقاية قبل نزوله ثم بالعلاج إذا نزل، ولكن العجيب والمثير للدهشة أن يعرف وخطورته بإخبار أولئك المرضى الذين تحدثوا - بعد أن عافاهم الله - عن سوء حالهم ووحشتهم عندما كانوا مصابين، فقدموا للناس واجب النصح وحذروهم من أن يتعرضوا لأسباب ذلك المرض، وبعد هذا كله يأتي أناس يتجاهلون تلك النصائح والتحذير فيتعرضوا لأسباب المرض، فيمرضون ثم يتجاهلون مرضهم فلا يسرعون إلى العلاج، بل يبقون حتى تشتد عليهم وطأة المرض ولا يزال يفتك بهم من حيث لا يشعرون أو من حيث يشعرون.
هذا هو حال علم الكلام ومثل علماء الكلام بعد توبة إمامهم أبي الحسن الأشعري ومن بعده من كبار أئمة علماء الكلام الذين تابوا وتحدثوا عن مآل علم الكلام، وأوضحوا عواره وحذروا الناس من قربانه بعبارات صريحة لا سيما ما جاء في نصيحة الإمام الجويني أبي محمد والد إمام الحرمين، وما جاء في كلام الإمام الغزالي، وقد تقدم ذلك كله مفصلاً وبعد:
يتضح جلياً من دراسة أطوار حياة هؤلاء الأئمة الذي تقدم ذكرهم ومعرفة ما انتهى إليه أمرهم، ومعرفة نوع العقيدة التي ختم الله لهم بها حياتهم وهي العقيدة التي كان يعتقدها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، من كل ذلك يتضح لك دون شك أن العقيدة الأشعرية المعروفة اليوم عند الناس هي التي رجع عنها الإمام أبو الحسن الأشعري، ومن ذكروا بعده من كبار الشيوخ، فإذاً نسبه هذه العقيدة إلى أبي الحسن الأشعري نسبة غير صحيحة، لأنه لا يمثلها بعد أن رجع عنها قطعاً كما لا يمثل الاعتزال الذي كان إمام فيه إلى أن رجع عنه، فمن الإنصاف ألا ينسب إليه ما كان عليه في الطور الثاني، ثم رجع عنه بل هو معدود من أعيان أئمة السلف.
[1] قد يرد هنا سؤال -وهو وجيه- لماذا ترجمنا لبعض أعلام الأشاعرة ولم نفعل ذلك بالنسبة للمعتزلة، الجواب: ليس الغرض من الترجمة لهؤلاء الأئمة كونهم أعلام الأشاعرة وشيوخهم، بل الغرض بيان موقفهم من منهج السلف، وأنهم رجعوا إليه في آخر المطاف وأثنوا عليه خيراً بل بعضهم دعا إليه، مثل الجويني (الأب) كما سيأتي تفصيل ذلك، هذا هو سبب اختيارنا هؤلاء الأئمى للترجمة لهم والحديث عما انتهى إليه أمرهم، بعد تلك الجولة الطويلة في علم الكلام.
[2] واتصاله بابن كلاب الذي أخذ عنه هذه العقيدة المعروفة اليوم بالعقيدة الأشعرية، وهي في الواقع عقيدة كلابية، ثم أعلن أبو الحسن رجوعه عن الكلابية إلى مذهب السلف والانتصار له والدفاع عنه... الخ.
[3] المتوفى سنة 681هـ في كتابه: (وفيات الأعيان.)
[4] المتوفى سنة 774هـ في كتابه: (البداية والنهاية 11/187.)
[5] في كتابه: (العلو للعلي الغفار) الذهبي المتوفى 748هـ.
[6] (مختصر منهاج السنة) للإمام ابن تيمية ص: 43.
[7] راجع المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي تعليق محب الدين الخطيب ص: 41-43.
[8] سورة طه آية: 5.
[9] سورة الرحمن آية: 27.
[10] سورة ص آية: 75.
[11] سورة المائدة الآية: 64.
[12] سورة القمر آية: 14.
[13] سورة النساء آية: 166.
[14] سورة فصلت آية: 47.
[15] سورة فصلت آية: 15.
[16] سورة النحل آية: 40.
[17] أخرجه البخاري في كتاب العلم، من حديث أنس بن مالك 1/172 ط الحلبي.
[18] الكتاب المذكور ليس بذلك المستوى الذي يدل عليه كلام المؤلف، بل هو دون ذلك بكثير، لأنه لم يسلم من تناقض كتب علم الكلام. كما يظهر ذلك لكل مطلع على الكتاب المذكور، وهو يفرق بين الغث والسمين: "أقول هذا القول لبيان الواقع، ولبذل النصح للقارئ".
[19] الغياثي.
[20] الحموية الكبرى والتدمرية.
[21] بغية المريد في رسائل التوحيد.
[22] والإمام الغزالي على الرغم مما نقلنا عنه في كتابه إلجام العوام وغيره، لم يسلم من الاضطراب، يعرف ذلك من اطلع على كتابه: (المضنون به على غير أهله) وقد اضطرب فيه كثيراً بأسلوب فلسفي غامض.
[23] وفيات الأعيان 4/273.
[24] المرجع السابق 4/249.
[25] سورة طه آية: 5.
[26] سورة فاطرة آية: 10.
[27] سورة الشورى آية: 11.
[28] سورة طة آية: 110.
[29] من الحموية الكبرى لابن تيمية.
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
من مواضيعي
0 دعوةٌ تُصيبُ هذا الصنف من التجّار
0 تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي
0 في المعدل والجارح [ لبيان دقة علماء الحديث ]
0 اعتراض أهل البدع على النصوص الشرعية وضرورة مواجهتهم
0 مختارات من ردود الشيخ أبو اسحاق الحويني حفظه الله على الطائفة المخذولة
0 علم الرجال وأهميته
0 تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي
0 في المعدل والجارح [ لبيان دقة علماء الحديث ]
0 اعتراض أهل البدع على النصوص الشرعية وضرورة مواجهتهم
0 مختارات من ردود الشيخ أبو اسحاق الحويني حفظه الله على الطائفة المخذولة
0 علم الرجال وأهميته
التعديل الأخير تم بواسطة algeroi ; 04-03-2008 الساعة 09:10 AM








