شكرا أختي على هذا الموضوع
في الحقيقة يجب أن ننظر إلى هذا الموضوع من زاويتين :
- الأولى : أن أصل الضرب ثابت في القرآن الكريم وفي السنة النبوية.
أما في القرآن : فقد قال تعالى في سورة النساء : "وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)".
وقال أيضا في سورة ص :"وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)".
وأما في السنة النبوية : فقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع : " واتقوا الله في النساء فانهن عَوان عندكم - أي أسيرات عندكم - ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح " .
- الزاوية الثانية : أن صفة الضرب ليس كما يتصور كثير من الرجال عندما يضربون أزواجهم فيحطمون أسنانهم ويكسرون ضلوعهم ويهشمون عظامهم !!
ليس هذا هو الضرب الذي قصده الله تعالى في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته.
بل المقصود من الضرب المنصوص عليه في الآيتين والحديث هو الضرب غير المبرح الذي لا يكسر عظما ولايفقأ عينا.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية الأولى من سورة النساء :
قوله: { وَاضْرِبُوهُنَّ } أي: إذا لم يَرْتَدِعْن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في حجة الوداع: "واتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنهن عندكم عَوَانٌ، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشكم أحدا تكرهونه، فإن فَعَلْن فاضربوهن ضَرْبا غير مُبَرِّح، ولهن رزْقُهنَّ وكِسْوتهن بالمعروف" .
وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضربا غير مبرح. قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر. قال الفقهاء: هو ألا يكسر فيها عضوا ولا يؤثر فيها شيئا.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضرب ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت وإلا فقد حَل لك منها الفدية.اهـ كلامه
وقال سيد طنطاوي في تفسيره : قوله { واضربوهن } معطوف على ما قبله ،أي إن لم ينفع ما فعلتم من العظة والهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح - أي غير شديد ولا مشين.
وقد فسر العلماء الضرب غير المبرح بأنه الذى لا يكسر عظما ، ولا يشين جارحة ، وأن يتقى الوجه فإنه مجمع المحاسن ولا يلجأ إليه إلا عند فشل العلاجين السابقين.اهـ كلامه
وفي آية ص أمر الله تعالى أيوب عليه السلام أن يضرب زوجته بالضغث حتى لا يحنث في يمينه ، حيث يذكر المفسرون أن أيوب عليه السلام أرسل امرأته فى حاجة له فأبطأت عليه ، فأقسم أنه إذا برئ من مرضه ليضربنها مائة ضربة ، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة - وهي المعبر عنها بالضغث - وبها مائة عود ، ثم يضرب بها مرة واحدة ، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه ، وبين الرحمة بزوجته التى كانت تحسن خدمته خلال مرضه ، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام .
والضغث فى اللغة : القبضة من الحشيش اختلط فيها الرطب باليابس . وقيل : هى قبضة من عيدان مختلفة يجمعها أصل واحد .
ثم هاهنا أمر مهم يجب التنبيه له وهو أن الضرب يأتي في المرتبة الأخيرة بعد العظة والهجر في المضجع ، كما دلت عليه آية النساء ، فإذا حصل نشوز أو عصيان من الزوجة أدبها الزوج بالعظة أولا فإن لم تستجب هجرها في الفراش فإن لم تستجب ضربها ضربا غير مبرح كما بينا سابقا.
وهنا تعلم خطأ كثير من الرجال عندما يقدمون ما حقه التأخير ويؤخرون ما حقه التقديم ، وهذا نابع من جهلهم بسماحة الاسلام ومقاصده.
وبهذا البيان نكون قد نهجنا في هذه المسألة منهجا وسطا لا إفراط فيه ولا تفريط ، فلا ننكر أصل الضرب في الشرع ، كما لا نبالغ في الضرب إلى حد كسر العظم وفقأ العين.
وبالله التوفيق ، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان وأستغفر الله على ذلك.
ومعذرة على الإطالة في هذه المشاركة.
والسلام عليكم