الفصل الرابع ..
هنا توقفت المرأة عن الكلام بعد أن تملكها سعال شديد أحسست وكأن روحها تستأذنها به الخروج.. قامت تطل على شرفة البيت وقمت معها.. أخذت تتأمل وتتألم لتكمل الحديث قائلة.. "لم أنم تلك الليلة التي غادرنا فيها.. فقد قضيت ليلتي مذعنة صاغرة أدعو الله أن يحميه ويتولاه بالرعاية والحماية.. وهاهو الصباح يفرد خيوطه البيضاء ليبعث الأمل في النفوس الآملة ويسيطر بحزنه بجحوده على النفوس المتألمة السائلة.. وضعت الافطار كما عادتي.. وهاهي الأم وابنتها تجتمعان على مائدة لولا وجودها ما اجتمعتا يوما ولا استأنستا بأنس الحديث دهرا..
نظرت الي الفتاة نظرة خاطفة وكأنها تود سؤالي عن ابن عمها وشقيق قلبها.. لتقطع سيدة المنزل هذا الصمت وهي تقول.. أين سلام؟ ليس من عادته المغيب صباحا.. تلعثم لساني واغرورق عياني لأسيطر على الموقف وحالي.. لقد غادر البارحة.. غادرنا البارحة.. ابتسمت الأم ابتسامة ماكرة شزراء.. لتدخل البنت في شبه غيبوبة وكأنها تود العزلة والانطواء..
قامت باكية جاثية على شبه قدم الى غرفتها.. في حين أن الوالدة خاطبتني قائلة.. 'لقد كبر الولدان وما من داع لبقاءهما تحت سقف بيت واحد.. فابنكِ خريج جامعة وبامكانه الاعتماد على نفسه.. تحسين حاله وتدبير محاله.. ستتألم.. ستتألم وئام قليلا.. وسيزول المها بمرور الوقت والأيام'
هنا أحسست وكأني أنفاسي تلوذ بالفرار والخروج الى عالم غير عالم هاته الدنيا حزنا وقساوة.. واذ بمنظر الغروب يدلي بدلوه علينا وعلى وجوهنا المكتئبة الحزينة صانعا لنا كلمات صامتة.. لو نطقت لكونت في حد ذاتها قصيدة متكلمة..
لتكمل حديثها قاطعة صمتنا بالكلام.. "قضت البنت أياما حالكة سوداء.. ماكانت تقوم من فراشها الا نادرا.. وهاهي تفقد نضارتها ونشاطها الذي عهدناه منها.. ماتركت أمها طبيبا الا واستشفت به.. ولا أنيس خير الا واستعانت به.. لكن حالها لم يتغير.. وقيد جرحها لم يتحرر..
كنت أسهر الليالي بجانبها.. أذرف دموعا حارقة جمعت بين حال ولدي المجهول وحالها.. الى أن وصلني في صبيحة ذات يوم مرسال.. وكان من ابني.. نعم.. انه من ابني..
"أمـــاه.. غادرت بيت عمي كارها وها أنذا اغادر وطني آبيا.. لم أقدر الفراق.. ولم يغبطني ومذ ولادتي ترشف حس اللقاء.. فمن عاش حياة البؤس والوحشة قدرا من الزمان .. لن يعيبه عيش الوحدة والفراق وهذا حال الانسان..
مشيت في البراري والقفار.. تأملت حال الطبيعة ولون الشروق بخيوط فجر ..تحت سيول الأمطار.. تعاقبت علي الأيام وتنوعت رؤيتي للنجوم وتوضع وجوه الأقمار.. الا أن طيفها مالبث يلحقني أينما أحل وأينما تطأ قدمي هاته الأرض حتى وأنا أكتب رسالتي هاته بالمطار..
سأغادر البلاد مع رفيق درب.. سأكمل دراستي ببلاد الغربة.. أستعين بها على طرد الوحشة .. فوالله أرى ساعتي أن الغربة عن الوطن أمي الحنون الرؤوم.. ستقسو علي هناك الأيام.. لكن لن تصل قساوتها الى قسوة أقدار وأنا بموطني الأم..
سلامي لابنة عمي.. وأودعيها هذا الكلام.. أخبريها بأني عائد لامحال.. سأعود وأنا بأبهى حال.. سأكون مستقبلي وأرفع شهادتي .. فلتحفظ اسمي ولتقل انه كان ولازال ابن عمي .. رفيق دربي وهذا وعدي.. دعواتك أماه.. ولكما مني السلام"
لم تسعني الفرحة.. فذهبت راكضة الى البنت لأقرأ عليها الكلام.. وهاهي تشرق من جديد.. فسبحان مغير الأحوال..
هنا جلست المرأة على كرسي وقد أخذ منها تعب الكلام ومني شغف التأثر والاستماع.. لتستأذنني بالذهاب والمبيت عند ابنها.. من أسميته سابق عهدي غلام.. وصار اسمه عندي سلام.. أوصلتها الى العمارة المقابلة.. واستودعتها الى غد قريب بمشيئة الرحمن..
وأنا في طريق العودة الى البيت .. اذ بصوت المرأة يصدح عاليا.. وكأنه بصوت عويل صارخ.. لم تتمالك قدماي هول المسمع لأركض جارية الى عيان المنظر.. فاذ بالغلام على الأرض ساقط والناس من حوله آثروا أنس السلام..
أبي أينك ياابي.. قلت هذا الكلام بعد أن هاتفت والدي بلا شعور.. 'جار لنا بين الحياة والموت.. فان كنت تقرب المكان فلننقله الى المشفى عله يعانق الحياة من جديد.. والانسان للانسان'.. وما هي الا دقائق حتى نقل الى المشفى وسط اجتماع الناس والجيران.. أدخل العناية المركزة.. فحاله لم تسر الخاطر ولا العيان..
فيارب تول برحمتك ذاك الغلام..
.... ....
....