رد: هل سماع الموسيقى حرام أم حلال؟
22-11-2008, 12:16 AM
أدلة المجيزين للغناء مع الموسيقى :
تلك هي أدلة المحرمين ، وقد سقطت واحدًا بعد الآخر ، ولم يقف دليل منها على قدميه . وإذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك . ولو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على الإباحة غير سقوط أدلة التحريم , لكان ذلك كافيا للتدليل على أن سماع الغناء مباح وحلال وجائز , لأن الأصل في الأشياء الإباحة . فكيف ومعنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة ، وروحه السمحة ، وقواعده العامة ، ومبادئه الكلية ؟
وهاك بيانها :
1- من حيث النصوص :
استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة ، منها : حديث غناء الجاريتين في بيت النبي محمد - صلي الله عليه وسلم- عند عائشة ، وانتهار أبي بكر لهما ، وقوله : مزمور الشيطان في بيت النبي - صلي الله عليه وسلم - ، وهذا يدل على أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم ، فلو صح ذلك , أي لو كانت الجاريتان صغيرتين بالفعل لم تستحقا غضبَ أبي بكر إلى هذا الحد .
والمعول عليه هنا هو رد النبي - صلي الله عليه وسلم - على أبي بكر - رضي الله عنه – وتعليله : أنه يريد أن يعلمَ اليهودُ أن في ديننا فسحة ، وأنه بُـعث بحنيفية سمحة . وهذا يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدى الآخرين ، وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه .
وقد روي البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي - صلي الله عليه وسلم :
"يا عائشة ، ما كان معهم من لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ".
وروي ابن ماجة عن ابن عباس قال " أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله , فقال: " أهديتم الفتاة ؟ " قالوا : نعم , قال: " أرسلتم معها من يغني ؟ " , قالت : لا . فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم- " إن الأنصار قوم فيهم غزل ، فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم .. فحيانا وحياكم ؟! ".
وروي النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال " دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس ، وإذا جوار يغنين . فقلت : أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟! , فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا ، وإن شئت فاذهب ، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس " .
وروي ابن حزم بسنده عن ابن سيرين " أن رجلاً قدم المدينة بجوار فأتى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه ، فأمر جارية منهن فغنت ، وابن عمر يسمع ، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ، غبنت بسبعمائة درهم ! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر , فقال له : إنه غبن بسبعمائة درهم ، فإما أن تعطيها إياه ، وإما أن ترد عليه بيعه ، فقال : بل نعطيه إياها ". قال ابن حزم : فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية . وهذا إسناد صحيح , على خلاف من تلك الأسانيد الملفقة والموضوعة .
واستدلوا بقوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائمًا , قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ) . ( الجمعة: 11) .
فقرن اللهو بالتجارة ، ولم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما - بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحًا بها - عن خطبة النبي - صلي الله عليه وسلم - ، وتركه قائمًا .
واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه . وهم القوم الذين من اقتدى بهم اهتدى بإذن الله .
واستدلوا لما نقله غير واحد من الإجماع على إباحة السماع .
2- من حيث روح الإسلام وقواعده :
لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس ، وتستطيبها العقول ، وتستحسنها الفطر ، وتشتهيها الأسماع . إن الغناء لذة الأذن ، كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة ، والمنظر الجميل لذة العين ، والرائحة الذكية لذة الشم ... إلخ ، فهل الطيبات أي المستلذات حرام في الإسلام أم حلال ؟.
من المعروف أن الله تعالي كان قد حرم على بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا ، كما قال تعالى: ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا . وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ) (النساء: 160، 161) . فلما بعث الله محمدًا – صلي الله عليه وسلم- جعل عنوان رسالته في كتب الأولين ( الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث , ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ). (الأعراف: 157).
فلم يبق في الإسلام شيء طيب أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة إلا أحله الله ، رحمة بهذه الأمة لعموم رسالتها وخلودها . قال تعالى : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) . ( المائدة : 4 ) .
ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئًا من الطيبات مما رزق الله مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه ، فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده ، وليس من شأن أي كان من عباده ، قال تعالى: ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالاً , قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) ( يونس: 59 ) . وجعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات ، كلاهما يجلب سخط الله وعذابه ، ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين ، والضلال البعيد . قال جل شأنه وهو ينعي ويُـنكر على من فعل ذلك من أهل الجاهلية " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء علي الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين " . ( الأنعام : 140).
ولو تأملنا لوجدنا حب الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية وفطرة بشرية ، حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يُسكـتُـه الصوتُ الطيب عن بكائه ، وتنصرف نفسُه عما يُـبكيه إلى الإصغاء إليه ولذا تعودت الأمهاتُ والمرضعاتُ والمربياتُ الغناءَ للأطفال منذ زمن قديم ، بل نقول " إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي في الإحياء ( من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال ، بعيد عن الروحانية ، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور وجميع البهائم ، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرًا يستخف معه الأحمال الثقيلة ، ويستقصِرُ - لقوة نشاطه في سماعه - المسافات الطويلة ، وينبعثُ فيه من النشاط ما يُسكره ويُـولهـه. فتري الإبل إذا سمعت الحادي تمدُّ أعناقها ، وتُـصغي إليه ناصبة آذانها ، وتُسرع في سيرها ، حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها ) .
وإذا كان حب الغناء غريزة وفطرة فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها ؟. والجواب : كلا ، إنما جاء الإسلامُ لتهذيبها والسمو بها وتوجيهها التوجيه القويم . قال الإمام ابن تيمية رحمه الله " إن الأنبياء قد بُعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها ". ومصداق ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، فقال "ما هذان اليومان ؟ " قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهلية : فقال عليه السلام : " إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما : يوم الأضحي ويوم الفطر " رواه أحمد وأبو داود والنسائي .
وقالت عائشة " لقد رأيت النبي يسترني بردائه ، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ، حتى أكون أنا التي أسأمه - أي اللعب - فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو ".
وإذا كان الغناء لهوا ولعبًا فليس اللهو واللعب حرامًا ، فالإنسان لا صبر له على الجد المطلق والصرامة الدائمة .
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحنظلة - حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- " يا حنظلة ، ساعة وساعة " رواه مسلم .
وقال علي بن أبي طالب " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا أكرهت عميت".
وقال رضي الله عنه " إن القلوب تمل كما تمل الأبدان ، فابتغوا لها طرائف الحكمة " .
وقال أبو الدرداء " إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لها على الحق ".
وقد أجاب الإمام الغزالي عمن قال " إن الغناء لهو ولعب " بقوله ( هو كذلك ، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب... وجميع المداعبة مع النساء لهو ، إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد ، وكذلك المزاح الذي لا فحش فيه حلال ، نُـقلَ ذلك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وعن الصحابة .
وأيُّ لهو يزيد على لهو الحبشة والزنوج في لعبهم ، فقد ثبت بالنص إباحته . على أني أقول : اللهو مروح للقلب ، ومخفف عنه أعباء الفكر ، والقلوب إذا أكرهت عميت ، وترويحها إعانة لها على الجد ، فالمواظب على التفكر مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة , لأن عطلة يوم تساعد على النشاط في سائر الأيام ، والمواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات ، وربما لأجل ذلك كُـرهت الصلاة في بعض الأوقات . إن العطلة معونة على العمل ، وإن اللهو معين على الجد , ولا يصبر على الجد المحض والحق المر إلا نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . إن اللهو دواء القلب من داء الإعياء ، ومنه فينبغي أن يكون اللهو مباحًا ، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه ، كما لا ينبغي أن يستكثر من الدواء . فإذن اللهوُ بهذه النية يصير قربة من القربات . نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال ، لأن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح عن نفسه بغير الحق ، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين . ومن أحاط بعلم علاج القلوب ، ووجوه التلطف بها ، وسياقتها إلى الحق ، علم قطعًا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور – مثل سماع الغناء – هو دواء نافع لا غنى عنه) انتهي كلام الغزالي ( الإحياء : كتاب السماع ص 1152، 1153 ) ، وهو كلام نفيس يعبر عن روح الإسلام الحقة .
يتبع : ...
تلك هي أدلة المحرمين ، وقد سقطت واحدًا بعد الآخر ، ولم يقف دليل منها على قدميه . وإذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك . ولو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على الإباحة غير سقوط أدلة التحريم , لكان ذلك كافيا للتدليل على أن سماع الغناء مباح وحلال وجائز , لأن الأصل في الأشياء الإباحة . فكيف ومعنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة ، وروحه السمحة ، وقواعده العامة ، ومبادئه الكلية ؟
وهاك بيانها :
1- من حيث النصوص :
استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة ، منها : حديث غناء الجاريتين في بيت النبي محمد - صلي الله عليه وسلم- عند عائشة ، وانتهار أبي بكر لهما ، وقوله : مزمور الشيطان في بيت النبي - صلي الله عليه وسلم - ، وهذا يدل على أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم ، فلو صح ذلك , أي لو كانت الجاريتان صغيرتين بالفعل لم تستحقا غضبَ أبي بكر إلى هذا الحد .
والمعول عليه هنا هو رد النبي - صلي الله عليه وسلم - على أبي بكر - رضي الله عنه – وتعليله : أنه يريد أن يعلمَ اليهودُ أن في ديننا فسحة ، وأنه بُـعث بحنيفية سمحة . وهذا يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدى الآخرين ، وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه .
وقد روي البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي - صلي الله عليه وسلم :
"يا عائشة ، ما كان معهم من لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ".
وروي ابن ماجة عن ابن عباس قال " أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله , فقال: " أهديتم الفتاة ؟ " قالوا : نعم , قال: " أرسلتم معها من يغني ؟ " , قالت : لا . فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم- " إن الأنصار قوم فيهم غزل ، فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم .. فحيانا وحياكم ؟! ".
وروي النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال " دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس ، وإذا جوار يغنين . فقلت : أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟! , فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا ، وإن شئت فاذهب ، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس " .
وروي ابن حزم بسنده عن ابن سيرين " أن رجلاً قدم المدينة بجوار فأتى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه ، فأمر جارية منهن فغنت ، وابن عمر يسمع ، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ، غبنت بسبعمائة درهم ! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر , فقال له : إنه غبن بسبعمائة درهم ، فإما أن تعطيها إياه ، وإما أن ترد عليه بيعه ، فقال : بل نعطيه إياها ". قال ابن حزم : فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية . وهذا إسناد صحيح , على خلاف من تلك الأسانيد الملفقة والموضوعة .
واستدلوا بقوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائمًا , قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ) . ( الجمعة: 11) .
فقرن اللهو بالتجارة ، ولم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما - بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحًا بها - عن خطبة النبي - صلي الله عليه وسلم - ، وتركه قائمًا .
واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه . وهم القوم الذين من اقتدى بهم اهتدى بإذن الله .
واستدلوا لما نقله غير واحد من الإجماع على إباحة السماع .
2- من حيث روح الإسلام وقواعده :
لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس ، وتستطيبها العقول ، وتستحسنها الفطر ، وتشتهيها الأسماع . إن الغناء لذة الأذن ، كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة ، والمنظر الجميل لذة العين ، والرائحة الذكية لذة الشم ... إلخ ، فهل الطيبات أي المستلذات حرام في الإسلام أم حلال ؟.
من المعروف أن الله تعالي كان قد حرم على بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا ، كما قال تعالى: ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا . وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ) (النساء: 160، 161) . فلما بعث الله محمدًا – صلي الله عليه وسلم- جعل عنوان رسالته في كتب الأولين ( الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث , ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ). (الأعراف: 157).
فلم يبق في الإسلام شيء طيب أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة إلا أحله الله ، رحمة بهذه الأمة لعموم رسالتها وخلودها . قال تعالى : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) . ( المائدة : 4 ) .
ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئًا من الطيبات مما رزق الله مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه ، فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده ، وليس من شأن أي كان من عباده ، قال تعالى: ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالاً , قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) ( يونس: 59 ) . وجعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات ، كلاهما يجلب سخط الله وعذابه ، ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين ، والضلال البعيد . قال جل شأنه وهو ينعي ويُـنكر على من فعل ذلك من أهل الجاهلية " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء علي الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين " . ( الأنعام : 140).
ولو تأملنا لوجدنا حب الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية وفطرة بشرية ، حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يُسكـتُـه الصوتُ الطيب عن بكائه ، وتنصرف نفسُه عما يُـبكيه إلى الإصغاء إليه ولذا تعودت الأمهاتُ والمرضعاتُ والمربياتُ الغناءَ للأطفال منذ زمن قديم ، بل نقول " إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي في الإحياء ( من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال ، بعيد عن الروحانية ، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور وجميع البهائم ، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرًا يستخف معه الأحمال الثقيلة ، ويستقصِرُ - لقوة نشاطه في سماعه - المسافات الطويلة ، وينبعثُ فيه من النشاط ما يُسكره ويُـولهـه. فتري الإبل إذا سمعت الحادي تمدُّ أعناقها ، وتُـصغي إليه ناصبة آذانها ، وتُسرع في سيرها ، حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها ) .
وإذا كان حب الغناء غريزة وفطرة فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها ؟. والجواب : كلا ، إنما جاء الإسلامُ لتهذيبها والسمو بها وتوجيهها التوجيه القويم . قال الإمام ابن تيمية رحمه الله " إن الأنبياء قد بُعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها ". ومصداق ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، فقال "ما هذان اليومان ؟ " قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهلية : فقال عليه السلام : " إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما : يوم الأضحي ويوم الفطر " رواه أحمد وأبو داود والنسائي .
وقالت عائشة " لقد رأيت النبي يسترني بردائه ، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ، حتى أكون أنا التي أسأمه - أي اللعب - فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو ".
وإذا كان الغناء لهوا ولعبًا فليس اللهو واللعب حرامًا ، فالإنسان لا صبر له على الجد المطلق والصرامة الدائمة .
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحنظلة - حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- " يا حنظلة ، ساعة وساعة " رواه مسلم .
وقال علي بن أبي طالب " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا أكرهت عميت".
وقال رضي الله عنه " إن القلوب تمل كما تمل الأبدان ، فابتغوا لها طرائف الحكمة " .
وقال أبو الدرداء " إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لها على الحق ".
وقد أجاب الإمام الغزالي عمن قال " إن الغناء لهو ولعب " بقوله ( هو كذلك ، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب... وجميع المداعبة مع النساء لهو ، إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد ، وكذلك المزاح الذي لا فحش فيه حلال ، نُـقلَ ذلك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وعن الصحابة .
وأيُّ لهو يزيد على لهو الحبشة والزنوج في لعبهم ، فقد ثبت بالنص إباحته . على أني أقول : اللهو مروح للقلب ، ومخفف عنه أعباء الفكر ، والقلوب إذا أكرهت عميت ، وترويحها إعانة لها على الجد ، فالمواظب على التفكر مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة , لأن عطلة يوم تساعد على النشاط في سائر الأيام ، والمواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات ، وربما لأجل ذلك كُـرهت الصلاة في بعض الأوقات . إن العطلة معونة على العمل ، وإن اللهو معين على الجد , ولا يصبر على الجد المحض والحق المر إلا نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . إن اللهو دواء القلب من داء الإعياء ، ومنه فينبغي أن يكون اللهو مباحًا ، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه ، كما لا ينبغي أن يستكثر من الدواء . فإذن اللهوُ بهذه النية يصير قربة من القربات . نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال ، لأن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح عن نفسه بغير الحق ، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين . ومن أحاط بعلم علاج القلوب ، ووجوه التلطف بها ، وسياقتها إلى الحق ، علم قطعًا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور – مثل سماع الغناء – هو دواء نافع لا غنى عنه) انتهي كلام الغزالي ( الإحياء : كتاب السماع ص 1152، 1153 ) ، وهو كلام نفيس يعبر عن روح الإسلام الحقة .
يتبع : ...
اللهم اغفر لأهل منتديات الشروق وارحمهم واجعلهم جميعا من أهل الجنة
من مواضيعي
0 الطمع في خدمة تقدمونها إلي ...
0 عن الشيعة الإمامية الإثناعشرية بصيغة Pdf :
0 مواضيعي الطويلة ( المنشورة في المنتدى ) عن المرأة بصيغة Pdf :
0 أحكام من فقه ( مالك بن أنس ) الإمام :
0 ظواهر غريبة جدا عند طلب الرقية الشرعية
0 ماذا لو كنتَ مكاني وفُـرض عليك أن تسمحَ بالغشِّ ؟!
0 عن الشيعة الإمامية الإثناعشرية بصيغة Pdf :
0 مواضيعي الطويلة ( المنشورة في المنتدى ) عن المرأة بصيغة Pdf :
0 أحكام من فقه ( مالك بن أنس ) الإمام :
0 ظواهر غريبة جدا عند طلب الرقية الشرعية
0 ماذا لو كنتَ مكاني وفُـرض عليك أن تسمحَ بالغشِّ ؟!









