تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > المنتدى العام > نقاش حر

> ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
03-05-2007, 05:58 PM
...تابع/

*************************
التعليق :
كان هذا دليل من أفكارهم التي يحومون حولها ويدندنون حولها بل يعتقدونها اعتقادا جازما وكأنها من الدين وما هي من الدين ، كل ذلك لأجل إقامة الدولة الإسلامية والوصول بالأمة إلى الخلافة !!
لقد باعوا الإسلام وأطفأوا نوره من أجل الإسلام فأي تناقض هذا؟!
لعمرك إنهم لي سكرتهم يعمهون .
كذلك كانت جبهة الإنقاذ الجزائرية إخوانية قلبا وقالبا .
فهل آن لنا أن نستيقظ من سباتنا العميق ومن سكوتنا المزعج لنقول للمنهج الإخواني إنك منهج يخدم الأعداء.. والدليل واقعنا الفضيع الذي جرنا إليه إخوان المسلمين !

..يتبع/
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
03-05-2007, 06:04 PM
تاريخ الحركة الإسلامية في الجزائر المعاصرة
********************************************* قال عبد المالك بن أحمد بن المبارك رمضاني الجزائري في كتابه (مدارك النظر في السياسة ) : لما كان حديثي عن أوضاع الجزائر في هذا الزمن، لزمني أن أقَدّم للقارئ إلماحة عنها ليفهم ما يأتي بيانه، وقد أوجزتُ في ذلك جداً حرصاً على تصغير حجم الكتاب، ولذلك فقد تلحظ أنني خنقتُ الكلمات خنقاً! إلا أنني حرصتُ على الأهم فيما أظن. ثم لعلّك تارك بعض ما كتب ههنا في انتقاد بعضهم بأسمائهم وضائقٌ به صدرُك أن يقال: إنما هي غيبة وأكل لحمِ جيفة؟! فاطمئنَّ؛ فإن نيَّتي في ذلك الدفاع عن الدين، وما كان كذلك فذكاته شرعية شريفة. وقد اكتفيت في ذلك بالإحالة على الأحياء، والذمة تبرَأ بالإسناد، وما نَدَّ عنه قلمي أو شرَد عنه ذهني فعذر الاختصار فيه باد، فأقول وعلى الله الاعتماد: عَرَفَت الدعوةُ السلفية نشاطها الكبير في الجزائر أيام الاستعمار الفرنسي على يد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كان يرأسها الشيخ عبد الحميد ابن باديس ـ رحمه الله ـ وكان من علمائها المبرِّزين الشيخ الطيب العقبي، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ مبارك الميلي، والشيخ العربي التبسي، وغيرهم ... وتوفي جلُّهم ـ رحمهم الله ـ أيام الاستعمار، ومن بقي منهم فقد انحسر نشاطه السلفي جدا من يوم أن حُلَّت الجمعية بعد الاستقلال، وأضحت الدعوة لدى الإخوان المسلمين موضع استغلال، على حين جهل الأمة، وقلة المعارض من أهل البدعة وأهل السنة. مع العلم أنه لتصلب الجزائريين في دينهم لم ينجح فيهم التهويد ولا التنصير، ولا كان للقاديانية وجود ولا لجماعة الهجرة والتكفير، ولا سُمع فيها بدعوة رافضية، بل كل ما هنالك دير تصوف وصوامع إباضية. بدأت الدعوة ساذجة على نشاط ملحوظ من أتباع فكر مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ يَرون أن العمل الأكبر يكمن في مسابقة الحضارة، ثم لأسباب الإمارة انقسم الإخوان المسلمون إلى إخوان عالميين وآخرين إقليميين اشتهروا باسم ( الجَزْأَرة )، بينهم بأس شديد وتبديع، ثم عن العالميين انشقت جماعة النهضة وهي أبعدها عن التمييع، وأقربها عناية بالتربية، لكن بلا تصحيح ولا تصفية، وظهرت دعوة جماعة التبليغ، على ضعف حيث برَّز العلم، وقوة حيث ضعف، إلا أن انتشارها ليس بذاك. ولما كان جميع الإخوان بعقد السياسة يتناكحون، وبماء التصويت يتناسلون، وفي علم الكتاب والسنة يتزاهدون، وُلِد لهم مولود عاقّ، سمَّوه بالهجرة والتكفير كيلا يكون بينه وبين نسبهم إلحاق، وادَّعوا أنه خرِّيج السلفية وأهل الأثر، ولكن الحق أن » الولد للفراش وللعاهِر الحَجَر «، وقد شهد العدول يوم كان يُلقَم بأيديهم ثدي التكفير من صحف سيد قطب، كما قيل: فإن لم تكُنْهُ أو يكُنْهافإنّه أخوها غَذَتْهُ أمُه بلبانها وهم جميعا وإن كانوا لا يَرضَون بحسن البنّا بديلاً، فلا يقبلون في سيد قطب جرحاً ولا تعديلاً. أما تفرقهم فنتيجة حتمية لمن غاب عنده أصل ( التصفية والتربية ). عاش هؤلاء آنذاك في صراع ضائع مع الشيوعية، أمضى سلاحهم: المسرحيات والأناشيد ورياضة ركضٍ كركض الوحشي في البرية. ولغياب أصل الرد على المخالف، مع ظهور قرن الشيطان في إيران وتتابع التأييد المجازف، تلَقَّى هؤلاء ـ عن بكرة أبيهم ـ دعوة الخميني بكل ترحاب وتحنان، ولغياب أصل السلفية عندهم لم يشعروا بأدنى إثم وهم يجتمعون بمن يكيل لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفظع السباب وأقذع الشنآن، فما أوسع صدورهم لكل خلاف عقدي ما لم يكن سلفيا! وما أضيقها على كل خلاف حزبي خاصة إذا كان النقد سلفيا! وتراهم من كل حدب ينسلون، وإلى محاضرات الرافضي رشيد بن عيسى يتنادون، في عقر دارهم وبدعوة منهم، لا يفتر عن التفكه بأعراض السلف الصالح وهم يضحكون! {وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُون}. ثم لم يلبثوا مليًّا حتى نجم التشيّع بعد أفول، وأخذ بعض أفذاذهم للرفض يتشيَّعون، عن اعتقاد جازم وحماس قوي، فتدارك الأمرَ الإقليميُّ محمد سعيد الونّاس، لكن بصوت خفيّ وعلم غير حفيّ؛ لأنهم لا يزالون يلَقَّنون ويلقِّنون: لا تُظهروا الخلاف بينكم؛ فإن العدوّ متربِّص بكم!! وكانوا من قبل هذا يَرمون السلفيين ـ إذا حذَّروهم من الشيعة الروافض ـ بتفريق الصف!! وأيم الله! إنه لبسبب تأييد هؤلاء لهم سياسياً صار للروافض في الجزائر وجود، وإلا فمن الذي فتح لهم الباب غيرُ ذلك الحزبي، وكل حزبيّ للمبتدعة وَدود! فهل يَرجعون بنا إلى تشيُّع بني عبيد؟ وليس فيهم من يقطع دابرهم كالقيروانيّ ابن أبي زيد؟ أم لم يعرفوا فقيههم هذا إلا بالمالكي صاحب الرسالة؟ فلِمَ يكتمون حربه للتشيّع وأشاعرة الضلالة؟! ولما كان العمل السياسي طاغياً على هذه الأحزاب، لم تجد العقيدة بها في دعوتهم محلاًّ من الإعراب، ومن كان يعلِّمها يومذاك ـ كعلي بن حاج ـ كان يعلِّمها على الطريقة الأشعرية، وعلى رِسْلكم قبل أن تجيء قلوبكم ناكرة؛ فإن كراريس تلاميذه الأولين شاهدة سافرة. وقبيل سنة (1400هـ)، تعلَّم شيئا من السلفية، ودعا إليها على تقصير ملحوظ في جنب العقيدة، وكان بينه وبين عباسي مدني ردود عنيدة، أوشكت على تحبيب السنة للشباب لولا أن أذهبَ بركتها تدخّلاته السياسية، منها: دخوله في الصراع المستمر في الجامعات بين الطلبة الإسلاميين والشيوعيين. وفي السنة التي بعدها نشب اقتتال بين هؤلاء، حمل على إثره مصطفى أبو يعلي وجماعته الإسلامية السلاح، وورَّطوا معهم علي بن حاج مع أنه كان يتظاهر بنهيهم عن مثل هذا الكفاح. وقامت هذه الجماعات كلها ـ ولم تبرز الفُرقة بينها بعدُ ـ بمظاهرة في الجامعة المركزية بالجزائر العاصمة، يطالِبون فيها بتحكيم الشريعة، وكان ـ يومها ـ علي بن حاج يقول: " أعطوني دليلاً واحداً من الكتاب أو السنة على مشروعية المظاهرات وأنا معكم "!! لكن مشكلته أنه إذا خطب أظهر الوفاق للمتظاهرين، والله أعلم بما هو في قلبه دفين. من أجل ذلك ضيَّق عليه النظام، حتى خطب في الناس قائلا: " لقد خُيِّرْتُ بين ترك الخطابة أو السجن، وأنا أختار ما اختار يوسف عليه الصلاة والسلام حين قال :{رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}"!! وكانت هذه الدروشة مضرب المثل في الشجاعة لدى الرعاع، إلا أن أحد الفطناء اعترض عليه بعد ذلك قائلا: " لقد تلوْتَ في خطبتك آية في غير محلها؛ وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام قال ذلك حين خُيِّر بين الفاحشة والسجن، أما أنت فخُيِّرتَ بين ترك وسيلة من وسائل الدعوة وبين السجن، وقد علَّمتَنا مرارا أن الحكومة لو منعتك من كلمة المسجد، فلن تَحُول بينك وبين الدعوة، فلك الكلمة في المقهى والوليمة والمأتم وغيرها، فلا أظنك بهذا الخطأ تدخل السجن إلا عقوبة من الله .. ". وأُدخل السجن هو وكثير من الدعاة، وأُرْغم بعضهم على الإقامة الجبرية، وضُيِّق على الدعوة بعدما كانت في غنىً عن ذلك. ولا بدّ من التذكير ههنا أن عباسي مدني من غلاة حزب ( الجَزْأَرة )! وهو كذلك إلى الآن! وإنما الذي جمعه بعلي بن حاج هو أمران: الأوّل: أنّ المنَظِّرين الحقيقيّين للجزأرة منعوه من القيادة بعد نازلة الجامعة المركزية آنفة الذكر؛ يوم أن أجمعوا في السجن على أنه ـ بحمقه وتسرّعه ـ أَوردهم شرّ الموارد!! فنكايةً منه بهم انضمّ إلى ابن حاج. الثّاني: النزعة السياسية الغالبة عليهما لم تُبقِ للولاء العقديّ محلاًّ!

..يتبع/
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
03-05-2007, 09:59 PM
المرحلة الذهَبيَّة للدَعْوَة


أقول بصراحة: إن أزهى أيام الدعوة التي عرفتُها عندنا هي السنوات الخمس التي تلت هذه النازلة، وقد كانت قبلها الجماعاتُ آنفة الذكر تجمع غثاءً بلا علم ولا تربية، ثم تفرِّقه؛ إما أن تفرِّقه هي بتحزباتها، وإما أن تزُجَّ به في مغامرات خطيرة لتقدِّمه في الأخير للأنظمة قرابين سياسية، ولا يَرْعَوُون! وكأن دعوتهم لا تزيد على تجميع هذا الغثاء السياسي، وبطن السياسة بأضعاف أمثاله وَلود، وبعد كل عملية إجهاض يعلِّق بعضهم لبعض وِسام المجاهد ويُنادَى عليه بالخلود!! لكن بعد أن ولَّت الدعوات السياسية إلى انحسار، تعلَّمنا على أيدي طلبة العلم علماً جمًّا، وكثرت المساجد وازدحمت بأهلها، وكادت العقيدة السلفية تتبوَّأ من الديار الجزائرية مبوَّأ صدق، وأُخفيت مظاهر الشرك في كثير من المدن، وعَضَّت الطرقية الأنامل من الغيظ، حتى رأينا منهم مَن لا يلبَس عباءته إلا متخفيًّا في زاويته، فإذا خرج منها خلعها! وطُمِس على كثير من البدع، بل ربما دخلتَ مسجدا فلم تصادف فيه بدعة، لا في بنائه، ولا في تزويقه، ولا في صلاة إمامه، وتعلَّم الناس كثيرا من الآداب الإسلامية التي شحَّت بها التخطيطات السياسية! وعظُمت ثقة الناس بدعاتهم، الذين كان الواحد منهم ينتقل من قرية إلى قرية في أنصاف الليالي لا يخاف إلا الذئب على نفسه، بل كان ينتقل بين الثكنات العسكرية يُعلّم الهدى حتى انتشر الوعي في أوساطها. والسر في ذلك هو أن هذه المرحلة كانت أكثر الأزمنة نشراً للعلم الشرعي منذ الاستقلال، ومن عجيب الموافقات أن هذا العمل قد اجتمع عليه ثلاث فئات هي:
1 ـ السلفية: لأن العلم أصل دعوتها، ونشر كتب السنة أكبر نَشْوَتها، خاصة من قِبل بعض خرِّيجي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، الذين لم تَغْتَل عقولَهم الدعواتُ الحزبية، كما كان لرسائل الدعوة التي يرجع بها المعتمرون أثر بالغ في نشر العلم الصحيح؛ لأن جلّها في أبواب العقيدة وأنْعِم بها عقيدة! وأعظَم منه قيام الملحق الثقافي السعودي بتوزيع » مجموع فتاوى ابن تيمية « في الأوساط العلمية عن طريق بعض الفضلاء بوزارة الشئون الدينية، واستفاد الأئمة منه استفادة عظيمة لولا أن منَعَتْه بعدها يد طُرُقِيَّة مذهبية شقيَّة. وأعظَم من هذا كله أن الديار الجزائرية حظيَت بعناية أكبر محدِّثي هذا العصر، ألا وهو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ حفظه الله ـ؛ فقد أخبر الثقة أنه حضر عنده في بيته، فجاءته خمسون مكالمة هاتفية من الجزائر في مجلس واحد! فكان ـ حفظه الله ـ غرسه بالأردن، وثمار دعوته ممتدة إلى الجزائر، فسبحان الله الهادي! أقول هذا لأن الكثير ظنّ أن سلفية الجزائر هي مولود ( الجبهة الإسلامية للإنقاذ )، كلا! فإنه لا وجود لهذه الجبهة يومئذ، بل كان علي بن حاج في السجن الأول نسياً منسيًّا.
2 ـ جلّ الجماعات الأخرى التي سبق الحديث عنها: وهي وإن كانت لاتؤَصِّل دعوتها إلا على السياسة، فقد أرغمتها سياسة الحديد والنار ـ بعد نازلة الجامعة ـ على احتراف العلم وترك السياسة إلا في الظلام. وقد كنتُ انبهرتُ يوم دخلت مساجد بعض الجامعات، فرأيتُ فيها لأول مرة لوحة منصوبة على الجدار، كتِب عليها في يوم: أحكام التجويد، وفي آخر: فقه، وفي ثالث: علوم القرآن ... الخ، مع أنني لم أكن أسمع فيها من قبلُ إلا قال المودودي، وقال سيد قطب، وقال سعيد حوَّى ... وأقرب علم إلى الشرع عرفتُه عنهم هو السيرة النبوية، لكن دراستهم لها كانت لأغراض سياسية، حتى لكأنهم لا يعرفون منها إلا الغزوات! ولذلك فإن أشد ما يكرهون عند تدريسها هو أن يشوَّش عليهم بدراسة أسانيد الروايات، خاصة إذا كانت تُفَوِّت عليهم استنباطات حركية!! أو توقفهم عند أحكام فقهية قد تقيِّد حريَّتهم الحركية أو تأخذ من وقتهم، والقطار السياسي لا ( يبرمج ) لتَوقُّفه مثل هذه المحطات، إنه لا يرضى إلا بمحطة البرلمان! المهم أنه مَهْما تكن نيَّتهم في تحوُّلهم العلمي، فقد كانت مرحلة أفضل من سابقتها( ).
3ـ وافق هذا إقامةُ الدولة معارضَ كبيرة للكتاب، مع إقبال على المؤلفات الإسلامية يفوق الوصف، وربما بيع ألف ألف كتاب في أسبوعين فقط. وظهرت ثمرة الدعوة العلمية في سرعة فائقة، وكانت الصدارة فيها للدعوة السلفية التي لقيت في العاصمة حفاوة رائقة، وبدأت تبسط أجنحتها خارجها على الرغم من قلة دعاتها وكثرة عِداتها، وقلة مراجعها العلمية، وكثرة محاربيها بالمؤتمرات الرسمية، لكن مساجدها هي المطروقة، ونشراتها هي الموثوقة، فقد كان الطلبة يحضرون دروسها بانتظام ومواظبة، وربما بلغ عددهم الألفين في المجلس الواحد، ليس في الجمعة، بل في درس الليل، أما الجمعة فيسافَر لها من مئات الأميال، وظهرمن الشباب السلفي مَن عُلِّقت عليه آمال وآمال: في شغفه العلمي، والتزامه العملي، واشتهر بحفظ القرآن، حتى كان مَوْئل الباحثين عن أئمة رمضان، مع التنبيه على أنه الوقت الذي أفلست فيه الجماعات الأخرى، وكل من أضحى سلفياً من رموزهم ففي هذه المدة القصيرة، وفيها برز انقسام الإخوان بجلاء إلى الكتل الثلاثة التي ذكرتها في أول هذا الفصل. وإذا رأيتني هنا أنحى باللوم الشديد على بعض الدعاة وأغضّ الطرف عن حسناتهم؛ فلأنني لا أرى من تسبَّب في وَأْد هذا الخير العظيم إلا جانيا على الإسلام والمسلمين أعظم جناية، ولو رأيتَ ما رأيتُ لقلتَ: ليس الخبر كالمعاينة. ومن بركة العلم أن كثيرا من القوانين الوضعية أخذ في انحسار سريع، على الرغم من ندرة التعرض لنقضها، فقد أدرك الناس ـ بتعلم السنة ـ مناهضتها للشرع، حتى الإداريّ الذي يحفظها أضحى لا يعرفها إلا حِبرا على ورق؛ لأنه يسمع في مسجده أو في مكتبه ما يُضْعف قناعته بها. وأعرف من هدم ستين قبّة في منطقة واحدة من الغرب الجزائري، ووجد من المسئولين من يدعمه على الرغم من إرجاف الصوفية القبوريين، وأضحت المحافظة على الصلوات في العمل لا تقبل الجدل، بل فَرض القانونُ بناءَ مسجد في كل مؤسسة، وكاد يُقضى على مشكلة الصيام بالحساب، بل قُضي عليها لولا تقصير بعض الثقات الموكَّلين بترقّب الهلال، كما قلَّت بيوت الفساد والخمارات وعوقب المفطر في رمضان بلا عذر عقوبة رسمية، بل لقد نوقش في البرلمان لأول مرة بشكل مفتوح: منع الخمور، ورياضة المرأة، وغيرها من القضايا وفق الأحكام الشرعية. أما المظاهر الإسلامية كالجلباب للمرأة والزي الإسلامي للرجل، فلم تعُد محل نقاش، حتى اللحية التي يمنعها القانون العسكري على الجنود، قد رُئِيَ منهم أنفسهم من يوَفّرها، وحظِيَ ذوو المظاهر الإسلامية بتوقير كبير لدى الناس.
...يتبع/
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
03-05-2007, 10:00 PM
....تابع/

وأما من الناحية الأمنية فقد كانت الجزائر من آمَن بلاد الله؛ وقد كان الواحد منا يمكث سنوات متتابعات لا يَحمِل معه أوراقه الثبوتية! وكانت الشُّرَط نادراً ما يحملون معهم السلاح، بل ذُكِر لي أن بعضهم كان يضع في حزامه خشبةً تُشبِه المسدَّس بَدَله! أكتب هذا تذكيراً بأصل ( نيل السؤدد بالعلم )، ليَقْصُر الدعاة من زهدهم في نشر العلم الصحيح؛ لأنهم إن لم يَحْرِموا الناس من بركته، وظهر في الأمة الإخلاص لله في العمل به، غيَّر الله ما بهم من بأس. وإنما عربون الفتنة في انصراف العلماء عن تعليم أمتهم الكتاب والسنة أي العلم الذي يعني الجميع، إلى الجهد الضائع في السياسات العصرية التي لا تعني إلا فئة محصورة على أكبر تقدير، وهذا خلاف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فعن جابر قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين، يتبع الناس بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى يقول: (( من يُؤويني؟ من ينصرني حتى أبَلِّغ رسالة ربي وله الجنة؟ ))، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر ـ كذا قال ـ فيأتيه قومه فيقولون: " احذر غلام قريش لا يفتنك "، ويمشي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويْناه وصدَّقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن، ويُقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيُسلِمون بإسلامه، حتى لم يَبق دار من دور الأنصار إلا وفيها من المسلمين يُظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا، فقلنا: " حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطرَد في جبال مكة ويخاف؟ "، فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدِموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى تَوافينا، فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال: » تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدِمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة ... « .من مظاهر رفع الله لأمة العلم أن الشيوعيين ـ الذين كانوا يحاولون التسلّل في الدولة التي كانت لهم بالمرصاد آنذاك ـ قلُّوا بصفة مدهشة! واعتزلهم الناس، إلا أنهم لم ييْأسوا، فحاولوا بكل وسيلة ضرب الإسلام، فلم يجدوا أنفع لهم من استفزاز شخصية إسلامية ثورية، يستطيعون التحكم فيها بالتهييج السياسي، ويبدو أنهم لم يجدوا أحسن من علي بن حاج في شبابه وقوة نشاطه، وسحر بيانه وشدة نقمة سجين على نظامه، فأُخرج من السجن قبل انتهاء مدته، ثم هُيِّئَت له ثورة شعبية! عُرفت بثورة (5 أكتوبر 1988م)، وزُعِم أنها شعبية شعبية!! وزُعِم أن أمن الدولة مُنِع من التدخل!! وقُرْقِر في أذن علي بن حاج أن ( الشعب ) ينتظر كلمة المسجد!! فجعل يقذف بلسانه ذات اليمين وذات الشمال، وكان جلّ حديثه بل قُلْ كل حديثه عن السجن والحكومة، فنصح له الدعاة السلفيون بل وغيرهم لكن بلا جدوى. ثم نُصِب له الفخّ السياسي: التعددية الحزبية، وقيل للناس هل أنتم متحزِّبون؟! لعلنا نتَّبع الكثرة إن كانوا هم الغالبين؟! فاستجاب لهم أصحاب الوعي السياسي عن بكرة أبيهم!! مِن الجماعات الإسلامية التي هي على مستوى تحديات العصر!!! لأنهم يكثرون عند الطمع، ويقلُّون عند الفزع، و(اليد الشعبية!) تتصيَّدهم حزباً حزباً، وخَطَبَ العدوُّ دعاةَ الحماسة، وتَمَّ النكاح حتى تخلَّقَت الحزبية في ظلمات ثلاث: ظلمة الجهل بالشريعة، وظلمة إغلاق العقل عند شباب حديد بالطبيعة، وظلمة الاستفزاز الخارجي الذي لا يألوهم خبالاً ولا مكرًا ولا خديعة! وكَوَّن علي بن حاج حزبه في ليل من السياسة غاسق، وسمّوه: ( جبهة الإنقاذ الإسلامية )، ومن يومها والجزائر تستغيث: هل من منقذ؟! حقيقةً! إنّ فتنة هؤلاء الخطباء في قومهم أعظم فتنة؛ لأنهم ملَقِّحوها! ويا عجباً! كيف لا يُقلَّدون عارها وقد أضرموا نارها؟! وهم أدوات في أيدي عدوّهم يحرِّكها كيف يشاء، قال خبير الفتن حذيفة بن اليمان صلى الله عليه وسلم : " إنّ الفتنة وُكِلت بثلاث: بالحادّ النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيِّد؛ فأما هذان فتبطحهما لوجوههما، وأما السيّد فتبحثه حتى تبلو ما عنده " . وطبيعة التحزب تغنيك عما يتبعها من عنف، كانت تُستدرَج إليه الجبهة في سرعة جعلت ( الأحزاب الإسلامية ) الأخرى مقبوضة اليد، توجِس من التحزب خيفة، ولكن ما دام لا بد ـ عندهم ـ من البديل ولو لم يكن مشروعاً، فقد أنشأوا لهم: ( رابطة الدعوة الإسلامية )، لتكون لها الوصاية الدعوية على غيرهم، وأوغلوا فيها عباسي مدني وعلي بن حاج ليكونوا تحت عينهم، وتَوَّجوا الإقليمي الشيخ أحمد سحنون كرئيس شرفي، والرئاسة الحقيقية ترجع إلى حِرَفِيِّي الاحتيال في حلبة النطاح الحزبي: إما إقليمي، أو إخواني، أو نهضوي، أو رافضي ...! وما سُمِّيَت رابطة إلا لأنهم يربطون عقدها، وكلٌّ فيها بسحر السياسة نافث، فنعوذ بالله من شر النفاثات في العقد. لكن رُقيتها لم تفلح طويلا في علي بن حاج رغم اجتماع النافخين فيه، فكان كلما أراد أن يخالفهم فعل ولم يبالِ بمخالفيه، من أجل ذلك استشارني بعض الإقليميين في أن يتَخلَّلوا صفوف جبهة الإنقاذ، فقلت: ولِمَ؟ قال: " لنُخَفِّف من جنون الرجلين: مدني وابن حاج! "، فقلت: " إذن سيُوَرِّطانكم فيما تكرَهون "، فلم يقبلوا النصيحة، وانخرط كبيرهم محمد سعيد الونّاس، وزعموا: " أنه لا يزيد على وظيفة الحماية المدنية {كُلَّمَا أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ} بأيدينا!"، واتَّخذ الجميعُ من السياسة جارحةَ صَيدٍ يَجْمعون بها الرغوة، واتَّخذها أعداؤهم آلةَ كَيدٍ يَجهضون بها الدعوة، ولذلك لم يمض إلا زمن يسير، وإذا بالجميع بحمأة الفتن يُكوَى، والله يهديهم. أما الإخوان العالميون فقد أظهروا بقوة رفضهم للتحزب، وتظاهروا بسلوك طريق التربية، وأعلن ذلك أميرهم محفوظ نحناح في الجرائد بلا خفاء، وهم يترقَّبون يوم مذبحة الجبهة ليقال لهم: يا لكم مِن حكماء!، ولكن ذلك لم يحصل، بل هالهم أن نجحت الجبهة في الانتخابات البلدية وامتدّ سلطانها، وظنوا المُلْك غنيمة باردة، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى قصروا عمر الحكمة وخلعوا برقع التربية، وقالوا: " السياسة من الدين ولا بد من الحزبية! "، لكن قطار الجبهة حشد الحشود ولم يُبقِ لهم من الأصوات ظَهراً مركوبا إلى الحكم إلا بحّة شيوعية ووطنية، فكانوا كالشاة العائرة بين غنمين، وأخيرا تحالفوا مع الأحزاب الشيوعية والوطنية! نعوذ بالله من الحور بعد الكور. وفي آخر سنة (1411هـ) غيَّر النظام الحاكم قانون الانتخابات، ورأت جبهة الإنقاذ أنها مكيدة مدبَّرة، فدعت إلى إضراب عام عن العمل، واعتصموا ببعض الساحات العامة، وبدأ الجدّ يظهر بعد هذه ( المسرحية )، فمِن الجبهة عنف اللسان، ومِن مخالفيهم عنف السِّنان. وبينما أنا في بيتي في حيّ يقال له: جسر قسنطينة، إذ سمعت صارخا من مكبِّر صوت المسجد ينَدِّد بفعل بعض عسكر الدولة، لكنه أرشد إلى الصبر، فحمدت الله. ولم ألبث إلا قليلا فإذا بصارخ آخر من مسجد ثان يكرِّر التنديد، لكنه مصحوب بالنداء إلى الجهاد!! فقلتُ في نفسي: " هذا ( حزب إسلامي ) يريد إقامة دولة الإسلام وقد عجز عن توحيد كلمة مسجدين في هذا الظرف العصيب؟ يا لها من مغامرة يُساق إليها بلد مسلم! قد فعلْتَها بهذه الأمة يا ابن حاج!" ففزعت إلى الصلاة، ولم أشعر حتى فاضت عيناي بالدمع، وجال في مُخَيَّلتي قصة حماة بسورية، {ولَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}. وفي سنة (1412هـ) دخلت الأحزاب الترشيحات البرلمانية، وفازت جبهة الإنقاذ في الدور الأول منها، ثم تغيَّرت الأوضاع فجأة، واستقال رئيس الجمهورية ابن جديد، واستبدلت الحكومة بأخرى ... فلجأ خطباء الجبهة إلى منابر المساجد مستنفرين الأمة إلى الجهاد؛ يتلثَّم الخطيب كيما يُعرَف، فيشتم ثم يصلي بالناس الجمعة ثم يفرّ! وربما فرَّ قبل الصلاة!! وإذا حضرت الشرطة لم تجد إلا الأبرياء، فتأخذهم بجريرة أولئك الأبطال! أبطال هذه اللعبة الصبيانية ـ وإن رأوها مناورة حركية ـ!! ودخلوا في ( مضاربة بلا رمح، وليل بلا صبح ).
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
03-05-2007, 10:19 PM
علي بن حاج والعلماء


لم يتعلم هذا الشابّ على أيدي أهل العلم، فتكوينه العلمي حصيلة دراسته على الكتب، ومن زعم أنه تتلمذ على يدي الشيخ عبداللطيف سلطاني أو الشيخ العرباوي ـ رحمهما الله ـ فقد غلط، بل ماتا وهما ساخطان عليه، وهذا شيء يعرفه كل من يسكن عاصمة الجزائر، ثم كل ما هنالك أن الرجل حضر بصفة متقطعة جداً بعض الدروس التي كان يُلقيها الشيخ العرباوي في مسجد
» جنان المبروك « في شرح كتاب » بداية المجتهد « لابن رشد
.
وقد بدا لي من خلال معرفتي به الطويلة أن السجن الأول ـ قبل فتنة الأحزاب هذه ـ أثَّر فيه أثراً بالغا، وذلك من ناحيتين:

الأولى: أنه أخبرني هو أنه عكف على كتب الإخوان المسلمين وفَلاَها فَلْياً، بغرض انتقادها ـ كما زعم ـ وسمى لي منها كتب محمد الغزالي والقرضاوي وسيد قطب، لكنه لم يلبث أن تأثر بها؛ يدلُّ عليه انقباضه من العلماء بعد خروجه من السجن الأول، ومن العلماء السلفيين خاصة! ولئن قلتَ كيف يستقيم هذا ونحن نسمع أنه سلفيّ؟
قلت: إن الذي لم يقنع بما عليه السلفيون منذ عهدهم الأول حتى يبتدع سلفية حركية، لن يجيء ـ مهما طوَّر الأسلوب وحوَّر في العبارات ـ إلا ببنت الإخوانية! ولو قرأتَ لهذا الرجل ما كتب لما استغربت،كيف وجلّ نقولاته عن الإخوان، من سيد قطب وأخيه محمد وعبدالقادر عودة وصلاح الخالدي وحسن البنا وحتى من محمد عبدالقادر أبي فارس وغيرهم ممن تقرأ أسماءهم في كتبه مثل كتاب » فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام «، ولئن أخذ ومضة من كتب ابن تيمية فمن باب قوله تعالى: {وإنْ يَكُن لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِين}، مع ذلك فيُفصِّل كلامه على قدّه ببتر نصوصه، واقرأ إن شئت ما كتبه في حكم الإضراب، ينكشف لك ما قلته بلا ارتياب.
وهذه عاقبة من لم يسعْه ما وسع السلف، وشبَّهتُ حاله في تأثّره بالإخوان ـ وهو يريد انتقادهم فيما زعم ـ بحال الغزالي الذي قال فيه أبو بكر بن العربي: " شيخُنا أبو حامد: بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع! "( ).
ولا يخفى على من جرَّب الجماعات المعاصرة ما في منهج ( الإخوان ) من الازدراء بأهل العلم، وإلا فخبِّروني من أول من نبزهم بعلماء الحيض والنفاس؟! وبعلماء القشور؟! وبعلماء البلاط؟! وبالذين يعيشون القرون الوسطى؟! وبعلماء الكتب الصفراء؟! وبعلماء البدو؟! ..
الثانية: ما لقيه في السجن ورَّثه الانتقام للنفس، وكرَّه إليه أهل العلم الذين لا يشاركونه الرأي في مصادمة الحكومات، وعلى هذا أمارات ظاهرة، أذكر منها:
1 ـ عند خروجه من السجن نهاية سنة (1407هـ)، ألقى دروسا في موضوع الكبائر من الكتاب المنسوب للذهبي ـ رحمه الله ـ في ذلك، فقال في أول درس له: " درج العلماء على البدء بكبيرة الشرك، وأنا أرى البدء بكبيرة ( كتمان العلم )؛ لأنَّه لولا كتمان العلماء الحقَ ما ظهر
الشرك .. "!! وهذا مسجَّل في أول شريطٍ له في » الكبائر «، ومع أنه قد قيل إنه تراجع عن مسألة الأولية، فهل تراجع عن نفرته من أهل العلم؟
2 ـ في رمضان سنة (1408هـ) كان يتجهَّز لأداء صلاة عيد الفطر قبل الدولة من أجل رؤية الهلال، فدُعيتُ إلى مجلس هو فيه، واقترحتُ على الحضور خطة لحفظ الدعوة من الاختلال فيما أظن، ودار الحوار الآتي:
قلتُ لهم: أتعلمون أن فيكم عالما؟ فأجابوا جميعا بالنفي، بما فيهم هو.
قلت: بما أن الخطأ في هذه القضايا الكبيرة وارد جدا على غير العلماء، وأنه قد يكلف الأمة دماءها وأعراضها، فأنا أقترح عليكم أمرين هما:
أ ـ تركُ الخوض في المسائل التي هي أكبر من حجمنا، وإسنادُها إلى أهلها مهما ابتُلينا بإرشاد الناس، ومن فضل الله علينا أننا لا نختلف في المرجع المؤهَّل لها، فالسلفيون لا يعرفون اليوم على وجه الأرض أعلم من الشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وإخوانهم من أهل العلم بالأثر، ومن فضل الله علينا تيسُّر الاتصال بهم، وتواضعهم لكل سائل، وتوحيد مصدر التلقي من أعظم نعم الله علينا.
ب ـ التشاور فيما بيننا في فهم أجوبتهم، طمعا في جمع الكلمة ما استطعنا إليه سبيلا، فوافق الجميع إلا ابن حاج، قال قولة غريبة حين قال:
" كيف لا أُفتي حتى أسأل العلماء؟! هذا إرهاب فكري!!! .. وقد جرَّبناهم فوجدناهم لا يكترثون لقضايا المسلمين ...! "، ثم عرَّض ببعض علماء السعودية قائلا: " بدليل أنني كتبت إلى أحدهم بعشرة أسئلة أو أكثر، فلم يُجب إلا على اثنين منها!! ".
ثم بعد أن طالت مناشدة الحضور له من بعد صلاة الليل إلى أن كاد يفوتنا الفلاح قال: " نزولاً عند رأي الإخوان، فأنا أوافق و( أُمَشّيكم ) في هذا العيد، لكن إياكم أن تؤخِّروا عنا أجوبتهم إلى عيد الأضحى!!! ".
ثم لم يلبث أن مضى عيد الفطر والأضحى في أمن وسلامة، حتى كان شهر صفر سنة (1409هـ)، نزلت بالناس نازلة (5 أكتوبر 1988م ) آنفة الذكر، وشارك فيها علي بن حاج مشاركة من فقد عقله، وأفتى فيها بالتحزبات والمظاهرات والإضرابات بل والإضرابات عن الطعام، من غير أن يذكر ما عاهد عليه إخوانه ليالي عيد الفطر!
3 ـ طلب منه كثير من أتباعه الذين لهم ميل سلفي أن يتصل بأهل العلم
ـ أيام نازلة أكتوبر هذه ـ ليستفيد منهم فيما أهمَّ الأمة، فلم يستجب لهم، بل لما وجده ذوو العقل منهم لا يسند فتاواه الغريبة عن المنهج السلفي إلى أحد من العلماء السلفيين، ويستدلّ لها بأقوال مَن لا علاقة له بالعلم كالإخوان الذين سبق تسمية بعضهم، نبذوه مرة واحدة، خاصة وأنه قد صاحَبَ ذلك ظهورُه في الصحف وتجويزه التصوير بعد أن كان يحرِّمه! فعرفوا أنها فتاوى ضغط الواقع، ولذلك لا يُعرَف له أي استفتاء لأهل العلم لا مقروء ولا مسموع، فـ {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صادِقِينَ}.
4 ـ زار الجزائر الشيخ الفاضل أبو بكر جابر الجزائري قبل أيام الإضراب، واستدعى عليَّ بن حاج مرتين فلم يجبه! وفي المرة الثالثة حضر درسَ الشيخ في الجامع الكبير بالجزائر العاصمة، وفيه نهى الشيخ الدعاة عن أسلوب التهوُّر، وعن استعمال الألفاظ التي تُبعد الشقة بينهم وبين حكّامهم ولا يَجْنُون منها إلا التعوُّر، ومثَّل بلفظ ( الطواغيت )، فكان هذا كالذبح لعلي بن حاج؛ لأنه يَجترّ هذه الكلمة في دروسه اجترارَ الغنم للهشيم عند استراحتها، بل لعلّ دعوته لا تعيش إلا بها، وجماهيره لا تنتعش إلا عند سماعها! وهو ساكت على مضض، ولما كان الشيخ يجيب على الأسئلة
ـ وكانت كلها سياسية بطبيعة الوضع ـ وكانت الأجوبة مخالفة لما يهوَى، نفد صبره وطلب الكلمة من المقدِّم، فاستحيى هذا أن يتقدَّم بين يدي الشيخ، فقام عليٌّ بنفسه وأخذ مكبِّر الصوت عنوة، وقال كلمتين تنبئان عما في نفسه تجاه العلماء:
أما الأولى فهي قوله: " أيها الإخوة يجب عليكم أن تفهموا كلام الشيخ كما هو ولا تحرِّفوه!".
وأما الثانية فهي قوله: " نحيط الشيخ علماً بأن لنا جماعة للنهي عن الشرك!!".
قلت: أما الأولى فقد أراد بها إيهام الحضور أنه والشيخ في طريق واحد! وهو في هذا متفنِّن لبق. وأما الثانية فهي مجاملة واضحة لدعاة التوحيد
ـ والشيخ وهابي!! ـ، مع ما فيها مما يُغني عن التعليق. وأوقف الشيخ درسه مباشرة لأن أهل المسجد كادوا يصيرون فريقين يختصمان.
5 ـ زار الجزائر في تلك الأيام الأخ عدنان عرعور، فلم يلقَه علي بن حاج إلا يوم المغادرة ليُسلِّم عليه في المطار! مؤنِّبا الإخوة لأنهم لم يخبروه بقدومه! مع أنه كان يلقي دروسه في آلاف من الحضور، قريبا من مسجد علي بن حاج بأمتار فقط!! على الرغم من ذلك فقد قال له عدنان في المطار: " إذا رغبتَ في اللقاء فأنا مستعدّ لإلغاء الرحلة؟ " فلم يجبه!
ولو اعتذر ابنُ حاج بأن الأخ الزائر ليس عالما تُشَدّ إليه الرحال لوجدنا له مخرجا؛ ولكنه أوجس منه خيفة لما علِم أنه أتى من السعودية فتَوَهَّمه على شاكلة ( الوهّابيين ) المُخدِّرين للنشاط الحركي في اعتقاده! أو أنه حامل فكر الشيخ الألباني ليَشُلَّ دعوته السياسية في ظنّه!
6 ـ زار علي بن حاج السعودية أيام أزمة الخليج بدعوة منها مكرَّما معزَّزا، وكنا نأمل أن يلتقي بمشايخ السلفية الكبار ليستفيد ونستفيد؛ إذ يسعه تواضعهم إن شاء الله، فلم يحصل ذلك منه، بل جلس مع بعض المشايخ لا ينبس ببنت شفة، في تكتُّم مجرَّب عنه مع السلفيين. وفي هذه الزيارة عرَّج على الأردن في جولة سياسية ـ كما يقولون ـ ولم يزر الشيخ الألباني! وأنا أعرف عن الجزائريين عيبَهم الشديد على السلفي الذي يُحرَم من زيارة هؤلاء العلماء، نظرا لندرة أمثالهم عندنا، ولذلك لاموه كثيرا؛ لأنه دليل على أنه غير سلفي أو في نفسه منهم شيء خفيّ!
7 ـ عند سفره الثاني إلى الأردن في مسيره إلى القتال مع العراق، اضطره بعض السلفيين إلى زيارة الشيخ الألباني، ووقع منه ما يُدهش.
8 ـ وهو ما أخبرنا به الشيخ نفسه ومن كان حاضرا كالشيخ علي بن حسن بن عبد الحميد والشيخ محمد شقرة، أنه زارهم في بيت الشيخ ليعتذر إليهم عن ضيق وقته، وأنه يرجو تقصير مدة المجلس!
9ـ كما أخبرونا جميعا أنه أبى تسجيل المناقشة في جدل عقيم طال بلا عائدة إلا عائدة خوف الرجل من انتشار الحق.
10 ـ كما أخبرونا أنه حين أقنعه الشيخ بضرورة التسجيل، قَبِلَ على شرط غريب، وهو عدم نشر الشريط حتى يأذن هو به للشيخ!!!
وهذا أقبح تصرّف يصدر من طالب مع شيخ، ورحم الله زمانا كان فيه السلف يطمعون في السماع من شيوخهم ولو بتحمّل الضرب، قال الذهبي: " قال يعقوب بن إسحاق الهروي عن صالح بن محمد الحافظ سمعت هشام بن عمار يقول: دخلت على مالك فقلت له: حدِّثني، فقال: اقرأ، فقلت: لا، بل حدِّثني، فقال: اقرأ، فلما أكثرت عليه، قال: يا غلام تعال! اذهب بهذا فاضربه خمسة عشر، فذهب بي فضربني خمس عشرة دِرَّة، ثم جاء بي إليه، فقال: قد ضربته، فقلت له: لِمَ ظلمتني؟ ضربتني خمس عشرة درة بغير جرم، لا أجعلك في حِلّ، فقال مالك: فما كفارته؟ قلت: كفارته أن تحَدثني بخمسة عشر حديثا، قال: فحدثني بخمسة عشر حديثا، فقلت له: زدْ من الضرب وزدْ في الحديث، فضحك مالك وقال: اذهب ".
11 ـ بهذه النفرة التي كان يجدها علي بن حاج من العلماء تفهم سرّ تكراره في غير ما شريط مسجّل أنه ألَّف كتابا أسماه: (( بين علماء السجون وعلماء الصحون! «، مع كثرة إيراده لأحاديث القُصّاص في مواجهة الحكام على طريقة الخوارج، ولو كان أبطاله من شرار المبتدعة، كعمرو بن عُبيد المعتزلي، فينشأ في نفوس الناشئة أنه لا عالم إلا من دخل السجن؟!
وبهذا التنفير من العلماء فسد سلوك الشباب تجاههم، وظهر لأول مرة في الجزائر فُرقة بين السلفيين؛ إذ أصبحتَ تسمع بسلفية علمية وسلفية حركية! ووُصف بالإرجاء كل من دعا إلى الحكمة والصبروالأخذ بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في جهاده، وهذه هي بركة التحزب!
.....يتبع/
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
03-05-2007, 10:28 PM
..تابع/

وأخيراً لا بدّ من كلمة مختصرة جداً عن هذا الرجل، أرى أنها تُعَرِّف به جيِّداً، وهي أن علي بن حاج يعيش بنفسية متوترة؛ يثور على المألوف، ويستثير الغريب المخوف، وتراه لا يثبت على مذهب؛ بل يُكثر التنقل من غريب إلى أغرب؛ يتتبّع الجديد الذي يثير الانتباه، ويَملّ العتيق ولو لم يكن به اشتباه؛ فحين كان تهريج عبد الحميد كشك مطلب الشباب كان
( كشكياً! )، ويوم أن تمكّن الخميني من الحكم مدحه مدحاً كبيراً! وحين برّزت الدعوة السلفية ـ في مجتمع قد أنهكته المذهبية ـ ولَّى إليها وجهه، لكنه حصر عنايته بها في الحرب على المذهبية، وصحب ذلك حماسة لطلب العلم، فشنَّع على الدعوات السياسية وتسجَّى بالحِلم، ثم اشرأبّت الأعناق إلى إيران، فثار عليهم ثورة الثيران! وحين جاء التحزّب يركض، ركبه ولم يُعَقِّب! فما زال سياسياً يُحاور، حتى إذا سالت من دماء التكفير عيون انقلب إلى العنيفِ المعايرِ، وهنا وضع رحله، وربط فرسه، وشُلّ منه التفكير، ورضي في سبيل ذلك بالمعاطب، واستأنسَ بوحوش التكفير، واستقرّت به المراكب، والله وحده أعلم بالذي يتلوه.
ويَعرف هذا مَن تذكَّر تنقُّله السريع في موضوعات دروسه؛ فهو لا يكاد يفتتح كتاباً إلا تركه وقفز إلى غيره؛ فمن (( شرح السنة )) للبغوي إلى
(( الكبائر )) للذهبي، فتفسير القرآن، فتبسيطه، فتزكية النفوس، فالسياسة الشرعية ... كل هذه الدروس وقف فيها عند بدايتها بالتداول، وفي كل مرة يسمع الحضور وعدًا قصير العمر يقول: اليوم نبدأ درس كذا من كتاب فلان! وهكذا ...
وقد بيّن الماورديُّ هذه النفسيةَ الغريبة التي عرفها من أهلها، وكأنه يعيش بين أظهرنا فقال: " مع أن لكل جديد لذّة، ولكلّ مستحدَث صَبْوَة؛ وقال النبيّ صلى الله علي وسلم : (( إنّ أخوف ما أخاف على أمتي منافقٌ عليمُ اللسان )) ، فتصير البدعُ فاشية، ومذاهب الحقّ واهية، ثم يُفضي الأمرُ إلى التحزّب والعصبة؛ فإذا رأوا كثرةَ جمعهم وقوّةَ شوكتهم داخلهم عِزُّ القوّة ونخوةُ الكثرة، فتضافرَ جهالُ نسّاكهم وفسقةُ علمائهم بالميل على مخالفيهم! فإذا استتبّ لهم ذلك زاحموا السلطانَ في رئاسته، وقبَّحوا عند العامة جميلَ سيرته، فربما انفتق ما لا يرتق؛ فإنّ كبار الأمور تبدو صغاراً ".
وسرّ هذه التناقضات المتعاقبة عليه والتنقّلات المتناوبة عليه ثوريّتُه المتأصِّلة في نفسه، وبعض مَن لم يَخْبُر الرجل يقول: إنه ذو شخصيّتين! والحقيقة أن له شخصيّة ثابتة؛ ألا وهي الثورية التي تحدّثتُ عنها آنفا وطول نفَسه في الخصومات، وأخرى متغيِّرة؛ لأنها تعبير عن هذه الثورية على حسب ما يَجِدّ في الدعوات، وشبيه بحاله من قال فيه عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ: " مَن جعل دينه غَرَضاً للخصومات أكثر التنقّل " ، قال الدارمي بعد هذا الأثر:
" أي ينتقل من رأي إلى رأي!
".
وعن خالد بن سعد مولى أبي مسعود قال: دخل أبو مسعود على حذيفة وهو مريض، فأسنده إليه، فقال أبومسعود: أوصنا، فقال حذيفة: " إن الضلالة حقّ الضلالة أن تعرف ما كنتَ تنكِر وتنكِر ما كنتَ تعرِف،
وإيّاك والتلوُّن في الدين
!! "، وفي رواية: " فإن رأَى حلالاً كان يراه
حراماً
... "، وقال إبراهيم: " كانوا يَرَون التلوّن في الدين مِن شكِّ
القلوب ".ومن أوضح علامات هذا الشكّ اتباعُ المرءِ الحقَّ مجَرِّباً لا له متجرِّداً، وأن يُؤْثِر دليل الواقع على نصّ الوحي، كما قال حذيفة رضي الله عنه: " إنّ أخوف ما أخاف على هذه الأمة أنْ يُؤْثِروا ما يَرَون على ما يَعْلمون، وأنْ يَضِلُّوا وهم لا يشعرون " ، وقد اشتهر عند كثير من الناس أن ابن حاج سلفي بسبب أنه جرَّب السلفية زمناً، فلما لم يجد فيها نهمته الثورية ورأى أنها لا تُصَفِّي ما بينه وبين حكامه من حسابات نفسية تركها باطناً ولم يُصرِّح بذلك ظاهراً، والله وحده الهادي؛ لأنَّه هو القائل: {وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى}.
ومِن طرقه التي كان يسلكها للتأثير على الجماهير التظاهر بالورع البارد إذا قيل له بأن فلاناً يردّ عليك! فيقول: " أقول كما يقول أبو ضمضم إذا أصبح: تصدَّقتُ بعرضي على مَن ظلمني، رواه مسلم!! " كذا يقول ويردِّد.
وهذا مع أنه لم يَرْوِه مسلم بل هو ضعيف لا يصحّ رفعه
، فهو من السماحة المصطنعة؛ لأن قائله يظهر الصوم عن أعراض المسلمين في الوقت الذي يفطر فيه على دمائهم!! فكم من آلاف من المسلمين قُتِلوا بفتواه كما ستراه في هذا الكتاب؟!.
وأما عن علمه فسبق ذكر شيء من إرجافات فقهه السياسي؛ حين استدلّ ابن حاج بقصة وقوف النبيّ صلى الله عليه وسلم على جبل أبي قبيس على مشروعية المظاهرات!! وأغرب منه استدلاله بوصال النبيّ صلى الله عليه وسلم في صومه على مشروعية الإضراب عن الطعام؛ فقد قال في قصيدة له بعد أن تأكّدنا من بعض أهله أنها له:
وأضربنا عن الطعام تعفُّفاً اقتداءًا بسيّد الواصِلينا!!!
قلت: وهذا ـ والله ـ من الدواهي!! ومنها إفتاؤه بالتفجير الجماعي في المحلات العامة، فلما سئل عن المسلمين الذين يُقْتلون في ذلك قال: يُبعَثون على نِيّاتهم!!! ويعزو ذلك لابن تيمية! نعوذ بالله من قلّة الحياء!

جناية السياسة على العلم


قيل لعلي بن حاج يوما: لقد مللْنا الدروس السياسية، فهلاّ علَّمتنا ديننا، وددنا لو بدأت بأبواب الطهارة والمياه، ولم تتكلم في السياسة ولو مرة واحدة، فقال: " أستطيع ذلك، ولكنني إذا ذكرت أن الحكومة تقطع الماء عن الناس في وقت ما لم أسكت عنها!! ".
أذكر هذا لتعْلم مصير كل سياسي في تقديره للعلم الشرعي، فلا أدري هل شعر أن الحكومة حين تقطع الماء الذي به حياة الأبدان، فهو ـ بسببها ـ يقطع عن الناس تعلّم الدين الذي به حياة الجَنان، فأي الفريقين أعظم جناية؟!
وليست جناية السياسة قاصرة على الأحكام العملية فحسب، بل تتعداها إلى العقيدة الإسلامية، فقد لقيه بعضهم بعد الإفراج عنه من السجن، فكلمه عن الأشاعرة الذين استولوا على دور التعليم، راجيا منه أن يكون عوناً له في الرد على أعداء التوحيد، ففاجأه بكلمة زهَّدته فيه، تدل على انحرافه الخطير عن المنهج السوِيّ، قال يومها: " أنا لو اشتغلت بالرد على الأشاعرة، فإن الحكومة تضحك من عينيها !! ".
فتأمل هذا ـ رحمك الله ـ ولا تكن في التعصب للرجال من الهالكين، فالرجل دخل في صراع مع السياسيين، حتى ظنّ نفسه أنه خُلق لإبكاء الحكومات!! فمن يبكي على أمة حُرِمت عقيدتها وسلامة قلبها {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
إنني أريد بهذه العناوين الأخيرة إشعار القاريء بخطورة مخالفة تلك الأصول الستة التي اختصرتها في افتتاحية هذا الكتاب، بالتمثيل لها من خلال الدعوة في الجزائر.

لقد عُمِّرَت جبهة الإنقاذ الإسلامية ثلاث سنوات فقط، تهدَّم بها بنيان أوشك على التمام، وتصدَّع بها صفّ بعد الْتحام، واتُّهِمت فيها السلفية بعد أن وُضع لها القبول، ورُفع العلم وسيطر الطيش على العقول، وعشَّش التكفير في مساجد الجبهة وباض، واتحد الحزبيون مع المبتدعة حتى الطرقية وبني إباض، واتُّهم العلم، وحُرِّم الحلم، وتسمَّن فكر الخوارج، حتى عيِيَ الناصح والمعالج.

هذا والشيوعيون الأخباث في الداخل والخارج يرقبون مسرورين عملية الانتحار، يُحَرِّكون أحياناً بالتهييج السياسي استعجالاً لقطف الثمار، فرحين بعدوٍّ سهل الاستدراج؛ لأن عنف الجبهة أوجد لهم المسوِّغ القانوني لضرب المسلمين بلا احتجاج! وهي خطة ترقَّبوها من سنوات عجاف لم يغاثوا فيها إلا بتسخير علي بن حاج، بل عجزوا عنها حتى في أيام الاستعمار الفرنسي، وقد قلنا للعلامة ابن باز ـ حفظه الله ـ: " إن الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر منعت صلاة الجمعة في بعض المدن! "، فقال متعجباً: " كيف يعطِّلون الجمعة، وقد عجز عن ذلك فرنسا وبريطانيا واليهود؟!!".
وكم قَتلوا اليوم من طلبة العلم جريمتُهم أنهم رفضوا مشاركتهم فيما هم فيه! وهذه هي بركة التحزب
!.
نعم! لتذكروا كلمة ابن تيمية المبيَّنة في الأصل الخامس من أن نكاية المبتدعة في المسلمين أشد وطءاً من نكاية الكفار فيهم، ولا أدري ما سرّ تلقيب النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بـ »كلاب النار «؟ ألأنهم يجتهدون في المسلمين تكفيرا وتقتيلا حتى يُكفِّر بعضُهم بعضاً، كما تجتهد الكلاب فيمن تنكره نباحاً وعضًّا حتى ترجع إلى أذنابها فتعضّها؟ ويكون مصداقه ما جاء في
» الصحيحين « من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيهم:» يَقتلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهل الأوثان «؟ أم لأنهم يُستَدرَجون بأبسط الحيَل حتى يَهيجوا كما أن الكلاب تنبح لأدنى استفزاز، حتى ربما دلَّت عدوَّها على مَخْبَأ صاحبها؟ ذكَّرني هذا بالمثل القائل: " وعلى نفسها تَجْنِي بَراقِش ".
لذلك كله، ما يُخاف على المسلمين من الشيوعيين كما يُخاف عليهم من أنفسهم؛ فإن أولئك مهما أوتوا من تنظيم وقوة وإدارات وبسط نفوذ، فلن يضروهم إلا أذى، وأما جناية المسلمين على أنفسهم، فقد قال الله تعالى في قوم كانوا مواجهين الكفار الخلَّص: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُو مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤصِّل هذا المنهج بتأكيده في كل خطبة قائلاً: » .. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا.. «، فاللهم آمين. وقد بيَّنتُ هنا من واقع الجزائر ما يشهد لما نحن بصدده.

وأخيراً: رجائي من ذوي العلم والمنهج السلفي، أن يكتبوا عن تجربة بقية البلاد الإسلامية، فقد رُفِعت للمنهج السلفي أعلام في اليمن وأفغانستان والسودان وإيران وسورية والأردن ومصر وتونس وغيرها، تدلُّ عليه وتؤكِّده، لتُشفِقوا على المسلمين مما يصيبهم بأيديهم، ولتبيِّنوا للشباب التائه اليوم واللاعب بالنار وجوب الرجوع إلى الطريق النبوي، فقد بان لذوي الحِجَى أكبر برهان في واقع بلاد المسلمين على أنه لا يصلح لهم غيره، ولكن أقلاما وأفواها غير سلفية سبقت لتموِّه وتحرِّف الحق والواقع، فاستعينوا بالله واصبروا وإن وُصِفتم بالمثبِّطين أو المرجفين، فإن غايتكم رضى الله وحده
التعديل الأخير تم بواسطة محمد2 ; 04-05-2007 الساعة 06:37 AM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
04-05-2007, 06:51 AM
حال الدعوات السياسية اليوم


يحاصَر المسلمون اليوم حصارا شديدا، لم يعرفوه حتى وقت المستعمرات الكافرة، والعالم كله تألب عليهم ورماهم عن قوس واحدة، لا يألوهم خبالا ولا يرقب فيهم إلاًّ ولا ذمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، الأمر الذي سبب لهم ردود فعل خطيرة، وصاروا لا يعيشون إلا على أنقاض الأحداث السياسية، نشاطهم يقوى بقوتها ويضعف بضعفها، وكأنهم هم ـ أيضا ـ كُتب عليهم شقاء السياسيين، وانقسم المنقذون المخطئون مجموعتين:
مجموعة دخلت العمل السياسي بلا تورع، فتَميَّع منهجها، وتنازلت عن غير قليل من دينها، لأنها تعيش تحت ضغط الهزات السياسية العنيفة، فحَقَّ فيها ما حذر الله عزوجل منه نبيه صلى الله عليه وسلم حين قال: {وإن كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِم شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً}.
ومجموعة تَنْزَغُها الأحداث السياسية، وتؤزُّها أَزًّا لأنها وجدتها أُذُنا، وهي تُستدرَج بالاستفزازات السياسية الماكرة، وهؤلاء حق فيهم ما حذر الله عزوجل منه نبيه صلى الله عليه وسلم حين قال: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وإذاً لاَ يَلْبَثُون خِلاَفَكَ إلاَّ قَلِيلاً}.

وحديثي هنا لا يتعرض مباشرة للأولى لأنه قد كُتب عنها ما فيه غناء، ولكن الثانية هي التي أقصد؛ لأن فكرتها لم تعد حَكْراً على فئة معروفة من الناس بل ظهرت في هذا العصر الأخير مع الإخوان المسلمين، ثم لم يلبث هؤلاء أن تخلوا عنها متأثرين بفكرة المجموعة الأولى، ثم لبسها ورثة الخوارج: جماعة الهجرة والتكفير،وتداولوها مع شيوخهم القطبيين، ثم بمكر من هؤلاء أريد للسلفية أن تلبسها. وكم كنت أتردد عند كتابة هذه الكلمات رجاء أن تكون نصيب قلم أقدر عليها مني، وهم كثيرون، ولكن ذلك لم يحصل بالصورة الدقيقة والصريحة والمفصلة التي ينبغي أن تكون، إذ الشبهات فيها كثيرة جدا وجذورها عريقة في حقيقة الأمر، فلا تكفي فيها بُلْغة الغريب، ثم استخرت الله في ذلك واستعنت به وحده فوفّق لما يأتي:

المتأمل في أحوال المسلمين اليوم يجزم بأنهم قد استيقظوا بعد سُبات عميق، وأحسوا بضرورة العودة إلى أصلهم التليد العريق، وتذكروا شخصيتهم الضائعة الممتهنة من قِبَل من جعلتهم قُدوتَها برهة من الزمن فلم ينصحوا لها، أقصد أن عاطفة إسلامية ما ـ كما يقولون اليوم ـ لا تزال في قلوب المسلمين، مما يبعث في النفوس السرور لأنها أول المبشرات، إلا أنه لا يجوز أن ندخل لَغَطا إعلاميا لا يمت إلى الإسلام بصلة فنبرز هذه الصورة فوق حجمها، مستعملين المجهر السياسي الكذاب، مجارين أعداء الله في مكرهم ودهائهم وتزويرهم الحقائق، بل الحق والحق نقول، إن الله لا ينصر إلا المؤمنين فهو القائل: {وكانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} والمؤمنون مؤمنون ما لم يكذبوا ليتولاهم مولاهم القائل: {ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الكافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُم}.

لذا فإن محاولة إفزاع العدو بإبراز هذه اليقظة الإسلامية الأولى في صورة المستيقظ النشيط، الذي لم يبق على عينيه غبش، وأنه قادر على أن يُبصر الأمور ويُبَصِّر بها على حقيقتها، وأن يقدِّر لها أقواتها تقدير العالم البصير لن يعود على الدعوة الإسلامية إلا بالبوار؛ لأن ذلك يستعدي الأعداء الأقوياء على المسلمين الضعفاء الذين لا يتولاهم الله ما داموا مقيمين على هذا الكذب والهراء، ثم هو غش للمسلمين؛ لأنه ينفخ فيهم غرورا قد رأينا عاقبته في بلاد الإسلام.
بل نقول: الحمد لله الذي أيقظنا، إلا أننا في أول الفطنة ما أحوجه إلى إرشاد، على عوج في المتابعة ما أحوجه إلى سداد، فنحن كصبي عطشان قد فرح به أبواه لنباهته فتركاه يروي عطشه بيده، لم يُؤمَن عليه أن يتناول السم الزعاف، أو سقياه ماءً زُلالا دون رَوِية في رعاية إذن لأوشك أن يَشْرَق.
والذي نعتقده بصراحة تامة أن أكثر المرشدين اليوم على غير الجادة السلفية إذ أشعروا أمتهم هذه ـ التي لا تزال عليها غيبوبة المستيقظ من نومه ـ أن مشكلتها سياسية وهي لم ترفع بعدُ قدميها عن سرير النوم، فإذا بها تُدْعى للعَدْو إلى سرير الملك، في بهرج لا يترك لها عقلا تفكر به، ويا لها من جريمة! لأنها تحريف لها عن معرفة الداء، فكيف الاهتداء إلى الدواء؟! ويا لها من مصيبة!! لأنها صد عن سبيل الله المتمثلة في تعلم الكتاب والسنة وتعظيمهما والاحتفاء بمجالس أهلهما، إلى تعلم السياسات العصرية والعكوف على مصادرها من إعلام مرئي ومسموع، وجرائد ومجلات: الصدق فيها ممنوع، حتى إنه ليمضي على من دثارُه الكتاب والسنة، وشعاره الفيديو ومجلة البيان والسنة، يومُه بل أسبوعُه بل ربما شهره لا يجد وقتا ولا شوقا إلى آية من الكتاب، واسأله ـ إن شئت ـ منذ كم لم يرفع الغبار عن الصحيحين على حين عدم غفلته عن جريدة اليوم بل وخبر الحين!! والأمر لله.

ولا تسارع إلى إنكار هذا لأنني ما جئتك بعلم حتى تناقشه وإنما هو خبر الواقع!

روى أبو نعيم في الحلية.. بإسناده عن رجل من أشجع قال: " سمع الناس بالمدائن أن سلمان ( أي الفارسي ) في المسجد فأتوه فجعلوا يَثُوبون إليه حتى اجتمع إليه نحو من ألف، قال: فقام فجعل يقول: اجلسوا، اجلسوا، فلما جلس فتح سورة يوسف يقرؤها، فجعلوا يتصدعون ويذهبون حتى بقي في نحو من مائة، فغضب وقال: " الزخرف من القول أردتم؟ ثم قرأت كتاب الله عليكم ذهبتم؟! ".
قلتُ: لعل اختيار سلمان رضي الله عنه لسورة يوسف عليه السلام دون غيرها لما فيها من معاني القناعة بقصص كتاب الله دون ما تصبو إليه النفوس من حكايات وأحَاجي، وهو قول الله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ}، واقتداءًا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم حين سئل قصصاً غير قصص القرآن فتلى عليهم ما أنزل الله عليه من هذه السورة، وكذلك فعل عمر رضي الله عنه حين رأى مَن أقبل على كتاب فيه عجائب الأوَّلين ، فرضي الله عنهم جميعاً؛ ما أشدّ حرصهم على الهدي النبوي!
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
04-05-2007, 07:18 AM
الإصلاح السياسي


المشكلة في هذا الصراع المحتدم ثنائية:
الأولى: هل الإصلاح يتم عن طريق إصلاح الحاكم أو عن طريق إصلاح الأمة؟
الثانية: إذا كان لا بدَّ من الممارسة السياسية فمن هم أهلُها؟

أما الجواب عن الأولى ففي نص آية وحديث ـ ولا اجتهاد مع النص ـ قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.

فما أوضحه من بيان! لكن مع وضوحه فأكثر من تسمَّوا بأسماء حركات إسلامية قد اجتهدوا وجاء لسان حالهم يقول: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بحكوماتهم!! ولا حول ولا قوة إلا بالله، غاضِّين الطرف عن السيرة النبوية المفسرة لهذا البيان، غافلين عن أنه لا عزّ لهم حتى يتحكم الدين في نفوسهم، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم « رواه أبو داود وهو حسن.

هذا حكم الله ورسوله {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}؟!

فاحذروا ـ أي إخواننا! ـ من رد الحق تحاكماً إلى واقعكم أو اغتراراً بتجربتكم أو إرضاءً لنخالة أذهانكم! أوَ ليس قد حكم الله أن لا تمكين في الأرض ولا استخلاف ولا أمن ولا نصر إلا بأمة، وأي أمة؟! إنها أمة العبادة مع توحيد خالص فاقرأ كلاماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي قال: {وَعَدَ اللهُ الَّذِين ءامَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}.

وعلى كل حال لا أطيل في هذا، وإنما أحيلكم على كتاب لم تقع عيني على مثله في هذا الزمان، وهو بعنوان » منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل « للدكتور ربيع بن هادي المدخلي، ولا تغترُّوا بمن حاول أن ينسج على عنوانه الماتع ما يضاهيه؛ فإنه لم يأت إلا بالباطل و بما يشبه خيوط العنكبوت.
وفي الجواب عن المشكلة الثانية أقول:
أوّلاً: لست بحاجة إلى تقرير أن السياسة من الدين؛ لأنني لا أظن أن مستواكم الخلقي قد هبط بكم إلى رمي أخيكم ـ كاتب هذه السطور ـ بأنه يفرق بين الدين والدولة بعد أن قال الله تعالى: {إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}.
وأخبر أن تعطيل الشريعة اتباع للهوى فقال: {وأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ ومُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ ولاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ}.
وليس تعطيل الشريعة إلا جاهلية مقيتة قال الله تعالى: {أَفَحُكمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون}.
وثانياً : اعلم أن سبب فشل الحركات الإسلامية اليوم في إصلاح هذا الفساد العام هو خطؤها طريق الإصلاح حين دخلت المعترك السياسي وجعلته أصل عملها التغييري، مهما زعم كل منها سلامة المنهج وشمولية الدعوة وإحكام التنظيم، لذا فإن حديثي هنا منصب فقط على من اضطر إلى أن يفتي في السياسة اضطرارا لا مناص منه.
أما ممارسة السياسة اليوم فهو عمل لا يدخله إلا من استدرجه الشيطان ليُهلكه في أسوإ الخواتيم، فأَقْنَعَه بأنه لا يجوز ترك هذه الوظائف للفساق والعلمانيين، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتقوقع حول نفسه، وأن قانون فلان الشيوعي كاد يطبق في بلاد ما لولا وجود الوزير الفلاني إلى غير ذلك من زخرف القول الذي لم يؤسس على النظر الشرعي بقدر ما أسس على النظر الواقعي مع إغماض؛ إذ الصادق في تأمله يرى قوماً دخلوا ليغيِّروا فتغيَّروا، وحق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : » من أتى باب السلطان افتتن « رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والبيهقي في (( الشعب )) وهو صحيح.

ودليل المنع من مخالطتهم عند ممارستهم لسياساتهم الجائرة هو قول الله تعالى: {وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُم في الكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا ويُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُم حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُم}.

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب! فنزل فقال له: أنَزَلْتَ في إبلك وغَنَمك وتركْتَ الناس يتنازعون المُلْك بينهم؟ فضرب سعد في صدره! فقال: اسكت! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: » إن الله يحبُّ العبد التقيَّ الغنيَّ الخفيَّ « رواه مسلم.
فإذا تعارضت مصلحتك الدينية مع مصلحة غيرك فقدم مصلحتك ما دام في الجمع بينهما خيفة على النفس، قال الله تعالى: {يَأَيُّها الَّذين ءَامَنُوا عَلَيْكم أَنفُسَكمْ لاَ يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكروا الفتنة، أو ذكرت عنده قال:» إذا رأيتَ الناس قد مرجت عهودُهم وخفَّت أماناتُهم وكانوا هكذا « وشبّك بين أصابعه، قال: فقمت إليه فقلت له: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: » الْزَمْ بيتك، وأملك لسانك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة « رواه أبو داود والحاكم وأحمد وهو صحيح.
فإن قيل : ولكن المجتمع بحاجة إلى هذه المناصب ؟ قلنا: نعم! ولكن بشرط أن لا يَمتهن المرءُ فيها دينَه؛ لأنه إن رضي لنفسه أن يكون حطب جهنم في سبيل إنقاذ غيره، فإن له أسوة بمن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا بد للناس من عريف، والعريف في النار « رواه أبو الشيخ في » طبقات الأصبهانيين « وغيره .
ومعناه: أن مَن لم يمكنه أن يحظى في عمله إلا بمفسدة محضة أو راجحة ورأى دينه إلى نقصان؛ كأن يُضطرّ إلى ترك الواجبات، فليسارع إلى إنقاذ نفسه حتى لا يكون جسراً يُقطع به إلى الجنة وعند الباب تقع الفرقة! ويكفيه في قضاء حوائجه هؤلاء العرفاء الذين لا يَخلو منهم مجتمع.
فإن قيل: ومن يقضي لكم حوائجكم إذا شحَّ العرفاء؟ قلنا: قال الله تعالى: {ومَن يَتَوَكَّلْ علَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُه}. هذا الحكم تابعٌ لبيئة قد تمحَّض فيها الشرّ أو رجح.
ولست أعني هنا عدم النصيحة لولاة الأمور بالطريق المشروع وممن ينفع الله به وإعانتهم في الخير؛ فقد فعله يوسف عليه الصلاة والسلام من قبل حين قال: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، كما أن سيرة السلف في الإخلاص في النصيحة لولاة الأمور وعدم غشِّهم فيها معروفة، ولا سيما إذا كانت البلادُ بلادَ توحيد ومحافظة على الصلوات وحبّ للخير .
ولكنني محَذِّر من سياسة مَدّ الجسور التي عند الإخوان المسلمين! أوَ ما رأيتم ما أصابهم مِن رقَّة دين وفتنة فيه؟!.
هذا وهم من أغشّ عباد الله لحكامهم في الوقت الذي يُظهِرون لهم التجاوب التامّ مع الأوامر؛ بدليل أنهم ما يَجدون فرصةً للانقضاض على سلطانهم إلا فعلوا، إما ببيعات! أو بتحزّبات! أو بانتهاز أوقات الثورات ...!
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
04-05-2007, 07:37 AM
حديث العلماء


في شريط مسجل من » سلسلة الهدى والنور « (رقم440/1) دار نقاش طويل بين الشيخ الألباني وبين بعض شباب جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية، زعم هذا الأخير إغلاق الخَمَّارات وبيوت الفواحش أيام عمل الجبهة في مبالغة مدهشة ،
فأجاب الشيخ بمنع دخول البرلمانات لا يَلْوي على شيء من نتائج التحزّب وذكر سبب المنع فقال:
الأول: أنه خلاف هدي النّبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لم يدخل مع الكفار بمثل هذا.
الثاني: أن كل من يدخلها لابد أن ينحرف عن الإسلام شيئا فشيئاً.
فزعم أحدهم أن الجبهة لم ( تتنازل ) عن شيء من الدين.
فسأله الشيخ: هل يتعامل بعضهم بالرّبا بحكم أن بعض المؤسسات الحكومية بأيديهم؟.
فأجاب بالإيجاب، ثم بادر الشّابُ إلى سؤال حطّم به مزاعمه الأولى بعد هذه الهزيمة الأولى، فقال: إذا عرَضت لنا قضية فقهية فيها رأيين ، فيها رأي عند الفقهاء راجح ومرجوح، وإذا ما أخذنا بالقول الرّاجح فيها تسببنا في فتنة أو مشكلة أو تفرقة بين المسلمين، فهل يجوز لنا أن نأخذ بالقول المرجوح لمصلحة وحدة المسلمين؟.

فقال الشيخ: " هذه هي السياسة! هذه هي السياسة! ".
فقال محمد إبراهيم شقرة: هذه السياسة ليست شرعية.
فقال الشيخ: أي نعم، ثم قال: " المسألة في الحقيقة مهمة جدّا، أنا سمعت أن الجبهة أو النهضة ما أدري ـ الأسماء ما حفظتها بعد جيدا ـ فيها ملايين، أليس صحيحاً هذا "؟.
فقال الشّاب مستبشرا: نعم.
قال الشيخ: كم ألف عالم فيهم؟.
فقال الشّاب: ما فيه!.
قال: كم مائة عالم؟.
قال: لا، ما هو موجود!.
قال: طيب من يقودهم ـ يا جماعة ـ هؤلاء؟.
قال: الشيوخ قليلين( ) يعني؟.
قال: هل يستطيع هؤلاء الشيوخ أن يقودوا ملايين؟.
قال: طبعا لا.
قال: هل يمكنهم أن يعلّموا ملايين؟.
قال: أبدا.
قال الشيخ: " إذن أنتم تعيشون في الأوهام، ومن ذلك هذا السؤال الذي أنت تطرحه الآن حينما يكون في هؤلاء الملايين من المسلمين علماء يستطيعون أن يديروا دفة المحكومين من أهل العلم، حينما يوجد فيهم المئات ولا أقول الألوف ليس هناك حاجة أن يطرح مثل هذا السؤال: راجح ومرجوح، هل يجوز لنا أن نأخذ بالقول المرجوح ونترك القول الراجح، هذا: الفقيه هو الذي يجيب عن هذا، وأنا أضرب لكم مثلاً من واقع حياتنا مع الأحزاب، أنا قلت مرة لأحد أفراد حزب التحرير: يا جماعة أنتم تريدون أن تقيموا الدولة المسلمة، وأنتم لا تدرسون الشريعة من أصولها وقواعدها، وأنتم تحتجّون في كتبكم ببعض الأحاديث غير الصحيحة؟! ".
قال: أخي! نحن نستعين بأمثالكم.
قال الشيخ: " هذا الجواب هو أول الهزيمة، لأنه حينما يكون هناك حزب يعتمد على غيره، معناها أنه حزب في قوته غير مكتمل، وكان هذا الرجل قال لي: لا زلتم أنتم تضيّعون أوقاتكم في الكتب الصفراء ... "
ثم قال الشيخ عن ملايين جبهة الإنقاذ: " لكن هؤلاء أليسوا بحاجة إلى أطباء بدن؟ لا شك أنه عندكم أطباء بدن بالمئات بل بالألوف، طيب أليسوا بحاجة إلى أطباء ـ كما يقولون في العصر الحاضر ـ في الرّوح؟ هذا أولى وأحوج وأحوج، هل هؤلاء موجودون بتلك النسبة؟ الجواب: لا ... ". ثم أخبر عن مخاطبته حزب التحرير قائلا: " افرضوا أنكم ما بين عشية وضحاها أقمتم عَلَم الدولة الإسلامية، يعني بانقلاب من الانقلابات، لكن الشّعب ما عنده استعداد لأن يُحْكَم بما
أنزل الله، يمكن ... أنتم ... جماعتكم قالوا: قرار رقم واحد، اثنين: ممنوع
ـ مثلا ـ دخول السينماءات، ممنوع خروج النساء متبرجات ... الخ، ستجد
ـ يمكن ـ بعض نسائكم أول من يخالف هذه القوانين الإسلامية! لماذا؟ لأنَّ الشعب لم يُربَّ على ذلك، ومن يربِّي الشعب؟ هم العلماء، وهل كل نوع من أنواع العلماء؟
... ".

ثم تكلم عن علماء الكتاب والسنة العاملين بهما، ثم قال: " لذلك أنا أعتقد أن الجهاد الأكبر الآن هو: هذه الملايين المملينة أن تخرج العشرات من العلماء المسلمين هناك، حتى تتولوا توجيه الملايين إلى تعريفهم بدينهم وتربيتهم على هذا الإسلام، أما الوصول إلى الحكم، فكل طائفة تحاول أن تصل إلى الحكم، ثم تستعمل القوّة في تنفيذ قراراتها وقوانينها، سواء كانت حقّا أو باطلا، والإسلام ليس كذلك ".
ولو أن إخواننا هؤلاء أخذوا بهذه النصيحة الذهبية لجنَّبوا الإسلام والمسلمين الفتنة العظيمة التي يعيشها اليوم كل العالم الإسلامي، وفي كل مرة تؤخَّر الدعوة الإسلامية بعجلة شبابها وانحراف موجِّهيها، ومن استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه، والله العاصم.
وأختم بهذه الكلمة التي أرجو من إخواني أن يعوها، وهي:
لئن كان في الخروج على الحكّام من الشّر ما برهن عليه تواطؤ النصوص الشرعية مع الأخبار الواقعية، كما ظهر من صنيع حدثاء الأسنان في كل الأزمان، فشر منه الخروج على العلماء بإهدار حقهم، وعدم اعتماد فتاواهم إلا ما وافق أهواء الحركيين، واستصغار شأنهم في السياسة، ورميهم بعلماء بيت الوضوء! وما أشبهها من الألقاب التي يَنْبِز بها المبتدعة صاغرا عن صاغر العلماء السلفيين كابرا بعد كابر؛ وفي هذا إهدار للشريعة بتجريح حملتها وشهودها، والله الموعد.
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 18-03-2007
  • الدولة : التاريخ الإسلامي الحافل بالبطولة.
  • المشاركات : 1,065
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • محمد2 is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد2
محمد2
عضو متميز
رد: ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثم ردمه
04-05-2007, 07:51 AM
فقه واقع الجزائر عند سلمان بن فهد العودة


قال في شريط » كلمة حقّ في المسألة الجزائرية «: " خرج الاستعمار الفرنسيّ الأجنبي من الجزائر، ومع ذلك بقيت الجزائر تحُكم بغير الإسلام زماناً طويلاً حتى تململ الناس من تلك الأوضاع السّيئة، وقامت حركات ومظاهرات صاخبة واضطرابات كثيرة في الأسواق والشوارع، وصارت مواجهات دامية، وقُتِل المئات من الناس، بل أكثر من ذلك، وكانت الصحافة تعتِّم على مثل هذه الأمور، وكنت أذكر أنّنا نقرأ في صحيفتنا أنهم يسمونها ( ثورة الخبز )، يعني أن الناس قاموا من أجل الخبز بحثاً عن لقمة العيش، وتجاهلوا الدّافع الإسلامي القويّ وراء تلك المطالبات، وعلى إثرها أقرّت الجزائر بما يسمّونه التعدّديّة السياسية وأذعنت لمطالب الناس ".

النقد: في هذا الكلام خبط عجيب، لأنّه يحكم على ثورة (5 أكتوبر 1988م) بأنّ دافعها إسلامي! فأقول:
ـ متى كان في الإسلام ثورات ؟!
ـ متى كان الدّافع أو الباعث الإسلامي أوالنّية الحسنة كافية لغض الطّرف عن الوسيلة والطريق؟!
ـ بأيّ دليل ينفي أن تكون ثورة خبز ويثبت أنّها إسلامية إن صحّ التعبير؟! أصاحب الدّافع الإسلامي القوي يخرب بيته، فيكسر أدوات وزارته أو المؤسّسة التي يأكل منها المسلمون ؟
أصاحب الدّافع الإسلاميّ القوي يغتصب ـ أيّام جهاده المقدّس! ـ من الأسواق الحكومية وغير الحكومية ما يجد لأنّها غنيمة؟! لقد كان أصحاب الدّافع الإسلاميّ القويّ يبيتون مع الفيديو الإسلاميّ! والنشيد الإسلاميّ!! في المهرجانات والمظاهرات الإسلامية!!! فإذا نادى منادي الفلاح: الصلاة خير من النّوم،كان المجاهدون قد ناموا، ولعلّهم لم يسمعوه، لأنهم ناموا في سدّة المسجد، والمؤذّن في مقصورة المسجد، فقام بعض المتطوعين من أهل الحيّ بإيقاظ هذه الآلاف، فلا يقوم إلى الصلاة منهم إلا فئة قليلة جدًا ربما عجزت أصابع اليد عن عدّها لأنّها تزيد عنها قليلاً.
وإن قيلَ في القليل البركة فـ {كَم مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِين}؟ قلت: نعم! ولكن إذا عُرفت الفئة الغالبة، فمن هي الفئة الكثيرة المغلوبة؟ آلفئة الحكوميّة التي هي في خير الأمّة بغير حقّ سائمة؟! أم هي الفئة المجاهدة وعن الصلاة نائمة؟!
فبينا أنا أكتب هذه الكلمات ذكرت حديثاً يناسب حالنا للاتّعاظ به، ولْيَذْكُرمنه أخونا سلمان قيمة تفريغ القلب من الدنيا لله تعالى، وشرط الإخلاص في الجهاد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النّبي صلى الله عليه وسلم : » غزا نبيّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يَتْبَعْني رجل مَلَك بُضْعَ امرأة وهو يريد أن يَبْني بها ولمّا يَبْنِ بها، ولا أحدٌ بنى بُيُوتا ولم يرفع سُقوفَها، ولا آخرُ اشترى غنماً أو خَلِفات وهو ينتظر وِلادَها. فغزا، فدنا من القرية صلاةَ العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشّمس: إنّكِ مأمورةٌ وأنا مأمورٌ، اللهمّ احْبِسْها علينا فحُبِسَت حتى فتح الله عليهم، فجمع الغنائمَ، فجاءت ـ يعني النارـ لتأكلها فلم تَطْعَمْها، فقال: إنّ فيكم غُلولاً، فليبايعْني من كل قبيلة رجلٌ، فلزقت يدُ رجلٍ بيده، فقال: فيكم الغُلولُ، فليبايعني قبيلتُك، فلزقت يدُ رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغُلولُ، فجاءوا برأس بقرة من الذّهب فوضَعوها، فجاءت النار فأكلتها، ثم أحلّ الله لنا الغنائم، رأى ضَعْفَنا وعَجْزَنا فأحلّها لنا «.
وفي هذا الحديث يظهر لك شرط الإخلاص في الجهاد، وأثر ابتغاء الدنيا وارتكاب ما حرّم الله في تأخير النصر.
ثم كيف يستنتج سلمان أن تلك الثورة ـ التي ظهر له منها أنها شعبية إسلامية ـ كانت سبب رضوخ الحكومة للتعددية الحزبية؟ أليس من الجائز أن يقال: بل هي فخٌ نَصَبته أيد من خارج البلاد، وهي حريصة على نصب العداوة بين هؤلاء وبين حكوماتهم لضرب الإسلام بالإسلاميين المتحمسين الذين لا يرون إلا الحَبّ الجميل، سواء أكانوا من الدّعاة في الداخل أم من المطبِّلين المؤيِّدين من الخارج أمثالكم؟
وعلى كل حال: استنتاجك مردود بإجماع أصحاب هذا الواقع المخالف منهم والمدافع، وما كل ما يعلم يقال، وإن من الإشارة ما يغني عن صريح العبارة. وما قالته الصحافة في ثورة الخبز قد صدقت فيه وهي كذوب، والدّليل عليه أنّه لمّا كانت جبهة الإنقاذ في أوْجِ قوتها، ودعت إلى إضراب عام عن العمل لم يستجب لها إلا القليل، أحوج ما تكون إلى نصير، لأنّ هذا الإضراب يمسّ خبزة الأنصار، هذا مع التهديد الشّديد اللهجة منها لمن لا يساهم في الإضراب بحرق المحلاّت وتكسيرها ...، ويكفي لتصديق ما أقول أنّ عباسي مدني ـ النّاطق الرسمي لهذا الحزب ـ كان شديد الأسى والتململ من هذه المشاركة والمؤازرة الضّعيفة، وذلك في خطابه الشديد بساحة الإضراب، وأشرطة الإضراب محفوظة.
ومع هذا يقال: " ليست ثورة خبز "!!
وهذا نائبه علي بن حاج لمّا كان يخطب، فيتحدث عن إسراف الكُبَراء واستئثارهم بالمواد الغذائية وغيرها من متاع الدنيا بألفاظ نابية جدًّا كان للنّاس ضجيجُ تجاوبٍ كبير، كأنك في ملعب أو ملهى، واسألوا ثقاتكم عن أشرطة أيّام الإضراب، فسيخبرونكم إن كانوا صادقين
موضوع مغلق
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


المواضيع المتشابهه
الموضوع
عالم جورج بوش السري
¨°o.O موسوعة من الكتب والبرامج الإسلامية لكبار علماء الأمة بروابط مباشرة O.o°¨
عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر
الساعة الآن 03:35 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى