رد: كما تكونوا يولى عليكم ... للنقاش
19-10-2009, 10:39 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى/
وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)
{ نُوَلّى بَعْضَ الظالمين } من الإنس والجن { بَعْضًا } آخر منهم أي نجعلهم بحيث يتولونهم ويتصرفون فيهم في الدنيا بالإغواء والإضلال وغير ذلك ، واستدل به على أن الرعية إذا كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالما مثلهم ، وفي الحديث : « كما تكونوا يولى عليكم » أو المعنى نجعل بعضهم قرناء بعض في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقتراف ما يؤدي إليه من القبائح كما قيل ، وروي مثله عن قتادة { بمَا كَانُوا يَكْسبُونَ أي بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي-وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك . والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك . في بعض الكتب « أنا الله ملك الملوك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة . وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة ، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم » وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم « كما تكونوا يولى عليكم » والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك ، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص { وتعز من تشاء وتذل من تشاء } كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا ، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } [ المنافقون : 8 ] وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت ، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق ، وكل ذلك بتيسير الله تعالى وتقديره { بيدك الخير } أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء .
قال الله تعالى في بعض الكتب المنزلة: أنا الله ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم «كما تكونوا يولى عليكم» {تؤتي} أي: تعطي {الملك} أي: في الدنيا {من تشاء} من خلقك {وتنزع الملك ممن تشاء} منهم، وقيل: المراد بالملك النبوّة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم، وقال الكلبيّ: تؤتي الملك لمحمد وأصحابه وتنزعه من أبي جهل وصناديد قريش، وقيل: تؤتيه لآدم وذرّيته وتنزعه من إبليس وجنوده {وتعز من تشاء} من خلقك، وقيل: محمداً وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها {وتذل من تشاء} منهم وقيل: أبا جهل وأصحابه حزت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل: تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل: تعز من تشاء بالقناعة وتذل من تشاء بالحرص والطمع، وقيل: تعز من تشاء بالتهجد وتذل من تشاء بتركه {بيدك} أي: بقدرتك {الخير} أي: والشر، واقتصر على الأوّل لمسارعة الأدب في الخطاب أو اكتفى بذكر أحد المقابلين كما في قوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحرّ} (النحل، 81) أي: والبرد أو؛ لأن الكلام وقع فيه إذ روى البيهقيّ وغيره: «أنه صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق وقطع لكل عشر أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء وأخذ المعول منه فضربها ضربة فصدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لا بتيها ـ أي: المدينة ـ فكأنّ بها مصباحاً جاء في جوف بيت
وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم، فقف وانظر متعجبا. وروى أبو الشيخ ابن حيان عن منصور بن أبي الأسود، قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أمّر عليهم شرارهم، أي أن الولاية والإمارة تكون لأشرارهم، كما قال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها، فَفَسَقُوا فِيها، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ، فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
[الإسراء 17/ 16] .
أي أن التولية بين الظالمين إما بالتعاطف والتناصر فيما بينهم، وإما بتسلط بعضهم على بعض وتأمّرهم عليهم، فما من ظالم إلا سيبلى بأظلم منه. والظلم عام يشمل الظالمين لأنفسهم، والظالمين للناس من الحكام وغيرهم، فكل فريق يتولى شبهه في الخلق والعمل، وينصره على غيره. قال ابن عباس: «إذا رضي اللّه على قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط على قوم ولى أمرهم شرارهم» .
وهذا تهديد عام لكل ظالم في الحكم والسلطة أو غير ذلك.
حدثنا محمد بن يوسف بسيراف ، حدثنا أبو المثنى ، حدثنا محمد بن يحيى بن عثمان ، حدثنا الكرماني بن عمرو ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أبي بكر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « » كما تكونوا يولى عليكم
فحديث: كما تكونوا يولى عليكم. رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة، ورواه البيهقي عن أبي إسحاق السبيعي مرسلاً.
وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم من المتقدمين الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله ومن المتأخرين الشيخ الألباني رحمه الله فقد جمع طرقه في سلسلة الأحاديث الضعيفة 1/490
وحكم عليه بالضعف. ثم قال: والواقع يكذبه، فإن التاريخ حدثنا عن تولي حكام أخيار بعد حكام أشرار والشعب هو هو.
والله أعلم.
كما تكونوا يولى عليكم
لم أزل أسمع الناس يقولون: أعمالكم عمالكم، كما تكونوا يولى عليكم، إلى أن ظفرت بهذا المعنى في القرآن؛ قال الله تعالى: " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً " الأنعام: 129 وكان يقال: ما أنكرت من زمانك فإنما أفسده عليك عملك. وقال عبد الملك بن مروان: ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما، نسأل الله أن يعين كل على كل. وقال قتادة: قالت بنو إسرائيل: إلهنا أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف نعرف رضاك من سخطك؟ فأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائهم: إذا استعملت عليكم خياركم فقد رضيت عنكم، وإذا استعملت عليكم شراركم فقد سخطت عليكم.
وقال عبيدة السلماني لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ما بال أبي بكر وعمر انطاع الناس لهما، والدنيا عليهما أضيق من شبر فاتسعت عليهما ووليت أنت وعثمان الخلافة ولم ينطاعوا لكما، وقد اتسعت فصارت عليكما أضيق من شبر؟ فقال: لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان، ورعيتي أنا اليوم مثلك وشبهك! وكتب أخ لمحمد بن يوسف يشكو إليه جور العمال، فكتب إليه محمد بن يوسف: بلغني كتابك وتذكر ما أنتم فيه، وليس ينبغي لمن يعمل المعصية أن ينكر العقوبة، ولم أر ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب، والسلام
الحديث معناه غير صحيح على إطلاقه عنديكما تكونوا يولى عليكم
ولعل من أكثر ما يقصدون بفساد الزمان؛ فساد السلطان أو الحاكم وغير ذلك، يقول الله تعالى في محكم التنزيل: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأنعام:129].
فبين الله عز وجل أن فساد السلطان من فساد الرعية، وأن الله تعالى بحكمته جعل الوالي منسجماً مع الرعية في قدر صلاحه أو فساده، أو عدله أو ظلمه، أو علمه أو جهله، وغير ذلك من الصفات والخلال.
فلما كان الناس في العصور الأولى أهل صلاح واستقامة وهداية، سخر الله تعالى لهم أمثال أبي بكر الصديق و عمر و عثمان و علي ، فلما اختلفوا اختلفت ولاتهم عليهم: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونََ } [الأنعام:129].
وأما الحديث المشهور: { كما تكونوا يولى عليكم }؛ فإن هذا الحديث ضعيف رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي اسحاق السبيعي مرسلاً، ولا يصح، لكن تغني عنه الآية، فإنها دليل صريح على أن هناك تناسباً بين وضع الحكام وبين وضع الشعوب.
فلو نظرنا إلى مستوى الشعوب؛ لوجدنا أنه منطبقٌ تماماً مع الحكام، نعم وهذا أمرٌ لا يشك فيه عاقل؛ لأن الشعب -أي شعب- لو كان قوياً فطناً فهماً عادلاً راسخاً، لكان يؤثر تأثيراً يقينياً في نوع الذين يحكمونه، ولم يكن يتمكن أحد -ممن هو مخالف لهذه الخصال- أن يصل إلى مستوى عالٍ في الإدارة والحكم في تلك الشعوب؛ لكن عندما تكون الشعوب شعوباً ضعيفة مستخذية ذليلة جاهلة، فإنها تستسلم لكل حاكم، وتقر له، وتذعن له، ولا تؤثر فيه، ولا تغير من قراراته؛ لأنها قد رضيت بالهوان والصغار؛ ولأنها رضيت بالحياة الدنيا من الآخرة. وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأنعام:129] أي نجعل بعض الظالمين أولياء، ولاة على بعض؛ بما كانوا يكسبون.
كما تكونوا يولى عليكم: لما كانت الأمم المصرية في عهد الفراعنة الأولين أمماً ظالمة فاجرة كافرة، فيها أمثال قارون و هامان وسائر المجرمين، سلط الله تعالى عليهم مثل فرعون الذي يسومهم سوء العذاب، يذبح أبناءهم ويستحي نسائهم، ويأخذهم بالقهر والغلبة والتسلط، ولما كانت الأمم فيها أمثال عمر و عثمان و علي و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و الزبير بن العوام ، قيض الله تعالى لهم أمثال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يسوسونهم بسنة الله تعالى وسنة رسولهم صلى الله عليه وسلم، ويؤخذ الحق لضعيفهم من قويهم { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأنعام:129] ففرعون، إنما كان فرعون لأنه حكم قوماً ظالمين، كما قال الله عز وجل: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ } [الزخرف:54] ولذلك جاء رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: ما شأن الناس اتفقوا على أبي بكر و عمر واختلفوا عليك، فقال: لأن أبا بكر و عمر كانوا يحكمون مثلي وأنا أحكم مثلك، فلذلك اختلف الناس عليَّ.
إذاً بينهم ترابط وعلاقة وشيجة { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } [الإسراء:16] القراءة الثالثة بالمد { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } [الإسراء:16] أي كثرناهم كما نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه، و أبي الدرداء ، ونقل -أيضاً- عن ابن عباس و عكرمة : أن معنى أمرنا وآمرنا أي كثرنا مترفيهم، أي: أن الترف لم يكن في فئة خاصة، ولم يكن في القصور فقط، ولم يكن في الأغنياء فقط، إنما صار الترف شأناً عاماً للأمة، كما حصل في قرون كثيرة من التاريخ كما حدث للرومان -مثلاً- وكما حدث للمسلمين في الأندلس وكما حدث للأمم الإسلامية في هذا العصر خاصة، وفي الدول التي وسع الله عز وجل عليها، وأغناها بالمعادن وسواها، فإن هذا الترف لم يعد مقصوراً على جهة خاصة، أو طبقة خاصة، بل تحول الترف إلى ديدن للشعوب كلها، فأفسد الشباب والفتيات، وخرب الضمائر، وأمات القلوب، وأفقد الناس الرجولة والشهامة والمروءة والإنسانية التي كانت توجد عند الإنسان العادي، حتى ولو كان إيمانه غير قوي، وكل هذه المعاني المذكورة في الآية محتملة، فالمهم أن الترف هو سبب هلاك الأمم والشعوب، والمترفون: هم الذين يقودون ركب الأمم إلى هاوية الفساد والضياع والانحراف.
ولنعلم أن إصلاح الواقع يبدأ بإصلاح الشعوب لا الحكومات لأن أغلب أوراق الإصلاح هي بيد الشعوب فالقول المأثور (كما تكونوا يولى عليكم) هو حكمة صحيحة ليس هنا مجال إثباتها ولكن يكفي أن نقول: عارضوا مصالح أو اقتناعات أو عقائد لتجمعات شعبية فكرية أو سياسية أو عرقية أو حتى لأفراد عاديين, فستروا رفضا واضحا لبعض مبادئ الإسلام أو لمواد الدستور والقانون, وهذا الرفض يأتي نتيجة جهل أو تعصب أو مصلحة أو غير ذلك وحقيقة واقعنا ليست بعيدة عما قاله أحد العرب في هذا القرن حيث قال: إذا تكلمنا فكلنا أصحاب مبادئ وإذا عملنا فكلنا أصحاب مصالح !!!
أن العلم هو العلة التي تقوى بها أمة
على أمة ، والجهل هو سبب انحطاط فريق عن فريق
ومن هذا يعلم أن جميع أحوال الأمة متوقفة على حالة أشخاصها من الجهل
والعلم ، فإن صلحت الأشخاص صلحت الأحوال والعكس بالعكس . وبهذا جاء القرآن
الكريم قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } ( الرعد :
11 ) وقال تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } ( هود
: 117 ) وقال تعالى : { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم } ( الشورى :
30 ) وقال جلّ شأنه : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا
مَا بِأَنفُسِهِمْ } ( الأنفال : 53 ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( كمَا تَكُونوا يُوَلَّى عليْكُمْ )
وفي معناه قول الحكيم ( الأمة تعطى الحكومة التى تستحقها )
فصلهما يؤدي إلى موتهما . فإن العلم ينمو متى كان دينيًّا ، والدين يثبت متى كان
علميًّا
والله أعلم
التعديل الأخير تم بواسطة بلقا ; 19-10-2009 الساعة 11:06 AM