موقـع الشاشـة الإعلاميـة العالميـة
MediaMonitors
الثلاثاء 31 كانون ثاني/يناير 2006م
الخلافـة: تحـدي الإسـلام للنظـام العالمـي؟
The Caliphate: Islam's Challenge to Global Order?
بقلم: نومان أنيـف
by Noman Hanif
الكاتب "نومان أنيـف" هو محاضر في الإسلام السياسي والإرهاب الدولي والأمن العالمي في بيركبيك، جامعة لندن
Noman Hanif, Lecturer Political Islam, International Terrroism and International Security at Birkbeck, University of London,
يسود اعتقاد ديني لدى الحركة الإسلامية المتطرفة بمشروعية دولة
الخلافـــة على أنها قلعة لاستعادة القوة الإسلامية ووسيلة تتحدى بها تفرد الحضارة الغربية، وينذر بقدوم عاصفة في العالم الإسلامي وما وراءه، وقد تختلف الحركة الإسلامية بناءاً على مصادرها من القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي حول منهجيتها لإحياء
الخلافـــة بالعمل الجهادي أو الإصلاحي أو السياسي، إلا أنها تجمع بكل أطيافها على هـــدف إعادة
الخلافـــة.
وكان رد الفعل الغربي على الحركة الإسلامية هو ربط
الخلافــة بالجهاد العالمي وبتوسيع رقعة الحرب على الإرهاب، وأدى تطور لغة خطاب العواصم الغربية من "الإرهاب العام" إلى "الإرهاب الإسلامي" ومن ثم إلى "أيديولوجية الشر" وأخيراً ضد
"الخلافـــة" إلى الإقرار بما كانت الحركة الإسلامية تتبناه منذ فترة طويلة بأن الحرب على الإرهاب هي بالأساس حرب على الإسلام.
وكدليل آخر، فقد أفادت الحركة الإسلامية باستدلالها على موقفها من سلسلة من التصريحات الاستثنائية حول
الخلافـــة من قبل القادة السياسيين في واشنطن وأوروبا. ففي خطاب له في مؤسسة هيرتيج في 06 أكتوبر/تشرين أول 2005م قال وزير الداخلية البريطاني
تشارلز كلارك:
"...لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات حول إعادة دولة الخلافـــة، ولا مجال للنقاش حول تطبيق أحكام الشريعة (الإسلامية)"، أما الرئيس
بوش فقد صرح في خطاب له للأمة في 8 أكتوبر/تشرين أول 2005م قائلاً:
"يعتقد المقاومون المسلحون إنهم باستيلائهم على بلد واحد سيقودون الشعوب الإسلامية ويمكنوهم من الإطاحة بكافة الحكومات المعتدلة في المنطقة، ومن ثم إقامة إمبراطورية إسلامية متطرفة تمتد من أسبانيا إلى إندونيسيا". وفي الخامس من ديسمبر/كانون أول 2005 قال وزير الدفاع الأمريكي
دونالد رمسفيلد في تعليق له حول مستقبل العراق في جامعة جون هوبكنـز:
"ستكون العراق بمثابة القاعدة لـالخلافـــة الإسلامية الجديدة التي ستمتد لتشمل الشرق الأوسط وتهدد الحكومات الشرعية في أوروبا وأفريقيا وآسيا، هذا هو مخططهم، لقد صرحوا (الحركة الإسلامية المتطرفة) بذلك، وسنقترف خطئاً مروعاً إذا فشلنا في أن نستمع ونتعلم".
و
الخلافـــة حسب تعريف الحركة السنية الإسلامية هي رئاسة عامة لكل المسلمين تهدف إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وحمل الرسالة الإسلامية إلى كل العالم، وهي وريثة
الخلافـــة الإسلامية التي امتدت في يوم من الأيام من إندونيسيا إلى أسبانيا ولمدة ألف وأربعمائة عام، وهي ليست بالملكية ولا بالديموقراطية ولا بالدكتاتورية ولا بالحكومة الدينية (الكهنوتية)، بل هي عقد قيادة بين الخليفة المنتخب والأمة من أجل تطبيق كافة الأحكام الإسلامية في السياسة الداخلية والخارجية.
إن الاختلاف بين الطائفة (المدرسة) السنية والشيعية هو أن طائفة السنة تقبل بإعادة الحكم الإسلامي على يد أي مسلم يتصف ببعض المواصفات المعينة بينما الشيعة تشترط على أن يكون الشخص الذي لديه السلطة لتطبيق الحكم الإسلامي منحدر من عائلة الرسول محمد. وبما أن سلالة الرسول قد توقفت بعد اختفاء أو اختباء الإمام الثاني عشر عام 941 ميلادي، هذا يعني أنه من المستحيل الشروع من جديد بتطبيق الحكم الإسلامي إلا بظهور هذا الإمام من جديد. ولهذا السبب، إن الثورة الإيرانية لم تعلن أبداً أو لم تُقبل كـ
خلافـــة من قبل أغلبية السنة والشيعة في العالم الإسلامي.
وفي هذا المقال، سأتطرق إلى موقف الغرب في تجنب خوض مواجهة مفتوحة مع الإسلام ومقاومتهم للحركة الشعبية المندفعة تجاه إحياء
الخلافـــة وسأبرهن كيف أصبح من الصعب عليهم أن يحتفظوا بمثل هذا الموقف. إن الحركة الإسلامية تنتصر في كل معركة تخوضها في حرب الأفكار بفضل سلاحها وهو القرآن. إلا أن مؤازرة الإسلام المعتدل كجزء من الليبرالية الغربية في العالم الإسلامي آخذ في الانهيار نظراً للسلطة العليا لعلامة الحركة الإسلامية.
لقد نجحت الحركة الإسلامية بتقديم نموذج أيديولوجي بديل لليبرالية العلمانية الغربية للجماهير المسلمة حيث يتفق هذا النموذج مع القرآن. ويشكل إحياء
الخلافـــة ذروة هذا النموذج ووسيلة لتحدي البناء العالمي المسيطر عليه من قبل الغرب.
وفي النهاية، إذا قرر الغرب أن يتحدى هذا النموذج فسيضطر إلى شن المعركة ضد الإسلام والقرآن. ولا تعتبر هذه الحركة كتسريع مقصود لوقوع تصادم الحضارات بل هي بمثابة إقرار واضح على عدم الانسجام (التوافق) بين الإسلام والليبرالية الغربية.
لا يجب أن نتوقع من الغرب أن يغير من سياسته تجاه العالم الإسلامي، فهذا تفكير سفيه، حيث أن الغرب سيستمر بسياساته المبنية على الصراع بين أمن الطاقة وعولمة الرأسمالية وترويج الديمقراطية العلمانية وأقلمة الإسلام المعتدل. وبالتالي فإن أي محاولة من الغرب لفرض الديمقراطية بالقوة وعن طريق الاحتلال في العالم الإسلامي ستؤدي فقط إلى تقوية الحركة الإسلامية. كما أن الاستمرار في دعم الأنظمة الديكتاتورية والملكية التي تهدف إلى القضاء على الحركة الإسلامية وتعارض قيام الخلافـة يؤكد للجماهير أن الغرب ينوي الاستمرار بشن حملته الصليبية عليهم. وقد وفرت هذه الظروف البيئة المناسبة لانهيار الأنظمة المحلية وقيام
الخلافـــة وبالتالي وقوع تغيير جذري في النظام العالمي.
جـذور إحياء الحركـة الإسلاميـة
إن الفراغ الأيديولوجي الذي وجد بعد فشل التجربة الشيوعية في روسيا حول تركيز النقاش الدولي إلى الإسلام وإذا ما كان بإمكانه أن يملأ هذا الفراغ ويصبح تحدياً أمام النظام العلماني الليبرالي العالمي المنتصر بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا. وبعد الانهزام الأيديولوجي وغير المتوقع للشيوعية، اعتبر الأكاديميون الذين ترعرعوا في بيئة من التقاليد الغربية العلمانية الليبرالية أن إحياء الحركة الإسلامية هي عبارة عن رد فعل لسمو الأيديولوجية الغربية ولغز استراتيجي ولكن ليس بمقدورها أن تقف كتحدي أمام النظام الغربي العالمي. لقد سيطر هذا التفكير على الأدب الغربي وأدى إلى خطأ فادح في فهم وتفسير أساس إحياء الإسلام وتحديه للنظام العالمي.
لقد ارتكب الأكاديميون وصناع السياسة الغربيين خطأً كبيراً عندما حللوا مصدر إحياء الإسلام والظروف التي حفزته على أنهم أمراً واحداً، فلم يتم فصل ينبوع الأفكار عن البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عززت نموها. أما بناء الحركة الإسلامية، التي تهدف إلى إعادة إحياء الإسلام بأكمله عن طريق قيام
الخلافـــة، فتعود جذوره إلى مصدر إلهامه ألا وهو القرآن الكريم.
يعتبر القرآن في العالم الإسلامي المشروع المثالي للأفكار ويعود الفضل له في وضع نهاية للتاريخ قبل 1200 عاماً قبل أن يضع فرانسيس فوكوياما "العلامة القياسية" من خلال الثورة الفرنسية. إن الإيمان بكمال القرآن وبالتالي بقوانين الله النابعة منه يزرع جذور الغضب الإسلامي ويجعل من قيام تضارب الحضارات بين الإسلام والليبرالية العلمانية أمراً لا مفر منه.
وفيما يتعلق بفشل الإسلام السياسي المذكور، فإن النقاش الأكاديمي الغربي يلحق العولمة الغربية لدرجة أنه يكوِّن فرضية عن الإسلام بصورته الخاصة المنتزعة من القرآن ومن إرث الفقه الإسلامي وكذلك قوة الحركة الإسلامية، إن الإيمان بأن القرآن عالمي وأن هنالك توافق بين المادة والروح يجعلان من عملية حرف الإسلام أمراً غير ممكناً.
وهنالك نقاش حاد من قبل الحركة الإسلامية مبني على آيات القرآن، حول القاعدة التي يقوم عليها الغرب العلماني "أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، وتضيف أنه لا يوجد مرادفات للمفاهيم الغربية التشريعية في الحوار الإسلامي الكلاسيكي أو المعاصر.
وفي الواقع، إن القول بأن الإسلام السياسي قد فشل لأنه لم يتمكن من التأقلم مع الحداثة الغربية ومع البنية السياسية الغربية لا يعتبر محاكمةً لفشل الإسلام السياسي، بل إنه برهان آخر على أن الإسلام وهندسة السياسة الغربية لا يتلاءمان من الأصل. ومن ناحية أخرى فإن قيام الحركات الإسلامية بتقديم بنية
الخلافـــة، كبديل سياسي ونظامي للأنموذج الغربي العلماني الحالي، يمثل نجاحاً للإسلام السياسي.
بلا شك إن الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العالم الإسلامي قد دعم قضية الحركات الإسلامية ولكن على عكس افتراضات الغرب فإن الحل لا يكمن في الليبرالية العلمانية أو الرأسمالية بل في الإسلام. ولا بد من التوصل لمثل هذه النتيجة نظراً لما تحمله العالم الإسلامي خلال عقود من التدخل الغربي سواء عن طريق الاستعمار أو صراع القوى الكبرى أو الصداقات القاسية مع الديكتاتوريات غير الإسلامية باسم الاستقرار ومصالح الأمن فيما يتعلق بالنفط. والاستعمار الغربي والذل والتدخل يؤكد للجماهير الإسلامية أن الغرب هو سبب معاناتهم، وليس الإسلام. ولهذا فقد شرعت الجماهير الإسلامية بالبحث عن بديل في الإسلام على أمل أن يعيد لهم كرامتهم وقوتهم ويوفر لهم الحماية والاستقرار من خلال نظام مكرس للفرد والدولة والمجتمع. وإذاً إنه لأمر طبيعي أن يربطوا آمالهم هذه بالقرآن والإرث الإسلامي وبـ
الخلافـــة. وإن محاولات الغرب إبطال عملية الإحياء هذه وقيام
الخلافـــة عن طريق التدخل العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي سيشعل نار المسلمين أكثر فأكثر.
يتبع
.../...