المئذنة ليست المسجد!
12-12-2009, 12:51 PM

المئذنة ليست المسجد! ما إن أعلنت سويسرا ـ ذلك البلد الشهير بالساعات والأجبان والحياد السياسي ـ عن قرارها بحظر بناء المآذن على أرضها حتى تعالت في مختلف الدول العربية والإسلامية أصوات الشاجبين النادبين والمندّدين الذين رأوا في ذلك القرار مؤامرة تحاك في وضح النهار وعزّ الديمقراطية الغربية ضدّ المسلمين والتي يكون هدفها غير المعلن هو التعصب ضدّ الإسلام والنيل من أحد أهم رموز الإسلام والمتمثل في إعلاء الصوامع عند كل مسجد. والحق أني لا أفهم هذه الأصوات التي تريد فرض منطقها على غيرها وعلى أرض شعوب أخرى لا تدين بالإسلام، بل ولها الحق في أن لا تدين بأي ديانة من الديانات.
لقد عادت إلى ذاكرتي ـ في غمرة تلك الأصوات الصاخبة المتعالية ـ جملة كان قد أطلقها الشاعر والمسرحي الجزائري الكبير كاتب ياسين قبل عقود حين أراد أن يتحدث عن الشلل والكسل والخمول الذي أصاب أمة الإسلام التي تأخرت عن مسايرة الركب الحضاري، فوصف المآذن بـ''الصواريخ التي لا تطير''. حينئذ أثارت استعارته المذهلة تلك ردود فعل جعلت الإسلاميين الجزائريين ومن لفّ لفّهم يكفرونه بحجة أنه غير مؤمن بقداسة الصومعة فوصفوه بالمارق الذي يستحق الموت. والحقيقة التي يقفز فوقها الملتاعون الخائفون على دينهم من أي تحرك في اتجاه مساءلة اليقينيات والدوغمائيات التي تغلق منافذ العقل، هي أنهم لا يريدون مجابهة الواقع وما يشوبه من تطورات وتغييرات بكل هدوء وروية. وهم في ذلك أيضا يتغاضون عن مسألة مهمة هي أن المآذن لم تكن أبداً جوهرا دينيا في الإسلام، فبناؤها أو عدم بنائها لا يغير شيئا من قداسة المسجد ولا يمس بالشعائر الإسلامية الأساسية. إن الصومعة ليست المسجد والإسلام لا يمنع الصلاة ولا يبطلها إذا تمت تأديتها في مسجد بلا مئذنة.
من جهة أخرى، علينا اليوم ـ وقد تطورت تقنيات الاتصال (أقصد مكبرات الصوت) ـ أن نعترف بأنه ليس من الضروري المناداة من شاهق بغية إعلان موعد الصلاة أو التقرب من الله لأن رب العالمين ينظر إلى القلوب وليس إلى المئذنة وينظر إلى الخيّرين والأعمال الطيبة وليس إلى اللحية أو القميص أو الحجاب أو السواك أو النقطة السوداء على الجباه. فهذه المظاهر جميعها ليست جوهرا من الدين ولا أساسا فيه وإنما هي مظاهر وعلامات لحقت بزي المسلمين وحياتهم الدينية كطقوس اجتماعية تراكمت عبر ممارسات بعض ''المتدينين'' حتى أضحت تدلُّ على فئة دون أخرى: فئة المصلين وفئة تاركي الصلاة! وهكذا وبمرور الوقت أصبحت هذه ''الشارات'' المميزة عاملا للتفرقة الدينية والجماعية بين المتسمين بها ومن لا يحملونها على أجسادهم وجباههم. وما دام الحال هكذا فإننا نشعرُ بوقوفنا أمام مأزق حقيقي فيما يتعلق بالثقافة الدينية لدينا كمسلمين، ففي الوقت الذي يتقدم فيه الغرب بخطوات هائلة في اتجاه الديمقراطية (ألم يصوّت السويسريون بكل شفافية على قانون المنع؟) والحرية والتنوير العقلي المؤسس على مبادئ الحوار والإقناع، نغرق نحن بإصرار غريب في معضلات الوضوء وكيفية تأدية الصلاة بوضع اليدين قبضا أم إرسالا وكيف كان يعيش النبي الكريم محمد وينام وكيف كان يفكر أبو بكر الصديق وكيف كان يخاطب عمر بن الخطاب وكيف كان يقاتل علي بن أبي طالب وكيف كانت تتجمل عائشة أو خديجة وما هو الحلال والحرام وكيف يمكننا إيجاد المخارج لإشكالية الحجاب في الغرب لإقناع الأوروبيين بأن إسلام المرأة هو الحجاب ولا شيء سواه؟
إن الحقيقة الدينية الخالصة ـ كما رآها ابن رشد قبل قرون والجابري وأركون في أيامنا هذه ـ لا يمكن اختصارها في بعض الطقوس الملحقة بالدين بل هي في مساءلة هذا الدين بكل موضوعية في شتى أوجهه والتعاطي معه على ضوء معطيات العصر التي تصنع الفارق بين من فهم اللحظة وبين من يقف مشدوها فيها. دون هذه الشجاعة الأدبية والعلمية التي يتوجب على علماء الأمة التحلي بها، سنمضي لا محالة وقتا ثمينا وجولة حضارية حاسمة في هذا الجدل البيزنطي الذي لا يُشبع جائعا ولا يمسح دمعة يتيم ولا يداوي غصة أرملة.
لقد عادت إلى ذاكرتي ـ في غمرة تلك الأصوات الصاخبة المتعالية ـ جملة كان قد أطلقها الشاعر والمسرحي الجزائري الكبير كاتب ياسين قبل عقود حين أراد أن يتحدث عن الشلل والكسل والخمول الذي أصاب أمة الإسلام التي تأخرت عن مسايرة الركب الحضاري، فوصف المآذن بـ''الصواريخ التي لا تطير''. حينئذ أثارت استعارته المذهلة تلك ردود فعل جعلت الإسلاميين الجزائريين ومن لفّ لفّهم يكفرونه بحجة أنه غير مؤمن بقداسة الصومعة فوصفوه بالمارق الذي يستحق الموت. والحقيقة التي يقفز فوقها الملتاعون الخائفون على دينهم من أي تحرك في اتجاه مساءلة اليقينيات والدوغمائيات التي تغلق منافذ العقل، هي أنهم لا يريدون مجابهة الواقع وما يشوبه من تطورات وتغييرات بكل هدوء وروية. وهم في ذلك أيضا يتغاضون عن مسألة مهمة هي أن المآذن لم تكن أبداً جوهرا دينيا في الإسلام، فبناؤها أو عدم بنائها لا يغير شيئا من قداسة المسجد ولا يمس بالشعائر الإسلامية الأساسية. إن الصومعة ليست المسجد والإسلام لا يمنع الصلاة ولا يبطلها إذا تمت تأديتها في مسجد بلا مئذنة.
من جهة أخرى، علينا اليوم ـ وقد تطورت تقنيات الاتصال (أقصد مكبرات الصوت) ـ أن نعترف بأنه ليس من الضروري المناداة من شاهق بغية إعلان موعد الصلاة أو التقرب من الله لأن رب العالمين ينظر إلى القلوب وليس إلى المئذنة وينظر إلى الخيّرين والأعمال الطيبة وليس إلى اللحية أو القميص أو الحجاب أو السواك أو النقطة السوداء على الجباه. فهذه المظاهر جميعها ليست جوهرا من الدين ولا أساسا فيه وإنما هي مظاهر وعلامات لحقت بزي المسلمين وحياتهم الدينية كطقوس اجتماعية تراكمت عبر ممارسات بعض ''المتدينين'' حتى أضحت تدلُّ على فئة دون أخرى: فئة المصلين وفئة تاركي الصلاة! وهكذا وبمرور الوقت أصبحت هذه ''الشارات'' المميزة عاملا للتفرقة الدينية والجماعية بين المتسمين بها ومن لا يحملونها على أجسادهم وجباههم. وما دام الحال هكذا فإننا نشعرُ بوقوفنا أمام مأزق حقيقي فيما يتعلق بالثقافة الدينية لدينا كمسلمين، ففي الوقت الذي يتقدم فيه الغرب بخطوات هائلة في اتجاه الديمقراطية (ألم يصوّت السويسريون بكل شفافية على قانون المنع؟) والحرية والتنوير العقلي المؤسس على مبادئ الحوار والإقناع، نغرق نحن بإصرار غريب في معضلات الوضوء وكيفية تأدية الصلاة بوضع اليدين قبضا أم إرسالا وكيف كان يعيش النبي الكريم محمد وينام وكيف كان يفكر أبو بكر الصديق وكيف كان يخاطب عمر بن الخطاب وكيف كان يقاتل علي بن أبي طالب وكيف كانت تتجمل عائشة أو خديجة وما هو الحلال والحرام وكيف يمكننا إيجاد المخارج لإشكالية الحجاب في الغرب لإقناع الأوروبيين بأن إسلام المرأة هو الحجاب ولا شيء سواه؟
إن الحقيقة الدينية الخالصة ـ كما رآها ابن رشد قبل قرون والجابري وأركون في أيامنا هذه ـ لا يمكن اختصارها في بعض الطقوس الملحقة بالدين بل هي في مساءلة هذا الدين بكل موضوعية في شتى أوجهه والتعاطي معه على ضوء معطيات العصر التي تصنع الفارق بين من فهم اللحظة وبين من يقف مشدوها فيها. دون هذه الشجاعة الأدبية والعلمية التي يتوجب على علماء الأمة التحلي بها، سنمضي لا محالة وقتا ثمينا وجولة حضارية حاسمة في هذا الجدل البيزنطي الذي لا يُشبع جائعا ولا يمسح دمعة يتيم ولا يداوي غصة أرملة.
نشر بتاريخ 10-12- 2009 الخبر الاسبوعي
جيلالي نجاري
جيلالي نجاري
موضوع للنقاش
قرات هذا الموضوع في جريدة الخبر و الذي اعتبرته موضوع جريء الي حد كبير رغم انني اختلف مع كاتبه في الكثير من اجزاءه .
وهنا تسالت هل ثورة الملسمين في كل انحاء العالم كانت بسبب حضر المئاذن كونها مئاذن وان المسلمين عتبرون المئاذن مقدسة او واجبة في كل مسجد . او ان ثورتهم جاءت بسبب المساس الذي طال المئاذن بعد ان طال الحجاب وطال مختلف رموز الاسلام . مادام الاسلام لا يشترط وجود المئذنة في السمجد فلماذا كل هذه الثورة عل هذا القرار .
انا اري ان المساس بالمئذنة هو مساس بالمسجد حتي وان كانت المئذنة ليست شرط في المساجد فاليوم المئذنة وغدا القبة وبعد غد شيء اخر الي ان تفكك المسجد ويحذف من الاسلام كل ما يراه الغرب غير ضروري . فالغرب يحاول ان يجعل من المسجد بناء لا ينتبه اليه اي احد مار عليه حتي لا يشعر الانسان انه مر بمسجد ولكنه مر بمجرد بناء عادي يجتمع في المسلمون. والا فما الذي يزعج السويسريين في بناء المئذنة فهي لا تضر بالبيئة ولا تعتدي علي حرية احد او ديانته فلماذا يلتمس البعض الاعذار للسويسريين . ومادام المسلمون انفسهم لا يرون وجود المئذنة ضروري فلماذا نلوم الغرب .
وهنا تسالت هل ثورة الملسمين في كل انحاء العالم كانت بسبب حضر المئاذن كونها مئاذن وان المسلمين عتبرون المئاذن مقدسة او واجبة في كل مسجد . او ان ثورتهم جاءت بسبب المساس الذي طال المئاذن بعد ان طال الحجاب وطال مختلف رموز الاسلام . مادام الاسلام لا يشترط وجود المئذنة في السمجد فلماذا كل هذه الثورة عل هذا القرار .
انا اري ان المساس بالمئذنة هو مساس بالمسجد حتي وان كانت المئذنة ليست شرط في المساجد فاليوم المئذنة وغدا القبة وبعد غد شيء اخر الي ان تفكك المسجد ويحذف من الاسلام كل ما يراه الغرب غير ضروري . فالغرب يحاول ان يجعل من المسجد بناء لا ينتبه اليه اي احد مار عليه حتي لا يشعر الانسان انه مر بمسجد ولكنه مر بمجرد بناء عادي يجتمع في المسلمون. والا فما الذي يزعج السويسريين في بناء المئذنة فهي لا تضر بالبيئة ولا تعتدي علي حرية احد او ديانته فلماذا يلتمس البعض الاعذار للسويسريين . ومادام المسلمون انفسهم لا يرون وجود المئذنة ضروري فلماذا نلوم الغرب .
من مواضيعي
0 التغذية: نصائح وحيل حول الأكل الصحي اهمالها قد يسبب لنا مشاكل صحية لا نعرف اين سببها؟
0 فوضى سينوفاك الصينية.. لقاح واحد و3 نتائج متضاربة
0 "نوع آخر مثير للقلق".. سلالات كورونا المتحورة تنتشر في 50 بلدا
0 إجراء تغييرات إيجابية: نصائح وحيل للتغذية السليمة ولتقوية الاعصاب
0 هل لديك وزن زائد؟ نستطيع مساعدتك
0 يؤثر نظامك الغذائي على صحتك: كيفية الحفاظ على التغذية الجيدة
0 فوضى سينوفاك الصينية.. لقاح واحد و3 نتائج متضاربة
0 "نوع آخر مثير للقلق".. سلالات كورونا المتحورة تنتشر في 50 بلدا
0 إجراء تغييرات إيجابية: نصائح وحيل للتغذية السليمة ولتقوية الاعصاب
0 هل لديك وزن زائد؟ نستطيع مساعدتك
0 يؤثر نظامك الغذائي على صحتك: كيفية الحفاظ على التغذية الجيدة
التعديل الأخير تم بواسطة diego ; 12-12-2009 الساعة 12:54 PM














