غاية الحكام---في سذاجة المحكومين.
14-07-2012, 03:40 PM
حين أذكر أني ابن بلد المليون ونصف المليون شهيد، وأرى أن الجزائر تتوضع على خارطة الوطن العربي، وترتدي لونه المميز، وحين أمعن النظر في الوقائع وما تغطيه من مواقع، اجدني أقف مندهشا أمام علامة تعجب كبيرة تحجب عن بصيرتي مكنونات هذا الفضاء الشاسع من المعمورة، مجبولا على الشك في صحة ما يقال عن حضارة الأمة وما تتصف به من قيم، فيطول بي التفكير وتتعدد التساؤلات والتخمينات وأنا ألج مجرى البحث عن الحقيقة، وتبين منحى ومصدر العاصفة الهوجاء التي عملت على ادخال أمتنا في نفق الصراعات عرقيا، دينيا، مذهبيا وغربيا حتى... واختلقت مفاهيم غباء التصرف، وعنف التطرف، وعداء للذات واهمال للذاكرة، ورسختها كسلوك لدى الافراد والجماعات، فعمقت بذلك جرح التخلف ، بدل البحث عن الوسائل التي بها يتحقق استشراف المستقبل.
ليس ذلك رحلة للشك بل هو وقفة تأمل تزيد العاقل يقينا ،أن ما خطط له قادة الغرب وهلل له معظم ساسة العرب، واحتفى المعدمون من الشعب العربي في مأتم ما عرف بالربيع العربي، لا يمكن أن يكون نموذجا للتطور والرقي، ولا أسلوبا للديمقراطية ولا نمطا من انماط النضال السياسي الفعال، بل هو تهور وشذوذ وانتحار، يكرس مبدأ اللا نظام، وانسداد وعطب في اجهزة التطور الانساني، مبدأ اسوا من ذلك الذي نتج عن ويلات الزحف الصليبي على وطننا العربي في القرون الوسطى.
والسؤال: ماذا ينقص أمتنا لتحقيق الأمن والسلم و التطور ؟
أو بعبارة أبسط ماهي الوسائل اللازمة لاستعادة المجد واستشراف المستقبل ؟
لسنا نريد أن نضمن مقالنا هذا دسم العبارات، وشراسة المقاصد، حين قراءة ألوان الصور وتفسير ما بين سطور الوقائع، لا، ولن نقصوا على أحد إذا لجنا إلى خلفيات التوجه الجديد(.) .
لا يختلف عاقلان في ان الوطن العربي الكبير بموقعه وموارده وطاقاته، بما يملأ باطن أرضه من ثروات، وما يتضن بره من بر الخيرات، لا يتوازى تأثير فعله مع حجمه، مما انعكس سلبا على حاضره، و وضعه الراهن ينبئ بسوء مستقبله طالما بقي الحال على حاله
ولا شك ان الثروات الهائلة المتوفرة فيه وأهمية حجمه كسوق استهلاك وبؤرة توتر تستورد الاسلحة ووسائل الدمار والقتال بكميات هائلة، هي عوامل تعزز إغراء التحالفات التي تصنعها المتغيرات الدولية.
والفعل اللازم للتصدي لتلك الاغراءات وكبحها وصد الهجمات يتطلب عقلا سليما وسلوكا قويما وتصرفا حكيما، وتظافر جهود كل القوى الحية من أجل الخروج من أزمات هذه الشعوب، وهي مواصفات لا تجد لها اليوم داعيا ولامعينا.
لهذا يمكن الجزم ان ايسر السبل واقصر مدى لانهيار الوطن العربي أمام عاصفة المتغيرات المتسارعة في عصرنا الراهن، مع الأسف هي أن يبقى على ما هو عليه الان، انظمة غير قادرة على استيعاب الجديد، وساسة عاجزين على مواكبة تفاعلات التطور المتسارعة .
و ما ينطبق على العالم العربي ينطبق على الجزائر، كون الاثنان يملكان مزايا اقتصادية واجتماعية ويسيران بسياسية مماثلة، وهي الشعوب التي سيطر عليها الاستعمار وامتص خيراتها. وازاح افكارها بأخري، ولفهم ذلك لابد من فحص الواقع واستقراء آثار الماضي التليد: مكونات ثقافية في علاقات اقتصادية واجتماعية جديدة. وصراعات هامشية طبقية مذهبية، شكلت أرضية خصبة للمشاكل وأنواع الفساد، بفعل ما يشبه سياسة البض المسروق .يخرج الجميع ضد الحاكم وأسرته وبطانته وأتباعه، وخلاصة أفكاره، أي ما يسمى ”النظام " والكل يريد إسقاط النظام ،والكل بوحي النظام مغمور. زخم فيه غاية الحكام ...في سذاجة المحكومين، و لبيان للقصد نورد القصة التالية:( يروى أن أحد ملوك القرون الوسطى كان يحكم شعبا حرا كريما، وكان هذا الشعب رغم طيبته وبساطته وعلاقاته الطيبة لا يسكت على باطل ، ولا يدع الملك أو أي من وزرائه يظلمون أحدا منهم، فإذا ظُلم أحدهم وقفوا وقفة رجل واحد حتى يُرد الظلم عن أخيهم، احتار الملك واخذ يسأل وزراءه عن الحل.. وكيف له أن يحكم هذا البلد كما يريد والشعب متضامن بهذا الشكل، فخرج واحد من وزرائهن وهو رجل داهية فأشار عليه باتباع "سياسة البيض المسروق".
ما تلك السياسة؟
اخرج مناديا فنادى في الناس أن الملك يريد من كل رب أسرة خمس بيضات من أي نوع.. فقام الناس بجمع البيض والذهاب به إلى قصر الحاكم..
وبعد يومين نادى المنادي أن يذهب كل رجل لأخذ ما أعطاه من البيض.. فاستجاب الناس وذهب الكل لأخذ ما أعطاه... و وقف الوزير والملك والحاشية يتابعون عملية أخذ البيض.. فلاحظوا أن كل واحد تمتد يده ويستأثر بالبيض الكبير!! والتي ربما لم يأتِ بها فوقف الوزير مستأسدا ليعلن للملك "أنه الآن فقط يستطيع أن يفعل بهم ما أراد.. فقد أخذ الكثير منهم حاجة أخيه وأكل حراما، ونظر كل منهم لما في يد الآخر نظرة حقد و طمع، كثر الطامعون وازداد تضجر الناقمين...تلك أمور فرقتهم ولن يتجمعوا بعدها أبدا. حاكم أناني مخادع، وشعب تدفعه سذاجة وانانية سذجه نحو الانحطاط والطمع.
يقول بينجامان كونسطان : "إن غاية القدماء كانت هي توزيع السلطة الاجتماعية بين مواطنين المنتمين لنفس الوطن، هذا ما كانوا يسمونه حرية. وغاية المحدثين هي الأمن في الانتفاعيات الخاصة، إنهم يسمون الحريات تلك الضمانات التي تكفلها المؤسسات لهذه الانتفاعيات ".
ما يجعلنا نرى أن ما تتلاحق به الأحداث بسرعة الزمن الذى نعيشه وبسرعة ما أنتجه الأنسان من تقدم تكنولوجي يجعل من الصعب جدا على المرء أن يدرك ويقوم بتحليل دقيق وسليم، لكن حسب اعتقادنا فإن ما عرف بالربيع العربي كان وما لا يدع مجالا للشك ثورات الشعوب ضد حكامها، وهي متشابهة في أسبابها وبدايتها ونهايتها وكانت عاجزة عن بلوغ أهدافها، ويعود ذلك إلى أن تلك الثورات إن صحت التسمية لا تقوم حتى يصل الفساد حد إغراق البلاد والعباد في اوحال الفساد فيطفئ نارها الحاكم بتدبير حكمة في قمة الفساد.
لقد كان أحد ابرز أسباب تلك الثورات "الظلم والاستبداد المسلط على الشعوب العربية من حكامها الذين ناموا وما استفاقوا إلا بعد أن رحل عنا الآخر وتطور على جميع المستويات، بينما بقينا نحن في الجهل نعيش وتحت وطأة الفقر نرزح ،صرنا امه تتباهى بما لم تنتج، وتأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تنسج، وكما قال جبران خليل جبران ( الويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع ).
لقد أصبحنا أمة يتسابق أفرادها الى قبضة الساسة الحكام وهم في غيهم يعمهونَ .
حال يدعونا الى القول أن الثورات العربية هذه مقدماتها الاستعمار وهي بداتها نتاج واقع أليم كان سببه الأنظمة العربية ،وكأننا لم نعرف العلم يوما وليس لنا موروث ديني وحضاري أبدا!!.
وظل الهدر مستمر ومستفحل على جميع الأصعدة في الاقتصاد والسياسة، الفكر والأدب والعلوم وطال الأخلاق لأن غالبية قادة الأمة ومبرزيها مزدوجو الجنسية (حائري –فرنسي او سوري ..فرنسي أو مصري انجليزي ...الخ ).
والسؤال هو: لماذا أجهض مشروع النهضة العربية بعد التحرر الظاهري؟ وهل يمكن أن ينتهي ويبتدئ مشروع آخر ؟ أو بعبارة أوضح هل يمكن الخروج من النفق المظلم واستشراف المستقبل بأمن وسلام في ظل العدالة والحق؟.
في كل مرة أحاول الإجابة عن هذا التساؤل تغيب عن ذهني الحروف ويبقى الحرف (لا) كإجابة مقنعة لي، وسر إجابتي هذه لا يعلمه إلا الله، وأجدني أسأل سؤالا مضحكا: هل أنا ذاهب الى الحج والناس راجعون ؟ فأحاول الخروج من دوامة تداعي المعطيات، واستذكر المثل القائل :"أن حلكة الظلام الأكثر سوادا هي تلك التي تسبق انبلاج الفجر".. اليوم وبعد مرور أكثر من سنة على بداية الثورات الشعبية ، ويمر نصف قرن أو اكثر من نصف على استقلال هذه الأوطان، مازالت فصوص المجتمع العربي (دول وشعوبا وحركات ومؤسسات تتعرض إلى صراعات حادة ،ما تطلب استنفار القوى في غير موضعها. وتجلت الصراعات في مسائل كثيرة، أهمها: الحفاظ على القيم، و ظهور التشيعات الدينية، بروز التناحر العرقي، تهميش الدستور، اهمال التاريخ.....لا شيء يمكن فعله بلا عدل في غياب الوحدة،
ما أحوجنا اليوم إلى تبني التفكير الجماعي المؤسسي، القائم رفعة الأنفس والبحث في دلالات الأحداث، في مجرياتها و مآ لاتها، دون تنظيرات فوقية، حتى يتسنى لنا تحديد مكامن الخلل بصورة دقيقة وشاملة، بعيدا عن الفردية و الأناوية التي ابتلينا بها وهو ما نهجه الغربيون وبشكل علميِّ حين بحثهم عن مكامن الخطر المحدقة بحضارتهم، ويوم تحاملهم علينا وقهر ارادتنا.
:
الحمد لله
غيمة تمطر طهرا
التعديل الأخير تم بواسطة محمد 07 ; 14-07-2012 الساعة 03:41 PM سبب آخر: تنظيم