مصطلحات في الفكر العربي المعاصر - تعليقات وآراء -
16-05-2013, 11:24 AM
مصطلحات في الفكر العربي المعاصر
- تعليقات وآراء -
منذ أن دخلت في عالم الفكر العربي المعاصر، من خلال دراسته كمقياس في السنتين الأخيرتين ، قد اصطدمت بعدّة مفاهيم ومصطلحات قد وظّفت فيه . أو بعبارة أخرى ، المفكرين العرب أو التيارات التي سجلّت حضورها بقوة على الساحة الثقافية العربية مطلع القرن العشرين ، مستعينة ببعض المصطلحات والمفاهيم التي تعبّر عن توجهاتهم الفكرية ، منها ما كان وليد الثقافة العربية وأغلبها كانت مستوردة من الثقافة الغربية . والغريب في الأمر أنّي عندما أواجه مصطلح أو مفهوم ما ، كنت أعتقد أنه مناسب أو فرضية صالحة في سياق الموضوع المعالج ، ويمكن أن يحلّ مشكلة من مشاكل الفكر العربي المعاصر ؛ ولكن بمجرد أن انتقل إلى موضوع آخر واضطلع على المصطلحات والمفاهيم المستخدمة فيه ، تتغير نظرتي حول الموضوع السابق – في بعض الأحيان – إما بالسلب أو بالنقد أو بالتشكيك في فرضياته ومصطلحاته ومفاهيمه المنوطة به.
وعلى هذا ، كان الهدف من كتابتي لهذا المقال هو محاولة تقديم تعليقات وآراء على بعض المصطلحات والمفاهيم المتداولة كثيرا في هذا الحقل المعرفي، ومحاولين أيضا إلى إبراز الأسباب الحقيقية لظهورها في ثقافتنا، والنتائج و الرهانات المستقبلية التي ترتبت عنها أو ما تزال لم تفصح عن حقيقتها بعد.
1- الفكر العربي المعاصر:يعتبر هذا المصطلح العنوان العريض والمدخل الرئيسي لكل المصطلحات والمفاهيم التي سنتطرق إليها – والتي لم نتطرق إليها أيضا – فـالفكربمفهومه العام هو عبارة عن منظومة من الأراء والتصورات مجتمعة على شكل نظريات محددة، تختلف باختلاف الزمان والمكان . أما العربيفهي تعبر عن الرقعة الجغرافية التي تجسدت فيها هذه النظريات على شكل تيارات ، وكل تيار له واقع وأهداف خاصة يعمل على تحقيقها على الأرض والمجتمع العربيين. أما المعاصرفتعبر عن الفترة الزمنية التي بدأ فيها نشاط هذه التيارات ، ويمكن أن نرجعها مع حملة نابليون بونابرت على مصر. وما يمكن أن نتسأل عنه في هذه النقطة : هل يوجد فكر عربي قد نجح وحقق مبتغاه إلى يومنا هذا؟.
2- التراث :اعتقد أن هذا المصطلح هو الجوهر الأساسي في الفكر العربي المعاصر ،فكل الاشكاليات التي طرحت : إما ابتدأت به ، أو كان السؤال يدور حوله أو وظّفته كوسيلة للتساؤل . وعندما نقول " تراث " نقصد به هو كل ما خلّفه الأجداد من مقومات مادية ومعنوية وفكرية وثقافية ، يعتبر كمرجعية تستعين به الأجيال للعبرة والموعظة ، وأبعد من ذلك الحفاظ على الهوية الحقيقية لشعب ما . ولكن نتسأل : هل تراثنا كان نعمة أو نقمة على حاضرنا ومستقبلنا ؟ وإذا اعتبرناه نعمة فكيف نستغلّه ؟.
3- الأصالة والمعاصرة :مفهومان لا يمكن التفريق بينهما ، فهما متعاكسان فإذا استحضرنا أحدهما لزم علينا ذكر الأخر. وأعتقد أنهما الوريثان الشرعيان لمصطلح " التراث" ،فإشكاليته قدمت لنا هذين المفهومين الجديدين ، فليس من الأمر الهيّن أن نجمع بينهما أو نقول أنهما شيء واحد . فـالأصالةمصطلح يدّل على ذلك الإرث اللامادي ( الفكري والثقافي ) أكث ما يدّل على الإرث المادي منه فأنصاه يطالبون بالتمسك والإلتزام به . وحسب المعلومات التي لديّ فأن " الأصالة "– وأضفنا إليها الاصولية والاصالانية إن كان هناك تقارب بينهما –هي مفهوم دخيل على ثقافتنا العربية ، فهي ترجد بالأساس إلى الثقافة الغربية حيث دعا بعض رجال الدين المسيحيين في فترة معينة من الزمن للرجوع إلى أصول الديانة المسحية فلقبوا بـ " الأصوليين " . أما مصطلح "المعاصرة "فيمكن القول عنه أنّه عكس " الاصالة "فأنصاره يرون أنّ لا حل لإشكالية الفكر العربي المعاصر إلاّ بمواكبة التحولات والتغرات التي تحدث في العالم من تطوه وانفتاح في مجال الفكر والثقافة والعلم ...الخ ، ويجب الاستغناء عن كل ماله علاقة بالماضي . إذا هل يمكن أن يتحقق التزاوج والجمع بين الأصالة والمعاصرة ؟.
4- الإصلاح والنهضة :تعمدتأن أجمعبين هذين المصطلحين لأني أرى فيهم علاقة التكامل بينهما ، فلا إصلاح بدون نهضة ولا نهضة بدون أن يكون هناك سبق للإصلاح . فمثلا نجد في أوروبا أنّه قبل ظهور عصر النهضة قد سبقتها أحداث وتمثلت في ثورات على الكنائس من قبل بعض المفكرين والعلماء إضافة إلى بعض رجال الدين الذين أرادوا الإصلاح داخلها ، فعليه يمكن القول بأن مصطلح " الاصلاح "هو عملية تغيير في بعض الاعتقادات السائدة في المجتمع ومحاولة عقلنتها حتى تتوافق ومتطلبات الحاضر ، فصل الأمر بعض الأحيان إلى النهائي لبعض الأفكار واستبدالها بأخرى أكثر عقلانية وموضوعية، ولكن " الإصلاح " في العموم لا يعني القطيعة التامة مع التراث .أما فيما يخصّ " النهضة "فهي نتيجة لعملية " الإصلاح "، وحبذا أن تكون هذه الأخيرة ونتيجتها ( أي النهضة ) بعيدة كل البعد من أشكال التعصب والتطرف الفكري تقبل كل الأراء والأفكار( العقلانية ) من أي كانت مرجعيتها أو هويتها . حتى يتحقق لنا مجتمع انساني واع يتغذى من عنصري الاصالة والمعاصرة. ولكن نتسأل: هل تصرّفنا اليوم بتصرف ايجابي مع فكرتي الاصلاح والنهضة في مجتمعاتنا؟.
5- السلف والتنوير :هذين المصطلحين لا يكاد أن نذكرهما إلاّ وإن تجد بينهما نوع من التنازع والتصارع ، فكل طرف يريد أن يبيّن أحقيته وأفضليته على الآخر. ولكن هذا خطأ كبير وقعنا فيه جميعا ، فكل ما يحدث إلاّ من اضطراب داخلي وخارجي في أوطاننا يرجع إليهما بالتحديد ، فقد تأسست عنها ثلاث مفاهيم لا ندري من أين نبدأ أو ننتهي أو ما نأخذه أو ننتركه وهم : الحقيقة – المقدّس – العنف ، ولكن أقول أن كل من أنصار السلف والتنوير كلاهما قد أصابا من جهة وأخطاءا من جهة أخرى في الوقت نفسه . فعندما نأتي إلى " السلف "وهي دلالة تعبر عن تاريخ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ، فلا أحد منّا ينكر أن تلك الفترة من الزمن كانت أفضل فترة في تاريخ العالم الإسلامي ، بما فيها من قصص وعبر ينبغي على الأجيال المتعاقبة أن تستعين بها في استمرارية العيش. ولكن ما يؤاخذ على من يدعون إلى الرجوع والإلتفات إلى أهل السلف فقط ، بأن لكل عصر متطلباته وشروطه وله نمط خاص في العيش والتفكير ، فتوجد العديد من الأفكار والإعتقادات التي كانت سائدة عند أهل السلف لا يمكن أن تتماشى والعصر فينبغي استبدالها أو إضفاء عليها بعض التعديلات .أما ما يتعلق بـ " التنوير "فالكثير منا –ربما – لا يدرك أن حملة ( نابليون بونابرت ) على مصر كانت نعمة على أهلها ومن ثمّ على العالم العربي كلّه، لأنه أحضر معه " الطابعات " للكتابة ، إضافة إلى أن البدايات الأولى للمشروع التنويري – على غرار مشروع رفاع الطهطاوي – بالرغم أن الفكرة ( غربية ) إلاّ أنها قد جاءت بثمارها من خلال تحرير العقل من دوغمائيته ، والقضاء على الأمية، والتشجيع على الاضطلاع على مختلف العلوم ، أما ما يعاب على هذا المصطلح أنه استعمل في غير موضعه من قبل بعض أنصاره حينما بالغوا فيه كثيرا محاولين بذلك الطغيان وطمس بعض أفكار أهل السلف الإيجابية . فهل يا ترى تجد اليوم من يقول أو يقبل لك هذا الموقف؟.
يتبع ...
" من الممكن أن نضيف حياة لأيــــــا منا ولكــن من المستحيل أن نضيف أيــــامــا لحياتنــــا "








