د. محمد سليم قلالة منظومة الحكم*.. ‬ثمن الاستعجال وقيمة الاستباق
21-05-2015, 06:46 AM


نعيش اليوم إشارات حاملة للمستقبل تكاد تنطق بنفسها وتطلب التعامل معها قبل أن تستفحل في* ‬كافة القطاعات،* ‬من منظومة القيم إلى الأسرة إلى التعليم إلى الأسرة إلى الشباب إلى العمل إلى الصحة إلى الطاقة إلى الأمن الغذائي* ‬إلى الإرهاب إلى مستقبل الإقليم الوطني*.‬
إلا أن أهم قطاع به،* ‬ومن خلاله تتأثر كافة القطاعات،* ‬بإمكانه أن* ‬يقلبها جميعا رأسا على عقب أو* ‬يصححها جميعا ويضعها على الطريق الصحيح هو منظومة الحكم*. ‬لا* ‬يمكن لأي* ‬مستشرف أن* ‬يضع تصورات وحلولاً* ‬مستقبلية لأي* ‬مشكلة من المشكلات القادمة ويمنعها من أن تتحول إلى مشكلة ضاغطة إذا لم* ‬يكن* ‬يشتغل ضمن منظومة حكم واضحة المعالم،* ‬ذات أداء وظيفي* ‬محدد*.‬
يستحيل أن نستبق مشكلات من أي* ‬نوع كان إذا لم تكن عملية الاستباق تجري* ‬ضمن منظومة حكم واضحة الأداء السياسي،* ‬ذلك أن كل تصور للحل* ‬يُطرح على المدى البعيد سيكون بلا معنى إذا لم* ‬يتم ضمن منظومة حكم متماسكة تعمل بمنهجية واضحة وغير معرضة للهزات أو الاضطرابات الآنية فما بالك بالتغييرات المرتبطة بنزوات الأشخاص وصراعات الزمر*. ‬مثل هذه الحال هي* ‬النقيض التام للاستشراف بما فيه من استباق واستحداث للفعل*.‬
ولدينا أكثر من مثال* ‬يؤكد ذلك من تاريخنا القريب،* ‬في* ‬منتصف السبعينيات كان الرئيس الراحل هواري* ‬بومدين بصدد صوغ* ‬رؤية مستقبلية للجزائر بعد ربع قرن أي* ‬في* ‬حدود سنة* ‬2000،* ‬وكلف لذلك فريقاً* ‬من الخبراء ومنهم من زار نماذج محتملة للتطور* ‬يمكن الاستفادة منها ومن بينها كوريا الجنوبية ـ لنلاحظ كيف أصبحت اليوم ـ وتم إعداد مشروع الدراسة الشاملة والقطاعية بتمويل من شركة سوناطراك،* ‬وسُلّمت نُسخ أولى منها لرئاسة الجمهورية،* ‬وكان* ‬يُفترض أن تُستكمل بعد حين*... ‬ولم* ‬يحدث ذلك،* ‬لأن رئيس الجمهورية مرض ثم توفي* ‬بعدها بقليل،* ‬وتبدل اتجاه النظام السياسي* ‬بعده،* ‬ولم* ‬يعد كما كان،* ‬ولم* ‬يعد لذلك الاستشراف جدوى*. ‬لقد تم تغيير الأولويات،* ‬وتبدّلت الوجهة،* ‬وحتى القناعة بأننا* ‬يمكن أن نشرع في* ‬بناء جزائر سنة* ‬2000*... ‬وقد كنا في* ‬منتصف السبعينيات*.‬
وحدث ما حدث من تحوّلات في* ‬بلادنا مع بداية التسعينيات على المستوى السياسي،* ‬وتم تكليف فريق آخر من الخبراء في* ‬ظل النظام الجديد للقيام بدراسة استشرافية للخمسة عشر سنة القادمة ـ الجزائر* ‬2005ـ وكان ذلك في* ‬بداية التسعينيات وهذه المرة تحت إشراف فريق جديد من الخبراء الجزائريين تحت إشراف المعهد الوطني* ‬للدراسات الإستراتيجية الشاملة*. ‬واغتيلت الدراسة باغتيال أحد أهم إطاراتها الأستاذ جيلالي* ‬اليابس رحمه الله،* ‬ونُسب ذلك للإرهاب* "‬الأعمى*" ‬الذي* ‬ـ للمفارقةـ* ‬يُصبح بصيرا ومتبصّرا عندما* ‬يتعلق الأمر بالعلم والعلماء*...‬
وتسبّب الاضطراب الحاصل في* ‬النظام السياسي* ‬في* ‬تلك الفترة في* ‬جعل محاولة صوغ* ‬رؤية مستقبلية للبلاد* ‬يتحول إلى ما* ‬يُشبه المستحيلات*. ‬واستمر تنفيذ السياسات القطاعية المختلفة من* ‬غير أي* ‬رؤية مستقبلية،* ‬بل قل من* ‬غير أي* ‬سياسات عامة واضحة المعالم،* ‬إذا استثنينا تلك المحاولة الجادة التي* ‬بادر بها رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش،* ‬والتي* ‬تم إجهاضها في* ‬المهد*.. ‬ويعرف الجميع اليوم أن أغلب* ‬القرارات التي* ‬تم به تسيير البلاد خلال العقدين الماضيين كانت في* ‬كل مرة تتم على عجل وأحيانا تُسمى كذلك* (‬برامج استعجالية*) ‬تبرز فجأة ثم تنطفئ بعد حين* (‬الدعم الفلاحي،* ‬دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة،* ‬إصلاح التعليم،* ‬الصحة،* ‬عدل* ‬01،* ‬إصلاح العدالة* ...‬الخ*)‬،* ‬برامج* ‬غير مرتبطة برؤية متكاملة مصاغة باستقلالية ومُلزمة للجميع*.‬
وهكذا ما نلبث أن نجد إمكانيات مالية ضخمة تُصرف بنتائج* ‬غير متناسبة معها نتيجة هُلامية الدور الذي* ‬لعبته منظومة الحكم ومن* ‬يمثلها في* ‬تعالمها مع هذه الإصلاحات،* ‬وفي* ‬المعنى الذي* ‬كانوا* ‬يعطونه لها*. ‬أي* ‬أن الإشكالات الواقعة داخل هذه المنظومة كانت في* ‬كل مرة تمنع أي* ‬محاولة للقيام بأعمال شاملة أو قطاعية بعيدة المدى* ‬غير مرتبطة باستمرارية أشخاص بعينهم في* ‬الحكم،* ‬وفي* ‬كل مرة كان* ‬يحدث الانقطاع والتراجع عن بعض القرارات وتعديل التعديل بما في* ‬ذلك على تسمية الوزارات وهياكلها والغاية منها،* ‬ومازال الأمر* ‬يحدث إلى اليوم في* ‬أعلى مستويات اتخاذ القرار،* (‬آخر تعديل حكومي*) ‬مما* ‬يؤكد* ‬غياب الرؤية وغياب من لديه القدرة على صوغها من جديد*.‬
ولعل هذا ما* ‬يجعلنا نقول إن أصل أي* ‬إصلاح هو في* ‬منظومة الحكم*.. ‬قد* ‬يقوم الأفراد بأدوار ذات أهمية بالغة لفترة من الفترات،* ‬وقد* ‬يقومون بتحسين حال قطاع من القطاعات،* ‬ولكنهم في* ‬آخر المطاف سينهزمون أمام منظومة حكم ليست لديها رؤية مستقبلية واضحة مصاغة من خلال مشاركة الجميع*.‬
لذا فإننا نبقى نصر أن مشكلتنا بالأساس تكمن في* ‬هذا المستوى*. ‬من* ‬غير الممكن أن نقوم بأي* ‬إصلاحات هيكلية أو* ‬غير هيكلية،* ‬قطاعية أو شاملة،* ‬إذا لم نعد صياغة منظومة الحكم وفق قواعد الشرعية والشفافية والتمثيل الحقيقي* ‬لكافة الشرائح الاجتماعية من خلال انتخابات* ‬غير مزيفة تمكّن ممثلين حقيقيين للشعب من حلّ* ‬مشكلة السلطة،* ‬وبعدها لن* ‬يبقى الإشكال مطروحا؛ ذلك أن سلطة شرعية،* ‬ومنظومة حكم ممثلة حقيقية لجميع شرائح المجتمع لا* ‬يمكنها إلا أن تبادر بصوغ* ‬رؤيتها المستقبلية قبل أي* ‬أمر آخر،* ‬هذا إذ لم تكن تمتلكها بالأساس،* ‬وهو ما سيساهم بحق نقلنا من حال العمل وفق قواعد الاستعجال إلى العمل وفق قواعد التبصر والاستشراف،* ‬الحلم الذي* ‬نتطلع أن* ‬يتحقق ذات* ‬يوم*.‬