الجزء الثالث من قصة يوسف عليه السلام
20-07-2008, 01:37 PM
بعدما راى الملك من امر يوسف. بَرائَتهِ، وَعِلْمَه، وعدمَ تهافته على الملك. عرف أنه أمام رجل كريم، فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه، وإنما طلبه ليكون مستشاراً له وعندما جلس معه وكلّمه، تَحَقَّقَ له صدق ما توسَّمه فيه. فطمأنه على أنه سيكون ذو مكانة وفي أمان عنده. فماذا قال يوسف؟
لم يُغرِق المَلِكَ شكراً، ولم يقل له: عِشْتَ يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين، كما يفعل المُتَمَلِّقون للطواغيت؛ كلاّ إنما طالب بما يظنُّ أنه قادرٌ على أن ينهضَ به من اعباء في الازمة القادمة.
كما وأورد القرطبي في تفسيره. أن الملك قال فيما قاله: لو جُمِعَت أهلُ مصر ما أحسنوا التصرف في هذا الأمر.. ولم يكونوا فيه أُمناء.
كان الملك يقصد الطبقة الحاكمة ومن حولها من طبقات.. إنَّ العثور على الأمانة في الطبقة المترفة شديد الصعوبة.
كما وأن اعتراف الملك ليوسف بهذه الحقيقة زاد من عزمه على تولي هذا الامر،لإنقاذ مصر وما حولها من المجاعة المتوقعة قال يوسف: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ). لم يكن يوسف في كلمته يقصد النفع أو الاستفادة.ولا تنطبق عليه مقولة من يطلب الولاية لا يُوَلّى ,على العكس من ذلك كان يريد أن يتحمل هو مسؤولية إطعام شعب سيكون جائع لمدة سبع سنين قحط اذا لم يحسن من هم قائمون على الحكم التصرف اثناء سنين الخصاب التي ستسبق سنين القحط والمجاعه شعبٌ يمكن أن يمزِّق حكّامَه لو جاع. كان الموضوع في حقيقته تضحية من يوسف..
لا يُثْبِت السياقُ القرآني أن الملك وافق.. فكأنما يقول القرآن الكريم إن الطلب تَضَمَّنَ الموافقة.. زيادةً في تكريم يوسف، وإظهاراً لمكانته عند الملك.. يكفي أن تقول يا يوسف ِلتُجاب.. بل لِيكون قولُك هو الجواب، ومِن ثَمَّ يحذف السياق القراني رد الملك.. ويُفهِمنا شريط الصور المعروضة أن يوسف قد صار في المكان الذي اقترحه.
وهكذا مكّن اللهُ ليوسفَ في الأرض.. صار مسؤولاً عن خزائن مصر واقتصادها.. صار كبيرا للوزراء.. وجاء في رواية أن الملك قال ليوسف: يا يوسف ليس لي من الحكم إلا الكرسي.. ولا يُنْبِئُنا السياق القرآني كيف تصرَّف يوسف في مصر لكنه أخبرنا أنه حكيم عليم أخبرنا أنه أمين وصادق.لا خوف إذاً على اقتصاد مصر.
المشهد الثاني من هذا الفصل:
دارت عجلةُ الزمنِ وتجاوزَ القرانُ عن سنين الرخاء، وجاءت سنوات المجاعة. أغفل السياقُ القرآني بعد ذلك ذِكْرَ الملكِ والوزراءِ في السورةِ كلها وأبرز يوسفَ وَحْدَهُ على مسرح الحوادث, وسلّط عليه كلَّ الأضواء كأنّ الامر اصبح كله ليوسف .
أما الحال اثناء سنين الجدب والمجاعة فقد أبرزه السياق القراني في مشهد إخوة يوسف, يجيئون من البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر. ومن ذلك نُدْرِكُ اتساعَ دائرة المجاعة, كما صارت مصر - بتدبير يوسف - مَحَطَّ أنظارِ جيرانها ومخزن الطعام في المنطقة كلها.
لقد اجتاح الجدبُ والمجاعةُ أرضَ كنعان وما حولها. فَاتَّجَه إخوة يوسف إلى مصر. وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ سنوات الخصاب السابقه فدخلوا على عزيز مصر فعرفهم وهم لا يعلمون أن أخاهم هو العزيز. , فَهُم لم يتغيروا كثيرا. أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قَط أنه العزيز! وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجبِّ منذ عشرين عاما أو يزيد من عزيز مصر شبه المتوج في زيه ومهابته وحرسه وخدمه وحشمه
ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه. فلا بُدَّ من دروس يتلقونها: (فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ). ولكنا ندرك من السياق أنه أنزلهم منزلاً طيباً, ثم أخذ في إعداد الدرس الأول: ( وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ). فنفهم من هذا أنه تركهم يأنسون إليه, واستدرجهم حتى ذكروا له من هم على وجه التفصيل, وأن لهم أخاً صغيراًَ من أبيهم لم يحضر معهم لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه. فلما أرادوا الانصراف والعوده الى بلادهم قال لهم: أنه يريد أن يرى أخاهم الذي ذكروه له (قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ). وقد رأيتم أني أوفي الكيل للمشترين. فسأوفّيكم نصيبكم حين يجيء معكم; ورأيتم أنني أُكرم النّزلاء فلا خوف عليه بل سيلقى مني الإكرام(أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ).
َولِعِلْمِهِمْ بأبيهم كيف يتمسّك بأخيهم الأصغر - وبخاصة بعد ذهاب يوسف - فقد أظهروا أن الأمر ليس ميسوراً, وإنما في طريقه عقبات من ممانعة أبيهم, وأنهم سيحاولون إقناعه, مع توكيد عزمهم - على الرغم من هذه العقبات - على إحضاره معهم حين يعودون: (قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ).
أما يوسف فقد أمر غلمانه أن يُخفوا البضاعة التي حضر بها إخوته ليستبدلوا بها القمح والعلف. قد تكون خليطاً من غلاتٍ صحراوية ومن جلودٍ وسواها مما كان يستخدم في التبادل في الأسواق. أمر غلمانه باخفائها في رحالهم - والرحل متاع المسافر - لعلهم يعرفون حين يرجعون أنها بضاعتهم التي جاءوا بها.
المشهد الثالث:
ندع يوسف في مصر وننتقل الى يعقوب وبنيه في أرض كنعان. رجع الأخوة إلى أبيهم.. وقبل أن ينزلوا أحمال الجمال ويفتحوا متاعهم، دخلوا على أبيهم. قائلين له بعتاب: إن لم ترسل معنا أخانا الصغير في المرة القادمة لن يعطِيَنا عزيزُ مصر الطعام. وختموا كلامهم بوعد جديد ليعقوب عليه السلام (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
ويبدوا أن هذا الوعد أَثار ما يَكْمُنُ في نفس يعقوب. فهو وعدهم له في يوسف فاجابهم قائلاً:
قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) (يوسف)
وفتحَ الأبناءُ أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال.. فإذا هم يجدون فيها بضاعتهم التي ذهبوا يبدلوها او يشترون بها اذا صح التعبير مردودة إليهم مع الغلال والطعام.. َورَدُّ الثَّمَنِ يشير إلى عدم الرغبة في البيع، أو هو إنذار بذلك.. وربما كان إحراجاً لهم ليعودوا لسداد الثمن مرة أخرى.
وأسرع الأبناء إلى أبيهم (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي) ..لم نكذب عليك.. لقد رد إلينا الثمن الذي ذهبنا نشتري به. هذا معناه أنهم لن يبيعوا لنا إلا إذا ذهب أخونا معنا واستمر حوارهم مع الأب.. أفهموه أن حبه لإبنه والتصاقه به يفسدان مصالحهم، ويؤثران على اقتصادهم، وهم يريدون أن يتزودوا أكثر، وسوف يحفظون أخاهم وانتهى الحوار باستسلام الأب لهم.. بشرط أن يعاهدوه على العودة بابنه، إلا إذا خرج الأمرُ من أيديهم وأُحيط بهم. نصحهم الأبُ ألا يدخلوا -وهم أحد عشر رجلاً- من باب واحد من أبواب مصر.. كي لا يلفتوا انتباه أحد بكثرتهم وربما خشي عليهم أبوهم شيئاً كالسرقة أو الحسد.. لا يقول لنا السياق القرآني ماذا كان الأب يخشى، ولو كان الكشف عن السبب مُهِمّاً لقيل.
المشهد الرابع:
عاد إخوة يوسف الأحد عشر هذه المرة.
.. فاجأهم عزيز مصر بسؤالهم عما فعلوه بيوسف.. كان يتحدث بلغتهم فأدركوا أنه يوسف.. وراح الحوار يمضي فيكشف لهم خطيئتهم معه وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ
مرت السنون، وذهب كيدهم له.. ونفذ تدبير الله المحكم الذي يقع بأعجب الأسباب.. كان إلقاؤه في البئر هو بداية صعوده إلى السلطة والحكم.. وكان إبعادهم له عن أبيه سبباً في زيادة حب ابيه له وها هو يملك رقابهم وحياتهم، وهم يقفون في موقف استجداء عطفه.. إنهم يختمون حوارهم معه بقولهم قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) إن روح الكلمات واعترافهم بِالْخِطْء يتبين انه يعتيرهم خوف مبهم غامض ولعلهم فكروا في انتقامه منهم ولعلَّ يوسف أحس ذلك منهم فطمأنهم بقوله - قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) لا مؤاخذة، ولا لوم، انتهى الأمر من نفسي وذابت جذوره.. لم يقل لهم إنني سوف أسامحكم أو سامحتكم او أغفر لكم، إنما دعا الله أن يغفر لهم، وهذا يتضمن أنه سامحهم وعفا عنهم وتجاوز عفوه، ومضى بعد ذلك خطوات.. دعا الله أن يغفر لهم.. وهو نبي ودعوته مستجابة.. وأرى ذلك أنه آية الآيات في التسامح.
ها هو يوسف يُنهي حواره معهم بنقلة مفاجئة لأبيه.. يعلم أن أباه قد ابيضت عيناه من الحزن عليه.. يعلم أنه لم يعد يبصر.. لم يَدُرْ بين يوسف واخوته حوارٌ حول أبيه لكنه يعلم.. يحس بقلبه.. خلع يوسفُ قميصَه وأعطاه لهم : اذهبوا بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ). وعادت القافلة إلى فلسطين.
المشهد الثامن:
ما أن خرجت القافلة من مصر، حتى قال يعقوب -عليه السلام- لمن حوله في أرض كنعان فلسطين: إني أشم رائحة يوسف، لولا أنكم تقولون في أنفسكم أنني شيخ خرِف لصدّقتم ما أقول.
لكن المفاجأة البعيدة تقع. وصلت القافلة، وألقى البشيرُ قميصَ يوسف على وجه يعقوب -عليهما السلام- فارتدّ اليه بصره. هنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه ألم أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
فاعترف الأخوة بِخِطْئِهم، وطلبوا من أبيهم الاستغفار لهم، فهو نبي ودعاءه مستجاب. إلا أن يعقوب عليه السلام قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ونلمح هنا أن في قلب يعقوب شيئاً من بَنيه، وأنه لم يَصْفُ لهم بعد، وإن كان يعدهم باستغفار الله لهم بعد أن يصفو قلبه ويستريح.
ها هو المشهد الأخير في قصة يوسف:
بدأت قصته برؤيا.. وها هو الختام، تأويل الرؤيا فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ - 100) (يوسف)
فلنتأمل الآن مشاعره ورؤياه تتحقق.. إنه يدعو ربه --رب قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).. هي دعوة واحدة.. تَوَفَّنِي مُسْلِمًا هذه هي الغايه التي كان يرجوها يوسف عليه السلام والتي يجب على كل الناس ان يرجوها هي الوفاة على الاسلام
التعديل الأخير تم بواسطة moona ; 20-07-2008 الساعة 04:44 PM