هام جدا: مفهوم التنوير في التصوُّر الإسلامي
17-12-2015, 03:28 PM
هام جدا: مفهوم التنوير في التصوُّر الإسلامي
الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ :
هذا مقال لأحد الأفاضل يعالج فيه مدلول مصطلح:" التنوير من خلال التصور الإسلامي"، ذلك المصطلح الذي كثر فيه اللغط، فأنتج غلطا في دلالته ووجه الاستدلال به عند قوم استخدموه لتحقيق:" أهداف سامية في الظاهر"، لكنها تحمل:" سما زعافا في حقيقتها!!؟"، وإلى المقال:
يُطرح مصطلح التنوير في:" ساحة السجال الفكري والجدل الثقافي" بصورة تُثير قدراً كبيراً من الشكوك حول دوافع هذا الطرح وأهدافه، حيث:
" يغيب وجهُ الحق وسط ضباب كثيف من التضليل والمغالطات والدعاوى الباطلة".
ولقد ترتَّب على طرح هذا المصطلح غير المنضبط بضوابط التأصيل اللغوي والدلالة الحضارية: أن اختلطت مسألة التنوير بمسائلَ معقدةٍ، تَجَاوَزَتِ في العديد من الأحوال:" المجالَ الثقافيَّ والسياق الفكري" إلى ما هو أقرب إلى الإطار السياسي، وبذلك صار الترويج للتنوير، والتلويح به والتأكيد عليه، تعلةً تُستخدم لتحقيق أغراضٍ تبعد في أحايين كثيرة عن المسار الطبيعي الذي يتجه إليه الفكر في توجّهاته ومنطلقاته الثقافية.
لقد اختلطت المفاهيم، وشَابَ بعضَها غموضٌ: افتعلته فئةٌ من الناس الذين تعالت أصواتهم هاتفةً بالتنوير دون تحديد لمعناه، أو توضيح لغايته؛ أو شرح لمحتواه، بل بتحريفٍ متعمد لمفاهيمه، وبتزويرٍ مقصود لدلالاته ومقاصده، وبذلك تُحجب الحقيقة، ويضل الفهم، ويقع الناس في لبس عظيم.
ومما نلاحظه في هذا السياق: أن رواج مصطلح التنوير تَزَامَنَ مع اضمحلال المذاهب المادية الإلحادية، ونفوق سوقها في المجتمعات الحديثة، بما في ذلك المجتمعات العربية الإسلامية، وأن الإلحاح يشتدّ على ترويج مصطلح التنوير في زَمَنٍ يَتَصَاعَدُ فيه مدُّ العولمة ذات الهيمنة على مقدرات الشعوب، وعلى هوياتها الثقافية وخصوصياتها الحضارية.
لقد اقترن مصطلح التنوير بالتيارات الفكرية الكاسحة التي هبَّت على العالم العربي الإسلامي طوال العقد الأخير من القرن العشرين، والحدّة التي عُرف بها مصطلح التنوير في هذه المرحلة هي: أشدُّ وطأةً، وأكثر ضراوةً مما كان عليه الأمر في العقود السابقة، وإن اختلفت الصيغة التي كانت تطرح حيناً بـ :" حرية الفكر"، وحيناً آخر بـ:" الفكر الحر"، وفي أحايين أخرى بـ:" النهضة"، وذلك نظراً إلى ارتباط مفهوم التنوير الرائج اليوم، في بعض مستوياته، بالهيمنة الاستعمارية الجديدة.
ويمكن القول، ابتداءً:" إن التنوير": كلمةُ حقٍّيُراد بها باطلٌ تَسَبَّب في تضليل الرأي العام، والتشويش على الفكر المستقيم، وفي خلق بلبلة فكرية وثقافية وسياسية، أدَّت ــ ولا تزال تؤدي ــ إلى حالاتٍ من المواجهة الفكرية التي تقتضي أن تُوضّح فيها المسائل، وتقوّم المناهج، وتصحّح المفاهيم.
في تحرير مسألة التنوير :
لعلَّ من مقتضيات المنهج الذي ارتأينا اعتماده في هذه الدراسة: أن نسوقَ بين يدي الموضوع: الحديثَ في تحرير مسألة التنوير قبلَ أن ننتقل إلى تَنَاوُل مفهوم التنوير في التصوّر الإسلامي بما يقتضيه المقام من معالجة لشتى جوانبه، والخلوص إلى تبيان وجه الحق فيه.
أولاً: التنوير لغةً:
من حيث الدلالة اللغوية لمصطلح التنوير: جاء في:( لسان العرب لابن منظور): أن التنوير هو: وقتُ إسفار الصبح، يقال: قد نوَّر الصبح تنويراً، والتنوير:الإنارة، والتنوير: الإسفار. ويقال : صلَّى الفجر في التنوير.
وفي:( المعجم الوسيط): استنار : أضاء. ويقال: استنار الشعبُ: صار واعياً مثقفاً، وـــ به: استمدَّ شعاعَه، وـــ عليه: ظَفِرَ به وغَلَبَهُ، ونَوَّر اللهُ قلبَه: هداه إلى الحق والخير.
ويطلق اسم النور على الهداية كما في قوله تعالى:{ اللَّه وليّ الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النور}، أي الهداية:{ أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً }، أي هداية:{ اللَّه نور السمـوات والأرض}، أي هادي أهلها.
وجاء في:( كتاب الكليات):" النور هو الجوهرُ المضيء، والنورُ من جنس واحد، وهو: النور بخلاف الظلمة ؛ إذ ما من جنسٍ من أجناس الأجرام إلا وله ظل، وظُله الظلمة، وليس لكل جرم نور، وهذا كوحدة الهدي وتعدّد الضلال، لأن الهدي سواء كان المرادُ به الإيمان أو الدين هو: واحد، أما الأول فظاهر، وأما الثاني، فلأن الدين هو: مجموعُ الأحكام الشرعية، والمجموعُ واحدٌ، والضلال متعدّدٌ على كلا التقديرين، أما على الأول، فلكثرة الاعتقادات الزائغة، وأما على الثاني، لانتفاء المجموع بانتفاء أحد الأجزاء، فيتعدّد الضلال بتعدّد الاِنتفاء".
وهذا كلام دقيق وتفصيل عميق لدلالة النور الذي منه يُشتق التنوير، ويثير الانتباه أن ما ذهب إليه:( الكفوي : 1094هـ/1683م) في كتاب الكليات، من أن النور واحد، والظلمة تتعدّد: يَتَطَابَقُ مع ما جاء في القرآن الكريم من جمع الظلمة إلى الظلمات، وإفراد النور. كما سيتبيَّن لنا في موضعه.
وجاء في:( معجم ألفاظ القرآن الكريم):" النور: المعارف والحقائقُ والدلائل التي تجلو الشك وتجلب اليقينَ في العقائد، وتنفي البلبلة والوسوسة، وعقائدَ الضلال، فليس النور أوهاماً وتخيُّلات، ولكنه حقائق ودلائل مقطوعٌ بصحتها وبسلامتها من الشك والريب، مبرأةٌ من العيوب. وهذا التعريف اللغويّ يحمل دلالةً فكريةً وثقافيةً لا ينبغي إغفالها في هذا السياق.
ثانياً:التنوير اصطلاحاً وفلسفةً:
ظهر مصطلح التنوير (enlightenment)في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا: تعبيراً عن الفكر الليبرالي البورجوازي ذي النزعة الإنسانية العقلية والعلمية والتجريبية، ويتضمن هذا الفكر نزعةً ماديةً واضحةً بعد إقصاء اللاهوت، وذلك بإحلال الطبيعة والعقل بدلاً من الفكر الغيبي الثيولوجي والخرافي في تفسير ظواهر العالم ووضع قوانينه.
والتنوير اتجاهٌ ثقافيٌّ ساد أوروبا في القرن الثامن عشر بتأثير طبقة من المثقفين من أمثال:(فولتير)، و(ديدرو)، و(كوندورسيه)، و(هولباخ)، و(بيكاريا): الذين أخذوا عن الفلاسفة العقليين: (ديكارت)، و(سبينوزا)، و(لايبنتس)، و(لوك)، والذين طبعوا القرنين السابع عشر والثامن عشر بطابعهم الثقافي، حتى أُطلق على هذه الفترة اسم عصر العقل (the age of reason)، وكان التنوير نتاجه.
ويمكن بشكل عام: تقسيم أفكار التنوير في ثلاث مجموعات تحمل عناوين : (العقل، والطبيعة، والتقدم)، وتكوّن في مجموعها الفلسفةَ الطبيعية، والأخلاق الطبيعية، وأساسها العلم، وكان الإيمان به مطلقاً كالإيمان بالعقل.
لقد نشأت فكرة التنوير: أول ما نشأت في البيئة الأوروبية إلحاديةَ المنزع، فقد كانت: روح التنوير إلحادية، بل، وشديدة العداء للكنيسة وللسلطة متمثلة في الدولة، وللخرافة وللجهل والفقر، وغَالَى التنويريون في دعوتهم للعودة بالإنسان إلى الطبيعة.
والتنوير في الفكر الأوروبي يعنى: التحرّر من التعاليم الموروثة التي تمَّ القبول بها على أساس سلطة ما، كما يعني إعادة صياغة الحياة على أساسٍ من النظر العقلي، وإرادة العمل عن طريق العقل.
ويمثّل التنوير: حركةً عقليةً أوروبيةً رأت في العقل الوجودَ الحقيقيَّ للإنسان، وسعت إلى تحرير الحضارة من الوصاية الكنسية، والنزعات الغيبية والخرافات، وآمنت بتقدم الإنسانية عن طريق البحث العلمي.
ويرجع الفضل إلى الفيلسوف الألماني:(كانت) في استخدام مصطلح التنوير كتعبير عن الحركة العقلية التي بدأت في أوروبا في القرن السابع عشر، وبلغت أوجها في القرن الثامن عشر، وقد امتدَّ تأثيره في الحضارة الأوروبية كلِّها، وفي الشعوب المتأثرة بالحضارة الأوروبية.
فالتنوير إذن كمصطلح شائع في الحياة الفكرية هو:" مصطلحٌ أوروبيٌّ النشأة والمضمون والإيحاءات"، بل إنه: عنوانٌ على نسق فكري سَادَ في مرحلة تاريخية من مراحل الفكر الأوروبي الحديث، حتى ليقال كثيراً في تقسيم مراحل هذا الفكر : "عصر التنوير"،وهذا المفكر من عصر التنوير. وهذا الفكر من أفكار عصر التنوير، أو ضد أفكار ذلك العصر.
السياق التاريخي للتنوير:
ونستطيع أن نقول: إن التنوير قضيةٌ أوروبيةٌ محضة انبثقت في المحيط الأوروبي: نتيجة ظروف كانت تسود المجتمعات الأوروبية، وكردّ فعل لهيمنة الكنيسة الغربية على الحياة العقلية والفكرية والثقافية في أوروبا. ولذلك، فإن قيام مفهوم التنوير الأوروبي على إلغاء دور الدين في الحياة: مسألةٌ طبيعية: إذا نظرنا إليها من زاوية ما كانت تمارسه الكنيسة الغربية من ضروب الاستبداد وألوان القهر، وما كانت تُشيعه من أباطيل وخرافات، وبحكم أن أوروبا كانت عهدئذ: تعيش العصور المظلمة، في حين كان العالم العربي الإسلامي يعيش ازدهاراً حضارياً واسع الإشعاع.
إن التنوير في المفهوم الغربي: كان تنويراً للقرون الوسطى المظلمة التي عاشتها أوروبا. وهنا ينبغي أن ننبه إلى أن كلمة:" القرون الوسطى المظلمة": لا تمثّلنا، ولكنها تمثّل أوروبا والغرب حين سقطت روما في القرن الرابع، وعادت النهضة في القرن الرابع عشر، أما نحن المسلمين فقد قدّمنا الضياء للإنسانية والعالم كلِّه، منذ بزوغ الإسلام في القرن السادس خلال ألف سنة كاملة.
لقد قام المسلمون في القرون الوسطى المظلمة في أوروبا بإعادة نور الحضارة والمدنية الذي كان قد انطفأ في جميع بلاد الغرب والشرق حتى القسطنطينية.
لقد كانت حركة التنوير في أوروبا: ردَّ فعلٍ طبيعي على الجبروت التي كانت السلطات الكنسية تمارسه ضد العقل والإرادة الإنسانية، وهو: وضعٌ لم تعرفه الحضارة الإسلامية، وحالةٌ لم يعشها المسلمون قط.
ولذلك، فإن:( الاستقلال بالرأي والاعتماد على العقل في تفسير الظواهر ومعرفة كنه الأشياء): اللذين مثَّلهما التنوير الأوروبي كانا:( استقلالاً عن هيمنة الفكر الكنسي، وعقلانيةً رافضة للكهنوت، وتحرّراً من صورة المسيحية الغربية التي كانت سائدة يومئذ، وتقدماً عن الأفكار التي فرضها رجال الدين في أوروبا قبل عصر التنوير، ففي مواجهة (الفعل) التي تَمَثَّل في تحالف الكنيسة والإقطاع، كان:(رد الفعل التنويري): الذي أعلن رفضه لسلطان الدين، ورفع شعاره القائل : (لا سلطان على العقل إلا للعقل).
فطغيان الكنيسة الغربية على ما كان يصحبه من قهرٍ لإرادة الإنسان، وتضييقٍ لحريته، وتزييفٍ لعقله وتضليلٍ له هو: الدافع الرئيس ــ الذي هو أقوى من كل دافع ــ لنشوء فكرة التنوير: مما يجعل من التنوير قضيةً أوروبيةً في المقام الأول، ينبغي فهمُها وبحثُها من هذا المنظور، والتعامل معها في هذا الإطار، وليس بحسبانها قضيةً إنسانيةً عالميةً تفرض نفسها على الشعوب والأمم كافة.
لقد كانت القضية في أوروبا:" واضحة المعالم، مفهومة الأدوار، منطقية التسلسل".
كانت الكنيسة في الموقف الخاطئ، سواء:( بعقيدتها المحرَّفة، وحجرها على العقل لمنع الناس من كشف ما في عقيدتها من تحريف، أو بطغيانها في جميع المجالات من طغيان روحي، وطغيان مالي، وطغيان سياسي، وطغيان علمي، أو بما وقع من الفساد بين رجال الدين، أو بفضائح الأديرة، أو بمهزلة صكوك الغفران، أو بمحاكم التفتيش، أو بوقوف الكنيسة ضد حركات الإصلاح التي تطالب برفع الظلم السياسي والاِجتماعي عن كاهل الناس)، وكان:" أحرار الفكر" أقرب إلى الصواب، في معارضتهم للكنيسة ومقولاتها على الأقل، وإن لم يكونوا على صواب في محاربة الدين كلّه من حيث المبدأ، والمناداة باستخدام العقل بديلاً من الدين، وقد منح اللَّه الناسَ العقلَ ليعرفوه به، لا، لينكروه ويتمردوا عليه.
ولذلك، فإنَّه ليس من:" الموضوعية والمنهجية العلمية في شيء": فرض المفهوم الأوروبي للتنوير على المجتمعات العربية الإسلامية، وممارسة الضغط ــ الذي يبلغ أحياناً حدّ الإرهاب الفكري ــ للعمل بمقتضى هذا المفهوم: الذي لا يمتّ بصلة إلى الفكر العربي الإسلامي، ولا يعبّر، على أي مستوى من المستويات عن مرجعيتنا الإسلامية، وخصوصيتنا الثقافية، وهويتنا الحضارية، كما سيتبيّن لنا ذلك حين نعرض للتنوير في القرآن الكريم، ثم نؤسّس على ذلك:" المفهومَ الإسلاميَّ للتنوير".
تتمة الكلام في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ :
هذا مقال لأحد الأفاضل يعالج فيه مدلول مصطلح:" التنوير من خلال التصور الإسلامي"، ذلك المصطلح الذي كثر فيه اللغط، فأنتج غلطا في دلالته ووجه الاستدلال به عند قوم استخدموه لتحقيق:" أهداف سامية في الظاهر"، لكنها تحمل:" سما زعافا في حقيقتها!!؟"، وإلى المقال:
يُطرح مصطلح التنوير في:" ساحة السجال الفكري والجدل الثقافي" بصورة تُثير قدراً كبيراً من الشكوك حول دوافع هذا الطرح وأهدافه، حيث:
" يغيب وجهُ الحق وسط ضباب كثيف من التضليل والمغالطات والدعاوى الباطلة".
ولقد ترتَّب على طرح هذا المصطلح غير المنضبط بضوابط التأصيل اللغوي والدلالة الحضارية: أن اختلطت مسألة التنوير بمسائلَ معقدةٍ، تَجَاوَزَتِ في العديد من الأحوال:" المجالَ الثقافيَّ والسياق الفكري" إلى ما هو أقرب إلى الإطار السياسي، وبذلك صار الترويج للتنوير، والتلويح به والتأكيد عليه، تعلةً تُستخدم لتحقيق أغراضٍ تبعد في أحايين كثيرة عن المسار الطبيعي الذي يتجه إليه الفكر في توجّهاته ومنطلقاته الثقافية.
لقد اختلطت المفاهيم، وشَابَ بعضَها غموضٌ: افتعلته فئةٌ من الناس الذين تعالت أصواتهم هاتفةً بالتنوير دون تحديد لمعناه، أو توضيح لغايته؛ أو شرح لمحتواه، بل بتحريفٍ متعمد لمفاهيمه، وبتزويرٍ مقصود لدلالاته ومقاصده، وبذلك تُحجب الحقيقة، ويضل الفهم، ويقع الناس في لبس عظيم.
ومما نلاحظه في هذا السياق: أن رواج مصطلح التنوير تَزَامَنَ مع اضمحلال المذاهب المادية الإلحادية، ونفوق سوقها في المجتمعات الحديثة، بما في ذلك المجتمعات العربية الإسلامية، وأن الإلحاح يشتدّ على ترويج مصطلح التنوير في زَمَنٍ يَتَصَاعَدُ فيه مدُّ العولمة ذات الهيمنة على مقدرات الشعوب، وعلى هوياتها الثقافية وخصوصياتها الحضارية.
لقد اقترن مصطلح التنوير بالتيارات الفكرية الكاسحة التي هبَّت على العالم العربي الإسلامي طوال العقد الأخير من القرن العشرين، والحدّة التي عُرف بها مصطلح التنوير في هذه المرحلة هي: أشدُّ وطأةً، وأكثر ضراوةً مما كان عليه الأمر في العقود السابقة، وإن اختلفت الصيغة التي كانت تطرح حيناً بـ :" حرية الفكر"، وحيناً آخر بـ:" الفكر الحر"، وفي أحايين أخرى بـ:" النهضة"، وذلك نظراً إلى ارتباط مفهوم التنوير الرائج اليوم، في بعض مستوياته، بالهيمنة الاستعمارية الجديدة.
ويمكن القول، ابتداءً:" إن التنوير": كلمةُ حقٍّيُراد بها باطلٌ تَسَبَّب في تضليل الرأي العام، والتشويش على الفكر المستقيم، وفي خلق بلبلة فكرية وثقافية وسياسية، أدَّت ــ ولا تزال تؤدي ــ إلى حالاتٍ من المواجهة الفكرية التي تقتضي أن تُوضّح فيها المسائل، وتقوّم المناهج، وتصحّح المفاهيم.
في تحرير مسألة التنوير :
لعلَّ من مقتضيات المنهج الذي ارتأينا اعتماده في هذه الدراسة: أن نسوقَ بين يدي الموضوع: الحديثَ في تحرير مسألة التنوير قبلَ أن ننتقل إلى تَنَاوُل مفهوم التنوير في التصوّر الإسلامي بما يقتضيه المقام من معالجة لشتى جوانبه، والخلوص إلى تبيان وجه الحق فيه.
أولاً: التنوير لغةً:
من حيث الدلالة اللغوية لمصطلح التنوير: جاء في:( لسان العرب لابن منظور): أن التنوير هو: وقتُ إسفار الصبح، يقال: قد نوَّر الصبح تنويراً، والتنوير:الإنارة، والتنوير: الإسفار. ويقال : صلَّى الفجر في التنوير.
وفي:( المعجم الوسيط): استنار : أضاء. ويقال: استنار الشعبُ: صار واعياً مثقفاً، وـــ به: استمدَّ شعاعَه، وـــ عليه: ظَفِرَ به وغَلَبَهُ، ونَوَّر اللهُ قلبَه: هداه إلى الحق والخير.
ويطلق اسم النور على الهداية كما في قوله تعالى:{ اللَّه وليّ الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النور}، أي الهداية:{ أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً }، أي هداية:{ اللَّه نور السمـوات والأرض}، أي هادي أهلها.
وجاء في:( كتاب الكليات):" النور هو الجوهرُ المضيء، والنورُ من جنس واحد، وهو: النور بخلاف الظلمة ؛ إذ ما من جنسٍ من أجناس الأجرام إلا وله ظل، وظُله الظلمة، وليس لكل جرم نور، وهذا كوحدة الهدي وتعدّد الضلال، لأن الهدي سواء كان المرادُ به الإيمان أو الدين هو: واحد، أما الأول فظاهر، وأما الثاني، فلأن الدين هو: مجموعُ الأحكام الشرعية، والمجموعُ واحدٌ، والضلال متعدّدٌ على كلا التقديرين، أما على الأول، فلكثرة الاعتقادات الزائغة، وأما على الثاني، لانتفاء المجموع بانتفاء أحد الأجزاء، فيتعدّد الضلال بتعدّد الاِنتفاء".
وهذا كلام دقيق وتفصيل عميق لدلالة النور الذي منه يُشتق التنوير، ويثير الانتباه أن ما ذهب إليه:( الكفوي : 1094هـ/1683م) في كتاب الكليات، من أن النور واحد، والظلمة تتعدّد: يَتَطَابَقُ مع ما جاء في القرآن الكريم من جمع الظلمة إلى الظلمات، وإفراد النور. كما سيتبيَّن لنا في موضعه.
وجاء في:( معجم ألفاظ القرآن الكريم):" النور: المعارف والحقائقُ والدلائل التي تجلو الشك وتجلب اليقينَ في العقائد، وتنفي البلبلة والوسوسة، وعقائدَ الضلال، فليس النور أوهاماً وتخيُّلات، ولكنه حقائق ودلائل مقطوعٌ بصحتها وبسلامتها من الشك والريب، مبرأةٌ من العيوب. وهذا التعريف اللغويّ يحمل دلالةً فكريةً وثقافيةً لا ينبغي إغفالها في هذا السياق.
ثانياً:التنوير اصطلاحاً وفلسفةً:
ظهر مصطلح التنوير (enlightenment)في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا: تعبيراً عن الفكر الليبرالي البورجوازي ذي النزعة الإنسانية العقلية والعلمية والتجريبية، ويتضمن هذا الفكر نزعةً ماديةً واضحةً بعد إقصاء اللاهوت، وذلك بإحلال الطبيعة والعقل بدلاً من الفكر الغيبي الثيولوجي والخرافي في تفسير ظواهر العالم ووضع قوانينه.
والتنوير اتجاهٌ ثقافيٌّ ساد أوروبا في القرن الثامن عشر بتأثير طبقة من المثقفين من أمثال:(فولتير)، و(ديدرو)، و(كوندورسيه)، و(هولباخ)، و(بيكاريا): الذين أخذوا عن الفلاسفة العقليين: (ديكارت)، و(سبينوزا)، و(لايبنتس)، و(لوك)، والذين طبعوا القرنين السابع عشر والثامن عشر بطابعهم الثقافي، حتى أُطلق على هذه الفترة اسم عصر العقل (the age of reason)، وكان التنوير نتاجه.
ويمكن بشكل عام: تقسيم أفكار التنوير في ثلاث مجموعات تحمل عناوين : (العقل، والطبيعة، والتقدم)، وتكوّن في مجموعها الفلسفةَ الطبيعية، والأخلاق الطبيعية، وأساسها العلم، وكان الإيمان به مطلقاً كالإيمان بالعقل.
لقد نشأت فكرة التنوير: أول ما نشأت في البيئة الأوروبية إلحاديةَ المنزع، فقد كانت: روح التنوير إلحادية، بل، وشديدة العداء للكنيسة وللسلطة متمثلة في الدولة، وللخرافة وللجهل والفقر، وغَالَى التنويريون في دعوتهم للعودة بالإنسان إلى الطبيعة.
والتنوير في الفكر الأوروبي يعنى: التحرّر من التعاليم الموروثة التي تمَّ القبول بها على أساس سلطة ما، كما يعني إعادة صياغة الحياة على أساسٍ من النظر العقلي، وإرادة العمل عن طريق العقل.
ويمثّل التنوير: حركةً عقليةً أوروبيةً رأت في العقل الوجودَ الحقيقيَّ للإنسان، وسعت إلى تحرير الحضارة من الوصاية الكنسية، والنزعات الغيبية والخرافات، وآمنت بتقدم الإنسانية عن طريق البحث العلمي.
ويرجع الفضل إلى الفيلسوف الألماني:(كانت) في استخدام مصطلح التنوير كتعبير عن الحركة العقلية التي بدأت في أوروبا في القرن السابع عشر، وبلغت أوجها في القرن الثامن عشر، وقد امتدَّ تأثيره في الحضارة الأوروبية كلِّها، وفي الشعوب المتأثرة بالحضارة الأوروبية.
فالتنوير إذن كمصطلح شائع في الحياة الفكرية هو:" مصطلحٌ أوروبيٌّ النشأة والمضمون والإيحاءات"، بل إنه: عنوانٌ على نسق فكري سَادَ في مرحلة تاريخية من مراحل الفكر الأوروبي الحديث، حتى ليقال كثيراً في تقسيم مراحل هذا الفكر : "عصر التنوير"،وهذا المفكر من عصر التنوير. وهذا الفكر من أفكار عصر التنوير، أو ضد أفكار ذلك العصر.
السياق التاريخي للتنوير:
ونستطيع أن نقول: إن التنوير قضيةٌ أوروبيةٌ محضة انبثقت في المحيط الأوروبي: نتيجة ظروف كانت تسود المجتمعات الأوروبية، وكردّ فعل لهيمنة الكنيسة الغربية على الحياة العقلية والفكرية والثقافية في أوروبا. ولذلك، فإن قيام مفهوم التنوير الأوروبي على إلغاء دور الدين في الحياة: مسألةٌ طبيعية: إذا نظرنا إليها من زاوية ما كانت تمارسه الكنيسة الغربية من ضروب الاستبداد وألوان القهر، وما كانت تُشيعه من أباطيل وخرافات، وبحكم أن أوروبا كانت عهدئذ: تعيش العصور المظلمة، في حين كان العالم العربي الإسلامي يعيش ازدهاراً حضارياً واسع الإشعاع.
إن التنوير في المفهوم الغربي: كان تنويراً للقرون الوسطى المظلمة التي عاشتها أوروبا. وهنا ينبغي أن ننبه إلى أن كلمة:" القرون الوسطى المظلمة": لا تمثّلنا، ولكنها تمثّل أوروبا والغرب حين سقطت روما في القرن الرابع، وعادت النهضة في القرن الرابع عشر، أما نحن المسلمين فقد قدّمنا الضياء للإنسانية والعالم كلِّه، منذ بزوغ الإسلام في القرن السادس خلال ألف سنة كاملة.
لقد قام المسلمون في القرون الوسطى المظلمة في أوروبا بإعادة نور الحضارة والمدنية الذي كان قد انطفأ في جميع بلاد الغرب والشرق حتى القسطنطينية.
لقد كانت حركة التنوير في أوروبا: ردَّ فعلٍ طبيعي على الجبروت التي كانت السلطات الكنسية تمارسه ضد العقل والإرادة الإنسانية، وهو: وضعٌ لم تعرفه الحضارة الإسلامية، وحالةٌ لم يعشها المسلمون قط.
ولذلك، فإن:( الاستقلال بالرأي والاعتماد على العقل في تفسير الظواهر ومعرفة كنه الأشياء): اللذين مثَّلهما التنوير الأوروبي كانا:( استقلالاً عن هيمنة الفكر الكنسي، وعقلانيةً رافضة للكهنوت، وتحرّراً من صورة المسيحية الغربية التي كانت سائدة يومئذ، وتقدماً عن الأفكار التي فرضها رجال الدين في أوروبا قبل عصر التنوير، ففي مواجهة (الفعل) التي تَمَثَّل في تحالف الكنيسة والإقطاع، كان:(رد الفعل التنويري): الذي أعلن رفضه لسلطان الدين، ورفع شعاره القائل : (لا سلطان على العقل إلا للعقل).
فطغيان الكنيسة الغربية على ما كان يصحبه من قهرٍ لإرادة الإنسان، وتضييقٍ لحريته، وتزييفٍ لعقله وتضليلٍ له هو: الدافع الرئيس ــ الذي هو أقوى من كل دافع ــ لنشوء فكرة التنوير: مما يجعل من التنوير قضيةً أوروبيةً في المقام الأول، ينبغي فهمُها وبحثُها من هذا المنظور، والتعامل معها في هذا الإطار، وليس بحسبانها قضيةً إنسانيةً عالميةً تفرض نفسها على الشعوب والأمم كافة.
لقد كانت القضية في أوروبا:" واضحة المعالم، مفهومة الأدوار، منطقية التسلسل".
كانت الكنيسة في الموقف الخاطئ، سواء:( بعقيدتها المحرَّفة، وحجرها على العقل لمنع الناس من كشف ما في عقيدتها من تحريف، أو بطغيانها في جميع المجالات من طغيان روحي، وطغيان مالي، وطغيان سياسي، وطغيان علمي، أو بما وقع من الفساد بين رجال الدين، أو بفضائح الأديرة، أو بمهزلة صكوك الغفران، أو بمحاكم التفتيش، أو بوقوف الكنيسة ضد حركات الإصلاح التي تطالب برفع الظلم السياسي والاِجتماعي عن كاهل الناس)، وكان:" أحرار الفكر" أقرب إلى الصواب، في معارضتهم للكنيسة ومقولاتها على الأقل، وإن لم يكونوا على صواب في محاربة الدين كلّه من حيث المبدأ، والمناداة باستخدام العقل بديلاً من الدين، وقد منح اللَّه الناسَ العقلَ ليعرفوه به، لا، لينكروه ويتمردوا عليه.
ولذلك، فإنَّه ليس من:" الموضوعية والمنهجية العلمية في شيء": فرض المفهوم الأوروبي للتنوير على المجتمعات العربية الإسلامية، وممارسة الضغط ــ الذي يبلغ أحياناً حدّ الإرهاب الفكري ــ للعمل بمقتضى هذا المفهوم: الذي لا يمتّ بصلة إلى الفكر العربي الإسلامي، ولا يعبّر، على أي مستوى من المستويات عن مرجعيتنا الإسلامية، وخصوصيتنا الثقافية، وهويتنا الحضارية، كما سيتبيّن لنا ذلك حين نعرض للتنوير في القرآن الكريم، ثم نؤسّس على ذلك:" المفهومَ الإسلاميَّ للتنوير".
تتمة الكلام في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.









