ليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنا
08-04-2016, 05:43 PM
ضمت الدمية إلى صدرها كما تصنع والدة عطوف مع وليدها...كانت ضمة طويلة و موغلة في الطول.
قبلت سعاد لعبتها في حنو ثم أمسكت مشطا قد علقت به بقايا شعر أشقر.
في حركة وديعة راحت تمشط شعر الدمية الذهبي و الكثير التموج...جمعته في ضفيرتين طويلتين...سعاد في هذه اللحظة بادية الغبطة و الفرح و الارتياح.
إنها تحضن من حين لآخر لعبتها الأثيرة إلى قلبها ...إنها هدية من عمتها يوم عيد ميلادها المنصرم منذ أيام وفجأة أسلمت خيالها الخصب للذكريات الوردية...
ذلك اليوم المطير المشرب برائحة الغيوم العذبة و التي يعانقها عطر الزنابق المتسلل عبر نوافذ البيت...كان عيدا حافلا بالأحداث اللذيذة. و الحدث الأجمل و الأروع لذة هو تلك الهدية الباهرة...في ذلك اليوم قبلتها عمتها في حنان و الدموع تترقرق في مآقيها قائلة – ها هي لعبتك بنيتي و أتمنى لك طول العمر –
ليلتها أوت سعاد إلى فراشها باكرا و الفرحة تغمرها...ضيفة جميلة ستقاسمها فراشها الدافئ. و قبل أن تخلد إلى النوم الهنيء قررت أن تطلق على دميتها اسم "لينا" و سرعان ما همست في أذنها البلاستيكية الباردة - ليلة سعيدة يا طفلتي لينا –
هنا في هذه الغرفة الموحشة تقبع سعاد بين جدران باهتة تختزن جميع كآبة الكون...تابعت تمشيط شعر لعبتها في رفق. و ما لبثت أن ألبستها منامتها الصغيرة الحمراء.
سعاد حاكت تلك المنامة بأناملها الرقيقة في يومين...كانت المحاولتان الأولى و الثانية فاشلتين و سرعان ما مزقت سعاد المنامتين الأولى و الثانية. فشكلهما يدعو للتندر و الضحك...
أما المحاولة الثالثة فقد كانت ناجحة و أثمرت هذه المنامة الأنيقة ذات اللون الأحمر الداكن. يومها صفق أهل الدار بحرارة لهذا الانجاز الباهر و أثنوا على سعاد الثناء الحسن...
و ضعت سعاد دميتها إلى جانبها على الفراش مثل الرضيع. خاطبتها هامسة كأنها تجتهد ألا تطرد النعاس عنها – حبيبتي لينا لقد أزفت ساعة النوم ،أتمنى لك أحلاما لذيذة –
قبلت سعاد دميتها بين عينيها ثم هرعت بخفة إلى المصباح لإطفائه...زمجر الريح غاضبا خارج الغرفة و أوشك أن يقتلع زجاج النوافذ... ظهر الاستياء على ملامح سعاد و للتو ضاعفت الغطاء فوق لعبتها لينا مخافة أن يتسلل إليها لسع البرد...
و سرعان ما تطرق النوم في تؤدة إلى جفني سعاد و راحت تغط في سبات عميق. كان الليل طويلا يحفه الصمت المطبق مثل دأب ليالي الشتاء السرمدية...
سيو-سيو-سيو غردت أسراب السنونو معلنة تلاشي ذلك الرداء القاتم الذي توشح السماء لساعات طوال.
و آن لضوء الفجر أن يعانق الأغصان و البيوت و الأشياء جميعا...انتبهت سعاد على الرائحة المميزة التي يحملها الصباح معه . و غازل النشاط جسمها الضئيل...
خارج البيت دوى صوت غريب عن المكان- بيب-بيب-بيب- توقفت سيارة إسعاف بيضاء اللون تحمل في خجل على أحد أبوابها هذه الكلمات "مستشفى الأمل للمتخلفين عقليا "...
نزل ممرضان من المركبة و في أثرهما رجل أنيق اللباس. قدم صاحبنا نفسه لأهل البيت قائلا- أنا الطبيب .أين المريضة من فضلكم لقد جئنا لاصطحابها إلى المستشفى-
أجاب الوالد في تأثر بالغ – ستكون بين يديك في لحظات سيدي- و هنا كفكف الأب دموعه دون أن يثير الانتباه.
سأل الطبيب الوالد و راح يدون على دفتر ضخم – اسم المريضة و لقبها و سنها-
يجيب الوالد – سعاد كريم و سنها أربعون عاما-
مضت دقائق طويلة كما الأعوام...وسط تجهم سكان الدار و استيائهم غادرت المركبة المكان و هي تحمل في جوفها سعاد و دميتها تتدلى بين يديها.
:1 3: