يوميات من دخــــــــــــــان
09-04-2016, 09:29 PM
.gif)
هشت السيدة العجوز للقائي ...خطت الشيخوخة تضاريسها بضراوة على جبينها الوضيء لتحيل ملامحها إلى ملحمة من الأخاديد المتقاطعة في إصرار. رمت إلي بالمفاتيح و هي تتفرسني بعينها الثاقبة مثل عين الصقر. قالت أخيرا - بيت مناسب في المكان المناسب. أتمنى أن تروقك الإقامة هنا – أجبت و أنا أقلب بصري المجهد في أرجاء البيت
– لم نتفق بعد على مبلغ الكراء يا سيدتي –
ردت العجوز مقاطعة و هي تبتسم بخبث – سأدع لك مهمة تحديد المبلغ. أنا طوع أمرك و أكيد لن نختلف-
- اتفقنا إذن ، انت سيدة طيبة – ...تأملتني مليا و أردفت
- يقول الشاعر، قم للمعلم وفه التبجيلا..كاد المعلم أن يكون رسولا. و نحن في بلدتنا نوقر العلم و المعلمين-
استهوتني ثقافة العجوز و أدبها الجم. ثم ودعتها شاكرا...
لطالما عشقت الريف و أهله ،لقد جئت من مدينتي الصاخبة . هناك حيث الناس و الجلبة و الضجر و الزحام تصنع يوميات تلك المدينة..يوميات متقلبة كما الطقس لا يكاد يصفو و يستقيم حتى تساوره الغيوم المتلبدة و يكسر صمته قصف الرعود و هطول المطر.
شاء القدر أن يقذف بي إلى هذه البلدة الموغلة في البعد عن مسقط رأسي التماسا للقمة العيش...الدعة و السكينة هما رأسمال هذه البلدة.
لا صخب و لا أدخنة و لا غبار...بل طبيعة أسرة و خضرة ناضرة و شمس متألقة و بلابل على أفنانها ينطلق بك شدوها الصداح إلى عوالم حفت بالهيام و التأمل و التصوف أحيانا...
تلك هي ميزة الريف السعيد.
(طق.طق.طق) هرعت فورا إلى فتح باب مسكني الجديد...أطلت العجوز مجددا ،ربما نسيت أن تقول شيئا...خلف جسدها الناحل استهواني مشهد عمود من الدخان الأبيض ينطلق في شموخ و إباء من البيت المقابل. أحسست بدفء يتسلل بين عروقي المتجمدة لمنظر ذلك الدخان المتصاعد في هدوء..قطعت علي المرأة نشوتي قائلة – نسيت أن أدعوك للعشاء . أنت ضيفنا الليلة –
- أشكر لك هذا السخاء. سأكون في الموعد –
عند الظهيرة أسلمت بقاياي إلى السرير. كنت مرهقا اليوم...
كان المسكن متواضع البناء و متواضع الأثاث ،النافذة الوحيدة مشرعة...و عمود الدخان الأبيض هناك لا يزال في عناقه الأزلي لزرقة السماء.
كان ناصع البياض مثل ذلك الدخان الذي يرسله الرهبان في كنيسة الفاتيكان عندما ينتخبون البابا الجديد...
و سرعان ما تطرق النوم إلى جفني المنهكين...كانت إغفاءة مطولة تلاشى معها ما ترسب في جسدي من إرهاق.
استفقت عصرا . شعرت بنشاط مفاجئ وألقيت نظرات خاطفة إلى درس الغد. سوف يكون اللقاء الأول مع التلاميذ...
مهمة شاقة تتربص بي و تجربة يحفها الشوك و تحدق بها مجاهل مخيفة...
رميت ببصري خارج هذه الجدران المقفرة . يا له من مشهد غريب و مختلف...كانت مدخنة ذلك البيت تلفظ دخانا أحمرا هذه المرة..البيت نفسه يدعو إلى التأمل . حجارته عتيقة كأنها استمدت من القرون الوسطى..و نوافذه موصدة دائما...
راقني عشاء المرأة العجوز كثيرا...
– أكيد أنك لم تتذوق طبق الباذنجان هذا من قبل صحيح؟؟- قالت و هي تجمع أطباق العشاء.
أجبت و أنا أوقد سيجارة لزوجها – ممتن لك سيدتي . انه طبق رائع-
قاطعني الزوج قائلا – لقد غرسته بيدها ،و تعهدته بالسقي و الرعاية لفترة طويلة-
انتهت السهرة..و دعت تلك الأسرة و هرعت إلى مسكني و آويت في الحين إلى مخدعي...درس الغد سيكون حاسما في مساري المهني. إما النجاح و التسديد و أما الفشل الذريع ..
(سيو..سيو..سيو) أيقظني تغريد تلك البلابل و انتشلني بصعوبة من بحر مخملي من الأحلام الرقيقة..أصلحت هندامي و أغلقت باب المسكن...
شدتني تلك المدخنة مرة أخرى. دخان كثيف يعانق تلك الغيوم التي أخذت تتوالد في كبد السماء. غريب أمر هذا الدخان ...كان لونه أخضرا هذه المرة...
لم أكترث مطولا للأمر. و مضت الأيام متثاقلة ،لقد صرت لا أحتاج إلى حمل ساعتي اليدوية ..كانت ألوان الدخان هي الساعة التي أضبط بها مواعيدي. دخان أخضر في الصبيحة و دخان أبيض عند الظهيرة و دخان أحمر بعد العصر...و مع برودة الشتاء التي تلسع الأبدان في صمت صرت أجد لذة في ترقب تلك الأدخنة المنبثقة من المدخنة. شيء ما يشعرني بالدفء و الأمان و الصبر...
استيقظت هذا الصباح ...مثل العادة فتحت نافذتي لأشم هذا النسيم الصباحي الأخاذ. انتشت رئتي ترحيبا و احتفاءا به ...رمقت تلك المدخنة..لا أصدق؟؟ لقد أمسكت اليوم عن لفظ الأدخنة بألوانها الثلاثة.
لم أحفل بالأمر كثيرا فربما أصحاب البيت غائبون لبعض شأنهم...استمر إضراب المدخنة أياما متوالية...لقد أصبحت عاقرا و غير ولود... و حزنت لأمرها كثيرا و توشحني الإحباط ليوم كامل...
سألت العجوز يوما و قد رأيت نفرا من الناس قابعون أمام ذلك البيت
– سيدتي من هؤلاء ؟-
- إنها الحكومة جاءت لتزيل ذلك البيت من أجل توسعة الطريق العام-
نطقت ذاهلا - و لكن...أين سيقيم سكان ذلك البيت ؟-
قالت العجوز في تأثر – انه مسكن سي فارس. بيت مهجور منذ سنوات طويلة-
أردفت العجوز في شرود كأنها سافرت إلى ذكرى كئيبة
- سي فارس تزوج ثلاث مرات و قد كانت نهاية كل زواج سعيد طلاق بائس..تقدمت به السن و عاش وحيدا . و ذات يوم وجده الجيران جثة هامدة أمام موقد المنزل -
من مواضيعي
0 حوريــــــــة
0 على سفح الجبل
0 قنـــــــــــــــــــــــاص الميتــــرو
0 محاولة أخيـــــرة
0 لعــــــــــــــــــــبة الدومينو
0 سي بهلـــــول
0 على سفح الجبل
0 قنـــــــــــــــــــــــاص الميتــــرو
0 محاولة أخيـــــرة
0 لعــــــــــــــــــــبة الدومينو
0 سي بهلـــــول
التعديل الأخير تم بواسطة أبو المجد مصطفى ; 09-04-2016 الساعة 09:32 PM











