خيبة البـــــــــــــــــــــــواب
16-04-2016, 08:08 AM
خيبة البواب

جلس البواب يرتشف قهوة المساء و هو يرمق السيارات التي يئن بها هذا الشارع الصاخب دوما...
هنا يتعانق العرق و الدخان و الجلبة و الكتل البشرية فتحيل المكان و الزمان إلى مشهد مسرحي يتابعه ذلك البواب بكل التفاصيل .
كان العم زيدان – و هو الاسم الذي كنا ندعوه به - بواب العمارة و حارسها الأمين ،فهو يعرف قاطنيها فردا فردا ...
بل يعرف أقاربهم و أصدقائهم أيضا.. وقد أمضى الرجل سنوات موغلة في الطول من عمره في ذلك الموضع و بات موضع إكبار و تقدير الكبار و الصغار جميعا...
أخذت مقعدي إلى جوار البواب . كنت آنس بحلاوة حديثه و جمال معشره و دماثة أخلاقه ...
ناولني فنجان قهوة مضمخة بعطر زهرة الليمون .. رنوت إلى تلك التجاعيد التي توشحت جبين الرجل و قرأت بين التواءاتها مروءة أهل الريف و طيبتهم .
سألته ذات مرة : منذ متى قدمت من قريتك إلى هذه المدينة الرحيبة الصاخبة؟
أجاب الرجل مبتسما و كان ذلك دأبه دوما : منذ أكثر من عشرين سنة أو يزيد...
و صمت الكهل كأنما يعتصر ذاكرته و ينبش بين صفحات تاريخ موغل في الطول...
و قال : قبل هذا كنت في القرية مع شقيقي الأكبر أقاسمه المسكن و المتجر،و حين طالبته بنصيبي في أموال التجارة ماطلني و التوى علي بالمال ثم طردني و أهلي من المسكن .
فلم أجد بدا من الضرب في الأرض و التماس عمل و بيت يأويني ،ووجدتني في هذه المدينة حارسا لهذه العمارة.
لكنني قاطعته مغضبا : ما الذي حملك على أن تذعن لطيش أخيك؟ و لماذا لم تشتكي به و تسترد حقك و حق بنيك ؟.
تطلع الكهل إلى العصافير المحلقة فوق الشجرة السامقة عند الرصيف المقابل و هي تكاد تعانق سقف السماء الصقيل و تتمتع بمذاق زرقته الأزلي ...
و قال :لست من طينة الرجال الذين يكثرون الشكاة و يستسيغون ارتياد المحاكم و إثارة الخصومة...
سيو..سيو..سيو..أمعنت العصافير في طيرانها و عبثها حول الشجرة المورقة.
تلك الشجرة شامخة كالطود ..
و قلت للبواب : و ما أخبار و لدك حسان فقد أطال المكث هناك في المهجر ؟.
كان الكهل لا يزال بصره متسمرا على الشجرة و أطيارها و رد : عشرة أعوام كأنها قرون أنفقها في تلك البلاد البعيدة دارسا للهندسة ،لكن ما يمعن في إيلامي و وحشتي هو انقطاع رسائله منذ فترة طويلة.
توقفت دراجة نارية أمامنا و فزع البواب إلى سائقها بعد أن استأذنني . تبادل الرجلان حوارا طويلا...ثم جاءني يحمل رسالة في يده بعد أن ودع السائق بحرارة...
قال لي البواب و قد أشرق وجهه بالسعادة : سي أحمد أنت رجل مبارك و فأل خير. هذه رسالة من ولدي حسان أسألك أن تقرأها لي.
سعدت كثيرا لفرحة هذا الرجل الطيب . إن سعادته بلا ريب تفوق فرحة تلك العصافير التي تقفز على أفنان تلك الشجرة الودود ...
قرأت الرسالة في روية و البواب يرمقني بعينين يتلألأ بينهما الفرح و الحبور حينا و الترقب و الرجاء و الإشفاق من المجهول حينا آخر .
قلت : أبشر يا عم زيدان إن ولدك قد نال شهادة الهندسة و سوف يكون بين أحضانك قريبا.
و هنا تزاحمت أدمع الفرحة في مآقي الرجل و أخذ يشكرني بكل مفردات الثناء و الشكر...
و جلست إليه كعادتي بعد أيام نحتسي فناجين القهوة التي تجيد زوجه إعدادها ... فجأة قطع علي نشوة استمتاعي بنكهة تلك القهوة الفاخرة و نطق يصوت محزون: أنظر إلى تلك الشجرة ،لقد هجرتها العصافير اليوم على غير العادة..
أدهشتني ملاحظته النفاذة و أجبته : مثلها كمثل الأم المرتاعة لفقد أبناءها في يوم عاصف مطير .
قال الرجل متأثرا و كأنني لمست و ترا آلمه : أتدري كم أشتاق للقاء حسان ؟ بل إن البكاء يغالبني أحيانا لولا أن أتحلى بالصبر و أواسي النفس بأن حسان هناك من أجل الدرس و التحصيل و سرعان ما يؤوب إلى موطنه و إلي .
في هذا الحين كانت تلك الشجرة تتهادى مستسلمة لريح هينة أخذت للتو تغازل الأوراق الشاحبة أملا في أن ترد إليها الحياة.
و هممت بالحديث..(بيب...بيب...بيب...بيب) وقفت سيارة فارهة تبهر الألباب . و انتصب البواب كعادته حين يقرع سمعه منبه السيارات...
و راح يتفرس في هوية الشخص الذي يقود المركبة ،و حدق في ملامحه و أمعن في التحديق حتى أدهشني أمره .ثم أفرج بعد لأي عن صيحة ضج لها المكان : من؟ ولدي حسان ؟ مرحبا بك يا قرة عيني.
و هرع إلى فتح باب السيارة و نزل شاب وسيم الطلعة و أنيق الثياب ،و راح الوالد يقبل ولده في سرور و سعادة عارمين و أخذ يتلمس شعره و وجهه و يديه ...
لكن قسمات الشاب كانت كالجليد البارد يكتنفها التبلد و الشرود . فالولد لم يحفل قط باحتفاء الأب و سروره العارم...
قال الولد بعد أن تطلع إلى البواب مليا : أما زلت قابعا أمام هذه العمارة تحرسها مذ تركتك ؟؟؟.
وقف الكهل ذاهلا أمام هذا الاستقبال الجاف و هذه الرعونة غير المتوقعة...
قال و قد تبددت البسمة من وجهه مثلما يتلاشى النهار أمام غزو الليل :أجل يا بني لا زلت بوابا ،و بفضل راتبي الزهيد أتيح لك أن تدرس هناك في المهجر.
قال المهندس في ازدراء قاتل و هو يركب سيارته الفارهة : أرجو منك أن تتخلى قريبا عن هذه الحرفة البغيضة . فأنا أكره أن يعلم صحبي أن والدي بواب.
التعديل الأخير تم بواسطة أبو المجد مصطفى ; 16-04-2016 الساعة 02:40 PM