تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > منتدى الأدب > منتدى القصة القصيرة

> عمـــــــــــــــــــــــــود النـــــور

 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
أبو المجد مصطفى
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 28-03-2016
  • المشاركات : 191
  • معدل تقييم المستوى :

    11

  • أبو المجد مصطفى is on a distinguished road
أبو المجد مصطفى
عضو فعال
عمـــــــــــــــــــــــــود النـــــور
22-04-2016, 07:50 AM
التحفت المدينة الليل بعد صخب طويل. خيم سواد قاتم فوق الأماكن و الأشياء. رائحة المطر الممتعة تغشى الأزقة و الدروب و كل الميادين الرحيبة...
بعد الأصيل فقط أرسلت الغيوم زخات سخية من الغيث فوق أسطح المدينة.
القطط المتشردة تجوب الشوارع الخالية التماسا لوجبة عشاء بين تلك القمامات المتناثرة. هذه الوجبة ضرورية لتهدئة بركان الجوع الذي يحرق بطونها...
أعمدة الإنارة في هذا الشارع الطويل تعد على الأصابع. واحد اثنان ...خمسة فقط.
عمود واحد فقط كان يرسل نورا باهتا يحاكي ضوء شمعة من تلك الشموع التي يوقدها الرهبان في الكنائس و الأديرة.
أما ما تبقى من أعمدة فقد ابتلعها ظلام دامس يوشك أن يؤدي الأبصار. .. تحت ذلك النور الباهت قبع طفل منكب على الكتابة و المطالعة. يؤنس وحشته كتاب و قلم و دفتر و مساطر.
يغطي جسده الناحل قميص مهترئ و تبان أصفر و قدماه الصغيرتان حافيتان... من الشباك المقابل انبعث فجأة صوت قوي أوشك أن يوقظ الأموات من قبورهم:
- راااااااااااااااااااااااابح. لقد انتصف الليل أمسك عن المذاكرة وادخل إلى البيت فورا –
ترنح الولد في مجلسه كأنه استفاق من حلم لذيذ و تمتم بصوت خفيض :
- لحظات و سوف أصعد إلى البيت يا أبتي –
لملم رابح أوراقه و كتبه و أقلامه . أغمض عينيه في ألم و تراءت له في المخيلة زوج أبيه بملامحها البغيضة و هي تزجره منذ قليل :
- البيت ضيق جدا و نريد أن ننام فلا تضايقنا . أخرج إلى الشارع و طالع دروسك –
ذلك المنزل الوضيع يقبع في الطابق السادس. يضم حجرة نوم و مطبخ و دورة مياه...يربط المنزل بالفضاء الخارجي شباك صغير مهشم الزجاج…الأب و الزوجة و أبناءها كانوا يرقدون في حجرة واحدة. أما الصبي فكان يفترش بلاط المطبخ البارد..
عمود النور هذا هو ملاذه الجميل و الواحة الوادعة الرؤوم التي يجد عندها السكينة و الدعة و الصمت. بعيدا عن ضوضاء البيت و جفاء تلك المرأة الشرسة...
والده كان سائق قطارات في شركة السكك الحديدية. في العام الفائت كاد أن يفقد ساقه تحت سكة القطار لولا لطف الأقدار...يغادر البيت فجرا و لا يلفظه القطار سوى قبيل المغرب.
ولج رابح المطبخ على أطراف أصابعه كي لا يحدث جلبة توقظ تلك المرأة الكريهة. استلقى على فراش مهلهل قد يصلح للمواشي فقط...أخمد النور و أسلم مخيلته إلى شريط سرمدي من الذكريات و الأفكار المتصارعة.
وجه والدته الملائكي لا يمكن أن تمحوه الأزمنة من تضاريس خياله...قالت له ذات يوم على سرير المرض و هي تقاوم مخالب السرطان:
- سوف تفترق أجسادنا قريبا يا رابح. لكن أرواحنا ستبقى مجتمعة إلى الأبد –
تدحرجت أدمع دافئة على وجنة الصبي حين تذكر ذلك الموقف المأساوي . داء السرطان البغيض كان ينهش جسد المرأة شيئا فشيئا...يومها قبل جبينها الشاحب و ضغط على أناملها المثلجة و هتف بصوت مجروح :
- سوف أتعلم و أدرس و أمسي رجلا مهما . أعدك يا حبيبتي –
لقد كان والده حملا وديعا في حضور زوجته المتغطرسة. يقف إلى جانبها دائما و لا يحفل بمشاعر الصبي...
كان رابح يألم لتلك الحقيقة المرة. و ما يزيد في وجعه أنه لا يجد سبيلا إلى اقتحام هذه المعادلة الصعبة و حلها كما يحل تلك المعادلات الرياضية التي يزدحم بها دفتره...
منذ وفاة أمه شعر أن ستارا من حديد نبت فجأة بينه و بين أبيه. و أحس أن وجوده في هذا المنزل البائس هو مشكلة المشكلات.
تلك المرأة تجمعت في قلبها قساوة الجبال و صلابتها... تطلقت من أربعة رجال من قبل. ثم ساقها القدر إلى هذا البيت لتمسي زوجة أبيه و تصبح ربة المنزل و الآمرة الناهية فيه. و الجميع يجب أن يقدم فروض الطاعة و الولاء طوعا أو كرها...
أبوه أنجب منها ولدان . لكن رابح كان في الدرجة الأخيرة لاهتمامات تلك المرأة. لقد كانت تؤذيه أكثر مما تخدمه...
التحف الصبي أوجاعه في صمت و تسلل النوم إلى جفنيه رويدا رويدا ليسحبه بعيدا عن جلبة البيت و صخب العالم و أذى تلك المرأة البغيضة...
مع ولادة صباح جديد كان رابح يختال مثل إمبراطور في ساحة المدرسة. هذا المكان هو فردوسه الحقيقي و ملاذه الدافئ و مدفن أوجاعه و آلامه...
في الليل التهم لقيمات بين أخويه . ثم احتمل جسده الطري و بعض دفاتر الدراسة و سرعان ما التحق بالشارع كما العادة...
تأمل عمود النور باحترام شديد . و فجأة لاح البشر و التفاؤل على سحنته البريئة و أرسل ابتسامة تشبه ضوء القمر.
كانت السعادة الغامرة تتألق فوق جبينه حين تأمل أعمدة النور الأخرى. كانت ترسل أضواء قوية استحال معها هذا الشارع المظلم إلى بقعة فسيحة تتلألأ فيها أنوار ساطعة من كل مكان...
و راح رابح يحسب بصوت يقرع الآذان :
- سعيد يجلس تحت العمود الثاني. خالد تحت العمود الثالث . كريم تحت العمود الرابع و فيصل تحت العمود الخامس -
  • ملف العضو
  • معلومات
mohamed yakon
زائر
  • المشاركات : n/a
mohamed yakon
زائر
رد: عمـــــــــــــــــــــــــود النـــــور
22-04-2016, 03:41 PM
جميع قصصك الصغيرة جميلة و معبرة و انسانية الى ابعد الحدود كلها دون استثناء . الكثير منا و انا ( يحسدونك) على ملكة الكتابة لديك . بالمناسبة قصصك ذات مستوى عال , هل نشرتها في كتاب او حاولت ذلك . تحياتي ...
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية مي بلقيس
مي بلقيس
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 20-12-2015
  • المشاركات : 301
  • معدل تقييم المستوى :

    11

  • مي بلقيس is on a distinguished road
الصورة الرمزية مي بلقيس
مي بلقيس
عضو فعال
رد: عمـــــــــــــــــــــــــود النـــــور
22-04-2016, 08:15 PM
رائعة من جميع النواحي
لغتك العربية ثرية أما الوصف والتصوير ماذا أقول
لقد أخذتني قصتك بعيدا

ما شاء الله
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 04:30 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى